بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص (1) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42) وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقالَ مُوسى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (110) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (137) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (147) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ مَا يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
سورة الأعراف1مكية إلا قوله- تعالى-:
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ...1إلى قوله2:... وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ3، هَذِهِ الآيات4مدنيات، وهي مائتان وست آيات.5
المص- 1- كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعنى القرآن فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ يعني النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَجٌ مِنْهُ يَقُولُ فلا يَكُنْ فِي قلبك شك من القرآن بأنه من اللَّه لِتُنْذِرَ بِهِ1بما فِي القرآن من الوعيد وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ- 2- يعني تذكرة للمصدقين بالقرآن بأنه مِنَ اللَّه- عز وجل- ثُمّ قَالَ لأهل مكة: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني أربابا، ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ- 3- يعني بالقليل أنهم لا يعقلون فيعتبرون، ثُمّ وعظهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها بالعذاب فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً وهم نائمون يعني ليلا أَوْ جاءهم العذاب هُمْ قائِلُونَ- 4- يعني بالنهار فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا يَقُولُ فَمَا كان قولهم عِنْد نزول العذاب بهم إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ- 5- لقولهم فِي حم الْمُؤْمِن «آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ».2
ثم قال: فَلَنَسْئَلَنَّ فى الآخرة الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني الأمم الخالية الَّذِين أهلكوا فِي الدُّنْيَا: ما3أجابوا الرسل فى التوحيد؟ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ- 6-ماذا أجيبوا فى التوحيد؟
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أعمالهم بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ- 7- عن أعمالهم يعني عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ «يَقُولُ وزن الأعمال يومئذ العدل فِي الآخرة1» فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ من الْمُؤْمِنِين وزن ذرة عَلَى سيئاته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- 8- وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يعنى الكفار فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [128 أ] يعني غبنوا أنفسهم فصاروا إلى النار بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ- 9- يعني بالقرآن يجحدون بأنه لَيْسَ من اللَّه وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ يقول ولقد أعطيناكم يا أهل مكة من الخير والتمكين فِي الأرض وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ من الرزق لتشكروه فتوحدوه2فلم تفعلوا، فأخبر عنهم فقال: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ- 10- يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هَذِهِ النعم فيوحدونه وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ يعني آدم- عَلَيْه السَّلام ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ يعني ذرِّيَّة آدم ذكرا وأنثى وأبيض وأسود سويا وغير سوى ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الَّذِين هُمْ فِي الأرض ومنهم إبليس عدو الله اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا لَهُ، ثُمّ استثنى فَقَالَ: إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ- 11- لآدم مَعَ الملائكة قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ- 12- والنار تغلب الطين قالَ فَاهْبِطْ مِنْها قَالَ: اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الدمامة.
فاخرج من الجنة يا إبليس فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَمَا ينبغي لك أن تتعظم فيها يعني فِي الجنة فَاخْرُجْ منها إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ- 13- يعني من المذلين قالَ إبليس لربه أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
- 14- يعني النفخة الآخرة يوم يبعث آدم- عَلَيْه السَّلام- وذريته قالَ اللَّه: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ- 15- فلا تموت إلى يوم الوقت المعلوم يعني أجلا معلوما وهي النفخة الأولى قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي قَالَ أما إذ أضللتني لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ- 16- يعني لأصدنهم عن دينك المستقيم يعني الْإِسْلام ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من قبل الآخرة فأزين لهم التكذيب بالبعث وبالجنة وبالنار وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني من قبل الدُّنْيَا فأزينها فِي أعينهم وأرغبهم فيها وَلا يعطون فيها حقا وَعَنْ أَيْمانِهِمْ يعنى من قبل دينهم فَإِن كانوا عَلَى هدى شبهته عليهم حَتَّى يشكوا فيها1وإن كانوا عَلَى ضلالة زينتها لهم وَعَنْ شَمائِلِهِمْ يعني من قبل الشهوات واللذات من المعاصي وأشهاها إليهم وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ- 17- لنعمتك فلا يوحدونك قالَ لَهُ اخْرُجْ مِنْها يعنى من الجنة مَذْؤُماً منفيا مَدْحُوراً يعني مطرودا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ على دينك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ- 18- يعني إبليس وذريته وكفار ذرِّيَّة آدم، منهم جميعًا.
وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فِي التقديم فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ وهي السنبلة الحنطة، وقالوا هِيَ الشجرة التي تحتك2بها الملائكة للخلود فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ- 19- لأنفسكم فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ يعني إبليس وحده لِيُبْدِيَ لَهُما مَا وُورِيَ عَنْهُما يعنى ما غطى عنهما مِنْ سَوْآتِهِما [128 ب] يعني ليظهر لهما عورتهما وَقالَ إبليس لهما: إنى
خلقت قبلكما وإنى أعلم منكما فأطيعاني ترشدا، وقَالَ لهما: مَا نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ- 20- يَقُولُ إن لَمْ تكونا ملكين كنتما من الخالدين لا تموتان وَقاسَمَهُما يعني حلف بِاللَّه لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ- 21- إنها شجرة الخلد من أكل منها لَمْ يمت فكان إبليس أول من يحلف بِاللَّه كاذبا فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ يعنى زين لهما الباطل لقوله تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين وحلف عَلَى قوله فغرهما بهذه اليمين فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما يعني ظهرت لهما عوراتهما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما يَقُولُ أخذا يغطيان عوراتهما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ يعني ورق التين الَّذِي فِي الجنة وَناداهُما رَبُّهُما يَقُولُ: وقَالَ لهما ربهما يوحي إليهما: أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما يعني آدم وحواء إِنَّ الشَّيْطانَ يعني إبليس لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ- 22- قَالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا ذنوبنا وَتَرْحَمْنا وتتجاوز عنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ- 23- فِي العقوبة فتاب آدم- عَلَيْه السَّلام- يوم عاشوراء يوم الجمعة فتاب اللَّه عَلَيْه، وأوحى إليهما: قالَ اهْبِطُوا من الجنة آدم وحواء وإبليس والحية بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يَقُولُ إبليس لهما عدو وهما لإبليس عدو وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ- 24- يعني إلى منتهى آجالكم وإبليس فِي النفخة الأولى قالَ فِيها تَحْيَوْنَ يعني فِي الأرض وَفِيها تَمُوتُونَ عِنْد منتهى آجالكم وَمِنْها تُخْرَجُونَ- 25- يوم الْقِيَامَة.
يَا بَنِي آدَمَ نزلت فِي ثقيف، وبني عامر بن صَعْصَعَة، وخزاعة، وبني مدلج، وعامر والحارث ابني عَبْد مناة، قَالُوا: لا نطوف بالبيت الحرام فِي الثياب التي نقارف فيها الذنوب.
وَلا يضربون عَلَى أنفسهم خباء من وبر وَلا صوف وَلا شعر وَلا أدم، فكانوا يطوفون بالبيت عراة، ونساءهم يطفن بالليل فأنزل اللَّه
يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يَقُولُ من أمري كان اللباس فِي الأرض يُوارِي سَوْآتِكُمْ يعني يغطي عوراتكم وَرِيشاً يعني المال وَلِباسُ التَّقْوى يعني من العمل الصالح ذلِكَ خَيْرٌ يَقُولُ العمل الصالح خير من الثياب والمال ثُمّ قَالَ: ذلِكَ الثياب والمال مِنْ آياتِ اللَّهِ ومن صنعه لَعَلَّهُمْ يعنى لكي يَذَّكَّرُونَ- 26- فيعتبروا فِي صنعه فيوحدوه، ثُمّ قَالَ: يَا بَنِي آدَمَ يعنيهم لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ فِي دينكم أمر الثياب فيدعها عنكم فتبدي عوراتكم كَما «أَخْرَجَ1» أَبَوَيْكُمْ يعني كَمَا فعل بأبويكم آدم وحواء فأخرجهما مِنَ الْجَنَّةِ وبدت عورتهما، فذلك قوله: يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما يعنى ثيابهما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما يعني عوراتهما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ يقول يراكم إبليس وجنوده [129 أ] من الشياطين من حيث لا ترونهم إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ- 27- يعني لا يصدقون، ثُمّ قَالَ: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني معصية فيما حرموا من الحرث، والأنعام، والثياب، والألبان، فنهوا عن تحريم ذَلِكَ قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها يعني بتحريم ذَلِكَ، ثُمّ قَالَ: قُلْ يا محمد: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ يعني بالمعاصي فيحرم ذَلِكَ، وقل لهم: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ربكم إنَّه حرم عليكم مَا لا تَعْلَمُونَ- 28- أنَّه حرمه وقُلْ لهم: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ يعني بالعدل وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ يعني وأمر ربي أن تقيموا وجوهكم يعني إلى القبلة عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فِي بيعة أَوْ كنيسة، أَوْ غيرها فصلوا قبل الكعبة وأمرهم بالصلاة والتوحيد فذلك قوله: وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ يعنى
موحدين لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ- 29- يعني كَمَا خلقكم سعداء وأشقياء كذلك تعودون فَرِيقاً هَدى لدينه وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ يعني أربابا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ- 30- أنهم على الهدى، ثُمّ قَالَ يعنيهم: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فِي كنيسة، أَوْ بيعة، أَوْ غيرها وَكُلُوا من الحرث والأنعام وَاشْرَبُوا من الألبان وَلا تُسْرِفُوا يَقُولُ: وَلا تشركوا الآلهة فِي تحريم الحرث، والأنعام، والثياب، والألبان، مما1هُوَ حل لكم إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ- 31- يعني المشركين قُلْ لهم: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ يعنى الثياب الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ يعني الحلال مِنَ الرِّزْقِ يعني الحرث، والأنعام والألبان، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ يَقُولُ أشرك فِي الطيبات فِي الدُّنْيَا الْمُؤْمِن، والكافر، وهي خالصة للمؤمنين يوم الْقِيَامَة كَذلِكَ نُفَصِّلُ يَقُولُ هكذا نبين الْآياتِ يعني أمور ما ذكر فِي هَذِهِ الآية لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ- 32- بتوحيد اللَّه، ثُمّ أخبرهم بما حرم اللَّه فَقَالَ: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ يعنى الزنا ما ظَهَرَ مِنْها يعني العلانية وَما بَطَنَ فِي السر وكانوا يتكرمون «عن الزنا فِي2» العلانية ويفعلوه فِي السر، وحرم شرب الخمر وَالْإِثْمَ والمعاصي وَالْبَغْيَ يعني ظلم الناس بِغَيْرِ الْحَقِّ إِلَّا أن يقتص منه بحق وَحرم أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يعني كتابا فِيهِ حجتكم بأن معه شريكا وَحرم أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ بأنه حرم الحرث والأنعام والألبان والثياب مَا لا تَعْلَمُونَ
- 33- أَنَّهُ حرمه ثُمّ خوفهم بالعذاب فَقَالَ: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ العذاب فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ- 34- يَقُولُ لا يتأخرون وَلا يتقدمون حَتَّى يعذبوا وذلك حين سألوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن العذاب، ثُمّ قَالَ: يَا بَنِي آدَمَ يعني مشركي العرب إِمَّا فَإِن يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحده يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي [129 ب] يعني يتلون عليكم القرآن فَمَنِ اتَّقى الشرك وَأَصْلَحَ العمل وآمن بِاللَّه فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ- 35- من الموت وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن أَنَّهُ لَيْسَ من اللَّه وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها وتكبروا عن الْإِيمَان1بآيات القرآن أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- 36- فَمَنْ أَظْلَمُ يعني فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن معه شريكا وأنه أمر بتحريم الحرث، والأنعام، والألبان، والثياب، أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعنى بآيات القرآن أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ يعنى حظهم مِنَ الْكِتابِ وذلك أن اللَّه قَالَ فِي الكتب كلها: إنَّه من افترى عَلَى اللَّه كذبا فَإنَّهُ يسود وجهه، فهذا ينالهم فِي الآخرة- نظيرها فِي الزمر- تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ2وقال: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ يعني ملك الموت وحده، ثُمّ قَالَتْ لهم خزنة جَهَنَّم قبل دخول النار فِي الآخرة: قالُوا3أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ يعنى تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ من الآلهة هل يمنعونكم4
من النار قالُوا ضَلُّوا عَنَّا يعني ضلت الآلهة عنا يَقُولُ اللَّه: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ- 37- وذلك حين قالوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت الألسن من الشرك والكفر- نظيرها فِي الأنعام1قالَ أَي قَالَت الخزنة2: ادْخُلُوا النار فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ النار لَعَنَتْ أُخْتَها لعنت أَهْل ملتهم يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهود اليهود، ويلعن النَّصارى النَّصارى، ويلعن المجوس المجوس، ويلعن الصابئون الصابئين، ويلعن الأتباع القادة يقولون: لعنكم اللَّه أنتم ألقيتمونا فِي هَذَا3الملقى حين أطعناكم يقولون: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها يعني حَتَّى إذا اجتمعوا فِي النار جَمِيعاً القادة، والأتباع وَقَدْ دخلت القادة والأتباع قالَتْ أُخْراهُمْ دخولا النار وهم الأتباع لِأُولاهُمْ دخولا النار وهم القادة رَبَّنا هؤُلاءِ القادة أَضَلُّونا عن الهدى فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً يعني أعطهم عذابا مضاعفا مِنَ النَّارِ4قالَ يَقُولُ اللَّه: لِكُلٍّ يعني الأتباع والقادة ضِعْفٌ يضاعف العذاب وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ- 38- وَقالَتْ أُولاهُمْ دخولا النار وهم القادة لِأُخْراهُمْ دخولا النار وهم الأتباع فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فِي شيء فقد ضللتم كَمَا ضللنا فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ- 39- يعنى تقولون من الشرك والتكذيب
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها يعني وتكبروا عن الإيمان بآيات القرآن لا تُفَتَّحُ لَهُمْ يعني لأرواحهم وَلا لأعمالهم أَبْوابُ السَّماءِ كَمَا تفتح أبواب السماء لأرواح الْمُؤْمِنِين ولأعمالهم إذا ماتوا، ثُمّ قَالَ: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ يقول [130 أ] حَتَّى يدخل البعير فِي خرق الإبرة وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ- 40- لا يدخلون الجنة، ثُمّ ذكر ما أعد لهم فِي النار فقال: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ يعني فراش من نار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ يعني لحفا يعني ظللا من النار، وذلك قوله فِي الزمر: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ1يقول وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الظَّالِمِينَ- 41- جَهَنَّم2«وما3فيها من العذاب، ثُمّ ذكر الْمُؤْمِنِين فَقَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يَقُولُ لا نكلفها من العمل إِلَّا ما تطيق أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- 42- لا يموتون.
ثُمّ أخبر4عَنْهُمْ فَقَالَ: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ يعني ما كان فِي الدُّنْيَا فِي قلوبهم من غش، يعني بعضهم لبعض وذلك أن أَهْل الجنة، إذا هُمْ بشجرة ينبع من ساقها عينان فيميلون إلى أَحَدهمَا فيشربون منها فيخرج اللَّه ما كان فِي أجوافهم من غل أو قذار
فيطهر اللَّه أجوافهم «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً»1ثُمّ يميلون إلى العين الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب اللَّه أجسادهم من كُلّ درن وجرت عليهم النظرة فلا تشعث رءوسهم، وَلا تغبر وجوههم، وَلا تشحب أجسادهم، ثُمّ تتلقاهم خزنة الجنة قبل أن يدخلوا الجنة فينادونهم يعني قَالُوا لهم: «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها» يَقُولُ: هاكم الجنة: أورثتموها «بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» فَلَمَّا استقروا فِي منازلهم: «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ2» وَقالُوا3الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا أَي للإسلام ولهذا الخير وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لدينه ما كُنَّا لنهتدي فِي التقديم لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ بأن هَذَا اليوم حق فصدقناهم «وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»4- 43- وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا من الخير والثواب فِي الدُّنْيَا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فِي الدُّنْيَا من العذاب قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ وهو ملك ينادى أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ- 44- يعني عذاب اللَّه عَلَى المشركين، ثُمّ نعت أعمالهم الخبيثة فقال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني دين الإسلام وَيَبْغُونَها عِوَجاً ويريدون بملة الإسلام زيفا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ يعني بالبعث الذي فِيهِ جزاء الأعمال كافِرُونَ- 45- ثُمّ قَالَ: وَبَيْنَهُما حِجابٌ يَقُولُ بين الجنة والنار سور وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ
يعنى على السور رجال يَعْرِفُونَ كُلًّا «من1» الفريقين بِسِيماهُمْ يعرفون أَهْل الجنة ببياض في الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يسلم أصحاب الأعراف على أهل الجنة يَقُولُ اللَّه: لَمْ يَدْخُلُوها يعني أصحاب الأعراف لَمْ يدخلوا الجنة وَهُمْ يَطْمَعُونَ- 46- فِي دخولها وإنما طمعوا فِي دخول الجنة من أجل النور الَّذِي بين أيديهم وعلى أقدامهم مثل السراج ثُمّ قَالَ: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ يعنى قلبت وجوههم تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ يَقُولُ وإذا نظر أصحاب الأعراف قبل أَهْل النار قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- 47- يعني مَعَ المشركين فِي النار وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا هُمْ فِي النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني بسواد الوجوه من القادة والكبراء قالُوا مَا أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ فى الدنيا وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ2- 48- يعني وما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الْإِيمَان، فأقسم أَهْل النار أن أَهْل الأعراف سيدخلون3النار معهم قَالَت الملائكة الَّذِين حبسوا أصحاب الأعراف عَلَى الصراط أَهؤُلاءِ يعني أصحاب الأعراف الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ يا أهل النار أنهم لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ثُمّ قَالَت الملائكة: يا أصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ من العذاب وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ- 49- من الموت.
فَقَالَ مُقَاتِلٌ: إن أصحاب الأعراف من أمة محمد- صلى الله عليه
وَسَلَّمَ- خاصة، وهم الَّذِين استوت حسناتهم وسيئاتهم فحبسوا عَلَى الصراط من أجل ذنوبهم ثُمّ دخلوا الجنة بعد ذَلِكَ بشفاعة محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ يَقُولُ: اسقونا من الماء نشرب أَوْ أطعمونا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الطعام نأكل فَإِن فينا معارفكم وفيكم معارفنا، فرد عليهم أَهْل الجنة قالُوا «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما» يعني الطعام والشراب «عَلَى الْكافِرِينَ» وذلك أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- رفع أَهْل الجنة لأهل النار فرأوا ما فيهما من الخير والرزق فنادوا عِنْد ذَلِكَ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله من الشراب والطعام، قَالَ لهم أَهْل الجنة: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ- 50- ثم نعتهم فقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الْإِسْلام لَهْواً وَلَعِباً يعني لهوا عَنْهُ ولعبا يعني باطلا ودخلوا فِي غَيْر دين الْإِسْلام وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن دينهم الْإِسْلام فَالْيَوْمَ فِي الآخرة نَنْساهُمْ كَما نَسُوا يَقُولُ: فاليوم فِي الآخرة نتركهم فِي النار كما تركوا الإيمان لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا يعنى بالبعث وَما كانُوا بِآياتِنا يعني بالقرآن يَجْحَدُونَ- 51- بأنه لَيْسَ من اللَّه وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ يعني بيناه عَلى عِلْمٍ وَهُوَ القرآن هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً من العذاب لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ- 52- يعني يصدقون.
بالقرآن بأنه من اللَّه، ثُمّ رجع فِي التقديم إلى الَّذِين جحدوا بالقرآن فَقَالَ: هَلْ يَنْظُرُونَ يخوفهم إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يعني العاقبة: ما وعد اللَّه فِي القرآن من الوعد والوعيد، والخير والشر، عَلَى ألسنة الرسل يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ يعني يَقُولُ فِي الآخرة: الَّذِين تركوا الْإِيمَان فِي الدُّنْيَا بالبعث، فإذا ذكروه وعاينوا قول الرسل قَالُوا: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ بأن هَذَا اليوم كائن وَهُوَ حق فَهَلْ
لَنا مِنْ شُفَعاءَ من الملائكة والنبيين وغيرها فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيَا فَنَعْمَلَ من الخير غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من الشر يعني الشرك والتكذيب يَقُولُ اللَّه: قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يَقُولُ قَدْ غبنوا أنفسهم فساروا إلى النار وَضَلَّ عَنْهُمْ في الآخرة مَا كانُوا يَفْتَرُونَ- 53- فِي الدُّنْيَا من التكذيب إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قبل ذلك1». [131 أ2] يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَقُولُ يغشى ظلمة الليل ضوء النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً يعني سريعا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ لبنى آدم أَلا لَهُ الْخَلْقُ يعني كُلّ شيء خلق وَالْأَمْرُ يعني قضاءه فِي الخلق الَّذِي فِي اللوح المحفوظ فَلَه المشيئة فِي الخلق والأمر تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ- 54- فيخبر بعظمته وقدرته ثُمّ بين كيف يدعونه؟ فقال: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً يعني مستكينين وَخُفْيَةً يعني في خفض وسكون كقوله: «وَلا تُخافِتْ بِها»3يعني تسر بها فادعوه فِي حاجتكم وَلا تدعوه فيما لا يحل لَكُمْ عَلَى مُؤْمِن أَوْ مؤمنة: تَقُولُ اللَّهُمَّ اخزه والعنه اللَّهُمَّ أهلكه أَوْ افعل به كذا وكذا فذلك عدوان إِنَّهُ الله4لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ- 55-
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وذلك أن اللَّه إذا بعث نبيا إلى الناس فأطاعوه صلحت الأرض وصلح أهلها وأن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها يَقُولُ لا تعملوا فِي الأرض بالمعاصي بعد الطاعة وَادْعُوهُ خَوْفاً من عذابه وَطَمَعاً فِي رحمته فَمنْ فعل ذَلِكَ وَهُوَ محسن فذلك قوله: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ- 56- يعني بالرحمة المطر، يَقُولُ الرحمة لهم وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً1بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يَقُولُ الرياح نشرا للسحاب كقوله: يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً2يسير السحاب قدام الرياح حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ يعني إذا حملت الريح سَحاباً ثِقالًا من الماء سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ نبات فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء من الأرض مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ يعني هكذا نُخْرِجُ يُخْرِج اللَّه الْمَوْتى من الأرض بالماء كَمَا أخرج النبات من الأرض بالماء لَعَلَّكُمْ يعني لكي تَذَكَّرُونَ- 57- فتعتبروا فِي البعث أَنَّهُ كائن- نظيرها فِي الروم3والملائكة4-.
ثُمّ ضرب مثلا للمؤمنين والكفار فَقَالَ: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يعني الأرض العذبة إذا مطرت يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فينتفع به كَمَا ينفع المطر البلد الطيب فينبت، ثم ذكر مثل الكافر فَقَالَ: وَالَّذِي خَبُثَ من البلد يعني من الأرض السبخة أصابها المطر فلم ينبت لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً يعني إلا عسرا رقيقا يبس مكانه فلم ينتفع به- فهكذا الكافر يسمع الْإِيمَان وَلا ينطق به ولا ينفعه [131 ب].
كَمَا لا1ينفع هَذَا النبات الَّذِي يَخْرُج رقيقا فييبس مكانه كَذلِكَ يعني هكذا نُصَرِّفُ الْآياتِ فِي أمور شتى لما ذكره فِي هاتين الآيتين لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ- 58- يعني يوحدون ربهم لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يقول ليس لكم رب غيره فَإِن لم تعبدوه إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ فى الدنيا عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ- 59- لشدته قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وهم القادة والكبراء لنوح إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ- 60- قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- 61- إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَأَنْصَحُ لَكُمْ فيها وأحذركم من عذابه فِي الدُّنْيَا وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ فِي نزول العذاب بكم مَا لا تَعْلَمُونَ- 62- أنتم وذلك أن قوم نوح لَمْ يسمعوا بقوم قطّ عذبوا وَقَدْ سَمِعَت الأمم بعدهم بنزول العذاب عَلَى قوم نوح.
ألا ترى أن هودا قَالَ لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ2
وقَالَ صَالِح لقومه: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ هلاك عادٍ1، وحذر شُعَيْب قومه فَقَالَ: أَنْ يُصِيبَكُمْ من العذاب مِثْلُ مَا أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ.2
فَمنْ ثُمّ قَالَ نوح لقومه: أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فَقَالَ بعضهم لبعض الكبراء للضعفاء: ما هذا إلا بشر مثلكم أفتتبعونه3؟ فرد عليهم نوح أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بيان من ربكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يعني نفسه لِيُنْذِرَكُمْ العذاب فِي الدُّنْيَا وَلِتَتَّقُوا الشرك وتوحدوا ربكم وَلَعَلَّكُمْ يعنى ولكي تُرْحَمُونَ- 63- فلا تعذبوا4فَكَذَّبُوهُ فِي العذاب أَنَّهُ لَيْسَ بنازل بنا يَقُولُ اللَّه: فَأَنْجَيْناهُ يعني نوحا وَالَّذِينَ مَعَهُ من الْمُؤْمِنِين فِي الْفُلْكِ يعني السفينة من الغرق برحمة مِنَّا وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني نزول العذاب إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ- 64- عموا عن نزول العذاب بهم وَهُوَ الغرق وَأرسلنا إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يَقُولُ ما لَكُمْ رب غيره أَفَلا تَتَّقُونَ- 65- يعني الشرك أفلا توحدون ربكم قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وهم الكبراء لهود
والقادة: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ يعني في حمق وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ يعني لنحسبك مِنَ الْكاذِبِينَ- 66- فيما تَقُولُ فِي نزول العذاب بنا قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ يعني حمق وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- 67- إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ فيما أحذركم من عذابه أَمِينٌ- 68- فيما بيني وبينكم، فَقَالَ الكبراء: للضعفاء ما هَذَا إلا بشر مثلكم أفتتبعونه1؟ فرد عليهم هود أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ [132 أ] يعني بيان من ربكم عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يعني نفسه لِيُنْذِرَكُمْ العذاب فِي الدُّنْيَا وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ فِي الأرض2مِنْ بَعْدِ هلاك قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً عَلَى غيركم: كان طول كُلّ رَجُل منهم3اثنى عشر ذراعا ونصفا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ يعني نعم اللَّه فوحدوه لَعَلَّكُمْ يعني لكي تُفْلِحُونَ- 69- وَلا تعبدوا غيره قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ عبادة مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- 70- إن العذاب نازل بنا قالَ هود: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ يعني إثم وعذاب أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أنها آلهة مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يعني من كتاب لَكُمْ فِيهِ حجة بأن معه شريكا فَانْتَظِرُوا العذاب إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ- 71- بكم العذاب فَأَنْجَيْناهُ يعني هودا وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين بِرَحْمَةٍ مِنَّا
يعني بنعمة مِنَّا من العذاب وَقَطَعْنا دابِرَ يعنى أصل القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى بنزول العذاب وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ- 72- يعني مصدقين بالعذاب أَنَّهُ نازل بهم وهي الريح.
ثُمّ ذكر اللَّه ثمود قوم صَالِح فَقَالَ: وَأرسلنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ يَقُولُ لَيْسَ لَكُمْ رب غيره قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بالبينة الناقة فَقَالَ: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً لتعتبروا فتوحدوا ربكم وكانت1من غَيْر نسل وكان الفصيل من نسل فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ يَقُولُ خلوا عَنْهَا فلتأكل حيث شاءت وَلا تكلفكم مؤونة وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ لا تصيبوها بعقر فَيَأْخُذَكُمْ يعني فيصيبكم عَذابٌ أَلِيمٌ- 73- يعني وجيع فِي الدُّنْيَا وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ هلاك عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً يعني تبنون فِي2الجبال من الحجارة بيوتا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ يعني نعم اللَّه فِي القصور والبيوت فتوحدوه وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ- 74- يعني وَلا تسعوا فيها بالمعاصي قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني الَّذِين تكبروا عن الْإِيمَان وهم الكبراء مِنْ قَوْمِهِ أَي من قوم صَالِح3لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ يعني لمن صدق منهم بالتوحيد أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
- 75- قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ يعني صدقتم به من العذاب والتوحيد كافِرُونَ- 76- فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ليلة الأربعاء وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ يعني التوحيد وَقالُوا يَا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ- 77- الصادقين بأن العذاب نازل بنا فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعنى فأصابهم العذاب بكرة يوم السبت من صيحة جبريل [132 ب]- عليه السلام- فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ- 78- يعني فِي منازلهم خامدين أمواتا فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني فأعرض عَنْهُمْ حين كذبوا بالعذاب وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَنَصَحْتُ لَكُمْ فيما حذرتكم من عذابه وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ- 79- يعنى نفسه.
وَأرسلنا لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ1أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ يعني المعصية يعني إتيان الرجال وأنتم تبصرون أنها فاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ- 80- فيما مضى قبلكم إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ- 81- يعني الذنب العظيم2وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ أَي قوم لوط3حين نهاهم عن الفاحشة إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ- 82- يعني لوطا وحده يعني يتنزهون عن إتيان الرجال فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ من العذاب
إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ- 83- يعني من الباقين فِي العذاب وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ الحجارة من فوقهم مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ1يعني فبئس مطر الَّذِين أنذروا العذاب فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ- 84- يعني قوم لوط كان عاقبتهم الخسف والحصب بالحجارة وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ ابْن إِبْرَاهِيم لصلبه.
وأرسلنا إلى مدين أَخاهُمْ شُعَيْباً لَيْسَ بأخيهم فِي الدين وَلَكِن أخوهم فِي النسب قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني وحدوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ لَيْسَ لَكُمْ رب غيره قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بيان من ربكم فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ يعني لا تنقصوا الناس حقوقهم فِي نقصان الكيل والميزان وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها بعد الطاعة فِي نقصان الكيل والميزان2فَإِن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها ذلِكُمْ يقول وفاء الكيل والميزان خير لَكُمْ من النقصان إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- 85- يقول إن كنتم آمنتم كان فِي الآخرة خير لَكُمْ من نقصان الكيل والميزان فِي الدُّنْيَا- نظيرها فِي هود-.3
وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ يعني وَلا ترصدوا بكل طريق توعدون أَهْل الإيمان بالقتل وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني عن دين الإسلام مَنْ آمَنَ بِهِ يعني من صدق بِاللَّه وحده لا شريك لَهُ وَتَبْغُونَها عِوَجاً يعني تريدون بملة الْإِسْلام زيفا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا4عددكم بعد عذاب
الأمم الخالية، ثُمّ ذكرهم النعم فَقَالَ: فَكَثَّرَكُمْ يعني فكثر عددكم ثُمّ وعظهم وخوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية فَقَالَ: وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ- 86- فِي الأرض بالمعاصي بعد عذاب قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، [133 أ] فِي الدُّنْيَا، نظيرها فِي هود1، وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ من العذاب وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا يعني لَمْ يصدقوا بالعذاب فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ حَتَّى يقضي اللَّه بَيْنَنا فِي أمر العذاب وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ- 87- يعني وَهُوَ خير الفاصلين فكان قضاؤه نزول العذاب بهم قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني الَّذِين تكبروا عن الْإِيمَان وهم الكبراء لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا يعنون الشرك: أَوْ لتدخلن فِي ملتنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ- 88- ثُمّ قَالَ لهم شُعَيْب: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ الشرك يعني إن دخلنا فِي دينكم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها يَقُولُ بعد إذ لَمْ يجعلنا اللَّه من أَهْل ملتكم الشرك وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها وما ينبغي لنا أن ندخل فِي ملتكم الشرك إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا فيدخلنا فِي ملتكم وَسِعَ يعني ملأ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فعلمه عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لقولهم لشعيب: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا ثُمّ قَالَ شُعَيْب: رَبَّنَا افْتَحْ يعني اقض بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ يعني بالعدل فِي نزول العذاب بهم وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ- 89- يعنى القاضين.
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله مِنْ قَوْمِهِ وهم الكبراء للضعفاء لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً على دينه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ- 90- يعني لعجزة، نظيرها فِي يُوسُف لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ1يعني لعجزة ظالمون فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني العذاب فَأَصْبَحُوا من صيحة جبريل- عَلَيْه السَّلام فِي دارِهِمْ يعني قريتهم جاثِمِينَ- 91- يعني أمواتا خامدين الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني كَأَنّ لَمْ يكونوا فيها قطّ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ- 92- فَتَوَلَّى عَنْهُمْ يعني فأعرض عَنْهُمْ حين كذبوا بالعذاب، نظيرها في هود2، وَقالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي فِي نزول العذاب بكم فِي الدُّنْيَا وَنَصَحْتُ لَكُمْ فيما حذرتكم من عذابه فَكَيْفَ آسى يَقُولُ فكيف أحزن بعد الصيحة عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ- 93- إذا عذبوا وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ فكذبوه إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ يعني قحط المطر فأصابهم البؤس وَهُوَ الشدة والضر يعني البلاء لَعَلَّهُمْ يعني لكي يَضَّرَّعُونَ- 94- إلى ربهم فيوحدونه فيرحمهم ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ يَقُولُ حولنا مكان3الشدة الرخاء حَتَّى عَفَوْا يَقُولُ حموا4وسمتوا فلم يشكروا ربهم فقالوا من غيرتهم وجهلهم وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا يعنى
أصاب آباءنا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ يعني الشدة والرخاء مثل ما أصابنا فلم يك شيئًا يَقُولُ: فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب بَغْتَةً [133 ب] فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ- 95- أعز ما كانوا حتى1نزل بهم وَقَدْ أنذرتهم رسلهم العذاب من قبل أن ينزل بهم فذلك قوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ بالشرك وَأَهْلُها غافِلُونَ2ثُمّ أخبر عَنْهُمْ فَقَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى التي عذبت آمَنُوا بتوحيد اللَّه وَاتَّقَوْا الشرك ما قحط عليهم المطر ولَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ يعني المطر وَالْأَرْضِ يعني النبات وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب بِما كانُوا يَكْسِبُونَ- 96- من الشرك والتكذيب أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً يعنى عذابنا ليلا3وَهُمْ نائِمُونَ- 97- أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى يعني عذابنا نهارا وَهُمْ يَلْعَبُونَ- 98- يعني لاهون عَنْهُ، نظيرها فِي طه وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى4يعني نهارا أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ يعنى عذاب اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ- 99- أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ يعني ورثوا الأرض مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بعذاب بِذُنُوبِهِمْ يخوف كفار مكة وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ- 100- بالإيمان.
ثُمّ رجع إلى القرى الخالية التي عذبت، فَقَالَ: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها يعنى حديثها
وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بيان العذاب فَإنَّهُ نازل بهم فِي الدُّنْيَا وذلك أن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- أخبر كفار مكة بأن العذاب نازل بهم فكذبوه بالعذاب فأنزل اللَّه: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يَقُولُ فَمَا كان كفار مكة ليؤمنوا يعني ليصدقوا أن العذاب نازل بهم فِي الدُّنْيَا بما كذبت به أوائلهم من الأمم الخالية من قبل كفار مكة حين أنذرتهم رسلهم العذاب يقول الله: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني هكذا يختم اللَّه بالكفر عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ- 101- وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وذلك أن اللَّه أَخَذَ ميثاق ذرِّيَّة آدم عَلَى المعرفة فأقروا بِذَلِك فَلَمَّا بلغوا العمل نقضوا العهد وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ- 102- ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد الرسل1مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني اليد والعصا فَظَلَمُوا بِها يعني فجحدوا بالآيات وقالوا ليست من اللَّه فَإِنَّهَا سحر فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ- 103- فِي الأرض بالمعاصي فكان عاقبتهم الغرق وَقالَ مُوسى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ- 104- حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ فَإنَّهُ بعثني رسولا2قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني اليد والعصا بأني رَسُول اللَّهِ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ- 105- إلى فلسطين قالَ فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ- 106- بأنك رسول رب العالمين وَفِي يد مُوسَى عصا فزعم ابْن عَبَّاس أن ملكا من الملائكة دفعها3إِلَيْهِ حين توجه إلى مدين فقال
مُوسَى لفرعون: ما هَذِهِ بيدي؟ قَالَ فرعون عصا: فَأَلْقى مُوسَى عَصاهُ من يده1فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ- 107- يعني حية بينة فَقَالَ فرعون: فهل من آية غيرها.
قَالَ: نعم.
فأخرج يده، وقَالَ لفرعون2: ما هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ يدك.3
فأدخل مُوسَى يده فِي جيبه وعليه مدرعة من صوف مضرية، ثُمّ أخرجها، فذلك قوله: وَنَزَعَ يَدَهُ يعني أخرج يده من جيبه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ- 108- لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر من شدة بياضها قالَ الْمَلَأُ وهم الكبراء مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا يعني مُوسَى لَساحِرٌ عَلِيمٌ- 109- يعني عالم بالسحر وذلك أن فرعون بدأ بهذه المقالة فصدقه قومه، نظيرها فِي الشعراء4، ثُمّ قَالَ لهم فرعون: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ وهي مصر فَماذا تَأْمُرُونَ- 110- يعني تشيرون فرد عليه كبراء قومه: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يَقُولُ أرجئ5أمرهم يَقُولُ أوقف أمرهم حَتَّى ننظر فِي أمرهما وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ- 111- يَأْتُوكَ يحشرون عليك بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ- 112- يعنون عالم بالسحر وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً يعنى جعلا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ- 113- لموسى قالَ فرعون: نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
- 114- فِي المنزلة1سوى العظمة، «كان» هَذَا2يوم السبت فِي المحرم، والسحرة اثنان وسبعون رَجُلا «قالُوا يا مُوسى»3فقالت السحرة لموسى: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ما فِي يدك يعني عصاه وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ- 115- ما فِي أيدينا من الحبال والعصي قالَ لَهُمْ مُوسَى: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا الحبال والعصي سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعنى وخوفوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ- 116- وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فصارت حية فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ يعني تلقم ما يَأْفِكُونَ- 117- يعني ما جاءوا به من الكذب فَوَقَعَ الْحَقُّ يعني فظهر الحق بأنه لَيْسَ بسحر وَبَطَلَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- 118- يعني بطل ما كانوا يعملون من السحر فَغُلِبُوا هُنالِكَ يعني عِنْد ذَلِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ- 119- يعني فرجعوا إلى منازلهم مذلين وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ- 120- لله قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ- 121- قَالَ السحرة: آمنا ب رَبِّ مُوسى وَهارُونَ- 122- فبهت فرعون لردهم عَلَيْه4وقالَ فِرْعَوْنُ للسحرة آمَنْتُمْ بِهِ يعني صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ يَقُولُ إن هَذَا الْإِيمَان لقول قلتموه فِي المدينة، يعني فِي أَهْل مصر فِي متابعتكم إياه، وذلك أن مُوسَى قَالَ للساحر الأكبر واسمه شمعون: أتؤمن لي إن غلبتك؟ قَالَ: لآتين بسحر لا يغلبه سحرك، ولئن
غلبتني لأؤمن لك وفرعون ينظر.
فَمنْ ثُمّ قال فرعون: لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها من أرض مصر يعني مُوسَى، وهارون، وشمعون، رئيس السحرة: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ- 123- فأوعدهم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ [134 ب] يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى، أَو الرَّجُل اليمنى واليد اليسرى ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ- 124- فرد السحرة عَلَى فرعون قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ- 125- يعني راجعين وَما تَنْقِمُ يعني وما نقمت مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا يعني صدقنا باليد والعصا آيتان من ربنا لَمَّا جاءَتْنا ثُمّ قَالُوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا يعنى ألق علينا صَبْراً عِنْد القطع والصلب وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ- 126- يعني مخلصين للَّه حَتَّى لا يردنا البلاء عن ديننا فصلبهم فرعون من يومه فكانوا أول النهار سحرة كفارا وآخر النهار شهداء مسلمين لما آمنت السحرة لموسى وَقالَ الْمَلَأُ يعني الأشراف مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ بني إِسْرَائِيل قَدْ آمنوا بموسى لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني مصر يعني بالفساد: أن يقتل أبناءكم ويستحيى نساءكم، يعني ويترك بناتكم كَمَا فعلتم بقومه يفعله بكم، نظيرها فِي حم الْمُؤْمِن، وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني ويترك عبادتك قالَ فرعون عِنْد ذلك سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يعنى بناتهم وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ- 127- ثُمّ أمرهم أن يقتلوا أبناء الَّذِين معه ويستحيوا1نساءهم فمنعهم اللَّه من قتل الأبناء حين أغرقهم2فِي البحر «وكان فرعون قَدْ3» كلفهم من العمل
ما لَمْ يطيقوا فمر بهم مُوسَى- عَلَيْه السَّلام- ف قالَ1لهم: مُوسى لِقَوْمِهِ فِي التقديم: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ عَلَى فرعون وقومه وَاصْبِرُوا عَلَى البلاء إِنَّ الْأَرْضَ أرض مصر لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ يعني الجنة لِلْمُتَّقِينَ- 128- يعني للموحدين.
ف قالُوا أُوذِينا فِي سببك مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة يعنون الأذى قتل الأبناء وترك البنات وَأوذينا مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا بالرسالة يعنون حين كلفهم فرعون من العمل ما لَمْ يطيقوا مضارة باتباعهم مُوسَى- عَلَيْه السلام.
قال موسى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ يعني فرعون وقومه وَيَسْتَخْلِفَكُمْ من بعد هلاكهم فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ- 129- فَإِنَّمَا قَالَ لهم مُوسَى- عَلَيْه السلام- ذَلِكَ من قول اللَّه- تَعَالَى- فِي القصص: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ... إلى آيتين2ففعل اللَّه ذَلِكَ بهم فأهلك عدوهم واستخلفهم فِي الأرض فاتخذوا العجل وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ يعني أَهْل مصر بِالسِّنِينَ يعني قحط المطر وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ فأصابهم الجوع لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ- 130- يعني لعلهم يتذكرون فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ يعنى الخير والخصب قالُوا لَنا هذِهِ
يعنون نحن أحق بهذا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني الجوع والبلاء وقحط المطر، وهلاك الثمار، والمواشي، يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ على دينه تسألوا أصابنا هَذَا الشر من سحر مُوسَى يَقُولُ الله: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَقُولُ إن الَّذِي أصابهم هُوَ من اللَّه وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ [135 أ] يعني أَهْل مصر لا يَعْلَمُونَ- 131- أَنَّهُ من اللَّه الَّذِي أصابهم1وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها يعني الآيات التسع فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ- 132- يعنى بمصدقين يعنى بأنك رسول من رب العالمين.
فَأَرْسَلْنا فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ أرسل اللَّه عَلَيْهِمُ السنين، ونقص من الثمرات، والنبات والطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يعني باينات2بعضها من بعض بين كُلّ آيتين ثلاثين يومًا فَاسْتَكْبَرُوا يعني فتكبروا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ- 133- فأما الطوفان فهو الماء طغى فوق حروثهم وزروعهم مطردا ثمانية أيام فِي ظلمة شديدة لا يرون فيها شمسا وَلا قمرا وَلا يَخْرُج منهم أحد إلى صنعته فخافوا الغرق فصرخوا إلى فرعون فأرسل إلى مُوسَى فَقَالَ: يا أيها الساحر، ادع لنا ربك أن يكشف عنا هَذَا المطر فَإِن يكشفه لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل.
فَقَالَ: لا أفعل ما زعمتم أني ساحر.
فقالوا: يا مُوسَى، ادع لنا ربك.
فدعا ربه فكشف عَنْهُم المطر، فنبت من الزرع والعشب ما لَمْ ير مثله قطّ.
فقالوا: لقَدْ جزعنا من أمر كان خيرًا لنا.
فنكثوا العهد فأرسل اللَّه عليهم الجراد ثمانية أيام، وملئت الأرض حَتَّى كانوا لا يرون الأرض من كثرته، قدر ذراع فأكل
النبات حَتَّى خافوا ألا يبقى لهم شيء.
فَقَالَ فرعون: يا مُوسَى، ادع لنا ربك أن يكشف عنا، فنؤمن لك.
فدعا مُوسَى ربه، فبعث اللَّه ريحا فاحتملت الجراد فألقته فِي البحر.
قَالُوا: قَدْ بقي لنا ما نتبلغ به حَتَّى يدركنا الغيث فنكثوا فأرسل اللَّه عليهم القمل، وَهُوَ الدبَى، فغشي كُلّ شيء منهم، فلم يبق عودا أخضر من الزرع والنبات إِلَّا أكله.
قَالَ فرعون لموسى: ادع لنا ربك أن يكشفه عنا، ونؤمن لك.
فدعا ربه فأمات القمل وبقي لهم ما يتبلغون.
فنكثوا، قَالُوا: يا مُوسَى، هَلْ يستطيع ربك أن يفعل بنا أشد من هَذَا؟ فأرسل اللَّه عليهم الضفادع فدبت فِي بيوتهم وعلى ظهورهم فكان يستيقظ الرَّجُل من نومه وعليه منهم كثرة.
فَقَالَ فرعون لموسى: ادع لنا ربك فيهلكه، فَإنَّهُ لَمْ يعذب أحد قطّ بالضفادع.
فدعا مُوسَى ربه فأمات الضفادع، فأرسل اللَّه مطرا جوادا فجرى بهم الماء حَتَّى قذفهم فِي البحر.
فقالوا: إِنَّمَا كان هَذَا الضفادع من المطر الَّذِي كان أصابنا فلن يعود إلينا أبدا، فنكثوا فأرسل اللَّه عليهم الدم حَتَّى صارت أنهارهم وركاباهم دما، وأنهار بني إِسْرَائِيل ماء عذبا، فإذا دخل القبطي ليستقي من ماء بني إِسْرَائِيل صار دما ما بين يديه وما خلفه صاف، إذا تحول ليأخذ من الصافي صار دما وخلفه صاف، فمكثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ماء صافيا، فقالوا لفرعون: هلكنا، وهلكت مواشينا [135 ب] وذرارينا من العطش.
فَقَالَ لموسى: ادع لنا ربك ليكشف عنا، ونعطيك ميثاقا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل، فدعا مُوسَى ربه فكشفه عَنْهُمْ، ولما شربوا الماء نكثوا العهد فذلك قوله: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ يعني العذاب الَّذِي كان نزل بهم قالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ يعني هَذَا العذاب كله لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ- 134-
إلى فلسطين، يَقُولُ اللَّه1: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعنى الغرق إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ- 135- العهد الَّذِي عاهدوا عَلَيْه مُوسَى- عَلَيْه السَّلام- لقولهم لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إِسْرَائِيل إلى فلسطين، يَقُولُ الله: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بلسان العبرانية يعني به البحر وَهُوَ نهر بمصر بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى الآيات التسع قالوا: يا أيها الساحر، أَنْت الَّذِي تعمل هَذِهِ الآيات، وإنها سحر، وليست من اللَّه.
وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ- 136- يعني معرضين فلم يتفكروا فيها فيعتبرون.
قَالَ فرعون لموسى فى حم الزخرف: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ2فَقَالَ: لا أدعو وأنتم تزعمون أني ساحر، فَقَالَ فِي الأعراف يَا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ3يعنى سل لنا ربك.
ثُمّ قَالَ: وَأَوْرَثْنَا الأرض الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ يعني بني إِسْرَائِيل يعني بالاستضعاف قتل الأبناء واستحياء النّساء بأرض مصر، وورثهم مَشارِقَ الْأَرْضِ المقدسة وَمَغارِبَهَا وهي الأُرْدُنّ، وفلسطين الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني بالبركة الماء، والثمار الكثيرة وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى وهي النعمة عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا حين كلفوا بأرض مصر ما لا يطيقون من استعبادهم إياهم يعني بالكلمة التي فِي القصص من قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ... إلى آيتين.4
وأهلك اللَّه عدوهم ومكن لهم فِي الأرض فهي الكلمة وهي النعمة التي تمت عَلَى بني إِسْرَائِيل.
وَدَمَّرْنا مَا كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يعني وأهلكنا عمل فرعون وقومه القبط فِي مصر وأهلكنا ما كانُوا يَعْرِشُونَ- 137- يعني يبنون من البيوت والمنازل وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ يعني النيل: نهر مصر فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ يعني فمروا عَلَى العمالقة يقيمون عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يعبدونها فقالت بنو إِسْرَائِيل: قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ يعبدونها قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ- 138- إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ يعني مدمر مَا هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- 139- قالَ لهم مُوسَى: أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً يعنى ربا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ- 140- يعني عالمي أَهْل مصر حين أنجاكم وأهلكهم وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعنى بنى إسرائيل يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني يعذبونكم أشد العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [136 أ] يعني قتل الأبناء وترك البنات وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ- 141- يعني بالعظم شدة ما نزل بهم من البلاء وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً من ذِي القعدة «واعدناه» الجبل1وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ من ذى الحجة فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ يعني ربه أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وكان مُوسَى ومن معه قَدْ قطعوا البحر فِي عشر2من المحرم يوم عاشوراء ثُمّ أعطي التوراة يوم النحر بينهما أحد عشر شهرا وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي
بني إِسْرَائِيل بخير حين خرج إلى الجبل وَأَصْلِحْ يعني وأرفق بهم- نظيرها فِي القصص وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ1يعني الرافقين بك وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ- 142- منهم وَلَمَّا جاءَ مُوسى الجبل لِمِيقاتِنا يعني لميعادنا لتمام الأربعين يومًا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فَلَمَّا سَمِع كلام ربه استحلاه واشتاق إلى رؤية ربه قالَ: يا رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ له ربه إنك لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اجعل بيني وبينك علما هُوَ أقوى منك يعني الجبل انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإن لَمْ يستقر الجبل مكانه فإنك لن تطيق رؤيتي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا يعني قطعا فصار الجبل دكا «يعني قطعا على»2ستة فرق فوقع ثلاثة بأجبل مكة: بثير، وغار ثَوْر، وحزن.
ووقع بالمدينة: رضوى، وورقان، وجبل أحد، فذلك قوله جَعَلَهُ دَكًّا3وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
يعني ميتا فَلَمَّا أَفاقَ يعني رد عَلَيْه نفسه قالَ موسى: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من قولي: رب أرنى أنظر إليك وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ- 143- يعني أول المصدقين بأنك لن تُرى فِي الدُّنْيَا قالَ لَهُ ربه: يَا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي يَقُولُ اخترتك من بني إِسْرَائِيل بالرسالة وبالكلام من غير وحى فَخُذْ ما آتَيْتُكَ بقوة يَقُولُ: ما أعطيتك من التوراة بالجد، والمواظبة عليه وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ- 144- للَّه فِي هَذِهِ النعم يعني الرسالة، والكلام من غَيْر وحي.
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ نقرا كنقش الخاتم وهي تسعة ألواح مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ: مَوْعِظَةً من الجهل وَتَفْصِيلًا يعني بيانا لِكُلِّ شَيْءٍ من الأمر، والنهي، والحد، وكتبه اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بيده1فكتب فيها: إني أَنَا اللَّه الَّذِي لا إله إِلَّا أَنَا الرحمن الرحيم،
لا تشركوا بي شيئًا، وَلا تقتلوا النَّفْس، وَلا تزنوا، وَلا تقطعوا السبيل، وَلا تسبوا الوالدين، ووعظهم فِي ذَلِكَ، والألواح من زمرد، وياقوت1». يَقُولُ: فَخُذْها بِقُوَّةٍ يعني التوراة بالجد والمواظبة عَلَيْه وَأْمُرْ قَوْمَكَ بني إِسْرَائِيل: يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها يعني بأحسن ما فيها، ثُمّ قَالَ قبل ذَلِكَ لبني إِسْرَائِيل: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ- 145- سنة أهل مصر، فزعم ابْن عَبَّاس أن الله حين أغرق فرعون [136 ب] وقومه أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم عَلَى الساحل ففعل البحر ذَلِكَ فنظر إليهم بنو إِسْرَائِيل فأراهم سنة الفاسقين، ثُمّ قَالَ: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني يعملون فيها بالمعاصي: الكبرياء والعظمة، يعني أَهْل مصر يَقُولُ: سأصرف عن التفكير فِي خلق السموات والأرض، وما بَيْنَهُمَا من الآيات: الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والرياح، والجبال، والفلك، والبحور، والشجر، والثمار، والنبات، عام بعام.2
يعني المتكبرين فلا يتفكرون فتكون لهم عبرة تعني لأهل مصر، ثُمّ قَالَ يعنيهم: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ يعني يروا مرة اليد، ومرة العصا، ثُمّ يرون الطوفان، ثُمّ الجراد، ثُمّ القمل، ثُمّ الضفادع،
ثُمّ الدم، ثُمّ السنين، ثُمّ الطمس، فرأوا كُلّ آية عَلَى حدة فلم يؤمنوا لا يُؤْمِنُوا بِها يعني لا يصدقون بأنها من اللَّه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ يعنى طريق الهدى لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يعني لا يتخذوه دينا فيتبعونه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يعني طريق الضلالة يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يَقُولُ اتخذوه دينا فيتبعونه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعنى بالآيات التسع وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ- 146- يعني معرضين وَلَم يتفكروا فيها وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ وكذبوا بالبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ التي أرادوا بها وجه اللَّه لأنها كَانَتْ فِي غَيْر إيمان هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كانُوا يَعْمَلُونَ- 147- وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى بني إِسْرَائِيل مِنْ بَعْدِهِ حين انطلقوا إلى الطور مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً يعني صورة عجل جسد يَقُولُ لَيْسَ فِيهِ روح: لَهُ خُوارٌ يعني لَهُ صوت البهائم ثُمّ لَمْ يصوت غَيْر مرة واحدة أَلَمْ يَرَوْا يعني بني إِسْرَائِيل أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ يعني لا يقدر عَلَى أن يكلمهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا يعني طريقا إلى الهدى يعني العجل اتَّخَذُوهُ العجل إلها وَكانُوا ظالِمِينَ- 148- يعني مشركين وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ندامة وندموا وَرَأَوْا وعلموا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا عن الهدى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا يعنى ويتجاوز عنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ- 149- فِي العقوبة فلم يقبل اللَّه توبتهم إِلَّا بالقتل وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ من الجبل غَضْبانَ أَسِفاً يعني حزينا فِي صنع قومه، فِي عبادة العجل، وكان أخبره اللَّه على الطور بأمر العجل، ثُمّ قَالَ: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يقول استعجلتم
ميقات ربكم أربعين يوما وَأَلْقَى الْأَلْواحَ من عاتقه فذهب منها خمس وبقيت أربعة وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارون يَجُرُّهُ إِلَيْهِ يعني إلى نفسه قالَ هَارُون لموسى: ابْنَ أُمَّ1إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ- 150- قالَ موسى رَبِّ اغْفِرْ لِي يعني تجاوز عني وَلِأَخِي هَارُون وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ- 151- إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ [137 أ] إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ يعنى عذاب مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ يعنى مذلة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فصاروا مقهورين إلى يوم الْقِيَامَة.
ثُمّ قَالَ: وَكَذلِكَ يعني وهكذا نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ- 152- يعني الَّذِين افتروا فزعموا أن هَذَا إلهكم: يعني العجل، وإله مُوسَى، وكان السامري جمع الحلي بعد خمسة وثلاثين يومًا من يوم فارقهم مُوسَى- عَلَيْه السَّلام.
وكان السامري صائغا فصاغ لهم العجل فِي ثلاثة أيام، وَقَدْ علم السامري أنهم يعبدونه لقولهم لموسى- عَلَيْه السَّلام- قبل ذَلِكَ: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، فعبدوا العجل لتمام تسعة وثلاثين يومًا ثُمّ أتاهم مُوسَى من الغد لتمام الأربعين يومًا وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ يعني الشرك الَّذِين عبدوا العجل ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها أَي بعد الشرك2وَآمَنُوا يعني صدقوا بِاللَّه، أَنَّهُ واحد لا شريك لَهُ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها يعني من بعد الشرك لَغَفُورٌ رَحِيمٌ- 153- بهم، قوله: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ يعنى مكن أَخَذَ الْأَلْواحَ بعد ما ألقاها وَفِي نُسْخَتِها فيما بَقِيَ منها هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب