متشابه الصفات عند مقاتل
متشابه الصفات او آيات الصفات هي الآيات المشكلة التي وردت فى شان الله تعالى، كالآيات التي أضافت الوجه واليد والعين الى الله مثل: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ7، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ8، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي.9
وقد كان منهج مقاتل سليما فى تفسيره لبعض آيات الصفات فلم يخرج عن طريقة السلف او طريقة الخلف.
لكن تفسيره لبعضها الآخر يشعر بالتجسيم والتشبيه.
فقد فسر الاستواء والعرش تفسيرا ماديا فى قوله تعالى
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى10، فذكر ان الله استقر فوق العرش، والاستقرار انما يكون بعد اضطراب سابق، وتحديد الفوقية يستلزم التحيز والجسمية، والتجزؤ والحركة، وغيرها من اعراض الحدوث.
والثابت بالادلة القطعية ان الله تعالى ليس جسما، ولا متحيزا، ولا متجزئا، ولا متركبا، ولا محتاجا لأحد، ولا الى مكان او زمان.
وقد جاء القرآن بهذا فى محكم آياته إذ يقول تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ11ويقول: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.12
## الرأي السديد فى متشابه الصفات علماؤنا أجزل الله مثوبتهم- قد اتفقوا على ثلاثة امور تتعلق بهذه المتشابهات ثم اختلفوا فيما وراءها.
فأول ما اتفقوا عليه هو صرفها عن ظواهرها المستحيلة، واعتقاد ان هذه الظواهر غير مرادة للشارع قطعا.
وثانيه انه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين، ويرد طعن الطاعنين.
وثالثه ان المتشابه ان كان له تاويل واحد يفهم منه فهما قريبا، وجب القول به اجماعا، وذلك كقوله سبحانه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ13فان الكينونة بالذات مع الخلق مستحيلة قطعا. وليس لها بعد ذلك الا تاويل واحد، هو الكينونة معهم بالاحاطة علما وسمعا وبصرا وقدرة وارادة.14
## ثلاثة مذاهب فى متشابه الصفات واما اختلاف العلماء فيما وراء ذلك فقد وقع على ثلاثة مذاهب: المذهب الاول مذهب السلف، ويسمى مذهب المفوضة (بكسر الواو) وهو تفويض معاني هذه المتشابهات الى الله وحده، بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة.
والمذهب الثاني مذهب الخلف، ويسمى مذهب المؤولة (بتشديد الواو وكسرها).
وهم فريقان: فريق يؤولها بصفات سمعية غير معلومة على التعيين ثابتة له تعالى، زيادة على صفاته المعلومة لنا بالتعيين.
وينسب هذا الى ابى الحسن الأشعري.
وفريق يؤولها بصفات او بمعان نعلمها على التعيين، فيحمل اللفظ الذي استحال ظاهره من هذه المتشابهات على معنى يسوغ لغة، ويليق بالله عقلا وشرعا، وينسب هذا الرأي الى ابن برهان15، وجماعة من المتأخرين.
والمذهب الثالث مذهب المتوسطين، وقد نقل السيوطي هذا المذهب فقال: (وتوسط ابن دقيق العيد فقال: إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر، او بعيدا توقفنا عنه، وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به، مع التنزيه.
وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف، كما فى قوله تعالى: يَا حَسْرَتى عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ16فنحمله على حق الله وما يجب له).17
(ومنشأ الخلاف بين السلف والخلف هو انه: هل يجوز ان يكون فى القرآن شيء لا يعلم معناه؟ فعند المفوضة يجوز، ولهذا منعوا التأويل، واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله. وعند المؤولة لا يجوز ذلك بل الراسخون يعلمونه).18
وقد سار مقاتل فى تفسيره على انه لا متشابه فى القرآن تمتنع معرفته الا اخبار الغيب، كصفة الآخرة وأحوالها، فمنهجه فى ذلك موافق لراى ابن قتيبة (فى ان الله لم ينزل شيئا من القرآن الا لينفع به عباده، ويدل به على معنى اراده).19