معاني هذه الفواتح
عدد السور التي بدئت بهذه الفواتح تسع وعشرون سورة، كلها من القسم المكي الذي عنى بتقرير التوحيد والرسالة والبعث، ما عدا سورتي البقرة وآل عمران فهما مدنيتان، تضمنتا مناقشة اهل الكتاب.
وليس لهذه الفواتح فى اللغة العربية معان مستقلة، ولم يرد من طريق صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان للمراد منها.
بيد انه قد اثرت عن السلف آراء متعددة فى معاني هذه الفواتح.
وهذه الآراء على كثرتها ترجع الى رأيين اثنين: أحدهما: انها جميعا مما استأثر الله به، ولا يعلم معناه احد سواه، وهذا راى كثير من الصحابة والتابعين.1
وثانيها: ان لها معنى، وقد ذهبوا فى معناها مذاهب شتى: 1- فمنهم من قال انها اسماء للسور التي بدئت بها2، او ان كلا منها علامة على انتهاء سورة والشروع فى اخرى. 2- ومنهم من قال انها رموز لبعض اسماء الله تعالى او صفاته، فنسب الى ابن عباس فى (كهيعص) ان الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء من العزيز والصاد من المصور. ونسب اليه اشارة الى: كاف، هاد، أمين، عالم، صادق، وروى عنه فيها ايضا: كبير، هاد، أمين، عزيز، صادق.3
وروى عن الضحاك فى معنى، الر: انا الله ارفع.4
3- ومنهم من قال انها قسم اقسم الله به5، لبيان شرف هذه الحروف وفضلها، إذ هي مباني كتابه المنزل على رسوله.
4- ومنهم من قال ان المقصود منها هو تنبيه السامعين وايقاظهم.
5- ومنهم من قال: ان المقصود منها سياسة النفوس المعرضة عن القرآن واستدراجها الى الاستماع اليه.
والمعروف ان اعداء الإسلام فى صدر الدعوة كانوا يتواصون بعدم الاستماع للقرآن ويقولون: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
فلما أنزلت السور المبدوءة بحروف الهجاء، وقرع اسماعهم ما لم يألفوا، التفتوا، وإذا هم امام آيات بينات استهوت قلوبهم، واستمالت عقولهم، فآمن من أراد هدايته، وشارف الايمان من شاء الله تأخيره، وقامت الحجة فى وجه الطغاة المكابرين.6
6- ومنهم من ذهب الى ان هذه الحروف ذكرت للتحدي وبيان اعجاز القرآن وان الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن مع انه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.7
وفى هذا دلالة على انه ليس من صنع بشر، بل تنزيل من حكيم حميد.
وقد لاحظ اصحاب هذا الرأي ان فواتح السور مكونة فى جملتها من اربعة عشر حرفا هي نصف حروف الهجاء، كما انها حوت فوق ذلك من كل جنس من الحروف نصفه فقد حوت نصف الحروف المهموسة8، ونصف المجهورة9، ونصف الشديدة10، ونصف الرخوة11، ونصف المطبقة12، ونصف المنفتحة.13
«وقال القاضي ابو بكر: انما جاءت على نصف حروف المعجم، كأنه قيل: من زعم ان القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي، ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن. وقد علم ذلك بعض ارباب الحقائق».14
والرأي الأخير قد انتصر له الزمخشري (ت 538، هـ) فى كشافه أتم انتصار، ومال اليه ابن كثير (ت 774 هـ) فى مقدمة تفسيره15وضعف ما عداه، ونقل ابن كثير عن بعضهم انه لخص فى هذا المقام كلاما فقال: (لا شك ان هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى، ومن قال من الجهلة ان فى القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطا كبيرا، فتعين ان لها معنى فى نفس الأمر، فان صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، والا وقفنا حيث وقفنا وقلنا (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا)
، ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وانما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، والا فالوقف حتى يتبين).16
وقريب من هذا ما ذهب اليه ابن قتيبة (المتوفى سنة 276 هـ) : (من ان الله لم ينزل شيئا من القرآن الا لينفع به عباده، ويدل به على معنى اراده. ثم يقول ابن قتيبة: وبعد. فانا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه الا الله، بل أمروه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة فى أوائل السور).17
## مقاتل يرى انها من حساب الجمل ذهب مقاتل الى انها حروف من حساب الجمل. (وذَكَر مُقَاتِلٌ حساب الجمل فَقَالَ: يبدأ بحروف ابى جاد).18
ثم ذكر جميع الحروف الابجدية، والحقها بعد ابى جاد.
فالالف بواحد والباء باثنين والجيم بثلاثة والدال باربعة وهكذا.. الى القاف والراء بمائتين.
وهكذا الى الغين بألف كما ستراه فى الجدول الآتي: الحرف/ قيمته فى حساب الجمل/ الحرف/ قيمته فى حساب الجمل/ الحرف/ قيمته فى حساب الجمل ا/ 1/ ك/ 20/ ر/ 200 ب/ 2/ ل/ 30/ ش/ 300 ج/ 3/ م/ 40/ ت/ 400 د/ 4/ ن/ 50/ ث/ 500 هـ/ 5/ س/ 60/ خ/ 600 و/ 6/ ع/ 70/ ذ/ 700 ز/ 7/ ف/ 80/ ض/ 800 ح/ 8/ ص/ 90/ ظ/ 900 ط/ 9/ ق/ 100/ غ/ 1000 ى/ 10