[سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 96]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (2) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (3) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (26) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36) عُرُباً أَتْراباً (37) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (72) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)
[سورة الواقعة1] سورة الواقعة مكية عددها ست2وتسعون آية كوفى.3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ- 1- يعني إذا وقعت الصيحة وهي النفخة الأولى لَيْسَ لِوَقْعَتِها يعنى ليس لصيحتها كاذِبَةٌ- 2- أنها كائنة ليس لها مثنوية ولا ارتداد خافِضَةٌ يقول أسمعت القريب، ثم قال: رافِعَةٌ- 3- يقول أسمعت البعيد، فكانت صيحة يعني فصارت صيحة واحدة، أسمعت القريب والبعيد.
قال أبو محمد: قال الفراء عن الكلبي: «خَافِضَةٌ» قوما إلى النار «ورَافِعَةٌ» قوما إلى الجنة.
وقال غيره: «خَافِضَةٌ» أسمعت أهل الأرض، «ورَافِعَةٌ» أسمعت أهل السماء، ثم قال: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا- 4- يعنى إذا زلزلت الأرض زلزلها يعني رجا شدة الزلزلة لا تسكن حتى تلقى كل شيء في بطنها على ظهرها، يقول.
إنها تضطرب وترتج لأن [180 ب] زلزلة الدنيا لا تلبث حتى تسكن وزلزلة الآخرة لا تسكن وترنج كرج الصبي في المهد حتى ينكسر كل شيء عليها من جبل، أو مدينة، أو بناء، أو شجر، فيدخل فيها كل شيء خرج منها من شجر أو نبات، وتلقى ما فيها من الموتى، والكنوز على ظهرها، قوله: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا- 5- يعنى فتتت الجبال فتا فَكانَتْ يقول فصارت بعد القوة والشدة، عروقها في الأرض السابعة السفلى، ورأسها فوق الأرض العليا، من الخوف هَباءً مُنْبَثًّا- 6- يعني الغبار الذي تراه في الشمس
إذا دخل من الكوة فى البيت، والمنهث الذي ليس بشيء والهباء المنثور الذي يسطع من حوافر الخيل من الغبار، قال عبد الله بذلك، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ مُقَاتِلٍ عن الحارث، عن علي- عليه السلام.
ثم قال- عز وجل-: وَكُنْتُمْ في الآخرة أَزْواجاً ثَلاثَةً- 7- يعني أصنافا «ثلاثة1»، صنفان في الجنة، وصنف في النار، ثم أخبر عنهم فقال: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ- 8- يقول ما لأصحاب اليمين من الخير والكرامة فى الجنة وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ- 9- يقول ما لأصحاب المشأمة من الشرفى جهنم، ثم قال: وَالسَّابِقُونَ إلى الأنبياء منهم أبو بكر وعلي- «رضي الله عنهما2» - «هم3» السَّابِقُونَ- 10- إلى الإيمان بالله ورسوله من كل أمة، هم السابقون إلى الجنة، ثم أخبر عنهم فقال: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ- 11- عند الله- تعالى- فى الدرجات والفضائل «فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ»4- 12-، ثم قال يعني السابقين ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ- 13- يعنى جمعا من الأولين، يعنى سابقي الأمم الخالية، وهم الذين عاينوا الأنبياء- عليهم السلام- فلم يشكوا فيهم طرفة عين فهم السابقون.
فلما نزلت وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ- 14- يعني أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- فهم أقل من سابقي الأمم الخالية، ثم ذكر ما أعد الله للسابقين من الخير
في جنات النعيم، فقال: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ- 15- كوضن الخرز في السلك، يعني بالموضون السرر وتشبكها مشبكة أوساطها بقضبان الدر والياقوت والزبرجد مُتَّكِئِينَ عَلَيْها يعني على السرر عليها الفرش مُتَقابِلِينَ- 16- إذا زار بعضهم بعضا يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ يعني غلمان لا يكبرون مُخَلَّدُونَ- 17- لا يموتون بأيدى الغلمان أكواب يعني الأكواب العظام من فضة المدورة الرءوس ليس لها عرى ولا خراطيم وَأَبارِيقَ من فضة في صفاء القوارير، فذلك قوله في «هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ.1.. » : «... كانَتْ قَوارِيرَا، قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ.2.. » ثم قال [181 أ] : وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ- 18- يعني من خمر «جار3»، وكل معين في القرآن فهو «جار4» غير الذي في «تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ.5.. » : يعنى به زمزم، «... إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ6» يعنى7ظاهرا تناله «الدلاء8»، وكل شيء
في القرآن كأس فهو الخمر لا يُصَدَّعُونَ عَنْها فتوجع رءوسهم وَلا يُنْزِفُونَ1- 19- بها وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ- 20- يعني يختارون من ألوان الفاكهة وَلَحْمِ طَيْرٍ يعني من لحم الطير مِمَّا يَشْتَهُونَ- 21- إن شاءوا شواء، وإن شاءوا قديدا كل طير ينعت نفسه لولى الله- تعالى- وَحُورٌ عِينٌ- 22- يعني البيضاء العيناء حسان الأعين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ- 23- فشبههم في الكن كأمثال اللؤلؤ المكنون في الصدف المطبق عليه، لم تمسه الأيدي، ولم تره الأعين، ولم يخطر على قلب بشر، كأحسن ما يكون هذا الذي ذكر لهم في الآخرة جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ- 24- فى الدنيا لا يَسْمَعُونَ فِيها يعني في الجنة لَغْواً وَلا تَأْثِيماً- 25- يقول لا يسمع في الجنة بعضهم من بعض «لغوا» يعني الحلف «وَلا تَأْثِيماً» يعني كذبا عند الشراب كفعل أهل الدنيا إذا شربوا الخمر إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً- 26- يعني كثرة السلام من الملائكة نظيرها في الرعد... «... وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ.2.. »، ثم قال: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ «مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ»3- 27- يقول ما لأصحاب اليمين من الخير، ثم ذكر ما أعد الله لهم من الخير فى الآخرة، فقال: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ- 28- يعني الذي لا شوك له كسدر أهل الدنيا وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ- 29- يعني المتراكب بعضه فوق بعض، نظيرها
«... لَها طَلْعٌ1نَضِيدٌ» يعني المنضود وَظِلٍّ مَمْدُودٍ- 30- دائم لا يزول لا شمس فيه كمثل ما يزول الظل في الدنيا وَماءٍ مَسْكُوبٍ- 31- «يعني منصبا كثيرا2» وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ- 32- لا مَقْطُوعَةٍ عنهم أبدا هي لهم أبدا في كل حين وساعة وَلا مَمْنُوعَةٍ- 33- يقول ولا يمنعونها ليست لها خشونة ألين من الزبد وأحلى من العسل وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ- 34- فوق السرر بعضها فوق بعض على قدر سبعين غرفة من غرف الدنيا إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً- 35- يعني ما ذكر من الحور العين قبل ذلك فنعتهن في التقديم يعني «نشأ3» أهل الدنيا العجز الشمط يقول خلقهن في الآخرة خلقا بعد الخلق الأول في الدنيا فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً- 36- يعني شوابا كلهن على ميلاد واحد بنات ثلاث وثلاثين سنة عُرُباً أَتْراباً- 37- يقول هذا الذي ذكر لِأَصْحابِ الْيَمِينِ- 38-، ثم أخبر عنهم فقال: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ- 39- «يعني جمع4» من الأولين يعني الأمم الخالية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ- 40- يعني أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- «فإن أمة5محمد أكثر» أهل الجنة وهم سابقو الأمم الخالية [181 ب] ومقربوها.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابن عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «6إِنَّ أَهْلَ الجنة مائة وعشرون صفا فأمة محمد
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَمَانُونَ صَفًّا، وَسَائِرُ الأُمَمِ أَرْبَعُونَ صَفًّا، «وَسَابِقُو الأُمَمِ وَمُقَرَّبُوهَا1» أَكْثَرُ من سابقي هذه الأمة ومقربيها، ثم قال: وَأَصْحابُ الشِّمالِ مَا أَصْحابُ الشِّمالِ- 41- يقول ما لأصحاب الشمال من الشر، ثم ذكر ما أعد لهم في الآخرة من الشر، فقال: هم فِي سَمُومٍ يعني ريحا حارة تخرج من الصخرة التي في جهنم فتقطع الوجوه وسائر اللحوم، ثم قال: وَحَمِيمٍ- 42- يعني الحار الشديد الذي قد انتهى حره وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ- 43- نظيرها فى المرسلات يعني ظلا أسود كهيئة الدخان يخرج من جهنم، فيكون فوق رءوسهم وهم في السرادق ثلاث فرق، فذلك قوله: «انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ2» وهي في السرادق، وذلك قوله في الكهف أيضا: «... أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها.3.. » فيقيلون تحتها من حر السرادق فيأخذهم فيها الغثيان، وتقطع الأمعاء في أجوافهم والسرادق عنق يخرج من لهب النار فيدور حول الكفار، ثم يخرج عنق آخر من الجانب الآخر فيصل إلى الآخر فيحيط بهم السرادق، فذلك قوله: «... أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها... »، «وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ» رءوسهم ثلاث فرق فيقيلون فيها قبل دخولهم جهنم، فذلك قوله في الفرقان: «أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ» في الجنة مع الأزواج «خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا4» من مقيل الكفار في السرادق، تحت ظل من يحموم، ثم نعت الظل فقال: لا بارِدٍ المقيل وَلا كَرِيمٍ- 44- يعني ولا حسن المنزل، ثم نعت أعمالهم التي
أوجب الله- عز وجل- لهم بها ما ذكر من النار فقال: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ- 45- يعني منعمين في ترك أمر الله- تعالى- وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ- 46- يعني يقيمون على الذنب الكبير وهو الشرك، نظيرها في آل عمران «... وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا.1.. » يعنى ولم يقيموا، وقال فى سورة نوح: «... وَأَصَرُّوا.2.. » يعني وأقاموا، وفي سورة الجاثية «... ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً.3.. » يعنى ثم يقيم متكبرا، يقيمون على الذنب العظيم وهو الشرك4، وَكانُوا مع شركهم يَقُولُونَ فى الدنيا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ- 47- أَوَببعث آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ- 48- تعجبا، يقول الله- تعالى-: قُلْ لهم يا محمد إِنَّ الْأَوَّلِينَ يعني الأمم الخالية وَالْآخِرِينَ- 49- يعني أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يعني إلى وقت يَوْمٍ مَعْلُومٍ- 50- في الآخرة، ثم ذكر طعامهم وشرابهم في الآخرة، فقال: ثُمَّ إِنَّكُمْ يا أهل مكة أَيُّهَا الضَّالُّونَ عن الهدى يعني المشركين، ثم قال: الْمُكَذِّبُونَ- 51- بالبعث [183 أ] لقولهم أو يبعث آبائنا الأولين؟ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ- 52- فَمالِؤُنَ مِنْهَا يعني من طلعها وثمرها الْبُطُونَ- 53- فَشارِبُونَ عَلَيْهِ يعني على الأكل مِنَ الْحَمِيمِ- 54- يعني الشراب الحار الذي قد انتهى حره
فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ- 55- يعنى بالهيم الإبل يأخذها داء يقال له الهيم، فلا تروى من الشراب، وذلك أنه يلقى على أهل النار العطش كل يوم مرتين حتى يشربوا الشراب الهيم هَذَا الذي ذكر من الزقوم والشراب نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ- 56- يعني يوم الحساب نَحْنُ خَلَقْناكُمْ ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون فَلَوْلا يعنى فهلا تُصَدِّقُونَ- 57- بالبعث، ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ- 58- يعني النطفة الماء الدافق أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ بشرا أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ- 59- له، بل نحن نخلقه نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يموت صغيرا، ومنكم من يموت كبيرا، أو يموت شابا، أو شيخا، أو يبلغ أرذل العمر، ثم خوفهم فقال: وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ- 60- يعني بمعجزين إن أردنا ذلك عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ على أن نخلق مثلكم أو أمثل منكم وَنُنْشِئَكُمْ يعنى ونخلقكم سوى خلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ - 61- من الصورة وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى يعنى الخلق الأول حين خلقتم مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مضغة، ولم تكونوا شيئا فَلَوْلا يعني فهلا تَذَكَّرُونَ- 62- في البعث أنه قادر على أن يبعثكم، كما خلقكم أول مرة ولم تكونوا شيئا أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ- 63- أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ- 64- يعنى نحن الحافظون يقول أنتم تنهتونه أم نحن المنبتون له ولَوْ نَشاءُ إذا أدرك وبلغ لَجَعَلْناهُ حُطاماً يعني هالكا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ- 65- يعني تعجبون وقلتم إِنَّا لَمُغْرَمُونَ- 66- «يعني»1إنا لمولع بنا الغرم، ولقلتم «بل حرمنا2» خيرها
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ- 67- أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ- 68- أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ يعنى من السحاب أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ- 69- لَوْ نَشاءُ بعد العذوبة جَعَلْناهُ أُجاجاً يعني مالحا مرا من شدة الملوحة فَلَوْلا يعني فهلا تَشْكُرُونَ- 70- رب هذه النعم فتوحدونه حين سقاكم ماء عذبا أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ- 71- يعني توقدون من الشجر والحجارة والقصب «إلا العناب1» أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ يعني خلقتم شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ- 72- يعني الخالقون نَحْنُ جَعَلْناها هذه النار التي في الدنيا تَذْكِرَةً لنار جهنم الكبرى وَهي مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ- 73- يعني متاعا للمسافرين لمن كان بأرض فلاة وللأعراب فَسَبِّحْ يقول اذكر التوحيد بِاسْمِ رَبِّكَ يا محمد الْعَظِيمِ- 74- يعني الكبير فلا أكبر منه فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ- 75- يعني بمساقط «النجوم من القرآن»2كله أوله وآخره في ليلة القدر نزل من اللوح المحفوظ من السماء السابعة [182 ب] إلى السماء الدنيا إلى السفرة، وهم الكتبة من الملائكة نظيرها في «عبس وتولى»3: «بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ4» ثم عظم5القسم فقال: «وَإِنَّهُ6» لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ- 76-
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ- 77- أقسم بأنه قرآن كريم، ثم قال في «حم السجدة» : «... وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ»1كرمه الله وأعزه، فقال هذا القرآن: فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ- 78- يعني مستور من خلقه، عند الله في اللوح المحفوظ عن يمين العرش لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ- 79- لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب، وهم الملائكة السفرة في سماء الدنيا، ينظر إليه الرب- جل وعز- كل يوم، ثم قال: هذا القرآن تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- 80- أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ يعني القرآن أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ- 81- يعني تكفرون، مثل قوله: «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ2» وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ- 82- وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- غزا أحياء من العرب في حر شديد، ففنى ما كان عند الناس من الماء، فظمئوا ظمأ شديدا، ونزلوا على غير ماء، فقالوا: يا رسول الله، استسق لنا.
قال: فلعل إذا استسقيت فسقيتم «تقولون3» هذا نوء كذا وكذا قالوا: يا رسول الله، قد ذهب «خبر4» الأنواء، فتوضأ النبي- صلى الله عليه وسلم- وصلى ثم دعا ربه فهاجت الريح وثارت سحابة فلم يلبثوا حتى غشيهم السحاب ركاما فمطروا مطرا جوادا حتى سالت الأودية فشربوا وسقوا وغسلوا ركابهم وملئوا5أسقيتهم، فخرج النبي- صلى الله عليه وسلم- فمر على رجل وهو يغرف بقدح من الوادي وهو يقول: هذا نوء كذا
وكذا.
فكان المطر رزقا من الله فجعلوه للأنواء ولم يشكروا نعمة الله- تعالى- «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ» «يعني المطر بالأنواء1» أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، يقول أنا رزقتكم فلا تكذبون وتجعلونه للأنواء، ثم وعظهم فقال: فَلَوْلا يعني فهلا إِذا بَلَغَتِ هذه النفس الْحُلْقُومَ- 83- يعنى التراقي وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ- 84- إلى أمري وسلطاني وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ يعنى ملك الموت وحده إذا أتاه ليقبض روحه وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ- 85-، ثم قال: فَلَوْلا يعني فهلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ- 86- يعني غير محاسبين، نظيرها في فاتحة الكتاب «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ2» يعني يوم الحساب، وقال في «أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ3» يعني بالحساب، وقال في الذاريات: «وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ4» يعني الحساب لكائن، وقال أيضا في الصافات: «... أَإِنَّا لَمَدِينُونَ5» [183 أ] يعني إنا لمحاسبون.
تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- 87- فَأَمَّا إِنْ كانَ هذا الميت مِنَ الْمُقَرَّبِينَ- 88- عند الله في الدرجات والتفضيل، يعني ما كان فيه لشدة الموت وكربه فَرَوْحٌ يعني فراحة وَرَيْحانٌ يعني الرزق فى الجنة بلسان حمير وَجَنَّةُ نَعِيمٍ- 89- وَأَمَّا إِنْ كانَ هذا الميت مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ- 90- فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ- 91- يقول سلم الله ذنوبهم وغفرها
فتجاوز عن سيئاتهم وتقبل حسناتهم وَأَمَّا إِنْ كانَ هذا الميت مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بالبعث الضَّالِّينَ- 92- عن الهدى فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ- 93- يعني الحار الشديد الذي قد انتهى حره وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ- 94- يقول ما عظم من النار إِنَّ هَذَا الذي ذكر للمقربين وأصحاب اليمين، وللمكذبين الضالين لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ- 95- لا شك فَسَبِّحْ يقول فاذكر بِاسْمِ رَبِّكَ بالتوحيد، ثم قال: «ربك» يا محمد الْعَظِيمِ- 96- فلا شيء أكبر1منه، فعظم الرب- جل جلاله- نفسه.