مقاتل من الزيدية
قال ابن النديم فى الفهرست: (مقاتل بن سليمان من الزيدية والمحدثين والقراء).1
وإذا قرانا تفسير مقاتل رأينا دلائل متعددة على انه كان شيعيا زيديا. والشيعة الزيدية اقرب فرق الشيعة الى الجماعة الاسلامية، فلم تغل فى معتقداتها، ولم ترفع الائمة الى مرتبة الإله، ولا الى مرتبة النبيين. وامام الزيدية زيد بن على بن الحسين، خرج على هشام بن عبد الله بالكوفة، فقتل وصلب بكناسة الكوفة.2
## وقوام مذهب الزيدية ما يأتي: 1- ان الامام منصوص عليه بالوصف لا بالاسم، وأوصاف الامام التي قالوا انه لا بد من وجودها حتى يكون اماما يبايعه الناس هي كونه: فاطميا، ورعا، عالما، سخيا، يخرج داعيا لنفسه.
2- انه تجوز امامة المفضول، فكان هذه الصفات عندهم للإمام الأفضل الكامل، وهو بها اولى من غيره فان اختار أولو الحل والعقد فى الامة اماما لم يستوف بعض هذه الصفات وبايعوه، صحت إمامته ولزمت بيعته، وبنوا على ذلك الأصل صحة امامة الشيخين: ابى بكر وعمر رضى الله عنهما، وعدم تكفير الصحابة ببيعتهما، فكان الامام زيد يرى: (ان على بن ابى طالب أفضل الصحابة الا ان الخلافة فوضت الى ابى بكر لمصلحة راوها وقاعدة دينية رعوها، من تسكين ثائرة الفتنة، وتطبيب قلوب العامة فان عهد الحروب التي جرت فى ايام النبوة كان قريبا، وسيف امير المؤمنين عليه السلام على دماء المشركين لم يجف، والضغائن فى صدور
القوم من طلب الثار كما هي، فما كانت القلوب تميل اليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، وكانت المصلحة ان يكون القيام بهذا الشان لمن عرفوا باللين والتودد، والتقدم بالسن، والسبق فى الإسلام، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم).3
3- ومن مذهب الزيدية جواز خروج إمامين فى قطرين مختلفين فى وقت واحد بحيث يكون كل واحد منهما اماما فى قطره الذي خرج فيه، ما دام متحليا بأوصاف الامامة. 4- ويعتقد الزيديون بان مرتكب الكبيرة مخلد فى النار ما لم يتب توبة نصوحا. وقد اقتبسوا هذه المقالة من المعتزلة، لان زيدا رحمه الله كان ينتحل نحلة المعتزلة. ولما قتل زيد بايع الزيديون ابنه يحيى، فلما قتل هو ايضا، بويع بعده محمد الامام، وابراهيم الامام، فقتلهما ابو جعفر المنصور، ولم ينتظم امر الزيدية بعد ذلك، ومالوا عن القول بامامة المفضول، ثم أخذوا يطعنون فى الصحابة كسائر الشيعة، فذهبت عنهم بذلك اولى خصائصهم.4
## تشيع مقاتل أسلفنا ان مقاتلا كان شيعيا زيديا، ونضيف هنا ان تشيعه كان مقصورا على تفضيل الامام على كرم الله وجهه على سائر الصحابة، وان مظهر هذا التشيع فى تفسيره كان هو تخصيص الامام ببعض آيات المدح والثناء فى القرآن، ولو كانت عباراتها عامة تشمله وغيره. وإليك نماذج من تفسير مقاتل تدل على تشيعه: فى الآية 71 من سورة التوبة يقول الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ قال مقاتل: يعنى المصدقين والمصدقات بتوحيد الله، يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.5
وفى الآية 25 من سورة الأنفال يقول الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً قال مقاتل:
تكون من بعدكم مع علي بن أبي طالب، (لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، فقد أصابتهم يوم الجمل، منهم طلحة والزبير.6
وفى الآية 18 من سورة السجدة يقول الله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ. ويذهب مقاتل الى ان المراد بالمؤمن هنا على بن ابى طالب.7
والمراد بالفاسق الوليد بن عقبة بن ابى معيط بن بنى امية، أخو عثمان بن عفان من امه.8
وفى ختام تفسير سورة الأنفال أورد مقاتل عددا من الآثار فى مدح على رضى الله عنه.9
وفى الآية 55 من سورة المائدة يقول الله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ. ويقول مقاتل فى تفسيرها:.. خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى باب المسجد، فإذا هُوَ بمسكين قَدْ خرج من المسجد وَهُوَ يَحْمَد اللَّه عَزَّ وَجَلّ، فدعاه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ له: هَلْ أعطاك أحد شيئًا؟ قَالَ: نعم يا نَبِيّ اللَّه، قَالَ: من أعطاك؟ قَالَ الرَّجُل القائم أعطاني خاتمه، يعني عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رضوان اللَّه عَلَيْه. فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى أَيّ حال أعطاكه؟ قَالَ: أعطاني وَهُوَ راكع، فكبر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَالَ: الحمد للَّه الَّذِي خص عليا بهذه الكرامة. فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ: وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ.10
وفى اسباب النزول للواحدي ان هذه الآية نزلت فى على بن ابى طالب.
بيد ان الرواية فى ذلك عن الكلبي وهو ممن لا يوثق بروايته وفيها: (ثُمّ إن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج الى المسجد والناس بين قائم وراكع، فنظر سائلا فَقَالَ: هَلْ أعطاك أحد شيئًا؟ قَالَ نعم خاتم من ذهب، قال: من أعطاكه؟ قال: ذلك القائم، وأومأ بيده الى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: على اى حال أعطاك؟ قَالَ: أعطاني وَهُوَ راكع، فكبر النَّبِيّ صَلَّى الله عليه وسلم،
ثم قرا «وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ».11
وفى لباب النقول للسيوطي ان الآية الماضية نزلت فى على بن ابى طالب. قال السيوطي: اخرج الطبراني فى الأوسط بسند فيه مجاهيل عن عمار بن ياسر... انها نزلت فى على. وله شاهد قال عبد الرازق حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس.. أنها نزلت فى على بن ابى طالب. وروى ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس مثله واخرج ايضا عن على مثله. واخرج ابن جرير عن مجاهد وابن ابى حاتم عن سلمة بن كهيل مثله، فهذه شواهد يقوى بعضها بعضا).12
وقد جاء فى تفسير المنار قوله: (يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) اى خاضعون لأمر الله، طيبة نفوسهم بامره، لا خوفا ولا رياء ولا سمعة، او يعطونها وهم فى ضعف ووهن، لا يأمنون الفقر والحاجة، فاستعمل الركوع فى المعنى النفسي لا الحسى... ويقال فى مجاز الركوع: ركع الرجل: انحطت حاله وافتقر، قال الشاعر: ولا تهين الفقير علك ان تر... كع يوما والدهر قد رفعه وجاء فيه ايضا: (وفسره بعضهم بركوع الصلاة وهو الانحناء فيها، ورووا من عدة طرق انها نزلت فى امير المؤمنين على المرتضى كرم الله وجهه إذ مر به سائل وهو فى المسجد فأعطاه خاتمه. ولكن التعبير عن المفرد ب (الَّذِينَ آمَنُوا) وعن إعطاء الخاتم ب (يُؤْتُونَ الزَّكاةَ) مما لا يقع فى كلام الفصحاء من الناس، فهل يقع فى المعجز من كلام الله، على عدم ملاءمته للسياق).13
وفى تفسير الآية التالية- وهي الآية 60 من سورة المائدة- يقول الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ.
ويقول السيد رشيد رضا فى تفسير المنار: (وقد استدلت الشيعة بالآية على ثبوت امامة على بالنص بناء على ما روى من نزول الآية فيه وجهلوا الولي فيها بمعنى المتصرف فى امور الامة.
وقد بينا ضعف
كون (لفظ) المؤمنين فى الآية يراد به شخص واحد، وعلمنا من السياق ان الولاية هاهنا ولاية النصر، لا ولاية التصرف والحكم، إذ لا مناسبة له فى هذا السياق، وقد رد عليهم الرازي وغيره بوجوه. وهذه المجادلات ضارة غير نافعة، فهي التي فرقت الامة وأضعفتها، فلا نخوض فيها. ولو كان فى القرآن نص على الامامة لما اختلف الصحابة فيها، ولاحتج به بعضهم على بعض، ولم ينقل ذلك).14
وأخيرا نقول: ان فى تفسير مقاتل ما يؤيد انه كان شيعيا زيديا، غير ان تشيعه مقصور على تفضيل على رضى الله عنه، ولم يؤثر فى تفسيره جميعه ما يخرجه عن التشيع المحمود الى التطرف المذموم.
بل نقول جازمين ان تفسير مقاتل ليس فيه من مظاهر التشيع الا تفضيل على وليس فيه اكثر من هذا.
والعيب الذي يمكن ان يوجه الى مقاتل فى ذلك ينحصر فى أمرين: أولهما: ان الآية قد تكون فى جميع المؤمنين فيقصرها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وثانيهما: ان الروايات التي تنسب فضلا خاصا لعلي وآل بيته قد تكون واهية، لكنه مع ذلك يقبلها ويفسر بها الآية.
ويلحق بهذا إيثاره بعض الروايات على روايات أصح منها، لان الاولى تنسب الى على فضلا لم تنسبه الثانية.
من ذلك ما أورده مقاتل فى أول سورة التوبة حين قال: لما نزلت براءة بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق على حج الناس، وبعث معه ببراءة من أول سورة براءة إلى تسع آيات، فنزل جبريل فقال يا محمد إنه لا يؤدي عنك إلا رجل منك، ثم تبعه على بن ابى طالب فأدركه بذي الخليفة، على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها منه...15 ورجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله نزل فى شيء؟ فقال: (لا ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدى عنك الا أنت او رجل منك).16
وقد أورد ابن كثير فى تفسيره رواية مقاتل هذه وفى اسنادها: قال عبد الله ابن احمد بن حنبل حدثنا محمد بن سليمان حدثنا لوين حدثنا محمد بن جابر عن سماك عن حنش عن على رضى الله عنه.
وساق الرواية.
قال ابن كثير: (هذا اسناد فيه ضعف)17، وقال الامام احمد: حدثنا عفان حدثنا حماد عن سماك عن انس بن مالك رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ببراءة مع ابى بكر فلما بلغ ذا الخليفة قال: (لا يبلغها الا انا او رجل من اهل بيتي) فبعث بها مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال ابن كثير: (رواه الترمذي فى التفسير عن بندار عن عفان وعبد الصمد، كلاهما عن حماد بن سلمة به، ثم قال: حسن غريب من حديث انس رضى الله عنه).