لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ- 154- يعني يخافون اللَّه، وأعطي1مُوسَى التوراة يوم النحر يوم الجمعة فلم يطق حملها، فسجد للَّه وَجَعَل يدعو ربه ويتضرع حَتَّى خففت عَلَيْه فحملها عَلَى عاتقه وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا من اثني عشر سبطا ستة ستة فصاروا اثنين وسبعين رَجُلا، قَالَ مُوسَى: إِنَّمَا أمرني ربي بسبعين رَجُلا فَمنْ قعد عني فلم يجيء فَلَه الجنة فقعد يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا «لِمِيقاتِنا» يعني لميعادنا يعني الأربعين يومًا فانطلق بهم فتركهم فِي أصل الجبل، فَلَمَّا نزل مُوسَى إليهم قَالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جهرة، فأخذتهم الرجفة، يعني الموت عقوبة لما قَالُوا، وبقي مُوسَى وحده يبكي فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ ما أقول لبني إِسْرَائِيل إذا رجعت إليهم وَقَدْ أهلكت خيارهم رب: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ يعنى أمتهم «مِنْ قَبْلُ2» وَإِيَّايَ معهم من قبل أن يصحبوني أَتُهْلِكُنا3عقوبة بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا وظن مُوسَى- عَلَيْه السَّلام- أنما عوقبوا باتخاذ بني إِسْرَائِيل العجل: فهم السفهاء4، فَقَالَ مُوسَى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ يعني ما هِيَ إِلَّا بلاؤك تُضِلُّ بِها بالفتنة مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي من الفتنة مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ- 155- قَالَ فلم يعبد العجل منهم إِلَّا اثنا عشر ألفا وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً يعني المغفرة وَفِي الْآخِرَةِ حسنة يعني الجنة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ
يعني تبنا إليك قالَ اللَّه: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ يعني ملأت كُلّ شيء، قَالَ إبليس: فأنا من كُلّ شيء.
قَالَ اللَّه- تَعَالَى-: فَسَأَكْتُبُها يعني الرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ فعزل إبليس يعني للذين يوحدون ربهم وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [137 ب] يعني أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ- 156- يعني بالقرآن، يصدقون أَنَّهُ من اللَّه، قَالَت اليهود: فنحن نتقي اللَّه، ونؤتي الزكاة، فعزل إبليس واليهود، ثُمّ نعتهم فَقَالَ: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ عَلَى دينه يعني محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يعني بالأمي الَّذِي لا يقرأ الكتب، وَلا يخطها بيمينه الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يعنى بالإيمان وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ يعنى الشرك وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ يعني ما حرم اللَّه من اللحوم، والشحوم، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْخَبائِثَ يعني الميتة، والدم، ولحم الخنزير وَيَضَعُ محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ يعني مما عهد اللَّه إليهم من تحريم اللحوم، والشحوم، ولحم كُلّ ذِي ظفر وَيضع محمد- صلى الله عليه وسلم- الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ واجبة من التغليظ والتشديد، الَّذِي منه أن يقتل قاتل العمد البتة، وَلا يعفى عَنْهُ، وَلا يؤخذ منه الدية، ويقتل قاتل الخطأ إِلَّا أن يشاء وَلِي المقتول فيعفو عَنْهُ ونحوه، ولو صدقوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لوضع ذَلِكَ كله عَنْهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ يعني صدقوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَزَّرُوهُ يعني أعانوه عَلَى أمره وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ يعنى القرآن الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ فَمنْ فعل هَذَا ف أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- 157- فَقَالَ مُوسَى عِنْد ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجعلني
من أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي الأموات وَيُمِيتُ الأحياء فَآمِنُوا يعني فصدقوا بِاللَّهِ أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ وَرَسُولِهِ1- عَلَيْه السَّلام- النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ يعني الَّذِي يصدق بِاللَّه بأنه واحد لا شريك لَهُ، وبآياته، يعني القرآن وَاتَّبِعُوهُ يعني محمدا- عَلَيْه السَّلام- لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَهْتَدُونَ- 158- من الضلالة وَمِنْ قَوْمِ مُوسى يعنى بنى إسرائيل أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني عصابة يدعون إلى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ- 159- يعني الَّذِين من وراء الصين اليوم «الْقَوْمَ الَّذِينَ»2أسرى بهم تحت الأرض، وأخرج لهم نهرا، من الأُرْدُن، من رمل يسمى أردق، من وراء الصين يجري كجري الماء أسرى اللَّه بهم تحت الأرض سنة ونصفا.
فإذا نزول عيسى بن مريم كان معه يوشع بن نون وهم من3آمن من أَهْل الكتاب.
وَقَطَّعْناهُمُ يعني فرقناهم اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً يعني فرقا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ فى التيه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ ففعل وكان من الطور فَانْبَجَسَتْ يعني فانفجرت من الحجر مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ماء باردا فراتا رواء بإذن اللَّه وكان الحجر خفيفا، كُلّ4سِبْط من بني إِسْرَائِيل لهم عين تجري لا يخالطهم غيرهم فيها، فذلك قوله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
[138 ا] يعني كُلّ سِبْط مشربهم وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ بالنهار يعني سحابة بيضاء لَيْسَ فيها ماء، تقيهم من حر الشمس وهم فِي التيه وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ يعنى الترنجبين وَالسَّلْوى طير أحمر يشبه السمان كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ يعني من حلال ما رَزَقْناكُمْ من المن والسلوى وَلا تطغوا فِيهِ يعني لا ترفعوا منه لغد فرفعوا وقددوا فدود عليهم، يَقُولُ اللَّه وَما ظَلَمُونا يعني وما ضرونا يعني وما نقصونا حين رفعوا وقددوا ودود عليهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- 160- يعنى يضرون وينقصون.1
«2وَاذكر إِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المَقْدِس وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا أمرنا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ أَيْ باب القرية سُجَّداً سجود انحناء نَغْفِرْ بالنون والتاء مبنيا للمفعول لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ- 161- بالطاعة ثوابا.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فقالوا حبة فِي شعرة ودخلوا يزحفون عَلَى استاهم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ- 162-3».
وَسْئَلْهُمْ1عَنِ الْقَرْيَةِ اسمها أيلة، عَلَى مسيرة يومين من البحر بين المدينة والشام مسخوا عَلَى عهد دَاوُد- عَلَيْه السَّلام- قردة، يعني اليهود وإنما أمر اللَّه النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يسألهم أمسخ اللَّه منكم قردة وخنازير؟ لأنهم قَالُوا: إنا أبناء اللَّه وأحباؤه وإن اللَّه لا يعذبنا فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخرة لأنا من سِبْط خليله إِبْرَاهِيم ومن سِبْط إِسْرَائِيل وَهُوَ بَكْر نبيه ومن سِبْط كليم الله موسى، ومن سبط ولده2عزيز فنحن من أولادهم، فَقَالَ اللَّه لنبيه- صَلَّى الله عليه وسلم-: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ» الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إما عذبهم اللَّه بذنوبهم، ثُمّ أخبر عن ذنوبهم فقال: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعنى يعتدون إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يعنى السمك يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني شارعة من غمرة الماء إلى قريب من الحذاء يعني الشط أمنت أن يصدن3وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ يعني حين لا يَكُون يوم السبت لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ يعني هكذا نَبْلُوهُمْ يعني نبتليهم بتحريم السمك فى السبت بِما كانُوا يَفْسُقُونَ- 163- جزاء مِنَّا يعني بما كانوا يعصون وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ يعني عصابة منهم وهي الظلمة للواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً وذلك أن الواعظة نهوهم عن الحيتان وخوفوهم فلم ينتبهوا فردت عليهم الواعظة قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ- ولعلهم- يعني ولكي ينتهوا فيؤخروا أَوْ يعذبوا فينجوا4وَلَعَلَّهُمْ يعني ولكي يَتَّقُونَ- 164- المعاصي فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
يعني فَلَمَّا تركوا ما وعظوا به من أمر الحيتان أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ يعنى المعاصي وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني وأصبنا الَّذِين ظلموا بِعَذابٍ يعني المسخ بَئِيسٍ يعنى شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ- 165- يعني يعصون فَلَمَّا عَتَوْا يعني عصوا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ من الحيتان قُلْنا لَهُمْ ليلا كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ- 166- يعنى صاغرين بعد ما أصابوا الحيتان سنين ثُمّ مسخوا قردة فعاشوا سبعة أيام ثُمّ ماتوا يوم الثامن وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني قَالَ ربك: لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ يعني بني إِسْرَائِيل من يسومهم سوء العذاب فبعث اللَّه المسلمين عليهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ما دامت الدُّنْيَا مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ [138 ب] يعني يعذبهم شدة العذاب يعني القتل والجزية إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ- 167- وَقَطَّعْناهُمْ يعنى وفرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً يعني فرقا يعني بني إِسْرَائِيل مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ يعنى المؤمنين وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ يعني دون الصالحين فهم الكفار وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يَقُولُ ابتليناهم بالخصب والشدة لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَرْجِعُونَ- 168- إلى التوبة فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعنى من بعد بنى إسرائيل فَخَلَفَ السوء وهم اليهود وَرِثُوا الْكِتابَ يعني ورثوا التوراة عن أوائلهم وآبائهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وهي الدُّنْيَا لأنها أدنى من الآخرة يعني الرشوة فى الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا فكانوا يرشون بالنهار ويقولون يغفر لنا بالليل وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يعني رشوة مثله ليلا يَأْخُذُوهُ ويقولون يغفر لنا بالنهار يَقُولُ اللَّه: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني بغير ما يقولون لقَدْ أَخَذَ عليهم فى التوراة أن لا يستحلوا محرما
وأَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فِي التوراة وَدَرَسُوا يعني وقرءوا ما فِيهِ ما فِي التوراة وَالدَّارُ الْآخِرَةُ يعني الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ استحلال المحارم أَفَلا تَعْقِلُونَ- 169- ثُمّ ذكر مؤمنيهم فقال: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني يتمسكون بالتوراة ولا يحرفونه عن مواضعه وَلا يستحلون محرما وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ- 170- نزلت فِي ابْن سلام وأصحابه.
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ يعني وإذ رفعنا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وذلك أن مُوسَى- عَلَيْه السَّلام- حين أتاهم بالتوراة وجدوا فيها القتل، والرجم، والحدود، والتغليظ، أبوا أن يقبلوا التوراة، فأمر اللَّه الجبل عِنْد بيت المَقْدِس فانقطع من مكانه فقام فوق رؤوسهم، فأوحى اللَّه إلى مُوسَى أن قل لهم: إن لَمْ يقروا بالتوراة طرحت عليهم الجبل وأرضخ به رءوسهم، فَلَمَّا رأوا ذَلِكَ أقروا بالتوراة ورجع الجبل إلى مكانه، فذلك قوله: وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ يعني وأيقنوا أن الجبل واقع بهم يعني عليهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ما أعطيناكم من التوراة بالجد والمواظبة وَاذْكُرُوا ما فِيهِ يقول واحفظوا ما فِيهِ من أمره ونهيه لَعَلَّكُمْ يعنى لكم تَتَّقُونَ- 171- المعاصي وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ يَقُولُ وَقَدْ أَخَذَ ربك من بني آدم بنعمان عِنْد عرفات من ظهورهم ذُرِّيَّتَهُمْ1وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ بإقرارهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى2أَنْت ربنا وذلك أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- مسح صفحة ظهر آدم اليمنى
فأخرج منه ذرِّيَّة بيضاء كهيئة الذر يتحركون ثُمّ مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرِّيَّة سوداء كهيئة الذر وهم ألف أمة قَالَ: يا آدم هَؤُلاءِ ذريتك أخذنا1ميثاقهم [139 ا] عَلَى أن يعبدوني، وَلا يشركوا بي شيئًا، وعليَّ رزقهم.
قَالَ آدم: «نعم»2يا رب «فلما أخرجهم»3قال الله «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ. قالُوا: «بَلى» شَهِدْنا أنك ربنا، قَالَ اللَّه للملائكة: اشهدوا عليهم بالإقرار قَالَت الملائكة قَدْ شهدنا.4
يَقُولُ اللَّه في الدُّنْيَا لكفار العرب من هَذِهِ الأمة: أَنْ تَقُولُوا5يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا الميثاق الَّذِي أَخَذَ علينا غافِلِينَ- 172- وأشهدهم عَلَى أنفسهم أَوْ6تَقُولُوا لئلا تقولوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا ونقضوا الميثاق مِنْ قَبْلُ شركنا، ولئلا تقولوا وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم وبهداهم، لئلا تقولوا أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ- 173- يعني أفتعذبنا بما فعل المبطلون يعني المكذبين بالتوحيد يعنون آباءهم كقوله7: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ8ثم أفاضهم إفاضة القدح فقال
للبيض: هَؤُلاءِ فِي الجنة برحمتي فهم أصحاب اليمين وأصحاب الميمنة.
وقَالَ للسود: هَؤُلاءِ للنار وَلا أبالي فهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثُمّ أعادهم جميعًا فِي صلب آدم- عَلَيْه السلام.
فأهل القبور محبوسون حَتَّى يَخْرُج اللَّه أَهْل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النّساء ثُمّ تقوم الساعة فذلك قوله: لَقَدْ أَحْصاهُمْ يوم الْقِيَامَة وَعَدَّهُمْ عَدًّا1فَمنْ مات منهم صغيرا فَلَه الجنة بمعرفته بربه ومن بلغ منهم العقل أَخَذَ أيضا ميثاقه بمعرفته «لِرَبِّهِ»2والطاعة لَهُ فَمنْ لَمْ يؤمن إذا بلغ العقل لم يغن عَنْهُ3الميثاق الأول شيئًا وكان العهد والميثاق الأول حجة عليهم.
وقَالَ فيمن نقض العهد الأول: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ يعني من وفاء يعني أكثر وَلَد آدم عليه السلام وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ4يعنى لعاصين.
وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني هكذا نبين الآيات فِي أمر الميثاق وَلَعَلَّهُمْ يعني لكي يَرْجِعُونَ- 174- إلى التوبة وَاتْلُ عَلَيْهِمْ يعني أَهْل مكة نَبَأَ يعني حديث الَّذِي آتَيْناهُ «آياتِنا»5يعني أعطيناه الاسم الأعظم يعني بلعام بن باعورا6بن ماث ابن حراز بن آزر من أَهْل عمان وهي البلقاء التي كان فيها الجبارون بالشام فَإِنَّمَا سميت البلقاء من أجل أن7أن ملكها رَجُل اسمه بالق وذلك أن الملك واسمه بانوس
ابن ستشروث قَالَ لبلعام: ادع عَلَى مُوسَى.
فَقَالَ بلعام: إنَّه من أَهْل دين لا ينبغي أن يدعَى عَلَيْه.
فأمر الملك أن تنحت1خشبة ليصلبه2عَلَيْهَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خرج على أنان لَهُ ليدعو عَلَى مُوسَى- عَلَيْه السَّلام- فَلَمَّا عاين عسكره قامت به الأتان فضربها، فقالت الأتان: لَم تضربني، وهذه نار تتوقد قَدْ منعتني، أن أمشي فارجع.
فرجع، فأخبر الملك، فَقَالَ لَهُ الملك: إما أن تدعو3، وإما أن أصلبك فدعا عَلَى مُوسَى- عَلَيْه السَّلام- باسم اللَّه الأعظم ألا يدخل المدينة، فاستجاب اللَّه لَهُ فبلغ مُوسَى- عَلَيْه السَّلام- فدعا اللَّه أن ينزع ذَلِكَ الاسم منه4فنزع منه الاسم الأعظم، فذلك قوله [139 ب] : فَانْسَلَخَ مِنْها فنزعها اللَّه منه يعني الآيات فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ- 175- يعنى من الضالين وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ فِي الآخرة بِها بما علمناه من آياتنا يعني الاسم الأعظم فِي الدُّنْيَا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يعنى رضى بالدنيا وركن إليها وَاتَّبَعَ هَواهُ أَي هوى الملك مَعَ هواه فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ بنفسك ودابتك5تطرده يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ فلا تحمل عَلَيْه شيء يَلْهَثْ إذا أصابه الحر.
فهذا مثل الكافر إن وعظته، فهو ضال، وإن تركته، فهو ضال، مثل بلعام والكفار يعني كفار مكة «ذلِكَ»6مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن فَاقْصُصِ الْقَصَصَ يعني القرآن عليهم لَعَلَّهُمْ
يعني لكي يَتَفَكَّرُونَ- 176- فِي أمثال اللَّه فيعتبروا فيؤمنوا، ثُمّ قَالَ: ساءَ يعني بئس مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى القرآن يعنى كفارة مكة وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ- 177- يعني أنفسهم ضروا بتكذيبهم القرآن مَنْ يَهْدِ اللَّهُ لدينه فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ عن دينه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ- 178- يعنيهم، ثُمّ قَالَ: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ1لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها لقَولِ اللَّه: خَتَمَ «اللَّهُ»2عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ3فلم تَفْقَه قلوبهم، وَلَم تبصر أعينهم، وَلَم تسمع آذانهم الْإِيمَان، ثُمّ ضرب مثلا فَقَالَ: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ يأكلون، ويشربون، وَلا يلتفتون إلى الآخرة.
كَمَا تأكل الأنعام لَيْسَ للأنعام همة غَيْر الأكل والشرب والسفاد4فهي لا تسمع، وَلا تعقل، كذلك الكفار، ثُمّ قَالَ: بَلْ هُمْ يعني كفار مكة أَضَلُّ يعني أضل سبيلا يعني الطريق من الأنعام، ثُمّ قَالَ: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ- 179- لأن5الأنعام تعرف ربها، وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم، وَلا يوحدونه وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وذلك أن رَجُلا دعا اللَّه فِي الصَّلاة ودعا الرَّحْمَن، فَقَالَ رَجُل من مشركي مكة وَهُوَ أَبُو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين.
فأنزل اللَّه: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يعني الرَّحْمَن، الرحيم، الملك، القدوس، السَّلام، الْمُؤْمِن،
المهيمن، الْعَزِيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، ونحوها.
يَقُولُ: فَادْعُوهُ بِها فدعا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرَّجُل فَقَالَ: ادع اللَّه، وادع الرَّحْمَن، ورغما1لأنف المشركين فإنك ما دعوت من هَذِهِ الأسماء فَلَه2الأسماء الحسنى.
قال3: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ يعني يميلون فِي أسمائه عن الحق فيسمون الآلهة: اللات، والعزى، وهبل، ونحوها.
وأساف، ونائلة، فمنعهم اللَّه أن يسموا شيئًا من آلهتهم باسم اللَّه ثُمّ قَالَ: سَيُجْزَوْنَ العذاب فِي الآخرة مَا كانُوا4يَعْمَلُونَ- 180- وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني عصبة يدعون إِلَى الحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ- 181- فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: هَذِهِ لَكُمْ وَقَدْ أعطى اللَّه مُوسَى- عَلَيْه السَّلام-[140 ا] مثلها وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ- 182- يعني سنأخذهم بالعذاب من حيث يجهلون نزلت فِي المستهزئين من قريش وَأُمْلِي لَهُمْ يعني لا أعجل عليهم بالعذاب إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ- 183- يعني إن أخذي شديد قتلهم اللَّه فِي ليلة واحدة.
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ يعني النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يعني من جنون، وذلك أن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صعد الصفا ليلا فدعا قريشا إلى عبادة اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قَالَ: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ- 184- يعني ما محمد إِلَّا رسول بيّن، ثُمّ وعظهم ليعتبروا فِي صنيعه فيوحدوه، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ من الآيات التي فيها، فيعتبروا أن الَّذِي خلق ما ترون لرب واحد لا شريك لَهُ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ يعنى يكون قد دنا هلاكهم ببدر فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أَي بعد هَذَا القرآن يُؤْمِنُونَ- 185- يعني يصدقون مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ- 186- يعنى فى ضلالتهم يترددون يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ وذلك أن كفار قريش سألوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الساعة أَيَّانَ مُرْساها يعني مَتَى حينها قُلْ لهم إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي وما لي بها من علم لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها يعني لا يكشفها إِلَّا هُوَ إذا جاءت ثُمّ أخبر عن شأنها فَقَالَ: ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَقُولُ ثقل عَلَى من فيهما علمها لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يعنى فجأة ثم قال: يَسْئَلُونَكَ عنها1فى التقديم كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها يقول كأنك قد استحفيت عنها السؤال حَتَّى علمتها قُلْ وما لي بها من علم إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ- 187- يعني أكثر أَهْل مكة لا يعلمون أنها كائنة قُلْ لهم يا محمد: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا يَقُولُ لا أقدر عَلَى أن أسوق إليها خيرًا، وَلا أدفع عَنْهَا ضرا، يعني سوءا حين ينزل بي فكيف أملك علم الساعة، ثم قال: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ فيصيبني ذلك وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ يعنى أعلم غيب الضر والنفع
إذا جاء لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ يعنى من النفع وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يعني ما أصابني الضر إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ من النار وَبَشِيرٌ بالجنة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- 188- يعني يصدقون قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني من نفس آدم- عَلَيْه السَّلام- وحده وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها «لِيَسْكُنَ إِلَيْها»1يعني خلق من ضلع آدم زَوْجَه2حواء، يوم الجمعة وَهُوَ نائم، فاستيقظ آدم وهي عِنْد رأسه فَقَالَ لها: من أَنْت؟ فقالت بالسريانية: أَنَا امرأة.
فَقَالَ آدم: فلم خلقت؟ قَالَتْ: لتسكن إليّ.
وكان وحده فِي الجنة، قَالَت الملائكة: يا آدم ما اسمها؟ قَالَ: حواء، لأنها خلقت من حي، وسمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض كلها، من العذبة، والسبخة من الطينة السوداء، والبيضاء، والحمراء، كذلك نسله طيب وخبيث، وأبيض، وأسود، وأحمر، فذلك قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها يعني جامعها آدم حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً هان عَلَيْهَا الحمل فَمَرَّتْ بِهِ يعني استمرت به بالولد يَقُولُ: تقوم، وتقعد، وتلعب3، وَلا تكترث، فأتاها إبليس وغير صورته واسمه الْحَارِث فَقَالَ: يا حواء لعل الَّذِي فِي بطنك بهيمة فقالت: ما أدري ثُمّ انصرف عَنْهَا فَلَمَّا أَثْقَلَتْ يَقُولُ: فَلَمَّا أثقل الولد فِي بطنها رجع إبليس إليها الثانية فَقَالَ: كيف نجدك يا حواء؟ وهي لا تعرفه قَالَتْ: إني أخاف أن يَكُون فِي جوفي الَّذِي خوفتني به.
ما أستطيع القيام إذا قعدت.
قَالَ: أفرأيت إن دعوت اللَّه فجعله إنسانا مثلك ومثل آدم.
أتسمينه بي؟ قَالَتْ: نعم ثُمّ انصرف عَنْهَا.
فقالت لآدم- عَلَيْه السَّلام-: لقَدْ أتاني آت فزعم أن الَّذِي فِي بطني بهيمة وإني لأجد لَهُ ثقلا وَقَدْ خفت أن يَكُون مثل ما قَالَ: فلم يكن
لآدم وحواء هَمٌّ غَيْر الَّذِي فِي بطنها فجعلا يدعوان اللَّه «دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما»1لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً يَقُولان: لئن أعطيتنا هَذَا الولد سويا صَالِح الخلق لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ- 189- فى هذه النعمة فولدت سويا صالحا فجاءها إبليس وهي لا تعرفه فَقَالَ: لم لا تسميه بي كَمَا وعدتني.
قَالَتْ: عَبْد الحرث فكذبها.
فسمته عَبْد الْحَارِث فرضي به آدم، فمات الولد.
فذلك قوله: فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً يعني أعطاهما الولد صَالِح الخلق جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ يعني إبليس شريكا فِي الاسم سمته عَبْد الْحَارِث2فكان الشرك فِي الطاعة من غَيْر عبادة وَلَم يَكُنْ شركا فِي عبادة ربهم ثم انقطع الكلام، فذكر كفار مكة فرجع إلى أول الآية فقال الله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ- 190- يَقُولُ ارتفع عظمة اللَّه عما يشرك مشركو مكة ثُمّ قَالَ: أَيُشْرِكُونَ الآلهة مَعَ اللَّه يعني: اللات، والعزى، ومناة، والآلهة.
مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً ذبابا وَلا غيره وَهُمْ يُخْلَقُونَ- 191- يعني الآلهة يعني يصنعونها بأيديهم، وينحتونها فهي لا تخلق شيئًا ثُمّ قَالَ: وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً يَقُولُ لا تقدر الآلهة منع السوء إذا نزل بمن يعبدها من كفار مكة وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ- 192- يَقُولُ وَلا تمنع الآلهة من أراد بها سوءا فكيف تعبدون من هَذِهِ منزلته وتتركون عبادة ربكم ثُمّ قَالَ- للنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ يعني كفار مكة إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ يعني النبي- صلى الله عليه وسلم- وحده سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ إلى الهدى أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ- 193- يعني ساكتون يعني النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأنهم لا يتبعوكم ثُمّ أخبر عن الآلهة [141 ا] فقال قل لكفار مكة:
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ يعني تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة إنهم عِبادٌ أَمْثالُكُمْ وليسوا بآلهة فَادْعُوهُمْ يعني فاسألوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ بأنهم آلهة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- 194- بأنها آلهة ثُمّ أخبر عن الآلهة فَقَالَ: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ1يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ثُمّ قَالَ لكفار مكة: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يعنى الآلهة ثُمَّ كِيدُونِ أنتم الآلهة جميعًا2بشر فَلا تُنْظِرُونِ- 195- إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ يعنى القرآن وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ- 196- ثُمّ قَالَ لكفار مكة: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ يعني يعبدون مِنْ دُونِهِ من الآلهة لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ يقدر الآلهة منع السوء إذا نزل بكم وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ- 197- يَقُولُ وَلا تمنع الآلهة من أرادها بسوء ثم قال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني كفار مكة لا يَسْمَعُوا الهدى وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ- 198- الهدى قوله: خُذِ الْعَفْوَ يَقُولُ للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خُذْ ما أعطوك من الصدقة وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ يعني بالمعروف وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ- 199- يعني أبا جهل حين جهل عَلَى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فنسخت العفو3الآية التي فى براءة آية الصدقات.4
ونسخ الإعراض آية السيف1قوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ يعني وإما يفتننك من الشَّيْطَان فتنة فِي أمر أَبِي جهل فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ بالاستعاذة عَلِيمٌ- 200- بها- نظيرها فِي حم السجدة2-. ثُمّ وعظ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أمر أَبِي جهل فأخبر عن مصير المؤمنين والكفار فقال: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ- 201- يَقُولُ إن المتقين إذا أصابهم نزغ من الشَّيْطَان تذكروا وعرفوا أنها معصية ففزعوا منها من مخافة اللَّه ثُمّ ذكر الكافر فَقَالَ: وَإِخْوانُهُمْ يعني وأصحابهم يعني إخوان كفار مكة هم الشياطين فى التقديم يَمُدُّونَهُمْ يعنى يلجونهم فِي الغَيِّ يعني الشرك والضلالة والمعاصي ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ- 202- عَنْهَا وَلا يبصرونها كَمَا قصر المتقون عَنْهَا حين أبصروها وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ يعني بحديث من القرآن، وذلك حين أبطأ التنزيل بمكة قالُوا3قَالَ4كفار مكة: لَوْلا اجْتَبَيْتَها يعنى هلا
ابتدعتها من تلقاء نفسك يا محمد لقولهم: - ائت بقرآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بدله- من تلقاء نفسك قُلْ لكفار مكة: إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي إذا أمرت بأمر اتبعته هَذَا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يعني برهان يعني هَذَا القرآن بيان من ربكم وَالقرآن هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- 203- يعني يصدقون بأن القرآن من اللَّه وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ1فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ- 204- وَاذْكُرْ رَبَّكَ يعنى بالذكر القراءة [141 ب] فى الصلاة فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً مستكينا وَخِيفَةً يعني وخوفا من عذابه وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ يعني دون العلانية بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني بالغداة والعشى وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ- 205- عن القراءة فِي الصَّلاة إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ من الملائكة، وذلك حين قَالَ كفار مكة: «وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا»2واستكبروا عن السجود، فأخبر اللَّه أن الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ يعني لا يتكبرون عَنْ عِبادَتِهِ كفعل كفار مكة وأخبر عن الملائكة فَقَالَ: وَيُسَبِّحُونَهُ يعني يذكرون ربهم وَلَهُ يَسْجُدُونَ- 206- يَقُولُ يصلون.