[سورة المجادلة (58) : الآيات 1 الى 22]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (4) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)
[سورة المجادلة1] سورة المجادلة مدنية عددها «اثنتان»2وعشرون آية كوفى.3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ يعني تكلمك فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي يعني وتضرع إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما يعني خولة، امرأة أوس بن الصامت، والنبي- صلى الله عليه وسلم- إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ تحاوركما بَصِيرٌ- 1- وذلك أن خولة بنت ثعلبة بن مالك بن أحرم الأنصاري، من بني عمرو بن عوف بن الخزرج، كانت حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة في صلاتها، فلما انصرفت أرادها زوجها فأبت عليه، فغضب فقال: أنت علي كظهر أمي، واسمه أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت ابن قيس بن أحرم الأنصاري فأتت خولة النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالت: إن زوجي، يا رسول الله، تزوجني وأنا شابة، ذات مال، وأهل، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وكبرت سنى، ووهن عظمي، جعلني عليه كظهر أمه، «ثم ندم»1، فهل من شيء يجمعني وإياه، فسكت النبي- صلى الله عليه وسلم- عنها، وكان الظهار، والإيلاء، وعدد النجوم من طلاق الجاهلية، فوقت الله- تعالى- في الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة، ووقت من عدد النجوم ثلاث تطليقات، فأنزل الله- تعالى- الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ
يعني الظهار والمنكر من القول «الذي لا يعرف»1وَزُوراً يعني كذبا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ [186 ب] حين لم يعاقبه غَفُورٌ- 2- له لتحريمه الحلال وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا يعني يعودون للجماع الذي حرموه على أنفسهم فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني الجماع ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ فوعظهم الله في ذلك وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الكفارة خَبِيرٌ- 3- به.
قال أبو محمد: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول: «ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا» يعني لنقض ما عقدوا من الحلف «فَمَنْ»2لَمْ يَجِدْ التحرير فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني الجماع فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً لكل مسكين نصف صاع حنطة ذلِكَ يعني هذا الذي ذكر من الكفارة لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ يقول لكي تصدقوا بالله وَرَسُولِهِ إن الله قريب إذا دعوتموه في أمر الظهار، وتصدقوا محمدا- صلى الله عليه وس لم- فيما قال لكم من الكفارة حين جعل لكم مخرجا، «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» يعني تصدقوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني سنة الله وأمره في كفارة الظهار، فلما نزلت هذه الآية دعا النبي- صلى الله عليه وسلم- زوجها، فقال: ما حملك على ما قلت؟ قال: الشيطان.
فهل لي من رجعة تجمعني وإياها؟ قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: نعم، هل عندك تحرير رقبة؟ قال: لا، إلا أن تحيط بمالي كله.
قال: فتستطيع صوما فتصوم شهرين متتابعين؟ قال: يا رسول
الله، إني إذا لم آكل في اليوم مرتين أو ثلاث مرات اشتد علي وكل بصري، وكان ضرير البصر.
قال: فهل عندك إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، إلا بصلة منك وعون.
فأعانه النبي- صلى الله عليه وسلم- «بخمسة عشر صاعا»1وجاء هو بمثل ذلك فتلك ثلاثون صاعا من تمر لكل مسكين نصف صاع، ذلكم يعني أمر الكفارة توعظون به، فوعظهم- الله تعالى- فى أمر الكفارة «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ»، «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» يعني سنة الله وَلِلْكافِرِينَ من اليهود والنصارى عَذابٌ أَلِيمٌ- 4- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ يعني يعادون الله وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ يعني أخزوا كما أخزى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ يعني القرآن فيه البيان أمره ونهيه وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ- 5- نزلت في اليهود والمنافقين «مُهِينٌ» يعني الهوان، قوله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً الأولين والآخرين نزلت في المنافقين في أمر المناجاة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ يقول حفظ الله أعمالهم الخبيثة، ونسوا هم أعمالهم وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من أعمالهم شَهِيدٌ- 6- يعني شاهده، قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [187 أ] يقول أحاط علمه بذلك كله مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ يعني نفر ثلاثة إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ يعني علمه معهم إذا تناجوا وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ يعني علمه معهم وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ يعني ولا أقل من ثلاث نفر وهما اثنان وَلا أَكْثَرَ من خمسة نفر إِلَّا هُوَ يعني إلا وعلمه
مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا من الأرض ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني بما يتناجون فيه إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمالهم عَلِيمٌ- 7- قوله- تعالى-: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى يعني اليهود كان بينهم وبين محمد- صلى الله عليه وسلم- موادعة فإذا رأوا رجلا من المسلمين وحده يتناجون بينهم، فيظن المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فيترك الطريق من المخافة فبلغ ذَلِكَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فقال- الله تعالى-: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى» ثُمَّ يَعُودُونَ لِما للذي نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ يعني بالمعصية وَالْعُدْوانِ يعني الظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ يعني حين نهاهم النبي- صلى الله عليه وسلم- عن النجوى فعصوه، ثم أخبر عنهم قال: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ يعني كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وكعب بن أسيد، وأبو ياسر، وغيرهم «حَيَّوْكَ» بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ يعني اليهود، قالوا انطلقوا بنا إلى محمد فنشتمه علانية كما نشتمه فى السر، فأتوه، فقالوا: السام.
يعنون بالسام السآمة والفترة، ويقولون تسأمون يعني تتزكون دينكم، فقالت عائشة- رضي الله عنها-: عليكم السام، والذام، والفان، يا إخوان القردة والخنازير، فكره النبي- صلى الله عليه وسلم- قول عائشة، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «مهلا1» يا عائشة عليك بالرفق فإنه ما وضع في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.
فقال جبريل- عليه السلام-: إنه لا يسلمون عليك ولكنهم يشتمونك.
فلما خرجت اليهود من عِنْد النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «قال2» بعضهم
لبعض: إن كان محمد لا يعلم ما نقول له، فالله يعلمه، ولو كان نبيا لأعلمه الله ما نقول، ولعاقبنا، فذلك قوله وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ لنبيه وأصحابه يقول الله حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ شدة عذابها يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ- 8- يعني بئس المرجع إلى النار يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ يعني الذين أقروا باللسان، وهم المنافقون منهم عبد الله بن أبى، بو عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، وغيرهم كان نجواهم أنهم كانوا يخبرون عن [187 ب] «سرايا1» النبي- صلى الله عليه وسلم- ما يشق «على2» من أقام من المؤمنين، وبلغنا أن ذلك كان في سرية جعفر بن أبى طالب، وزيد بن حادثة، وعبد الله بن رواحة، قتلوا يوم مؤتة، ولعل حميم أحدهم في السرية فإذا رأوه تناجوا بينهم فيظن المسلم أن حميمه قد قتل فيحزن، لذلك، فنهاهم النبي- صلى الله عليه وسلم- عن النجوى: فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ يعني المعصية والظلم وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ لأن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان نهاهم عن ذلك، ثم قال: وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني الطاعة، وترك المعصية، ثم خوفهم فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ- 9- بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم، ثم قال: إِنَّمَا النَّجْوى يعني نجوى المنافقين مِنَ تزيين الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني إلا أن يأذن الله في ضره وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- 10- يعني بالله فليثق المصدقون يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- جلس فى صفة ضيقة، ومعه أصحابه
فجاء نفر من أهل بدر، منهم: ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، فسلموا على النبي- صلى الله عليه وسلم-، فرد عليهم، ثم سلموا على القوم، فردوا عليهم، وجعلوا ينتظرون ليوسع لهم فلم يفعلوا، فشق قيامهم على النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان يكرم أهل بدر وذلك يوم الجمعة، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قم يا فلان، وقم يا فلان.
لمن لم يكن من أهل بدر، بعدد القيام من أهل بدر، فعرف النبي- صلى الله عليه وسلم- الكراهية في وجه من أقيم منهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: رحم الله رجلا تفسح لأخيه، فجعلوا يقومون لهم بعد ذلك، فقال المنافقون للمسلمين: أتزعمون أن صاحبكم يعدل بين الناس، فو الله، ما عدل على هؤلاء، إن قوما سبقوا فأخذوا مجلسهم وأحبوا قربه فأقامهم، وأجلس من أبطأ عن الخير، فو الله، إن أمر صاحبكم كله فيه اختلاف.
فأنزل- الله تعالى- «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي (الْمَجالِسِ1) » يعني أوسعوا في «المجالس»2فَافْسَحُوا يقول أوسعوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يقول وإذا قال لكم نبيكم: ارتفعوا عن المجلس فارتفعوا فإن الله يأجركم إذا أطعتم النبي- صلى الله عليه وسلم-، ثم قال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ يعني أهل بدر وَيرفع الله الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ منكم فيها تقديم يعني بالقرآن دَرَجاتٍ يعني الفضائل إلى الجنة على من سواهم ممن لا يقرأ القرآن من المهاجرين والتابعين وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ- 11- فى أمر المجلس وغيره.
«حدثنا عبد الله: حدثني أبي: حدثنا الهذيل: قال مُقَاتِلُ بن سليمان»1: إذا انتهى المؤمنون إلى باب الجنة، يقال للمؤمن الذي ليس بعالم: ادخل الجنة بعملك الصالح، ويقال للعالم قم على باب الجنة، فاشفع للناس يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ يعني النبي- صلى الله عليه وسلم- فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً يعنى الصدقة خَيْرٌ لَكُمْ من إمساكه وَأَطْهَرُ لذنوبكم نزلت في الأغنياء فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا الصدقة على الفقراء فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- 12- لمن لا يجد الصدقة، وذلك أن الأغنياء كانوا يكثرون مناجاة النبي- صلى الله عليه وسلم- ويغلبون الفقراء على مجالس النبي- صلى الله عليه وسلم-، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يكره طول مجالستهم وكثرة نجواهم، فلما أمرهم بالصدقة عند المناجاة انتهوا عند ذلك، وقدرت الفقراء على كلام النبي- صلى الله عليه وسلم- ومجالسته ولم يقدم أحد من أهل الميسرة بصدقة غير علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قدم دينارا، وكلم النبي- صلى الله عليه وسلم- عشر2كلمات فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى أنزل الله- تعالى-: أَأَشْفَقْتُمْ يقول أشق عليكم أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ يعني أهل الميسرة ولو فعلتم لكان خيرا لكم، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يقول وتجاوز الله عنكم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ لمواقيتها وَآتُوا الزَّكاةَ لحينها وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فنسخت الزكاة الصدقة التي كانت عند المناجاة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- 13- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يقول ألم تنظر يا محمد إلى الذين ناصحوا اليهود بولايتهم فهو عبد
الله بن نتيل المنافق، يقول الله- تعالى-: مَا هُمْ يعني المنافقين عند الله مِنْكُمْ يا معشر المسلمين وَلا مِنْهُمْ يعني من اليهود في الدين والولاية فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن نتيل: إنك تواد اليهود فحلف عبد الله بالله أنه لم يفعل وأنه ناصح، فأنزل الله- تعالى- وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ- 14- أنهم كذبة أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ فى الآخرة عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ يعني بئس ما كانُوا يَعْمَلُونَ- 15- اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ يعني حلفهم جُنَّةً من القتل فَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الله الإسلام فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ- 16- فقال رجل من المنافقين: إن محمدًا يزعم أنا لا ننصر يوم القيامة، لقد شقينا إذًا، إنا لأذل من البعوض، والله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا إن كانت قيامة، فأما اليوم فلا نبذلها، ولكن نبذلها يومئذ لكي ننصر، فأنزل الله- تعالى- لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يوم القيامة أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- 17-[188 ب] يعنى مقيمين فى النار لا يموتون، قوله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يعني المنافقين فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا قالوا شيئا «أو عملوا»1شيئا، وأرادوه، سألهم المؤمنون عن ذلك، فيقولون: والله لقد أردنا الخير فيصدقهم المؤمنون بذلك، فإذا كان يوم القيامة «سئلوا»2عن أعمالهم الخبيثة فاستعانوا بالكذب كعادتهم في الدنيا، فذلك قوله يحلفون لله في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين فان يغني عنهم ذلك من الله شيئا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ- 18-
فى قولهم اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ يقول غلب عليهم الشيطان فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ يعنى شيعة الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ يعنى شيعة الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ- 19- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ يعني يعادون الله وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ- 20- يعني في الهالكين كَتَبَ اللَّهُ يعني قضى الله لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي يعني النبي- صلى الله عليه وسلم-، وذلك أن الْمُؤْمِنِين قَالُوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لئن فتح الله علينا مكة وخيبر وما حولها فنحن «نرجو أن يظهرنا الله»1ما عاش النبي- صلى الله عليه وسلم- على أهل الشام وفارس والروم.
فقال عبد الله بن أبي للمسلمين: أتظنون بالله أن أهل الروم وفارس كبعض أهل هذه القرى التي غلبتموهم عليها، كلا والله لهم أكثر جمعا، وعددا.
فأنزل الله- تعالى- في قول عبد الله بن أبى «... وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.2.. » وأنزل «كتب الله كتابا وأمضاه»3«لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي» يعني النبي- صلى الله عليه وسلم- وحده إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ- 21- يقول أقوى، وأعز من أهل الشام والروم وفارس.
قوله: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يصدقون بِاللَّه أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ، ويصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني يناصحون من عادى الله ورسوله، نزلت فى حاطب بن أبى بلتعة
العنسي حين كتب إلى أهل مكة، وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ الذين لم يفعلوا ذلك كَتَبَ يقول جعل فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ يعني التصديق نظيرها في آل عمران «... فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ.1.. » يعني فاجعلنا مع الشاهدين.
وقال أيضا في الأعراف: «... فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ.2.. » يعنى فسأجعلها وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يقول قواهم برحمة من الله عجلت لهم في الدنيا وَيُدْخِلُهُمْ في الآخرة جَنَّاتٍ يعني بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ مطردة خالِدِينَ فِيها يعني مقيمين في الجنة لا يموتون رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بأعمالهم الحسنة وَرَضُوا عَنْهُ يعني عن الله بالثواب والفوز أُولئِكَ الذين ذكر حِزْبُ اللَّهِ يعني شيعة الله أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ يعني ألا إن شيعة الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ- 22- يعنى «الفائزين».3