والتدليس قسمان:
أحدهما ان يروى عمن لقيه ما لم يسمعه، او يروى عمن عاصره ولم يلقه موهما انه سمع منه.12
فمن الاول رواية مقاتل عن الكلبي ما لم يسمعه منه. ومن الثاني رواية مقاتل عن مجاهد مع انه لم يلق مجاهدا. واما القسم الثاني من التدليس: فهو الإتيان باسم الشيخ او كنيته على خلاف المشهور به تعمية لأمره وتوعيرا للوقوف على حاله.13
وقد اكثر مقاتل من التدليس، فادعى انه سمع من الضحاك ولم يسمع منه.
وادعى ان الباب كان يغلق عليه مع الضحاك، وهو يقصد باب المدينة او باب المقابر.
قال عبد الرزاق: سمعت ابن عيينة يقول قلت لمقاتل تحدث عن الضحاك وزعموا انك لم تسمع منه؟ قال: كان يغلق على وعليه الباب.
قال ابن عيينة: قلت فى نفسي اجل باب المدينة «14». وقال عبد الرزاق: كنا عند مقاتل بن سليمان، فمر سفيان الثوري فقام الناس عنه فاستحييت فجلست عنده فقلت: قال ابن عيينة: انك تحدث عن الضحاك وهم يقولون انك لم تسمع منه! قال: لقد كان يغلق على وعليه باب.
قال عبد الرزاق، فقلت فى نفسي: اجل باب المدينة «15». وقال سفيان بن عيينة كنا عند مقاتل بن سليمان فقيل له سمعت من الضحاك؟ قال: ربما اغلق على وعليه باب.
قال سفيان ينبغي ان يكون اغلق عليهما باب المدينة.
وفى رواية قال سفيان قلت فى نفسي كان يغلق عليه وعلى الضحاك باب المقابر وهو على ظهر الأرض فى تلك المدينة.
فمقاتل يدعى انه سمع من الضحاك وان الباب اغلق عليهما.
ولكن الرواة ينفون هذا ويذكرون ان مقاتلا لم يلق الضحاك، بل ذهب جويبر ابن سعيد الى ان الضحاك مات ومقاتل صبي صغير «16». وذهب ابراهيم الحربي الى ان الضحاك مات قبل ان يولد مقاتل بأربع سنين «17».
وقد ناقشنا عددا من هذه الآراء عند تحديد السنة التي ولد فيها مقاتل. ورغم ان الرواة ضعفوا جويبر، وان رواية ابراهيم الحربي مرفوضة لمخالفتها للواقع، الا ان عبد الرزاق بن همام المحدث المفسر الثقة أخبرنا ان الضحاك لم يلق مقاتلا.18
وروى عن ابن عيينة ذلك، وأول إغلاق الباب على مقاتل والضحاك بانه باب المدينة او باب المقابر. فإذا اغلق باب المدينة على مقاتل والضحاك ومقاتل بين الاحياء والضحاك بين الأموات- كان هذا هو التعريض الذي عرض به مقاتل، وهو تدليس عند أئمة الحديث. وهناك تدليس اقرب الى الكذب اثر عن مقاتل من ذلك انه كان يحدث الناس عن الكلبي فقال: أخبرني ابو النضر يعنى الكلبي. فمر به الكلبي فدنا منه وقال: يا أبا الحسن انا الكلبي وما حدثت بهذا الحديث قط. فقال: اسكت يا أبا النضر، فان تزيين الحديث لنا انما هو بالرجال.19
وكان مقاتل يسال عن الحديث فيقول أخبرني به ابو جعفر- او فلان- وبعد ايام يسال عنه فيقول أخبرني به الضحاك، فإذا سئل عنه بعد ذلك قال أخبرني به عطاء.20
وقال عبد الصمد بن عبد الوارث قدم علينا مقاتل بن سليمان فجعل يحدثنا عن عطاء، ثم حدثنا بتلك الأحاديث عن الضحاك، ثم حدثنا بها عن عمرو بن شعيب، فقلنا ممن سمعتها؟ قال: منهم كلهم. ثم قال: لا والله لا أدرى ممن سمعتها. قال: ولم يكن بشيء.21
وإزاء ما نقلنا عن مقاتل، وما هو شبيه به مما نجده فى كتب التراجم.22
نرى ان مقاتلا المحدث ساقط القيمة، متروك الحديث، رغم علمه الواسع، وثناء الائمة عليه فى التفسير.
قال ابو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله (احمد بن حنبل) يسال عن مقاتل ابن سليمان فقال: (كانت له كتب، ينظر فيه، الا انى ارى انه كان له علم بالقرآن «23». وقال صالح بن احمد بن حنبل: (قال ابى: ما يعجبني ان اروى عنه شيئا) «24».
5-