[سورة الحجرات (49) : الآيات 1 الى 18]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18)
[سورة الحجرات1] سورة الحجرات مدنية.
عددها ثماني عشرة آية كوفى.2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ نزلت في ثلاثة نفر وذلك أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعث سرية إلى ناحية أرض تهامة، وكانوا سبعة وعشرين رجلا منهم عروة بن أسماء السلمي، والحكم بن كيسان المخزومي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، وبشير الأنصاري، واستعمل عليهم المنذر ابن عمرو الأنصاري من النقباء وكتب صحيفة ودفعها إلى حرام بن ملحان ليقرأها على العدو، فكان طريقهم على بني سليم وبينهم وبَيْنَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- موادعة، ودس المنافقون إلى بني عامر بن صعصعة «وهم حرب على المسلمين1» إن أصحاب محمد مغرورون يختلفون من بين ثلاثة وأربعة فأرصدوهم وهم على بئر معوتة، وهو ماء لبني عامر فسار القوم ليلا، وأضل أربعة منهم بعيرا لهم منهم بشير الأنصاري، فأقاموا حتى أصبحوا، وسار المسلمون حتى أتوا على بني عامر «وهم حول الماء»2وعليهم عامر بن الطفيل العامري، فدعاهم المنذر ابن عمرو إلى الإسلام وقرأ عليهم حرام الصحيفة، فأبوا فاقتتلوا قتالا شديدا فلما عرفوا أنهم مقتولون، قالوا: اللهم، إنك تعلم أن رسولك أرسلنا، وإنا لا نجد من يبلغ عنا رسولك غيرك، فأقرءه منا السلام فقد رضينا بحسن قضائك لنا.
وحمل عامر
ابن الطفيل على حرام فطعنه فقتله، وقتل بقيتهم غير المنذر بن عمرو، فإنه كان دارعا [164 أ] مقنعا وعروة بن أسماء السلمي، فقتل المنذر بعد ذلك فقالوا لعروة: لو شئنا لقتلناك، فأنت آمن فإن شئت فارجع إلينا، وإن شئت فاذهب إلى غيرنا، فأنت آمن. قال عروة: إني عاهدت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ألا أضع يدي في يد مشرك ولا أتخذه وليا. وجعل يحمل عليهم، ويضربونه بعرض رماحهم ويناشدونه، ويأبى عليهم فرموه بالنبل حتى قتلوه، وأتى جبريل النبي- صلى الله عليه وسلم- فأخبره بحالهم، فنعاهم النبي- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وقال: أرسل إخوانكم يقرءونكم السلام فاستغفروا لهم. ووجد الأربعة بعيرهم حين أصبحوا، فساروا فلما دنوا من ماء بني عامر لقيتهم وليدة لبني عامر فقالت: أمن أصحاب محمد أنتم؟ فقالوا: نعم، رجاء أن تسلم، فقالت: إن إخوانكم قد قتلوا حول الماء، النجاء النجاء. ألا ترون إلى النسور والعقبان قد تعلقن بلحومهم. فقال بشير الأنصاري: دونكم بعيركم أنظر لكم. فسار نحوهم فرأى إخوانهم مقتلين كأمثال البدن حول الماء فرجع إلى أصحابه فأخبرهم وقال لهم: ما ترون؟ قالوا: نرجع إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فنخبره الخبر. فقال بشير: لكني لا أرجع والله، حتى أتغدى من غداء القوم. فاقرءوا على النبي- صلى الله عليه وسلم- مني السلام ورحمة الله، ثم أتاهم فحمل عليهم، فناشدوه أن ارجع فأبى وحمل عليهم، فقتل منهم ثم قُتِلَ بعد، فرجع الثلاثة يسلون بعيرهم سلا.1
فأتوا المدينة عند جنوح الليل، فلقوا رجلين من بني سليم جائين من عند رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-
فقالوا: من أنتما؟ قالا: من بني عامر.
لأنهم كانوا «قريبا»1من بني عامر بالمدينة ولا يشعران بصنيع بنى عامر.
فقالوا: «هذان»2من الذين قاتلوا إخواننا، فقتلوهما وسلبوهما، ثم دخلوا عَلَى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليخبروه فوجدوا الخبر قد سبق إليه، ثم قالوا: يا نبي الله، غشينا المدينة عند المساء فلقينا رجلين من بني عامر فقتلناهما، وهذا سلبهما.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: بل هما من بني سليم من حلفائي بئسما صنعتما، هذان رجلان من بني سليم كانا جاءا في أمر الموادعة.
فنزلت فيهم «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» يقول لا تعجلوا بقتل أحد، ولا بأمر حتى تستأمروا النبي- صلى الله عليه وسلم- فوعظهم في ذلك، وأقبل قوم السلميين، فقالوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إن صاحبينا قتلا عندك.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: إن صاحبيكم اعتزيا إلى عدونا فقتلا جميعا، وأخبرهم الخبر ولكنا سنعقل عن صاحبيكم لكل واحد منهما مائة [164 ب] من الإبل فجعل دية المشرك المعاهد كدية الحر المسلم، قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في المعاصي إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتكم عَلِيمٌ- 1- بخلقه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ يعنى كلامكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ يعني فوق كلام النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: احفظوا الكلام عنده، نزلت هذه الآية في ثابت بن قيس، وشماس الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج وكان في أذنيه وقر، وكان إذا تكلم عند النبي- صلى الله عليه وسلم- رفع صوته، ثم قال: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ وفيه نزلت هذه الآية
«لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً.1.. » يقول لا تدعوه باسمه يا محمد ويا بن عبد الله كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ يقول كما يدعو الرجل منكم باسمه يا فلان ويا بن فلان، ولكن عظموه ووقروه وفخموه وقولوا له: يا رسول الله، ويا نبي الله، يؤدبهم أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ يعني أن تبطل حسناتكم إن لم تحفظوا أصواتكم عند النبي- صلى الله عليه وسلم- وتعظموه وتوقروه وتدعوه باسم النبوة، فإنه يحبط أعمالكم وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ- 2- أن ذلك يحبطها، فلما نزلت هذه الآية أقام ثابت بن قيس في منزله مهموما حزينا مخافة أن يكون حبط عمله، وكان بدريا فانطلق جاره سعد ابن عبادة الأنصاري إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَه بقول ثابت بن قيس، بأنه قد حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ وهو في النار.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- لسعد: اذهب فأخبره، أنك لم تعن بهذه الآية، ولست من أهل النار، بل أنت من أهل الجنة وغيرك من أهل النار.
يعني عبد الله بن أبي المنافق، فاخرج إلينا فرجع سعد إلى ثابت فأخبره بقول النبي- صلى الله عليه وسلم- ففرح وخرج إلى النبي- صلى الله عليه وسلم-.
فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- حين رآه: مرحبا برجل يزعم أنه من أهل النار بل غيرك من أهل النار، يعني عبد الله بن أبي- وكان جاره-، وأنت من أهل الجنة.
فكان ثابت بعد ذلك إذا كان عند النبي- صلى الله عليه وسلم- خفض صوته فلا يسمع من يليه، فنزلت فيه بعد الآية الأولى إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ يعني يخفضون كلامهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ يعني أخلص الله قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ يعني جزاء عَظِيمٌ- 3- يعني الجنة، فقال ثابت بعد ذلك: ما يسرني أني لم أجهر بصوتى
عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وأني لم أخفض صوتي «إذا»1امتحن الله قلبي للتقوى، وجعل لي مغفرة لذنوبي وجعل لي أجرا عظيما يعني الجنة.
فلما كان على عهد أبي بكر الصديق- رضي الله عنه-[165 أ] غزا ثابت إلى اليمامة فرأى المسلمين قد انهزموا.
فقال لهم: أف لكم، ولما تصنعون، اللهم إني أعتذر إليك من صنيع هؤلاء.
ثم نظر إلى المشركين فقال: أُفٍّ لَكُمْ، وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء، ثم قاتلهم حتى قتل- رحمة الله عليه- قوله: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ- 4- نزلت في تسعة رهط ثمانية منهم من بني تميم، ورجل من قيس، فمنهم الأقرع بن حابس المجاشعي، وقيس بن عاصم المنقري، والزبرقان بن بدر الهذلي، وخالد بن مالك، وسويد بن هشام النهشليين، والقعقاع بن معبد، وعطاء بن حابس، ووكيع بن وكيع من بنى دارم، وعيينة ابن حصن الفزاري، وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- أصاب طائفة من ذراري بني العنبر، «فقدموا»2المدينة في الظهيرة «لفداء»3ذراريهم فتذكروا ما كان من أمرهم فبكت الذراري إليهم فنهضوا إلى المسجد والنبي- صلى الله عليه وسلم- في منزله فاستعجلوا الباب لما أبطأ عليهم النبي- صلى الله عليه وسلم- فنادى أكثرهم من وراء الحجرات: يا محمد.
مرتين ألا تخرج إلينا فقد جئنا في الفداء، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: ويلك مالك حداك
المنادي1فقال: أما والله إن حمدي لك زين وإن ذمي لك شين. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: ويلكم ذلكم الله- تعالى- فلم يصبروا حتى يخرج إليهم- صلى الله عليه وسلم- فذلك قوله وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ يعني بالخير لو أنهم صبروا «حتى تخرج إليهم لأطلقتهم من غير فداء».2
ثم قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- 5- لقولهم يا محمد ألا تخرج إلينا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي إلى بني المصطلق وهم حي من خزاعة، ليقبض صدقة أموالهم فلما بلغهم ذلك فرحوا واجتمعوا ليتلقوه فبلغ الوليد ذلك فخافهم على نفسه وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية من أجل شيء كانوا أصابوه فرجع إلى النبي- صلى الله عليه وسلم، فقال: طردوني ومنعونى الصدقة وكفوا بعد إسلامهم فلما قال ذلك انتدب المسلمون لقتالهم3، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: إلا حتى أعلم العلم.
فلما بلغهم أن الوليد رجع من عندهم بعثوا وفدا من وجوههم فقدموا على النبي- صلى الله عليه وسلم- المدينة، فقالوا: يا رسول الله، إنك أرسلت إلينا من يأخذ صدقاتنا فسررنا بذلك، وأردنا أن نتلقاه فذكر لنا أنه رجع من بعض الطريق فحفنا أنه إنما [165 ب] رده غضب علينا وإنا تعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، والله ما رأيناه ولا أتانا ولكن حمله على ذلك شيء كان بيننا وبينه في الجاهلية فهو يطلب يدخل الجاهلية، فصدقهم
النبي- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله- تعالى- في الوليد ثلاث آيات متواليات بفسقه وبكذبه «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ» يقول إن جاءكم كاذب بحديث كذب فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قتل قَوْماً بِجَهالَةٍ وأنتم جهال بأمرهم يعني بني المصطلق فَتُصْبِحُوا عَلى مَا فَعَلْتُمْ نادِمِينَ- 6- يعني الذين انتدبوا لقتال بني المصطلق وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ يقول لو أطاعكم النبي- صلى الله عليه وسلم- حين انتدبتم لقتالهم فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ يعني لأثمتم في دينكم، ثم ذكرهم النعم، فقال وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ يعنى التصديق وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ للثواب الذي وعدكم وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ يعني الإثم وَالْعِصْيانَ يعني بغض إليكم المعاصي للعقاب الذي وعد أهله فمن عمل بذلك منكم وترك ما نهاه عنه أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ- 7- يعنى المهتدين فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً يقول الإيمان الذي حببه إليكم فضلا من الله ونعمة يعنى ورحمة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ- 8- فى أمره، قوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- وقف على حمار له يقال له يعفور قبال الحمار، فقال عبد الله بن أبي للنبي- صلى الله عليه وسلم-: خل للناس «مسيل»1الريح من نتن هذا الحمار.
ثم قال: أف وأمسك بأنفه فشق على النبي- صلى الله عليه وسلم- قوله.
فانصرف النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: عبد الله بن أبي رواحة، ألا أراك أمسكت على أنفك من بول حماره، والله، لهو أطيب ريح «عرض»2منك.
فلجا في القول فاجتمع قوم عبد الله بن رواحة، الأوس، وقوم عبد الله بن أبى الخزرج، فكان بينهم
ضرب بالنعال والأيدي والسعف فرجع النبي- صلى الله عليه وسلم- إليهم فأصلح بينهم، فأنزل الله- تعالى- «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» يعني الأوس والخزرج اقتتلوا.
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بكتاب الله- عز وجل- فإن كره بعضهم الصلح، قال الله: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى ولم ترجع إلى الصلح فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي بالسيف يعني التي لم ترجع حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ يعنى حتى ترجع إلى الصلح الذي أمر فَإِنْ فاءَتْ يعني فإن رجعت إلى الصلح فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا يعنى وأعدلوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ- 9- يعنى الذين يعدلون بين الناس، ثم قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [166 أ].
يعني الأوس والخزرج وَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تعصوه، لما كان بينكم، قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ- 10- يعني لكي ترحموا فلا تعذبوا لما كان بينكم، قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ يقول لا يستهزئ الرجل من أخيه، فيقول: إنك ردئ المعيشة، لئيم الحسب، وأشباه ذلك مما ينقصه به من أمر دنياه، ولعله خير منه عند الله- تعالى- فأما الذين استهزءوا فهم الذين نادوا النبي- صلى الله عليه وسلم- من وراء «الحجرات»1«وقد استهزءوا2» من الموالي عمار ابن ياسر، وسلمان الفارسي، وبلال المؤذن، وخباب بن الأرت، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة، وعامر بن فهيرة، ونحوهم من الفقراء قال: «وإن سالم مولى أبي حذيفة كان معه راية المسلمين يوم اليمامة»3فقالوا له: إنا نخشى عليك.
فقال سالم: بئس
حامل القرآن أنا إذًا، فقاتل حتى قُتِلَ ثم قال: عَسى أَنْ يَكُونُوا1خَيْراً مِنْهُمْ «عند الله»2وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ «عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ»3نزلت في عائشة «بنت»4أبي بكر- رضي الله عنهما- استهزأت من قصر أم سلمة بنت أبي أمية، ثم قال: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ يقول لا يطعن بعضكم على بعض فإن ذلك معصية وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ وذلك أن كعب بن مالك الأنصاري كان يكون على المقسم فكان بينه وبين عبد الله بن الحدرد الأسلمي بعض الكلام، فقال له: يا أعرابي، فقال له عبد الله: يا يهودي.
ثم انطلق عبد الله فأخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال «له»5النبي- صلى الله عليه وسلم- لعلك قلت له: يا يهودي؟ قال: نعم قد قلت له ذلك إذا لقبني أعرابيا وأنا مهاجر، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: لا تدخلا علي حتى ينزل الله توبتكما فأوثقا أنفسهما إلى سارية المسجد إلى جنب المنبر، فأنزل الله- تعالى- فيهما «وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ» يقول لا يعير الرجل أخاه المسلم بالملة التي كان عليها قبل الإسلام ولا يسميه بغير أهل دينه فإنه بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يعني بئس الاسم هذا، أن يسميه باسم الكفر بعد الإيمان يعنى بعد ما تاب وآمن بالله- تعالى- وَمَنْ لَمْ يَتُبْ من قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
- 11- فلما أنزل الله- تعالى- توبتهما وبين أمر هما تابا إلى الله- تعالى- من قولهما وحلا أنفسهما من الوثائق.
قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ يقول لا تحققوا الظن وذلك أن الرجل يسمع من أخيه كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به سوءا فيراه أخوه المسلم أو يسمعه فيظن به سوءا فلا بأس ما لم يتكلم به فإن تكلم به أثم، فذلك قوله: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ثم قال: وَلا تَجَسَّسُوا يعني لا يبحث الرجل عن عيب أخيه المسلم فإن ذلك معصية وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً نزلت في «فتير»1ويقال فهير خادم النبي- صلى الله عليه وسلم- وذلك أنه قيل له [166 ب] إنك وخيم ثقيل بخيل، والغيبة أن يقول الرجل المسلم لأخيه ما فيه من العيب، فإن قال ما ليس فيه فقد بهته ثم ضرب للغيبة مثلا، فقال: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً يقول إذا غاب عنك المسلم، فهو حين تذكره بسوء بمنزلة الشيء الميت لأنه لا يسمع بعيبك إياه فكذلك الميت لا يسمع ما قلت له، فذلك قوله: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» فَكَرِهْتُمُوهُ يعني كما كرهتم أكل لحم الميت فاكرهوا الغيبة لإخوانكم وَاتَّقُوا اللَّهَ في الغيبة فلا تغتابوا الناس إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ على من تاب رَحِيمٌ- 12- بهم بعد التوبة، والغيبة أن تقول لأخيك ما فيه من العيب فإن قلت ما ليس فيه فقد بهته، وإن قلت ما بلغك فهذا الإفك قوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى يعني آدم وحواء نزلت في بلال المؤذن وقالوا في سلمان الفارسي وفي أربعة نفر من قريش، فى عتاب بن أسيد ابن أبي العيص، والحارث بن هشام، وسهيل بن
عمرو، وأبي سفيان بن حرب، كلهم من قريش وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما فتح مكة أمر بلالا فصعد ظهر الكعبة وأذن، وأراد أن يذل المشركين بذلك، فلما صعد بلال وأذن.
قال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أسيد قبل هذا اليوم.
وقال الحارث بن هشام: عجبت لهذا العبد الحبشي أما وجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا هذا الغراب الأسود وقال سهيل بن عمرو: إن يكره الله شيئا يغيره.
وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول، فإني لو قلت شيئا لتشهدن عليّ السماء ولتخبرن عني الأرض- فنزل جبريل على النبي- صلى الله عليه وسلم- فأخبره بقولهم فدعاهم النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: كيف قلت يا عتاب؟ قال قلت: الحمد لله الذي قبض أسيد قبل هذا اليوم.
قال: صدقت.
ثم قال للحارث بن هشام: كيف قلت؟ قال: عجبت لهذا العبد الحبشي أما وجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا هذا الغراب الأسود.
قال: صدقت.
ثم قال لسهيل بن عمرو: كيف قلت؟ قال: قلت إن يكره الله شيئا يغيره.
قال: صدقت.
ثم قال لأبي سفيان: كيف قلت؟ قال: قلت أما أنا فلا أقول شيئا فإني لو قلت شيئا لتشهدن عليّ السماء ولتخبرن عني الأرض.
قال: صدقت، فأنزل الله- تعالى- فيهم «يا أَيُّهَا النَّاسُ» يعنى بلالا وهؤلاء الأربعة «إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى» وعنى آدم وحواء وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً يعني رءوس القبائل ربيعة ومضر وبنو تميم والأزد وَقَبائِلَ يعني الأفخاذ بنو سعد، وبنو عامر، وبنو قيس، ونحوه لِتَعارَفُوا فى النسب [167 أ]، ثم قال إِنَّ أَكْرَمَكُمْ يعني «بلالا»1عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ- 13- «يعنى أن أتقاكم بلال2».
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا نزلت في أعراب جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، «كانت»1منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا النبي- صلى الله عليه وسلم- قالوا آمنا ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وكان يومئذ من قال «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» يأمن على نفسه وماله فمر بهم خالد بن الوليد في سرية للنبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا آمنا فلم يعرض لهم، ولا لأموالهم، فلما سار النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى الحديبية واستنفرهم معه.
فقال بعضهم لبعض: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس لأهل مكة، وإنهم كلفوا شيئا لا يرجعون عنه أبدا فأين تذهبون تقتلون أنفسكم؟ انتظروا حتى ننظر ما يكون من أمره، فذلك قوله في الفتح: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً... إلى آخر الآية2فنزلت فيهم قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا يعنى صدقنا، قل لهم: يا محمد لَمْ تُؤْمِنُوا لم تصدقوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا يعني قولوا أقررنا باللسان، واستسلمنا لتسلم لنا أموالنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ يعني ولما يدخل التصديق فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قتال أهل اليمامة حيث قال في سورة الفتح:... سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ...3يعنى قتال مسيلمة بين حبيب الكذاب وقومه بني حنيفة، وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إذا دعيتم إلى قتالهم لا يَلِتْكُمْ يعني لا ينقصكم مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً الحسنة يعنى جهاد أهل ايمامة
حين دعاهم أبو بكر- رضي الله عنه- إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يعني ذو تجاوز لما كان قبل ذلك يوم الحديبية رَحِيمٌ- 14- بهم إذا فعلوا ذلك نظيرها فى الفتح، ثم أخبر عن المؤمنين فنعتهم، لقول هؤلاء الأعراب آمنا، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ: المصدقون في إيمانهم الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بِاللَّهِ بأنه واحد لا شريك له «وَرَسُولِهِ»1محمد- صلى الله عليه وسلم- أنه نبي رسول وكتابه الحق ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا يعني لم يشكوا في دينهم بعد الإيمان «وَجاهَدُوا» العدو مع النبي- صلى الله عليه وسلم- بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ يعني باشروا القتال بأنفسهم فِي سَبِيلِ اللَّهِ»2يعني في طاعة الله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ- 15- فى إيمانهم قُلْ: يا محمد، لجهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع: أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ حين قالوا آمنا بألسنتهم، وليس ذلك في قلوبهم، فأخبرهم أنه يعلم ما في قلوبهم «وما في قلوب»3أهل السموات فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ غيب ما فِي السَّماواتِ يعني ما في قلوب أهل السموات من الملائكة وَما فِي الْأَرْضِ يعني ويعلم غيب ما في قلوب أهل [167 ب] الأرض من التصديق وغيره وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مما في قلوبهم من التصديق وغيره عَلِيمٌ- 16- يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في أناس من الأعراب: بني أسد بن خزيمة قدموا على النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: جئناك وأتيناك بأهلنا طائعين عفوا على غير قتال، وتركنا الأموال والعشائر وكل قبيلة فى العرب
قاتلوك حتى أسلموا، فلنا عليك حق فاعرف لنا ذلك.
فنزلت فيهم «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ» يا محمد «أَنْ أَسْلَمُوا» قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ يعنى التصديق إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- 17- فى أيمانكم إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ يعني غيب ما في قلوب أهل السموات من الملائكة وَالْأَرْضِ يعني يعلم ما في قلوب أهل الأرضين التصديق وغيره، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ- 18- من التصديق وغيره.