[سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى 31]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (4) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (13) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (17) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21) إِنَّ هَذَا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31)
[سورة الإنسان1] سورة الإنسان مكية «عددها إحدى وثلاثون آية».2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ يعني قد أتى على الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً- 1- يعني به آدم لا يذكر، وذلك أن الله خلق السموات وأهلها، والأرض وما فيها من الجن قبل أن يخلق آدم- عليه السلام-، بواحد وعشرين ألف سنة وهي ثلاثة أسباع1، فكانوا لا يعرفون آدم، ولا يذكرونه «وكان2» سكان الأرض من الجن زمانا ودهرا [219 أ] ثم إنهم عصوا الله- تعالى- «وضر3» بعضهم بعضا فأرسل الله عليهم قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وإبليس فيهم، وكان اسم إبليس الحارث أرسلهم الله على الجن فطردوهم حتى أخرجوهم من الأرض إلى الظلمة خلف الحجاب وهو جبل تغيب الشمس خلفه، وفي أصله، وفيما بين ذلك الجبل وبين جبل قاف مسيرة سنة كلها ظلمة وماء قائم، ثم إن إبليس وجنده طهروا الأرض «وعبدوه4» زمانا فلما أراد الله- تعالى- أن يخلق آدم- صلى الله عليه-، أوحى إليهم أني جاعل في الأرض خليفة يعبدونني، ويطهرون لي الأرض، فردوا إلى الله قوله، وإبليس منهم: فقالوا ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها يعني من يعصي فيها، ويسفك الدماء كفعل الجن، لا أنهم علموا الغيب: ولكن قالوا ما عرفوا عن
الجن الذين عصوا ربهم، وقالوا نحن نسبح بحمدك ونقدس لك، يعنى ونطهر لك الأرض، فأوحى الله إليهم أني أعلم ما لا تعلمون.
ثم إن الله- تبارك وتعالى- قال- يا جبريل- ائتني بطين فهبط جبريل- عليه السلام- إلى الأرض فأخذ ترابا من تحت الكعبة «وهو أديم1» الأرض وصب عليه الماء فتركه زمانا حتى أنتن الطين فصار فوقها طين حر، وأسفلها حمأة.
حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَا كَانَ مِنَ الْحُرِّ مِنْهَا فَهُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ: وَمَا كَانَ مِنَ الْحَمْأَةِ فَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، وذلك أن امرأ القيس بن عابس الكتمي، ومالك بن الضيف اليهودي اختصما بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أمر آدم- عليه السلام- وخلقه، فقال مالك بن الضيف: إنما نجد في التوراة أن الله خلق آدم حين خلق السموات والأرض، فأنزل الله- عز وجل- يكذب مالك بن الضيف اليهودي فقال: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ» يعني واحدا وعشرين ألف سنة، وهي ثلاثة أسباع، بعد خلق السموات والأرض «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» يذكر: ثم «خلق2» ذريته فقال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ يعني ماء مختلطا وهو ماء الرجل وماء المرأة فإذا اختلطا فذلك المشج، فماء الرجل غليظ أبيض فمنه العصب والعظم والقوة، ونطفة المرأة صفراء رقيقة «فمنها3» اللحم والدم والشعر والظفر فيختلطان فذلك الأمشاج، فيها تقديم،
يقول جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه1، ثم قال: فَجَعَلْناهُ بعد النطفة سَمِيعاً بَصِيراً- 2- لنبتليه بالعمل أي2جعلناه نطفة، علقة، مضغة، ثم صار إنسانا بعد ماء ودم «فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً» من بعد ما كان نطفة ميتة، «ثم قال3» : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ يعنى سهيل الضلالة والهدى إِمَّا أن يكون شاكِراً يعني موحدا في حسن خلقه لله- تعالى- وَإِمَّا كَفُوراً- 3- فلا يوحده «وأيضا إما شاكرا لله في حسن خلقه «وَإِمَّا كَفُوراً» بجعل «هده4» النعم لغير الله5» ثم ذكر مستقر من أحسن خلقه، ثم كفر به وعبد غيره، فقال: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ في الآخرة يعني يسرنا للكافرين يعني لمن كفر بنعم الله- تعالى- سَلاسِلَ يعنى كل سلسلة طولها سبعون ذراعا بذراع الرجل الطويل من الخلق الأول.
«حَدَّثَنِي6أَبِي» رَحِمَهُ اللَّهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- عَلَيْهِ السَّلامُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَوْ أَنَّ حَلْقَةً مِنْ سَلاسِلِ جَهَنَّمَ وُضِعَتْ عَلَى ذِرْوَةِ جَبَلٍ لذاب كما يذوب الرصاص فكيف يا بن آدم «وهي7» عليك وحدك،
ثم قال: وَأَغْلالًا فأما السلاسل ففي أعناقهم، وأما الأغلال ففي أيديهم، ثم قال: وَسَعِيراً- 4- يعني وقودا لا يطفأ، ثم ذكر ما أعد للشاكرين من نعمة فقال: إِنَّ الْأَبْرارَ يعني الشاكرين المطيعين لله- تعالى- يعني أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري، وابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبا عبيدة بن الجراح، وأبا الدرداء، وابن عباس1، يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ يعني الخمر، وأيضا.
«إِنَّ الْأَبْرارَ» يعني علي بن أبي طالب وأصحابه الأبرار الشاكرين لله- تعالى- يشربون من كأس يعني من خمر كانَ مِزاجُها كافُوراً- 5- ثم ذكر الكافور فقال: عَيْناً يَشْرَبُ بِها يعنى الخمر عِبادُ اللَّهِ «يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً»2- 6- يعنى أولياء الله يمزجون ذلك الحمر، ثم يجاء بذلك الماء فهو على برد الكافور، وطعم الزنجبيل، وريح المسك لا يمسك أهل الدنيا ولا زنجبيلهم ولا كافورهم، ولكن الله- تعالى- وصف ما عنده بما عندهم لتهتدي إليه القلوب3، ثم ذكر محاسنهم فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ يعني من نذر لله نذرا، فقضى الله حاجته فيوفي لله بما قد نذره، قال: وَيَخافُونَ يَوْماً يعني يوم القيامة كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً- 7- يعني كان شرا فاشيا في أهل السموات والأرض، فانشقت السماء، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس والقمر فذهب ضوءهما وبدلت الأرض ونسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شيء على الأرض من جبل أو بناء أو شجر، ففشى شر يوم القيامة فيها، وأما قوله:
«وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ»1أي على حبهم الطعام مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً- 8- نزلت في أبي الدحداح الأنصاري، ويقال في علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- وذلك أنه [220 أ] صام يوما فلما أراد أن يفطر دعا سائل، فقال: عشوني بما عندكم فإني لم أطعم اليوم شيئا.
قال أبو الدحداح أو علي: قومي فاثردي رغيفا وصبي عليه مرقة، وأطعميه.
ففعلت ذلك فما لبثوا أن جاءت جارية يتيمة فقالت: أطعموني فإني ضعيفة لم أطعم اليوم شيئا، قال: يا أم الدحداح قومي فاثردي رغيفا وأطعميها، فإن هذه والله أحق من ذلك المسكين، فبينما هم كذلك إذ جاء على الباب سائل أسير ينادي: عشوا الغريب في بلادكم، فإني أسير في أيديكم وقد أجهدني الجوع فبالذي أعزكم وأذلني لما أطعمتموني.
فقال أبو الدحداح: يا أم الدحداح، قومي ويحك فاثردي رغيفا وأطعمي الغريب الأسير، فإن هذا أحق من أولئك فأطعموا «ثلاث2» أرغفة، وبقي لهم «رغيف واحد3» فأنزل الله- تبارك وتعالى- فيهم يمدحهم بما فعلوا.
فقال: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً يعني باليتيم من لا أب له ولا أم، (وَأَسِيرًا- من أسارى المشركين4) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ يعني لمرضات الله- تعالى- لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً- 9- يعني أن تثنوا به علينا إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً يعنى يوم الشدة،
قال الفراء وأبو عبيدة: هو المنتهى في الشدة1قَمْطَرِيراً- 10- يعني إذا عرق الجبين فسال العرق بين عينيه من شدة الهول، فذلك قوله: «قمطريرا» فشكر الله أمرهم، فقال: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ يعني يوم القيامة شر جهنم وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً- 11- نضرة في الوجوه «وسرورا» في القلوب، وذلك أن المسلم إذا خرج من قبره يوم القيامة نظر أمامه، فإذا هو بإنسان وجهه مثل الشمس يضحك طيب النفس وعليه ثياب «بيض2» وعلى رأسه تاج فينظر إليه حتى يدنو منه، فيقول: سلام عليك- يا ولي الله.
فيقول: وعليك السلام من أنت يا عبد الله أنت ملك من الملائكة؟ فيقول: لا، والله.
فيقول: أنت نبي من الأنبياء؟ فيقول: لا والله، فيقول: أنت من المقربين؟ فيقول: لا والله.
فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح أبشرك بالجنة، والنجاة من النار.
فيقول له: يا عبد الله، الله أبعلم تبشرني؟ فيقول: نعم.
فيقول: ما تريد مني؟ فيقول له: اركبني.
فيقول: يا سبحان الله، ما ينبغي لمثلك أن يركب عليه.
فيقول: بلى فإني طال ما ركبتك في دار الدنيا فإنى أسألك بوجه الله [220 ب] إلا ما ركبتني فيركبه فيقول: لا تخف أنا دليلك إلى الجنة «فيعم3» ذلك الفرح في وجهه حتى يتلألأ، ويرى النور والسرور في قلبه، فذلك قوله: «وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً» وأما الكافر فإنه إذا
خرج من قبره نظر أمامه فإذا هو برجل قبيح، الوجه أزرق العينين أسود الوجه أشد سوادا من القبر في ليلة مظلمة، وثيابه سود يجر أنيابه في الأرض تدهده دهدهة الرعد، ريحه أنتن من الجيفة، فيقول: من أنت يا عدو الله؟ ويريد أن يعرض بوجهه عنه، فيقول: يا عدو الله إلي إلي، وأنا لك اليوم، فيقول: ويحك أشيطان أنت؟ فيقول: لا والله، ولكني عملك.
فيقول: ويحك، ما تريد مني؟ فيقول: أريد أن أركبك.
فيقول: أنشدك الله، مهلا فإنك تفضحني على رءوس الخلائق، فيقول: والله ما منك بد فطال ما ركبتني فأنا اليوم أركبك.
قال فيركبه فذلك قوله: «... وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ1» ثم ذكر أولياءه فقال: وَجَزاهُمْ بعد البشارة بِما صَبَرُوا على البلاء جَنَّةً وَحَرِيراً- 12- فأما الجنة فيتنعمون فيها، وأما الحرير «فيلبسونه2» مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ يعني على السرر عليها الحجال لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً لا يصيبهم حر الشمس وَلا زَمْهَرِيراً- 13- يعني ولا يصيبهم برد الزمهرير لأنه ليس «فيها3» شتاء ولا صيف، فأما قوله: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها يعني ظلال الشجر وذلك أن أهل الجنة يأكلون من الفواكه إن شاءوا نياما، وإن شاءوا قعودا وإن شاءوا قياما، إذا أرادوا دنت منهم حتى «يأخذوا4» منها، ثم تقوم قياما، فذلك قوله: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا- 14- يعني أغصانها تذليلا قوله وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ فهي الأكواز مدورة الرءوس التي ليس لها عرى، قال: كانَتْ قَوارِيرَا- 15-
ولكنها من فضة وذلك أن قوارير الدنيا من ترابها وقوارير الجنة من فضة فذلك قوله: «كانَتْ قَوارِيرَا» ثم قطعها، ثم استأنف فقال: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً- 16- يعني فدرت الأكواب على الإناء وقدر الإناء على كف الخادم ورى القوم، فذلك قوله: «قَدَّرُوها تَقْدِيراً» قال: وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً يعني خمرا وكل شراب في الإناء ليس بخمر، وليس هو بكأس قال: كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا- 17- يعني كأنما قد مزج فيه الزنجبيل، قوله: عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا- 18- «تسيل1» عليهم من جنة عدن فتمر على كل جنة، «ثم ترجع لهم الجنة كلها2». وأما قوله: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ فأما الولدان فهم الغلمان الذين لا يشيبون أبدا «مخلدون» يعني لا يحتلمون، «ولا يشيبون3أبدا» هم على تلك الحال لا يختلفون «ولا يكبرون4»، قال: إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً- 19- في الحسن والبياض يعني في الكثرة، مثل اللؤلؤ المنثور الذي لا يتناهى عدده، قوله: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ يعني «هنالك5» في الجنة رأيت، نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً- 20- وذلك أن الرجل من أهل الجنة له قصر، في ذلك القصر سبعون قصرا، في كل قصر سبعون بيتا، كل بيت من لؤلؤة مجوفة طولها في السماء فرسخ، وعرضها فرسخ، عليها أربعة ألف مصراع من ذهب، في ذلك البيت سرير منسوج
بقضبان الدر والياقوت، عن يمين السرير وعن يساره أربعون [221 أ] ألف كرسي من ذهب قوائمها ياقوت أحمر، على ذلك السرير سبعون فراشا، كل فراش على لون، وهو جالس فوقها، وهو متكئ على يساره عليه سبعون حلة من ديباج، «الذي1يلي» جسده حريرة بيضاء، وعلى جبهته إكليل مكلل بالزبرجد والياقوت وألوان «الجواهر2» كل جوهرة على لون، وعلى رأسه تاج من ذهب فيه سبعون ذؤابة، في كل ذؤابة درة، «تساوي3» مال المشرق والمغرب، وفي يديه «ثلاث4» أسورة، سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، وفي أصابع يديه ورجليه خواتيم من ذهب وفضة فيه ألوان الفصوص، وبين يديه عشرة آلاف غلام لا يكبرون ولا يشيبون أبدا، ويوضع بين يديه مائدة من ياقوتة حمراء، طولها ميل في ميل، ويوضع على المائدة سبعون ألف إناء من ذهب وفضة في كل إناء سبعون لونا من الطعام، يأخذ اللقمة بيديه فما يخطر على باله حتى تتحول اللقمة عن حالها إلى الحال التي يشتهيها، وبين يديه غلمان بأيديهم أكواب من ذهب، وإناء من فضة معهم الخمر والماء، فيأكل على قدر أربعين رجلا من الألوان كلها، كلما شبع من لون من الطعام سقوه شربة مما يشتهي من الأشربة فيتجشأ، فيفتح الله- تعالى- عليه ألف باب من الشهوة من الشراب فيدخل عليه الطير من الأبواب، كأمثال النجائب فيقومون بين يديه صفا فينعت كل نفسه بصوت مطرب لذيذ ألذ من كل غناء في الدنيا، يقول: يا ولى
الله، كلني إنى كنت أرعى في روضة كذا وكذا من رياض الجنة، فيحلون عليه أصواتها1» فيرفع بصره فينظر إليهم، فينظر إلى أزهاها صوتا، وأجودها نعتا، فيشتهيها فيعلم الله ما وراء شهوته في قلبه من حبه، فيجيء الطير فيقع على المائدة بعضه قديد، وبعضه شواء، أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل، فيأكل حتى إذا شبع منها، واكتفى طارت طيرا كما كانت، فتخرج من الباب الذي كانت دخلت منه، «فهو2» على الأرائك وزوجته مستقبلة3، يبصر وجهه في وجهها من الصفاء والبياض، كلما أراد أن يجامعها ينظر إليها فيستحي أن يدعوها، فتعلم ما يريد منها زوجها فتدنو إليه، فتقول: بأبي وأمي، ارفع رأسك فانظر إلي فإنك اليوم لي، وأنا لك فيجامعها على قوة مائة رجل من الأولين، وعلى شهوة أربعين رجلا كلما أتاها وجدها عذراء، «لا يغفل4» عنها مقدار أربعين يوما، فإذا فرغ وجد ريح المسك منها فيزداد حبالها، فيها أربعة آلاف وثمانمائة زوجة «مثلها5لكل زوجة» سبعون خادما وجارية.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- عَلَيْهِ السَّلامُ- قَالَ: لَوْ أَنَّ جَارِيَةً أَوْ خَادِمًا خَرَجَتْ إِلَى الدُّنْيَا لاقْتَتَلَ عَلَيْهَا أهل الأرض كلهم «حتى يتفانوا6».
وَلَوْ أَنَّ الْحُورَ الْعِينَ أَرْخَتْ ذُؤَابَتَهَا فِي الأَرْضِ لأَطْفَأَتِ الشَّمْسَ مِنْ نُورِهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَمْ بَيْنَ الْخَادِمِ وَالْمَخْدُومِ؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ بَيْنَ الْخَادِمِ وَالْمَخْدُومِ كَالْكَوْكِبِ «الْمُضِيءِ1» إِلَى جَنْبِ الْقَمَرِ فِي النِّصْفِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ إِذْ يبعث الله- عز وجل- إليه ملكا مَعَهُ سَبْعُونَ حُلَّةً كُلُّ حُلَّةٍ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ2، وَمَعَهُ التَّسْلِيمُ وَالرِّضَا فَيَجِيءُ الْمَلَكُ حَتَّى يَقُومَ عَلَى بَابِهِ، فَيَقُولُ لِحَاجِبِهِ: ائْذَنْ لِي عَلَيَّ وَلِيَّ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَيْهِ.
فَيَقُولُ الْحَاجِبُ: وَاللَّهِ، مَا أَمْلِكُ مِنْهُ الْمُنَاجَاةَ، وَلَكِنْ سَأَذْكُرُكَ إِلَى مَنْ يَلِينِي مِنَ الْحَجَبَةِ.
فَلا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْخَبَرُ بَعْدَ سَبْعِينَ بَابًا، يَقُولُ: يَا وَلِيَّ اللَّهِ، إِنَّ رَسُولَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَلَى الْبَابِ3، فَيَأْذَنُ لَهُ بِالدُّخُول عَلَيْهِ.
فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يَا وَلِيَّ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ- تَعَالَى- لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ الْمَوْتَ لَمَاتَ مِنَ الْفَرَحِ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ» يَا مُحَمَّدُ، ثُمَّ: يَعْنِي هُنَاكَ رَأَيْتُ «نَعِيمًا» يَعْنِي بِالنَّعِيمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ «وَمُلْكاً كَبِيراً» حِينَ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَسُولُ رَبِّ الْعِزَّةِ إِلا بِإِذْنٍ.
«ثم قال4» : عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ يعني الديباج، وإنما قال عاليهم لأن الذي يلي جسده حريرة بيضاء، قال: وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وقال في آية أخرى يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا، فهي «ثلاث5»
أسورة، قوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً- 21- وذلك «أن1» على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان، فإذا جاز الرجل الصراط إلى العين، يدخل في عين منها فيغتسل فيها، فيخرج وريحه أطيب من المسك طوله سبعون ذراعا في السماء على طول آدم- عليه السلام- وميلاد- عيسى بن مريم-، أبناء ثلاث وثلاثين سنة، فأهل الجنة كلهم رجالهم ونساؤهم على قدر واحد يكبر الصغير حتى يكون ابن ثلاث وثلاثين سنة، وينحط الشيخ عن حاله إلى ثلاث وثلاثين سنة، كلهم رجالهم ونساؤهم على قدر واحد فى حسن يوسف بن يعقوب [222 أ]- عليهما السلام- ويشرب من العين الأخرى فينقي ما في صدره من غل، أو هم، أو حسد، أو حزن، فيطهر الله قلبه بذلك الماء فيخرج وقلبه على «قلب2» أيوب- عليه السلام- ولسان محمد- صلى الله عليه وسلم-، عربي،3ثم ينطلقون حتى يأتوا الباب، فتقول لهم الخزنة: طبتم.
يقولون: نعم.
فتقول: ادخلوها خالدين يبشرونهم بالخلود قبل الدخول، بأنهم لا يخرجون منها أبدا، فأول ما يدخل من باب الجنة ومعه الملكان اللذان كانا معه في دار الدنيا «الكرام الكاتبين4» فإذا هو5بملك معه بختية من ياقوتة حمراء زمامها ياقوتة خضراء فإذا كانت البختية من ياقوتة خضراء كان زمامها ياقوتة حمراء، عليها راحلة مقدمها ومؤخرها در وياقوت، صفحتها الذهب والفضة، ومعه
سبعون حلة فيلبسه1ويضع على رأسه التاج، ومعه «عشرة آلاف2» غلام كاللؤلؤ المكنون، فيقول: يا ولي الله، اركب فإن هذا لك، ولك مثلها فيركبها ولها جناحان، خطوة منها منتهى البصر فيسير على بختيته وبين يديه «عشرة آلاف3» غلام، ومعه الملكان اللذان كانا معه في دار الدنيا حتى يأتي إلى قصوره فينزلها، إِنَّ هَذَا الذي قضيت لكم كانَ لَكُمْ جَزاءً لأعمالكم وَكانَ سَعْيُكُمْ يعني عملكم مَشْكُوراً4- 22- يعني شكر الله أعمالهم فأثابهم بها الجنة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا- 23- فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني حتى يحكم الله بينك وبين أهل مكة، ولا تشتم إذا شتمت، ولا تغتظ إذا ضربت وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً- 24- وهو الوليد ابن المغيرة بن هشام [222 ب] المخزومي قال: «أَوْ كَفُوراً» أو: ها هنا صلة، والكفور: هو عتبة بن ربيعة، وذلك أنهم خلوا به في دار الندوة، وفيهم عمرو ابن عمير بن مسعود الثقفي، فقالوا: يا محمد، أخبرنا لم تركت دين آبائك وأجدادك؟ فقال الوليد بن المغيرة: إن طلبت مالا أعطيتك نصف مالي على أن تدع مقالتك هذه.
وقال أبو البختري بن هشام: واللات والعزى إن ارتد عن دينه لأزوجنه ابنتي فإنها أحسن النساء، وأجملهن جمالا، وأفصحهن قولا وأبلغهن علما، وقد
علمت العزى بذلك، فسكت النبي- صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فلم يجبهم شيئا.
فقال ابن مسعود الثقفي: مالك لا تجيبنا إن كنت تخاف عذاب ربك وذمه أجرتك فضحك النبي- صلى الله عليه وسلم- عند ذلك، وقبض ثوبه وقام عنهم، وقال: أصعب أقوال وأضعف أعمال، فأنزل الله- عز وجل- «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا» فيها تقديم، وتأخير «وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» يعنى الوليد بن المغيرة وأبا البختري بن هشام.
وقال في قول عمرو بن عمير بن مسعود الثقفي: «قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً1» يعنى لا يؤمن من عذابه أحد، ولن أجد من دونه مهربا، «إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ... » إلى آخر الآية.2
وأما قوله: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا- 25- يعني إذا صليت صلاة الغداة وهو «بكرة»، فكبر واشهد أن لا إله إلا هو، «وأصيلا» إذا أمسيت وصليت صلاة المغرب فكبره واشهد أن لا إله إلا هو، فهو براءة من الشرك، فذلك قوله: «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ» بشهادة أن لا إله إلا هو، قال كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلي الغداة، ثم يكبر «ثلاثا3»، وإذا صلى المغرب كبر «ثلاثا4» وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ يعني صلاة العشاء والآخرة يقول: صل له قبل أن تنام وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا- 26- يعنى وصل له
بالليل، وكان قيام الليل فريضة على النبي- صلى الله عليه وسلم- فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لك، ثم رجع إلى قوله- عز وجل- الأول: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» فقال: إِنَّ هؤُلاءِ الذين يأمرونك بالكفر يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني الدنيا، لا يهمهم شيء إلا أمر الدنيا الذهب والفضة «والبناء1» والثياب والدواب وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يعني أمامهم وكل شيء في القرآن وراءهم يعني أمامهم، يَوْماً ثَقِيلًا- 27- لأنها تثقل على الكافرين إذا حشروا وإذا وقفوا وإذا حاسبوهم، وإذا جازوا الصراط فهي مقدار ثلاثمائة سنة وأربعين سنة فأما المؤمن فإنه ييسر الله خروجه [223 أ] من قبره وإذا حشره وإذا حاسبه، وإذا جاز الصراط، فذلك قوله: «يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ2» وأما قوله: نَحْنُ خَلَقْناهُمْ في بطون أمهاتهم وهم نطفة وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ حين صاروا شبانا يعني أسرة الشباب وما خلق الله شيئا أحسن من الشباب، منور الوجه أسود الشعر واللحية قوى البدن، قال: وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ ذلك السواد والنور بالبياض والضعف تَبْدِيلًا- 28- من السواد حتى لا يبقى شيء منه إلا البياض فعلم الله- عز وجل- فقال: «إِنَّ هذِهِ»3إن هذا السواد والحسن والقبح تَذْكِرَةٌ يعني عبرة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا- 29- يعني فمن شاء اتخذ في هذه التذكرة فيعتبر فيشكر الله ويوحده، ويتخذ طريقا إلى الجنة،
ثم رد المشيئة إليه فقال: وَما تَشاؤُنَ أنتم أن تتخذوا إلى ربكم سبيلا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فهون عليكم عمل الجنة إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً يعني بأهل الجنة حَكِيماً- 30- إذ حكم على أهل الشقاء النار، ثم ذكر العلم والقضاء بأنه إليه فقال: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ يعني في جنته وَالظَّالِمِينَ يعني المشركين أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً- 31- يعنى وجيعا.