تفسير مقاتل بن سليمانصفحات 237-299
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 200]

صفحات 237-299

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32) إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (41) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (69) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ مَا قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)

سورة آل عمران1

سورة آل عمران مدنية كلها وهي مائتا آية باتفاق بسم الله الرحمن الرحيم قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي عن الْهُذَيْلِ عن مُقَاتِلٍ، أَنَّهُ1اجتمعت نصارى نجران، فمنهم السيد والعاقب، فقالوا: نشهد أن عِيسَى هُوَ اللَّه.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- تكذيبا لقولهم الم- 1- يخبره2أَنَّهُ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ- 2- يعني الحي الَّذِي لا يموت، القيوم يعني القائم عَلَى كُلّ نفس بما كسبت نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ يا محمد بِالْحَقِّ لَمْ ينزله باطلا يعني القرآن مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتاب يَقُولُ محمد- عَلَيْه السَّلام-: مصدق للكتب التي كَانَتْ قبله وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى موسى وَالْإِنْجِيلَ- 3- على عيسى مِنْ قَبْلُ هَذَا القرآن ثُمّ قَالَ: «التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ» هما: هُدىً لِلنَّاسِ يعني لبني إسرائيل من الضلالة.
قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ يعني القرآن بعد التوراة والإنجيل، والفرقان: يعني به المخرج فِي الدّين من الشبهة والضلالة، فِيهِ بيان كُلّ شيء يَكُون إلى يوم الْقِيَامَة نظيرها فِي الْأَنْبِيَاء وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ3يعنى المخرج من الشبهات وفى البقرة.

وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ.1
ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني القرآن وهم اليهود كفروا بالقرآن منهم حيى وجدي وأبو ياسر بنو أخطب.
وكعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، وزيد بن التابوه، وَغَيْرُهُمْ لَهُمْ عَذابٌ فِي الآخرة شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ- 4- يعنى عزيز فى ملكه منيع شديد الانتقام من أهل مكة هَذَا وعيد لمن خالف أمره إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ- 5- يعني شيء من أَهْل السماء، وَلا من أَهْل الأرض: كُلّ ذَلِكَ عنده هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ نزلت فِي عِيسَى ابْن مريم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خلقه من غَيْر أب.
ذكرا2وأنثى سويا وغير سوي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ فِي ملكه الْحَكِيمُ- 6- فِي أمره نزلت هَذِهِ الآية فِي قولهم وما قَالُوا من البهتان والزور لعيسى3- صلى الله عليه وسلم. ثم قال- سبحانه-: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ يعمل بهن وهن الآيات التي فِي الأنعام قوله- سُبْحَانَهُ- قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [50 ب] إلى ثلاث آيات آخرهن لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.4
يَقُولُ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ يعنى أصل

الكتاب لأنهن فِي اللوح المحفوظ مكتوبات وهن محرمات عَلَى الأمم كلها فِي كتابهم.
وإنما تسمين أم الكتاب لأنهن مكتوبات فِي جميع الكتب التي أنزلها اللَّه- تبارك وتعالى- عَلَى جميع الْأَنْبِيَاء، وليس من أَهْل دين إِلَّا وَهُوَ يوصي بهن.
ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ آلم.
المص.
المر.
الر.
شَبَّه عَلَى اليهود كم تملك هَذِهِ الأمة من السنين والمتشابهات هَؤُلاءِ الكلمات الأربع فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يعني ميل عن الهدى وَهُوَ الشك فهم اليهود فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ يعني ابتغاء الكفر وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ يعني منتهى ما يَكُون وكم يَكُون يريد بِذَلِك الملك.
يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ كم يملكون من السنين يعني أمة محمد يملكون إلى يوم الْقِيَامَة إِلَّا أياما يبتليهم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بالدجال.
ثُمّ استأنف فَقَالَ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يعني المتدارسون علم التوراة فهم عَبْد الله بن سلام، وأصحابه [من] مؤمني أَهْل التوراة يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا يعني قليله وكثيره من عِنْد ربنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ- 7- فما يسمع إلا أولو الألباب يعني من كان لَهُ لب وعقل يعني ابْن سلام وأصحابه: فيعلمون أن كُلّ شيء من هَذَا وغيره من عِنْد اللَّه، قَالَ ابْن سلام وأصحابه: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا لا تمل قلوبنا يعني لا تحول قلوبنا عن الهدى بعد ما هديتنا كَمَا أزغت اليهود عن الهدى وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً يعني من عندك رحمة إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ- 8- للرحمة.
ثُمّ قَالَ ابْن سلام وأصحابه، رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ يعني ليوم الْقِيَامَة إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ- 9- فِي البعث بأنك تجمع1الناس فِي الآخرة

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود خاصة نزلت فِي كَعْب بن الأشرف لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ يعني لا1أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ- 10- يعنى اليهود كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ يعني كأشباه آل فرعون فِي التكذيب وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية قبل آل فرعون2والأمم الخالية3قبل آل فرعون قوم نوح، وعاد، وثمود وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني بأنهم كذبوا أيضا بالعذاب فِي الدُّنْيَا بأنه غَيْر نازل بهم فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ يعني فِي الدُّنْيَا فعاقبهم اللَّه وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ- 11- يعنى إذا عاقب قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [51 أ] من أَهْل مكة يوم بدر سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ فِي الآخرة وَبِئْسَ الْمِهادُ- 12- يَقُولُ بئسما مهدوا لأنفسهم.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للكفار.
يوم بدر: إن اللَّه غالبكم وسوف يحشركم إلى جَهَنَّم فَقَالَ أَبُو جهل: يا ابْن أَبِي كبشة هَلْ هَذَا إِلَّا مثل ما كُنْت تحدثنا به، وقوله- سُبْحَانَهُ-: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ وذلك أن بني قينقاع من اليهود أتوا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد قتال بدر يوعدونه القتال كَمَا قُتِل كفار مكة يوم بدر فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ مَعْشَر اليهود يعني عبرة «فِي فِئَتَيْنِ» الْتَقَتا فئة المشركين وفئة الْمُؤْمِنِين يوم بدر التقتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه يوم بدر وَأُخْرى كافِرَةٌ أَبُو جهل والمشركين يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رأت اليهود أن الكفار مثل الْمُؤْمِنِين فِي الكثرة رَأْيَ الْعَيْنِ وكان الكفار يومئذ سبعمائة رجل عليهم

أَبُو جهل وذلك أن النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم- وأصحابه كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رَجُلا بين كُلّ أربعة بعير، ومعهم فرسان أَحَدهمَا مَعَ أبي مَرْثَد الغَنَويّ،1والآخر مَعَ المقداد بن الأسود الكِنْديّ، ومعهم ستة أدراع والمشركون ألف رجل سبعمائة دارع عليهم أَبُو جهل، وثلاثمائة حاسر ثُمّ حبس الأخنس بن شريق ثلاثمائة رَجُل من بني زهرة عن قتال النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فبقي المشركون فِي سبعمائة رَجُل يَقُولُ اللَّه- تَعَالَى-: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ يعني بنصره مَنْ يَشاءُ فينصره اللَّه- عَزَّ وجل- القليل على الكثير إِنَّ فِي ذلِكَ يعني يقوى فِي نصرهم: نصر الْمُؤْمِنِين وهم قليل وهزيمة الكفار وهم كثير لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ- 13- يعني الناظرين فِي أمر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وطاعته لعبرة وتفكرا لأولي الأبصار حين أظهر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- القليل على الكثير (زُيِّنَ لِلنَّاسِ) يعني الكفار حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ يعنى المال الكثير مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فأما الذهب فهو ألف دينار ومائتا دينار والفضة ألف ومائتا مثقال وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ يعني السائمة وهي الراعية وَالْأَنْعامِ وهي الإبل والبقر والغنم وَالْحَرْثِ ذلِكَ الَّذِي ذكر فِي هَذِهِ الآية مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ- 14- يعنى حسن المرجع وهي الجنة قُلْ للكفار: أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ يعني ما ذكره فِي هَذِهِ الآية «لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ»2جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وذلك أن العيون تجري من تحت البساتين خالِدِينَ فِيها لا يموتون وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض والغائط والبول والبزاق والمخاط ومن [51 ب] القذر كله وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكبر يعني رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ- 15- يعنى بأعمالهم.
ثم أخبر- سبحانه- عن فعلهم، فقال:

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ- 16- ثُمّ نعت أعمالهم فَقَالَ الجنة هِيَ ل الصَّابِرِينَ عَلَى أمر اللَّه وفرائضه وَالصَّادِقِينَ بكتاب اللَّه ورسله1وَالْقانِتِينَ يعني المطيعين للَّه وَالْمُنْفِقِينَ أموالهم فِي حق اللَّه وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ- 17- يَقُولُ المصلين للَّه بالأسحار يعني المصلين من آخر الليل قوله- سُبْحَانَهُ-: شَهِدَ اللَّهُ وذلك أن عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه مؤمني أَهْل التوراة قَالُوا لرءوس اليهود: إن محمدا رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ودينه الحق، فاتبعوه. فقالت اليهود: ديننا أفضل من دينكم.2
فَقَالَ اللَّه- تبارك وتعالى-: «شَهِدَ اللَّهُ» أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ يشهدون بها وَأُولُوا الْعِلْمِ بالتوراة ابْن سلام وأصحابه يشهدون أَنَّهُ لا إله إِلَّا هُوَ، ويشهدون أن اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قائِماً بِالْقِسْطِ يعني: قائم عَلَى كُلّ شيء بالعدل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- 18- فى أمره شهدوا إِنَّ الدِّينَ يعني التوحيد عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ثُمّ قَالَ: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود والنصارى فِي هَذَا الدّين إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ يعني بيان أمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأنهم كانوا مؤمنين بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من قبل أن يبعث رسولا فَلَمَّا بعث محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من ولد إسماعيل تفرقوا بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ يعني القرآن يعني اليهود ثُمّ خوفهم فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ- 19- كأنه قد جاء فَإِنْ حَاجُّوكَ يعني اليهود خاصموك يا محمد فى الدين فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ يَقُولُ أخلصت ديني للَّه وَمَنِ اتَّبَعَنِ عَلَى ديني فقد أخلص وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ يعنى أهل التوراة والإنجيل

اليهود والنصارى أَأَسْلَمْتُمْ والإسلام اسم مشتق من اسم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أمر اللَّه- تَعَالَى- النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يدعوهم إلى الْإِسْلام فَقَالَ: أسلمت يعني أخلصت يَقُولُ فَإِنْ أَسْلَمُوا يعني فَإِن أخلصوا لَهُ يعني للَّه- عَزَّ وَجَلّ- بالتوحيد فَقَدِ اهْتَدَوْا من الضلالة وَإِنْ تَوَلَّوْا يَقُولُ فَإِن أبوا أن يسلموا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ يعنى بلاغ الرسالة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ- 20- بأعمال العباد إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعني بالقرآن وهم ملوك بني إِسْرَائِيل من اليهود ممن1لا يقرأ الكتاب وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ يعني بالعدل بين الناس من مؤمني بني إِسْرَائِيل من بعد مُوسَى فَبَشِّرْهُمْ يا محمد بِعَذابٍ أَلِيمٍ- 21- يعني وجيع يعني اليهود لأن هؤلاء على دين أوائلهم [52 أ] الذين قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط ثُمّ قَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: أُولئِكَ الَّذِينَ فعلوا ذَلِكَ حَبِطَتْ يعني بطلت أَعْمالُهُمْ فلا ثواب لهم فِي الدُّنْيا وَلا فى الْآخِرَةِ لأن أعمالهم كَانَتْ فِي غَيْر طاعة اللَّه- عز وجل- وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- 22- يعني من مانعين يمنعونهم من النار أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني أعطوا حظا من التوراة يعني اليهود: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك ابن الضيف، ويحيى بن عمرو، ونعمان بن أَوْفَى، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو نَافِع بن قيس، وذلك أن النبي- صلى الله عليه وَسَلَّمَ- قَالَ لهم: أسلموا تهتدوا وَلا تكفروا.
فقال للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: نَحْنُ أهدى وأحق بالهدى منكم، ما أرسل اللَّه نبيا بعد مُوسَى.
فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَمْ تكذبون، وأنتم تعلمون أن الَّذِي أقول حق، فأخرجوا التوراة نتبع نحن،

وأنتم ما فيها، وهي بينكم فَإِنِّي مكتوب فيها أني نَبِيّ ورسول.
فأبوا ذَلِكَ فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فيهم1أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ يعني التوراة لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ يعني ليقضي بينهم ثُمَّ يَتَوَلَّى يعنى بأبى فَرِيقٌ يعني طائفة مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ- 23- ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ بأن العذاب واجب عليهم فيها تقديم لقولهم إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ يعني الأربعين يومًا التي2عَبْد آباؤهم فيها العجل لأنهم قَالُوا: إنهم أبناء اللَّه وأحباؤه.
يقول: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ عفو الله ما كانُوا يَفْتَرُونَ- 24- يعني الَّذِين كذبوا لقولهم نَحْنُ أبناء اللَّه وأحباؤه.
خوفهم اللَّه، فَقَالَ: فَكَيْفَ بهم إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ يعني يوم الْقِيَامَة لا شك فِيهِ بأنه كائن «وَوُفِّيَتْ» كُلُّ نَفْسٍ بر وفاجر ما كَسَبَتْ من خير أَوْ شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ- 25- فِي أعمالهم قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- سَأَلَ ربه- عَزَّ وَجَلّ- أن يجعل لَهُ ملك فارس والروم فِي أمته فنزلت قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ يعني محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأمته وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ يعنى الروم وفارس وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ محمدا وأمته وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ يعني الروم وفارس بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الملك والعز والذل قَدِيرٌ- 26- تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعني ما تنقص فِي الليل داخل فِي النهار حَتَّى يصير الليل تسع ساعات والنهار خمس عشرة ساعة.
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ يعنى يسلط النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ3وهما هكذا إلى أن تقوم الساعة.
قوله- سبحانه-: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ فهو

الناس والدواب والطير خلقهم من نطفة وهي ميتة وخلق الطير من البيضة وهي ميتة [52 ب] وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يعني يَخْرُج اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- هَذِهِ النطفة من الحي وهم الناس والدواب والطير وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ- 27- يَقُولُ- سُبْحَانَهُ- لَيْسَ فوقي ملك يحاسبني، أَنَا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني.
قوله- سُبْحَانَهُ-: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ نزلت فِي حاطب بن أَبِي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة فنهاهم اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عن ذَلِكَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فيتخذونهم أولياء من غَيْر قهر فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ثُمّ استثنى- تَعَالَى- فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً فيكون1بين أظهرهم فيرضيهم بلسانه من المخافة وَفِي قلبه غَيْر ذَلِكَ.
ثُمّ خوفهم، فَقَالَ: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يعني عقوبته فِي ولاية الكفار وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ- 28- فى الآخرة فيجزيكم بأعمالكم قُلْ لهم يا محمد إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ يعني إن تسروا ما فِي قلوبكم من الولاية للكفار أَوْ تُبْدُوهُ يعني أَوْ تظهروا وَلايتهم يعني حاطب وأصحابه يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من المغفرة والعذاب قَدِيرٌ- 29- نظيرها فِي آخر البقرة.
ثُمّ خوفهم ورغبهم، فَقَالَ:2يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً يعجل لها كُلّ خير عملته، وَلا يغادر منه شيء وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً يعني أجلا بعيدا بين المشرق والمغرب وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يعنى عقوبته فى عمل السوء وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ- 30- يعني بربهم حين لا يعجل عليهم بالعقوبة لما دعا النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كعبا وأصحابه إلى الإسلام قالوا: نحن

أبناء اللَّه وأحباؤه، ولنحن أشد حبا للَّه مما تدعونا إِلَيْهِ، فَقَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لنبيه- صلى الله عليه وسلم- قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي عَلَى ديني يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ما كان فِي الشرك وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- 31- ذو تجاوز لما كان فِي الشرك رحيم بهم فى الإسلام قُلْ لليهود أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني أعرضوا عن طاعتهما فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ- 32- يعني اليهود إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً يعني اختار من الناس1لرسالته آدم ونوحا وَآلَ إِبْراهِيمَ يعني إِبْرَاهِيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب والأسباط، ثُمّ قَالَ: وَآلَ عِمْرانَ يعني مُوسَى، وهارون، ذرِّيَّة آل عِمْرَانَ اختارهم للنبوة والرسالة عَلَى الْعالَمِينَ- 33- يعني عالمي ذَلِكَ الزمان وهي: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وكل هَؤُلاءِ من ذرِّيَّة آدم، ثُمّ من ذرية نوح، ثم من ذرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ- 34- لقولهم نَحْنُ أبناء الله وأحباؤه ونحن [53 أ] أشد حبا لله، عليم بما قالوا يعنى اليهود إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ بن ماثان اسمها2حنة بِنْت فاقوز وهي أم مريم وهي حبلى، لئن نجاني اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ووضعت ما فِي بطني، لأجعلنه محررا، وبنو ماثان من ملوك بني إِسْرَائِيل من نسل دَاوُد- عَلَيْه السَّلام- والمحرر الَّذِي لا يعمل للدنيا وَلا يتزوج، ويعمل للآخرة،3ويلزم المحراب فيعبد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِيهِ، وَلَم يَكُنْ يحرر4فى ذلك

الزمان إِلَّا الغلمان فَقَالَ زوجها: أرأيت إن كان الَّذِي فِي بطنك أنثى؟ والأنثى عورة، كيف تصنعين؟ فاهتمت لذلك.
فقالت حنة: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- 35- لدعائهما العليم ببذرهما يعني بالتقبل والاستجابة لدعائهما فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى والأنثى عورة «فيها تقديم»1يَقُولُ اللَّه- تَعَالَى- لنبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ2ثم قالت حنة: وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وكذلك كان اسمها عِنْد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها يعني عِيسَى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ- 36- يعني الملعون فاستجاب اللَّه لها فلم يقربها وَلا ذريتها شيطان وخشيت حنة ألا تقبل الأنثى محررة، فلفتها فِي خرق ووضعتها فِي بيت المَقْدِس عِنْد المحراب حيث يدرس3القراء، فتساهم4القوم عَلَيْهَا لأنها بِنْت إمامهم وسيدهم5، وهم الأحبار من ولد هَارُون أيهم يأخذها.
قَالَ زَكَرِيّا وَهُوَ رئيس الأحبار أَنَا آخذها، أَنَا أحقكم بها، لأن أختها أمَّ يحيى عندي.
فَقَالَ القراء: وإن كان فِي القوم من هُوَ أقرب إليها منك؟ فلو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها، ولكنها محررة وَلَكِن هلم نتساهم عَلَيْهَا من خرج سهمه فهو أحق بها.
فاقترعوا فقال الله- عز

وَجَلّ- لمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ» يعنى عندهم فتشهدهم «إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ» حين اقترعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي أيهم يكفلها؟ أيهم يضمها.
فقرعهم زَكَرِيّا فقبضها، ثُمّ قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ1فِي مريم فذلك قوله وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً يَقُولُ رباها2تربية حسنة فِي عبادة وطاعة لربها فبنى لها زَكَرِيّا محرابا فِي بيت المَقْدِس، وَجَعَل بابه وسطه، لا يصعد إِلَيْهِ أحد إِلَّا بسلم واستأجر لها ظئرا ترضعها حتى تحركت فكان يغلق عليها [53 ب] الباب ومعه المفتاح لا يأمن عَلَيْهَا أحدا، يأتيها بطعامها ومصالحها وكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون مَعَ أختها أيليشفع بِنْت عِمْرَانَ- وهي مريم بِنْت عِمْرَانَ- أم يحيى3فإذا طهرت ردها إلى محراب بيت المَقْدِس، وكان زَكَرِيّا يرى عندها العنب فِي الشِّتَاء الشديد البرد فيأتيها به جبريل- عَلَيْه السَّلام- من السماء وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ لها زَكَرِيّا: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا يعني من أَيْنَ هَذَا فِي غَيْر حينه قالَتْ هَذَا الرزق هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ- 37- فطمع عِنْد ذَلِكَ زَكَرِيّا فِي الولد فَقَالَ: إن الَّذِي يَأْتِي مريم بهذه الفاكهة فِي غَيْر حينها لقادر أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولدا.
فذلك قوله: هُنالِكَ يعني عِنْد ذَلِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ4لِي مِنْ لَدُنْكَ يعني من عندك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً تقيا زكيا كقوله وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا5إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ- 38-

فاستجاب اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وكانا قَدْ دخلا فِي السن فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ فبينما هُوَ يصلي فِي المحراب حيث يذبح القربان إذا1برجل عَلَيْه بياض حياله وَهُوَ جبريل- عَلَيْه السلام- فقال: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى اشتق يحيى من أسماء اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعني من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وكان يحيى أول من صدق بعيسى- عليهما السَّلام- وَهُوَ ابْن ثلاث سنين، قوله الأول وَهُوَ ابْن ستة أشهر2فَلَمَّا شهد يحيى أن عِيسَى من الله- عز وجل- عجبت بنو إِسْرَائِيل لصغره، فَلَمَّا سَمِع زَكَرِيّا شهادته قام إلى عِيسَى فضمه إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي خرقة وكان يحيى أكبر من عِيسَى بثلاث سنين، يحيى وعيسى ابنا خالة.
ثُمّ قَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ-: وَسَيِّداً يعني حليما وَحَصُوراً لا ماء له3وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ- 39- والحصور الذي

لا حاجة له فى النساء فَلَمَّا بشر زَكَرِيّا بالولد.
قَالَ لجبريل- عَلَيْه السلام- فى المخاطبة قالَ رَبِّ أَنَّى يعني من أَيْنَ يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ1يَقُولُ ذَلِكَ تعجبا، لأنه كان قَدْ2يبس جلده عَلَى عظمه من الكبر قالَ جبريل- عليه السلام- كَذلِكَ يعني هكذا قال ربك إنَّه يَكُون لك ولد اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ3- 40- أن يجعل ولدا من الكبير والعاقر لقوله قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً يعني علما للحبل قالَ آيَتُكَ إذا جامعتها عَلَى طهر فحبلت فإنك تصبح لا تستنكر من نفسك خرسا وَلا سقما، وَلَكِن تصبح لا تطيق الكلام أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً يعني إِلَّا إشارة يومئ بيده، أَوْ برأسه من غَيْر مرض وَلَم يحبس لسانه عن ذكر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ولا عن الصلاة [54 أ] فكذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ- 41- يَقُولُ صل بالغداة والعشي، فأتى امرأته عَلَى طهرها فحملت وكان آية الحبل أَنَّهُ وضع يده عَلَى صدرها، فحملت فاستقر الحمل فِي رحمها فحبلت بيحيى».
فأصبح لا يستطيع الكلام فعرف أن امرأته قَدْ حبلت فولدت يحيى- عَلَيْه السَّلام- فلم يعص اللَّه قطّ وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ جبريل- عَلَيْه السَّلام- وحده يا مَرْيَمُ وهي فى المحراب إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ يعني اختارك وَطَهَّرَكِ من الفاحشة والألم وَاصْطَفاكِ يعنى واختارك عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ- 42- بالولد من غير بشر

يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ يعنى لربك وَاسْجُدِي وَارْكَعِي1مَعَ الرَّاكِعِينَ- 43- يعني مَعَ المصلين فِي بيت المَقْدِس ذلِكَ أن الَّذِي ذكر فِي هَؤُلاءِ الآيات مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني حديثًا من الغيب لَمْ تشهده يا محمد، فذلك قوله: نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ فى القرعة أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ يعني يضم مريم إلى نفسه وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يا محمد إِذْ يَخْتَصِمُونَ- 44- فِي مريم يعني القراء أيهم يكفلها إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ وَهُوَ جبريل وحده- عَلَيْه السَّلام- إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً يعني مكينا عِنْد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فيها تقديم وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ- 45- عِنْد اللَّه فِي الآخرة وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ يعني حجر أُمّه فِي الخرق طفلا وَيكلمهم كَهْلًا يعني إذا اجتمع2قبل أن يرفع إلى السماء وَمِنَ الصَّالِحِينَ- 46- قالَتْ رَبِّ أَنَّى يعني من أَيْنَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يعني الزوج قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ ويخلق من يشاء، فشاء أن يخلق وَلَدا من غَيْر بشر.
لقولها وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ إِذا قَضى أَمْراً كان فِي علمه أن يَكُون عِيسَى فِي بطن مريم من غَيْر بشر فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- 47- لا يثنى وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ يعني خط الكتاب بيده بعد ما بلغ أشده، وَهُوَ ابْن ثماني عشرة سنة، والمرأة بعد ما تبلغ الحيض وَالْحِكْمَةَ يعني الحلال والحرام والسنة وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ- 48- ويجعله وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بعلامة ثُمّ بين الآية أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ يعني أجعل لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً فخلق الخفاش بِإِذْنِ اللَّهِ

لأنه أشد الخلق إِنَّمَا هُوَ لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن اللَّه وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ الَّذِي ولدته أمه أعمى الَّذِي لَمْ ير1النور قط [54 ب] فيرد اللَّه بصره وَأبرئ الْأَبْرَصَ فيبرأ بإذن الله وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فتعيش.
ففعل ذلك وهم ينظرون وكان صنيعه هَذَا آية من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بأنه نَبِيّ ورسول إلى بني إِسْرَائِيل «فأحيا سام بن نوح بن ملك من الموت بإذن اللَّه»2فقالوا لَهُ: إن هَذَا سحر فأرنا آية نعلم أنَّكَ صادق.
وقَالَ عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أرأيتم إن أَنَا أخبرتكم وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ فِي بيوتكم من الطعام فيها تقديم وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ يعني وما ترفعون فِي غد تعلمون أني صادق.
قَالُوا: نعم قَالَ عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فُلان أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، وأنت يا فُلان أكلت كذا وكذا، وأنت يا فُلان.
فمنهم من آمن ومنهم من كفر.
يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً يعني لعلامة لَكُمْ فيما أخبرتكم به3إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- 49- يعني مصدقين بعيسى بأنه رسول وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ من اللحوم والشحوم وكل ذِي ظفر والسمك فهذا البعض الَّذِي أحل لهم غَيْر السبت فإنهم يقومون عَلَيْه فوضع عَنْهُمْ فِي الإنجيل ذلك وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ بعلامة من ربكم يعني العجائب التي كان يصنعها اللَّه.4
فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني فوحدوا اللَّه وَأَطِيعُونِ- 50- فيما آمركم به من النصيحة فَإنَّهُ لا شريك له.
وقال لهم عيسى- صلى الله

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ يعنى فوحدوه هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ- 51- يعني هَذَا التوحيد دين مستقيم وَهُوَ الْإِسْلام فكفروا فَلَمَّا أَحَسَّ يعني فَلَمَّا رَأَى عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ يعني من بني إِسْرَائِيل كقوله- عَزَّ وَجَلّ- «هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ1» يعنى هل ترى منهم من أحد فمر عِيسَى- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الحواريين يعني عَلَى القصارين غسالى الثياب قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ يعني من يتبعني مَعَ اللَّه.
كقوله فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ2يعني معي هَارُون وكقوله- سُبْحَانَهُ- وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ3يعني مَعَ أموالكم قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ يعني بتوحيد اللَّه وَاشْهَدْ يا عِيسَى بِأَنَّا مُسْلِمُونَ- 52- يعني مخلصين بتوحيد اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- ثم قالوا: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ يعني صدقنا بالإنجيل الَّذِي أنزلت عَلَى عِيسَى وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ يعني عِيسَى عَلَى دينه فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ- 53- يَقُولُ فاجعلنا مَعَ الصادقين نظيرها فِي المائدة.
هذا قول الحواريين وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وذلك أن كفار بني إِسْرَائِيل عمدوا إلى رجل فجعلوه رقيبا على عيسى ليقتلوه [55 أ] فجعل اللَّه شَبه عِيسَى عَلَى الرقيب فأخذوا الرقيب فقتلوه وصلبوه، وظنوا أَنَّهُ عِيسَى، ورفع اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عِيسَى إلى سماء الدُّنْيَا من بيت المَقْدِس، ليلة القدر فِي رمضان، فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: وَمَكَرُوا بعيسى ليقتلوه يعني اليهود وَمَكَرَ اللَّهُ بهم حين قُتِل رقيبهم وصاحبهم وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ- 54- يعني أفضل مكرا منهم إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَ

فيها تقديم يَقُولُ رافعك إليّ من الدُّنْيَا ومتوفيك حين1تنزل من السماء عَلَى عهد الدجال «يَقُولُ إني رافعك إلي الآن ومتوفيك بعد قتل الدجال».2
يَقُولُ رافعك إليّ فِي السماء وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى اليهود وغيرهم [وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ عَلَى دينك يا عِيسَى وَهُوَ الْإِسْلام فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود وَغَيْرُهُمْ.
وأهل3دين عِيسَى هُم المسلمون فوق الأديان كلها إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ4] ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فِي الآخرة فَأَحْكُمُ يعني فأقضي بَيْنَكُمْ يعني بين الْمُسْلِمِين وأهل الأديان فِيما كُنْتُمْ فِيهِ من الدّين تَخْتَلِفُونَ- 55- وَهُوَ الْإِسْلام فأسلمت طائفة وكفرت طائفة ثُمّ أخبر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- عن منزلة الفريقين فِي الآخرة، فَقَالَ: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني كفار أَهْل الكتاب فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا يعني القتل أَو الجزية وَفى الْآخِرَةِ عذاب النار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- 56- يعني من مانعين يمنعونهم من النار وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ يعني فيوفوا أجورهم فِي الآخرة وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ- 57- ذلِكَ الَّذِي ذكره اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي هَذِهِ الآيات نَتْلُوهُ عَلَيْكَ يا محمد مِنَ الْآياتِ يعني من البيان وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ- 58- يعني المحكم من الباطل إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ وذلك أن وفد نصارى نجران قدموا عَلَى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالمدينة منهم السيد والعاقب،

والأسقف، والرأس، والحارث، وقيس، وابنيه وخالد، وخليد، وعَمْرو،1فَقَالَ السيد والعاقب وهما سيدا أَهْل نجران: يا محمد لَمْ تشتم صاحبنا وتعيبه؟ فَقَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا صاحبكم؟ قَالُوا: عِيسَى ابْن مريم العذراء البتول.
قال: أبو محمد عبيد الله بن ثَابِت.
قَالَ: العذراء البتول.
المنقطعة إلى اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لقوله- عَزَّ وَجَلّ- وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا2قَالُوا فأرنا فيما خلق اللَّه عبدا مثله [55 ب] يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين طيرا وَلَم يقولوا بإذن اللَّه.
وكل آدمي لَهُ أب وعيسى لا أب لَهُ فتابعنا فِي أن عِيسَى ابن اللَّه ونتابعك.
فإما أن تجعل عِيسَى ولدا وإما إلها، فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مُعَاذ اللَّه أن يَكُون لَهُ ولد، أَوْ يَكُون معه إله.
فَقَالا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَنْت أَحْمَد؟ فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَنَا أحمد، وأنا محمد.
فَقَالا: فيم3أَحْمَد؟ قَالَ: أَحْمَد الناس عن الشرك.
قَالا: فإنا نسألك عن أشياء.
قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا أخبركم حَتَّى تسلموا فتتبعوني.
قَالا: أسلمنا قبلك.
قَالَ النَّبِيّ-

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إنكما لَمْ تسلما حجزكما عن الْإِسْلام ثلاثة أكلكما الخنزير، وشربكما الخمر، وقولكما إن للَّه- عَزَّ وَجَلّ- ولدا، فغضبا عِنْد ذَلِكَ.
    فَقَالا: من أَبُو عِيسَى؟ ائتنا لَهُ بمثل فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ - 59- هَذَا الذي قَالَ الله فِي عِيسَى هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ- 60- يا محمد يعني من الشاكين فِي عِيسَى أن مثله كمثل آدم.
    فقالوا للنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَيْسَ كَمَا تَقُولُ، ما هذا له بمثل.
    فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ يعني فَمنْ خاصمك فِي عِيسَى مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يعني من البيان من أمر عِيسَى يعني ما ذكر فِي هَذِهِ الآيات فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ يعني نخلص الدعاء إلى اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ- 61- إِنَّ هَذَا الَّذِي ذكرته فِي عِيسَى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَالَّذِي تقولون هُوَ الباطل وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ فِي ملكه الْحَكِيمُ- 62- فِي أمره حكم عِيسَى فِي بطن أُمّه فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني فَإِن أبوا إِلَّا أن يلاعنوا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ- 63- فى الأرض بالمعاصي.
    قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: قُلْ لهم يا محمد: يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ يعني كلمة العدل وهي الإخلاص بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً من خلقه وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ لأنهم اتخذوا عِيسَى ربا فَإِنْ تَوَلَّوْا يعني فإن أبوا التوحيد فَقُولُوا لهم أنتم اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ- 64- يعني مخلصين بالتوحيد فَقَالَ العاقب: ما نصنع بملاعنته شيئا، فو الله لئن كان كاذبا ما ملاعنته بشيء، ولئن كان صادقا

لا يَأْتِي علينا الحول حَتَّى يهلك اللَّه الكاذبين. قَالُوا: يا محمد نصالحك عَلَى ألا تغزونا وَلا تخيفنا وَلا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك ألف حلة [56 أ] فِي صَفَر، وألف حلة فِي رجب. وعلى ثلاثين درعا من حديد عادية. فصالحهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَالَّذِي نفس محمد بيده، لولا عنوني ما حال الحول، ويحضرني منهم أحد ولأهلك اللَّه الكاذبين. قَالَ عُمَر- رَضِيَ اللَّه عَنْهُ-: لو لاعنتهم بيد من كُنْت تأخذ. قَالَ: «آخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين- عليهم السلام- وحفصة وعائشة- رحمهما الله-».1
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ يعني تخاصمون فِي إِبْراهِيمَ وذلك أن رؤساء اليهود كَعْب بن الأشرف، وأبا ياسر، وأبا الحقيق وزيد بن التابوه، ونصارى نجران، يقولون: إِبْرَاهِيم أولى بنا والأنبياء مِنَّا كانوا عَلَى ديننا، وما تريد إِلَّا أن نتخذك ربا كَمَا اتخذت النَّصارى عيسى ربا، وقالت النَّصارى: ما تريد

بأمرك إِلَّا أن نتخذك ربا كَمَا اتخذت اليهود عزيرا ربا.
قَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مُعَاذ اللَّه من ذَلِكَ، ولكني أدعوكم إلى أن تعبدوا اللَّه جميعًا، وَلا تشركوا به شيئًا، فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ يعني تخاصمون «فِي إِبْرَاهِيم» فتزعمون أَنَّهُ كان عَلَى دينكم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أى بعد موت إبراهيم أَفَلا تَعْقِلُونَ- 65- ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ يعنى خاصمتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مما جاء فِي التوراة والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ بما لَيْسَ فِي التوراة والإنجيل وَاللَّهُ يَعْلَمُ أن إِبْرَاهِيم لَمْ يَكُنْ يهوديا وَلا نصرانيا وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ- 66- أَنَّهُ ما كان يهوديا وَلا نصرانيا، ثُمّ أخبر اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فَقَالَ: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً يعني حاجا مُسْلِماً يعني مخلصا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- 67- يعنى من اليهود ولا من النصارى، ثم قال: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لقولهم إنَّه كان عَلَى دينهم لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلَى دينه واقتدوا به وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا يَقُولُ من اتبع محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- على دينه.
ثم قال- عز وجل-: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ- 68- الَّذِين يتبعونهما عَلَى دينهما وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ يعنى يستنزلونكم عن دينكم الْإِسْلام وَما يُضِلُّونَ يعني وما يستنزلون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ- 69- إنما يضلون أنفسهم نزلت فِي عمار بن ياسر، وحُذَيْفة بن اليمان وذلك أن اليهود جادلوهما ودعوهما إلى دينهم.
وقالوا: إن ديننا أفضل من دينكم ونحن أهدى منكم سبيلا فنزلت وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ... إلى آخر الآية.
ونزلت يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ [56 ب] يعني القرآن وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ- 70- أن محمدا رَسُول الله ونعته معكم فى التوراة يا أَهْلَ

الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَ يعني لَمْ تخلطون الحق بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وذلك أن اليهود أقروا ببعض أمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وكتموا1بعضا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- 71- أن محمدا نَبِيّ ورسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم-.2
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف اليهوديان لسفلة اليهود آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا بالقرآن وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ أول النهار يعني صلاة الغداة.
وإذا كان العشي قولوا لهم نظرنا فِي التوراة فإذا النعت الَّذِي فِي التوراة لَيْسَ بنعت محمد- صلى الله عليه وسلم- فذلك قوله- سبحانه-: وَاكْفُرُوا آخِرَهُ يعني صلاة العصر فلبسوا عليهم دينهم لعلهم يشكون فِي دينهم.
فذلك قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ- 72- يعني لكي يرجعوا عن دينهم إلى دينكم وقالا لسفلة اليهود: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ فَإنَّهُ لن يؤتي أحد من الناس مثل ما أوتيتم من الْفَضْل والتوراة والمن والسلوى والغمام والحجر اثبتوا عَلَى دينكم.
وقالوا لهم: لا تخبروهم بأمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيحاجوكم يعني فيخاصموكم عِنْد ربكم.
قَالُوا3: ذَلِكَ حسدا لمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأن تكون النُّبُوَّة فِي غيرهم فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ4قُلْ يا محمد إِنَّ الْفَضْلَ يعني الْإِسْلام والنبوة

بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ لذلك عَلِيمٌ- 73- بمن يؤتيه الْفَضْل يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ [57 أ] يعني بتوبته مَنْ يَشاءُ فاختص اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- به الْمُؤْمِنِين وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ يعني الْإِسْلام الْعَظِيمِ- 74- عَلَى الْمُؤْمِنِين وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني أَهْل التوراة مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ يعني عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ يعني كفار اليهود يعني كَعْب بن الأشرف وأصحابه، يَقُولُ منهم من يؤدي الأمانة ولو كثرت، ومنهم من لا يؤديها ولو ائتمنته عَلَى دينار لا يؤده إليك إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً عِنْد رأسه مواظبا عَلَيْه تطالبه بحقك ذلِكَ استحلالا للأمانة بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ يعنى فى العرب سَبِيلٌ وذلك أن الْمُسْلِمِين باعوا1اليهود فِي الْجَاهِلِيَّة.2
فَلَمَّا تقاصهم المسلمون فِي الْإِسْلام، قَالُوا: لا حرج علينا فِي حبس أموالهم لأنهم ليسوا عَلَى ديننا يزعمون أن ذَلِكَ حلال لهم فِي التوراة، فذلك قوله- عَزَّ وَجَلّ-: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ- 75- أنهم كذبة وأن فِي التوراة تحريم الدماء والأموال إِلَّا بحقها، وَلكن أمرهم بالإسلام، وأداء الأمانة، وأخذ عَلَى ذَلِكَ ميثاقهم، فذلك قوله- سبحانه-: بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ الَّذِي أخذه اللَّه عَلَيْه فِي التوراة وأدى الأمانة وَاتَّقى محارمه فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ- 76- يَقُولُ الَّذِين يتقون استحلال المحارم إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا يعني عرضا من الدُّنْيَا يسيرا يعني رءوس اليهود أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ يعني لا نصيب لهم فِي الآخرة وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ بعد العرض والحساب

وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- 77- يعني وجيع وَإِنَّ مِنْهُمْ يعني من اليهود لَفَرِيقاً يعني طائفة منهم يعنى كَعْب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وأَبُو ياسر، جدي ابن أخطب، وشعبة بن عمرو، يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ يعني باللَّيِّ التحريفَ بالألسن فِي أمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ يعني التوراة يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ كتبوا يعنى من التوراة غَيْر نعت محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومحوا نعته وَيَقُولُونَ هُوَ هَذَا النعت مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ولكنهم كتبوه وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ- 78- أنهم كذبة وليس ذلك نعت محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا كانَ لِبَشَرٍ يعني عِيسَى ابن مريم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ يعني أن يعطيه اللَّه الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل وَالْحُكْمَ يعني الفهم وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ يعني بني إِسْرَائِيل كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ يَقُولُ لهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ يعني متعبدين للَّه- عز وجل-[57 ب] بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ- 79- يعني تقرءون وَلا1يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً يعني عِيسَى وعزير ولو أمركم بِذَلِك لكان كفرا.
فذلك قوله: أَيَأْمُرُكُمْ «2» بِالْكُفْرِ يعني بعبادة الملائكة والنبيين بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ3مُسْلِمُونَ- 80- يعني مخلصين لَهُ بالتوحيد فَقَالَ: الإصبغ بن زَيْد، وكردم بن قَيْس، أيأمرنا4بالكفر بعد الْإِيمَان فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ-: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ على أن يعبدوا الله،

ويبلغوا الرسالة إلى قومهم، ويدعوا الناس إلى دين اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فبعث اللَّه مُوسَى ومعه1التوراة إلى بني إِسْرَائِيل، فكان مُوسَى أول رسول بعث إلى بني إِسْرَائِيل وَفِي التوراة بيان أمر محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فأقروا به لَما يعني للذي آتَيْتُكُمْ يعني بني إِسْرَائِيل مِنْ كِتابٍ يعني التوراة وَحِكْمَةٍ يعني ما فيها من الحلال والحرام ثُمَّ جاءَكُمْ يعني بني إِسْرَائِيل رَسُولٌ يعني محمدا- صلى الله عليه وسلم- مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ يعني تصديق محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما معكم فِي التوراة لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ يعني لتصدقن به إن بعث وَلَتَنْصُرُنَّهُ إذا خرج يَقُولُ- عَزَّ وَجَلّ- لهم قالَ أَأَقْرَرْتُمْ بمحمد فِي التوراة بتصديقه ونصره وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي يَقُولُ وقبلتم عَلَى الْإِيمَان بمحمد عهدي، وميثاقي فِي التوراة قالُوا أَقْرَرْنا يَقُولُ اللَّه: قالَ فَاشْهَدُوا عَلَى أنفسكم بالإقرار.
يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- وَأَنَا مَعَكُمْ أَي إقراركم بمحمد- صَلَّى الله عليه وسلم- مِنَ الشَّاهِدِينَ- 81- ثُمّ قَالَ: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ2يعني فَمنْ أعرض عن الْإِيمَان بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد إقراره فِي التوراة فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ- 82- يعني العاصين أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ يعني الملائكة وَالْأَرْضِ يعني الْمُؤْمِنِين طَوْعاً ثُمّ قَالَ- سُبْحَانَهُ-: وَكَرْهاً يعني أَهْل الأديان يقولون اللَّه هُوَ ربهم وَهُوَ خلقهم، فذلك إسلامهم وهم فى ذلك مشركون3وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ- 83- ثُمّ أنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي آل عمران «إن لم يؤمن

أَهْل الكتاب» بهذه الآية التي فِي البقرة.1
وأمر الْمُؤْمِنِين أن يقرءوها فنزل قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ» يعني صدقنا بتوحيد اللَّه وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعني الإقرار بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى3يعني وما أعطى مُوسَى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ- 84- يعني مخلصين وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ- 85- نزلت فِي طعمة بن أبيرق الْأَنْصَارِيّ من الأوس من بني صقر، ارتد عن الْإِسْلام ولحق بكفار مكة كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ يعني البيان وَاللَّهُ لا يَهْدِي إلى دينه الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ- 86- أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَلعنة الْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ- 87- يعني والعالمين كلهم خالِدِينَ فِيها فِي اللعنة مقيمين فيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ- 88- يعني لا يناظر بهم العذاب نزلت فِي اثني عشر رَجُلا ارتدوا عن الْإِسْلام وخرجوا من المدينة كهيئة البداة4ثُمّ انصرفوا إلى طريق مكة، فلحقوا بكفار مكة منهم طعمة بن أبيرق الْأَنْصَارِيّ، ومقيس بن ضبابة الليثي، وعبد اللَّه بن أَنَس بن خطل من بنى ثيم ابن مرة الْقُرَشِيّ.
ووجوج بن الأسلت الْأَنْصَارِيّ، وأَبُو عامر بن النعمان الراهب،

والحارث بن سُوَيْد بن الصَّامِت الْأَنْصَارِيّ من بني عمرو بن عَوْف، أخو الجلاس بن سُوَيْد بن الصَّامِت، ثُمّ أن الْحَارِث ندم فرجع تائبا من ضرار1ثُمّ أرسل إلى أَخِيهِ الجلاس إني قَدْ رجعت تائبا فسل النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هل لي من توبة وإلا لحقت بالشام فانطلق الجلاس إلى النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخْبَرَه فلم يرد عَلَيْه شيئًا فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فِي الْحَارِث فاستثنى إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فلا يعذبون مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعني من بعد الكفر2وَأَصْلَحُوا فِي العمل فيما بقي فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لكفره رَحِيمٌ- 89- به فيما بقي3فبلغ أمر الْحَارِث الأحد عشر الَّذِين بمكة.
فقالوا: نقيم بمكة ما أقمنا ونتربص بمحمد الموت، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا ما نزل فِي الْحَارِث ويقبل مِنَّا ما يقبل منه.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فيهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قَالُوا: نقيم بمكة كفارا، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا كَمَا نزل فِي الْحَارِث لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ- 90- ثُمّ أخبرهم عَنْهُمْ وعن الكفار وما لهم فِي الآخرة.
فَقَالَ- عَزَّ وَجَلّ-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فيود أحدهم أن يَكُون لَهُ ملء الأرض ذهبا، يقدر عَلَى أن يفتدى به نفسه من العذاب لافتدى به فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ ما قبل منه أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَلَهُ عذاب وجميع نظيرها فِي المائدة4وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ- 91- يعني من مانعين يمنعونهم من العذاب.
قوله- سبحانه-:

لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا يَقُولُ لن تستكملوا التقوى حَتَّى تنفقوا فِي الصدقة مِمَّا تُحِبُّونَ من الأموال وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ1يعني من صدقة فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ- 92- يعنى عالم به يعنى بنياتكم [58 ب] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ2مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وذلك أن يَعْقُوب بن إسحاق خرج ذات ليلة، ليرسل الماء فِي أرضه، فاستقبله ملك فظن أَنَّهُ لص يريد أن يقطع عَلَيْه الطريق فعالجه فِي المكان الَّذِي كان يقرب فِيهِ القربان يدعى شانير3فكان أوّل قربان قربه بأرض المَقْدِس.
فَلَمَّا أراد الملك أن يفارقه، غمز فخذ يَعْقُوب برجليه ليريه أَنَّهُ لو شاء لصرعه، فهاج به عرق النساء، وصعد الملك إلى السماء، ويعقوب ينظر إِلَيْهِ فلقي منها البلاء، حَتَّى لَمْ ينم الليل من وجعه، وَلا يؤذيه بالنهار، فجعل يَعْقُوب للَّه- عَزَّ وَجَلّ- تحريم لحم الإبل وألبانها- وكان من أحبّ الطعام والشراب إِلَيْهِ- لئن شفاه اللَّه.
قَالَت اليهود جاء هَذَا التحريم من اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- «فِي التوراة قَالُوا: حرم اللَّه عَلَى يَعْقُوب وذريته»4لحوم الإبل وألبانها.
قَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- لنبيه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْ لليهود فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها فاقرءوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- 93- بأن تحريم لحوم الإبل فِي التوراة فلم يفعلوا.
يَقُولُ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- يعيبهم فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بأن اللَّه حرمه فِي التوراة مِنْ بَعْدِ ذلِكَ البيان فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ - 94- قُلْ صَدَقَ اللَّهُ وذلك

حين قَالَ اللَّه- سُبْحَانَهُ- مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا... إلى آخر الآية1وقالت اليهود والنصارى: كان إِبْرَاهِيم والأنبياء عَلَى ديننا، فَقَالَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقد كان إِبْرَاهِيم يحج البيت وأنتم تعلمون ذَلِكَ فلم تكفرون بآيات اللَّه يعني بالحج فذلك قوله- سُبْحَانَهُ- «قُلْ صَدَقَ اللَّهُ» فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً يعنى حاجا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- 95- يَقُولُ لَمْ يَكُنْ يهوديا وَلا نصرانيا.
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ يعني أول مَسْجِد وُضِعَ لِلنَّاسِ يعني للمؤمنين لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وإنما سمي بكة لأنه يبك الناس بعضهم بعضا فِي الطواف.
ومباركا فِيهِ البركة: مغفرة للذنوب وَهُدىً لِلْعالَمِينَ- 96- يعني الْمُؤْمِنِين من الضلالة لمن صلى فِيهِ.
وضلالة لمن صلى قبل بيت المَقْدِس.
وذلك أن الْمُسْلِمِين واليهود اختصموا فِي أمر القبلة.
فَقَالَ المسلمون: القبلة الكعبة.
وقالت اليهود: القبلة بيت المَقْدِس.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- أن الكعبة أول مَسْجِد كان فِي الأرض، والبيت قبلة لأهل المسجد الحرام، والحرم كله قبلة الأرض ثُمّ قَالَ- عَزَّ وجل- فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ يعني علامة واضحة أثر مقام إِبْرَاهِيم- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ دَخَلَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة كانَ آمِناً حَتَّى يَخْرُج منه وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ يعني الْمُؤْمِنِين حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا يعنى [59 أ] بالاستطاعة الزاد والراحلة وَمَنْ كَفَرَ من أَهْل الأديان بالبيت وَلَم يحج واجبا، فقد كفر.
فذلك قوله- سُبْحَانَهُ-: «وَمَنْ كَفَرَ» فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ- 97- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعنى بالقرآن2وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ- 98- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعنى

اليهود لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أهل الإيمان نزلت في حذيفة، وعمار بن ياسر حين دعوهما إلى دينهم.
فقالوا لهما: ديننا أفضل من دينكم، ونحن أهدى منكم سبيلا.
فقال- عز وجل-: «لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» عن دين الْإِسْلام مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً يعني بملة الْإِسْلام زيغا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ1أن الدّين هُوَ الْإِسْلام وأن محمدا رَسُول اللَّهِ ونبى وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ- 99- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني طائفة من الَّذِين أوتوا الكتاب يعني أعطوا التوراة يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ- 100- وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ يعني القرآن وَفِيكُمْ رَسُولُهُ يعني محمدا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بين أظهرهم وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ يعنى يحترز بِاللَّه فيجعله ثقته فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- 101- يعنى إلى دين الإسلام يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعنى الأنصار اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَهُوَ أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، نسختها «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»2وذلك أَنَّهُ3كان بين الأوس والخزرج عداوة فِي الْجَاهِلِيَّة فِي دم شمير وحاطب فقتل بعضهم بعضا حينا فَلَمَّا هاجر النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى المدينة أصلح بينهم فلما كان بعد ذلك افتخر منهم رجلان أَحَدهمَا ثَعْلَبَة بن غنيمة من الأوس، والآخر سعد بن زُرَارَة من بني الخزرج، من بني سَلَمَة بن جشم، فجرى الحديث بينهما فغضبا.
فقال الخزرجي: أما واللَّه لو تأخر الْإِسْلام عنا وقدوم رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- علينا لقتلنا سادتكم، واستعبدنا أبناءكم، ونكحنا نساءكم، بغير مهر.
فَقَالَ الأوسي: قَدْ كان الْإِسْلام متأخرا زمانا طويلا فهلا فعلتم فقد ضربناكم بالمرهفات حَتَّى أدخلناكم الديار.
وذكرا الأشعار والموتى، وافتخرا وانتسبا

حَتَّى كان بَيْنَهُمَا دفع وضرب بالأيدي والسعف1والنعال، فغضبا فناديا فجاءت الأوس إلى الأوس، والخزرج إلى الخزرج بالسلاح وأسرع بعضهم إلى بعض بالرماح فبلغ ذَلِكَ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فركب حمارا، وأتاهم فَلَمَّا أن عاينهم ناداهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [59 ب] وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ- 102- يعنى معتصمين بالتوحيد وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ يعنى بدين الله جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا يعني وَلا تختلفوا فِي الدّين كَمَا اختلف أهل الكتاب وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الإسلام إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فِي الْجَاهِلِيَّة يقتل بعضكم بعضا فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً يعني برحمته إخوانا فِي الْإِسْلام وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها يَقُولُ للمشركين الميت منكم فِي النار، والحي منكم عَلَى حرف النار.
إن مات دخل النار.
«فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» يعني من الشرك إلى الْإِيمَان كَذلِكَ يعني هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ يعني علاماته فِي هَذِهِ النعمة: أعداء فِي الْجَاهِلِيَّة إخوانا فِي الْإِسْلام لَعَلَّكُمْ لكي تَهْتَدُونَ- 103- فتعرفوا علاماته فِي هَذِهِ النعمة.
فَلَمَّا سَمِع القوم القرآن من النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تحاجزوا ثُمّ عانق بعضهم بعضا وتناول بخدود بعض بالتقبيل والالتزام.
يَقُولُ جَابِر بن عَبْد اللَّه وَهُوَ فِي القوم: لقَد اطلع إلينا رَسُول اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وما أحد هُوَ أكره طلعة إلينا منه لما كنا هممنا به فَلَمَّا انتهى إليهم النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: اتقوا اللَّه وأصلحوا ذات بينكم.
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يعني عصبة يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- 104- فوعظ الله المؤمنين لكي لا يتفرقوا، وَلا يختلفوا كفعل أَهْل الكتاب، فَقَالَ: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا فى الدين

بعد موسى فصاروا أديانا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ يعنى البيان وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- 105- يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبل أن يبعث فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ- 106- وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ يعني فِي جَنَّة اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- 107- يعني لا يموتون تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ- 108- فيعذب عَلَى غَيْر ذنب وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ- 109- يعني تصير أمور العباد إِلَيْهِ فِي الآخرة.
وافتخرت الأَنْصَار، فقالت الأوس1: مِنَّا خُزَيْمة بن ثَابِت صاحب2الشهادتين، ومنا حَنْظَلة غسيل الملائكة، ومنا عَاصِم بن ثَابِت بن الأفلح الَّذِي حمت رأسه الدبر، يعنى الزنابير، ومنا سعد ابن مُعَاذ الَّذِي اهتز العرش لموته، ورضي اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- بحكمه، والملائكة فِي أَهْل قريظة وقالت الخزرج: منا أربعة [60 أ] أحكموا القرآن، أبىّ ابن كعب ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثَابِت، وأَبُو زَيْد.
ومنا سعد بن عبادة صاحب راية الأنصار وخطيبهم الَّذِي ناحت الجن عَلَيْه فقالوا: نَحْنُ قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة... فرميناه بسهمين فلم تخط فؤاده3

قوله سُبْحَانَهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يعني خير الناس للناس وذلك أن مَالِك بن الضيف، ووهب بن يهوذا، قَالا لعبد اللَّه بن مَسْعُود، ومعاذ بن جبل، وسالم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفة: إن ديننا خير مما تدعونا إِلَيْهِ فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- فيهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ فِي زمانكم كَمَا فضل بني إِسْرَائِيل فِي زمانهم تَأْمُرُونَ الناس بِالْمَعْرُوفِ يعني بالإيمان وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بتوحيد الله وتنهوهم عن الظلم وأنتم خير الناس للناس وغيركم من أَهْل الأديان لا يأمرون أنفسهم وَلا غَيْرهم بالمعروف وَلا ينهونهم عن المنكر1، ثُمّ قَالَ: وَلَوْ آمَنَ يعني ولو صدق أَهْلُ الْكِتابِ يعني اليهود بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وما جاء به من الحق لَكانَ خَيْراً لَهُمْ من الكفر.
ثم قال: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ يعني عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ- 110- يعني العاصين يعني اليهود لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وذلك أن رؤساء اليهود كَعْب بن مَالِك، وشعبة2، وبحري3، ونعمان، وأبا ياسر، وأبا نَافِع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن صوريا.
عمدوا إلى مؤمنيهم فآذوهم لإسلامهم وهم عَبْد اللَّه بن سلام وأصحابه.
فأنزل اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- «لَنْ يَضُرُّوكُمْ» اليهود «إِلَّا أَذىً» باللسان4وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ- 111- ثُمّ أخبر عن اليهود، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ يعنى المذلة أَيْنَ ما ثُقِفُوا يعني وجدوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يَقُولُ لا يأمنوا حيث ما توجهوا إِلَّا بعهد من الله، وعهد من

الناس يعني النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وحده وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يعني استوجبوا الغضب من اللَّه وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والْمَسْكَنَةُ يعني الذل والفقر ذلِكَ الَّذِي نزل بهم بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ الذي أصابهم بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ- 112- فى دينهم بما خبر عنهم، فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وذلك أن اليهود قَالُوا لِابْن سلام وأصحابه: لقَدْ خسرتم حين استبدلتم بدينكم «دينا غيره»1وَقَدْ2عاهدتم اللَّه بعهد ألا تدينوا إِلَّا بدينكم، فَقَالَ اللَّه- عَزَّ وَجَلّ- «لَيْسُوا سَواءً» يَقُولُ لَيْسَ كفار اليهود، والذين فِي الضلالة بمنزلة ابن سلام وأصحابه الذين هم [60 ب] عَلَى دين اللَّه منهم أُمَّةٌ عصابة قائِمَةٌ بالحق عَلَى دين اللَّه عادلة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ يعني يقرءون كلام اللَّه آناءَ اللَّيْلِ يعني ساعات الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ- 113- يعني يصلون بالليل يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يصدقون بتوحيد اللَّه والبعث الَّذِي فِيهِ جزاء الأعمال وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ يعني إيمانا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني عن تكذيب بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يعنى شرائع الإسلام وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ- 114- وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ فلن يضل عَنْهُمْ بل يشكر ذَلِكَ لهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ- 115- يعنى ابن سلام وأصحابه، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ- 116- ثُمّ ذكر نفقة سفلة اليهود من الطعام والثمار عَلَى رءوس اليهود كَعْب بن الأشرف وأصحابه يريدون بها الآخرة فضرب

الله- عز وجل- مثلا لنفقاتهم، فقال: ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا وهم كفار يعنى سفلة اليهودمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ يعنى بردا شديداصابَتْ الريح الباردةرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ فلم يبق منه شيئًا كَمَا أهلكت الريح الباردة حرث الظلمة فلم ينفعهم حرثهم، فكذلك أهلك اللَّه «نفقات» سفلة اليهود ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة فلم تنفعهم نفقاتهم، فذلك قوله- عز وجل-: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ حين أهلك نفقاتهم فلم تتقبل منهم لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ - 117- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني المنافقين عَبْد اللَّه بن أُبَيٍّ، ومالك بن دخشم الْأَنْصَارِيّ، وأصحابه دعاهم اليهود إلى دينهم منهم إصبغ ورافع ابني حَرْمَلَة وهما رءوس اليهود فزينوا لهما ترك الْإِسْلام حَتَّى أرادوا أن يظهروا الكفر فأنزل اللَّه- عَزَّ وجل- يحذرهما ولاية اليهود «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً1يعني اليهود مِنْ دُونِكُمْ يعني من دون المؤمنين لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا يعنى غيا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ يعني ما أثمتم لدينكم فِي دينكم قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ يعني ظهرت البغضاء مِنْ أَفْواهِهِمْ يعني قَدْ ظهرت العداوة بألسنتهم وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ يعنى ما تسر قلوبهم من الغش

أَكْبَرُ مما بدت بألسنتهم قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يَقُولُ فَفِي هَذَا بيان لَكُمْ منهم إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ- 118- ثم قال- سبحانه-: ها أَنْتُمْ مَعْشَر الْمُؤْمِنِين أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ تحبون هَؤُلاءِ اليهود- فِي التقديم- لما أظهروا من الْإِيمَان بمحمد- صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به وَلا يُحِبُّونَكُمْ [61 أ] لأنهم ليسوا عَلَى دينكم وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ كتاب محمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والكتب كلها التي كَانَتْ قبله وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا يعني صدقنا بمحمد- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبما جاء به، وهم كذبة يعني اليهود مثلها فى المائدة- وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ... إلى آخر الآية1ثُمّ قَالَ: وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ يعني أطراف الأصابع مِنَ الْغَيْظِ الَّذِي فِي قلوبهم ودوا لو وجدوا ريحا يركبونكم بالعداوة قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ يعني اليهود إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ- 119- يعني يعلم ما فِي قلوبهم من العداوة والغش للمؤمنين ثُمّ أخبر عن اليهود.
فَقَالَ- سبحانه-: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ يعني الفتح والغنيمة يوْم بدر تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ القتل والهزيمة يوْم أحد يَفْرَحُوا بِها ثُمّ قَالَ للمؤمنين: وَإِنْ تَصْبِرُوا عَلَى أمر اللَّه وَتَتَّقُوا معاصيه لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً يعني قولهم إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ- 120- أحاط علمه بأعمالهم وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ عَلَى راحلتك يا محمد يوْم الأحزاب تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ يعني2توطن لهم مَقاعِدَ لِلْقِتالِ فِي الخندق قبل أن يستبقوا إِلَيْهِ ويستعدوا للقتال وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ- 121- إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا

يعني ترك المركز: منهم بنو حارثة بن الْحَارِث، ومنهم أَوْس بن قيظي، وأَبُو عربة بن أَوْس بن يامين، وبنو سَلَمَة بن جشم، وهما حيان من الأَنْصَار وَاللَّهُ وَلِيُّهُما حين عصمها فلم يتركا المركز وقالوا: ما يسرنا أَنَا لَمْ نهم بالذي هممنا إذا كان اللَّه ولينا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ- 122- يعني فليثق المؤمنون به وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ وأنتم قليل يذكرهم النعم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تعصوه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- 123- ربكم فِي النعم إِذْ تَقُولُ يا محمد لِلْمُؤْمِنِينَ يوم أحد أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ- 124- عليكم من السماء وذلك حين سألوا المدد فَقَالَ- سُبْحَانَهُ-: بَلى يمددكم ربكم بالملائكة إِنْ تَصْبِرُوا لعدوكم وَتَتَّقُوا معاصيه وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يعني من وجههم هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ فزادهم ألفين مُسَوِّمِينَ- 125- يعني معلمين بالصوف الأبيض فِي نواصي الخيل، وأذنابها عَلَيْهَا البياض معتمين بالبياض وَقَدْ أرخوا أطراف العمائم بين أكتافهم.
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ يَقُولُ وما جعل المدد من الملائكة إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ يعني ولكي تسكن قُلُوبُكُمْ1بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ النصر لَيْسَ بقلة العدد وَلا بكثرته وَلَكِن النصر من عِنْد اللَّه الْعَزِيزِ يعني المنيع في ملكه الْحَكِيمِ- 126- في أمره [61 ب] حكم النصر للمؤمنين، نظيرها فِي الأنفال2، لِيَقْطَعَ لكي يقطع طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْل مكة أَوْ يَكْبِتَهُمْ يعني يخزيهم فَيَنْقَلِبُوا إلى مكة خائِبِينَ- 127- لم يصيبوا

فصول الكتاب · 270 فصل · 945 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تفسير مقاتل بن سليمان · 945 صفحة
مقدمة الكتابالجزء الاولمقدمة[سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7]
[سورة البقرة (2) : الآيات 1 الى 286]
[سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 200]
[سورة النساء (4) : الآيات 1 الى 176]
[سورة المائدة (5) : الآيات 1 الى 120]
[سورة الأنعام (6) : الآيات 1 الى 165]
الجزء الثاني
[سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 206]
[سورة الأنفال (8) : الآيات 1 الى 75]
[سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 129]
[سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 109][سورة هود (11) : الآيات 1 الى 123]
[سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 111]
[سورة الرعد (13) : الآيات 1 الى 113][سورة إبراهيم (14) : الآيات 1 الى 52][سورة الحجر (15) : الآيات 1 الى 99]
[سورة النحل (16) : الآيات 1 الى 128]
[سورة الإسراء (17) : الآيات 1 الى 111]
[سورة الكهف (18) : الآيات 1 الى 110][سورة مريم (19) : الآيات 1 الى 98]الجزء الثالث[سورة طه (20) : الآيات 1 الى 135][سورة الأنبياء (21) : الآيات 1 الى 112][سورة الحج (22) : الآيات 1 الى 78][سورة المؤمنون (23) : الآيات 1 الى 118][سورة النور (24) : الآيات 1 الى 64][سورة الفرقان (25) : الآيات 1 الى 77][سورة الشعراء (26) : الآيات 1 الى 227][سورة النمل (27) : الآيات 1 الى 93][سورة القصص (28) : الآيات 1 الى 88][سورة العنكبوت (29) : الآيات 1 الى 69][سورة الروم (30) : الآيات 1 الى 60][سورة لقمان (31) : الآيات 1 الى 34][سورة السجده (32) : الآيات 1 الى 30]
[سورة الأحزاب (33) : الآيات 1 الى 73]
[سورة سبإ (34) : الآيات 1 الى 54][سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 45][سورة يس (36) : الآيات 1 الى 83][سورة الصافات (37) : الآيات 1 الى 182][سورة ص (38) : الآيات 1 الى 88][سورة الزمر (39) : الآيات 1 الى 75][سورة غافر (40) : الآيات 1 الى 85][سورة فصلت (41) : الآيات 1 الى 54][سورة الشورى (42) : الآيات 1 الى 53][سورة الزخرف (43) : الآيات 1 الى 89][سورة الدخان (44) : الآيات 1 الى 59][سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى 37]الجزء الرابع[سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 35][سورة محمد (47) : الآيات 1 الى 38][سورة الفتح (48) : الآيات 1 الى 29][سورة الحجرات (49) : الآيات 1 الى 18][سورة ق (50) : الآيات 1 الى 45][سورة الذاريات (51) : الآيات 1 الى 60][سورة الطور (52) : الآيات 1 الى 49][سورة النجم (53) : الآيات 1 الى 62][سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 62][سورة الرحمن (55) : الآيات 1 الى 78][سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 96][سورة الحديد (57) : الآيات 1 الى 29][سورة المجادلة (58) : الآيات 1 الى 22][سورة الحشر (59) : الآيات 1 الى 24][سورة الممتحنة (60) : الآيات 1 الى 13][سورة الصف (61) : الآيات 1 الى 14][سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى 11][سورة المنافقون (63) : الآيات 1 الى 11][سورة التغابن (64) : الآيات 1 الى 18][سورة الطلاق (65) : الآيات 1 الى 12][سورة التحريم (66) : الآيات 1 الى 12][سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 30][سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 52][سورة الحاقة (69) : الآيات 1 الى 52][سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 44][سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 28]سوره الجنّ[سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 28][سورة المزمل (73) : الآيات 1 الى 20][سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى 56][سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 40][سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى 31][سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى 50][سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 40][سورة النازعات (79) : الآيات 1 الى 46][سورة عبس (80) : الآيات 1 الى 42][سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 29][سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى 19][سورة المطففين (83) : الآيات 1 الى 36][سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى 25][سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 22][سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17][سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى 19][سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى 26][سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 30][سورة البلد (90) : الآيات 1 الى 20][سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 15][سورة الليل (92) : الآيات 1 الى 21][سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11][سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8][سورة التين (95) : الآيات 1 الى 8][سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 19][سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5][سورة البينة (98) : الآيات 1 الى 8][سورة الزلزلة (99) : الآيات 1 الى 8][سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11][سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11][سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8][سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3][سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9][سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5][سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4][سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7][سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3][سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6][سورة النصر (110) : الآيات 1 الى 3][سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5][سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4][سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5][سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6]الجزء الخامسمقدمةالتفسير قبل مقاتلالتفسير فى عصر الصحابة: عبد الله بن عباس،عبد الله بن مسعود: (ت سنة 32 هـ)علي بن أبي طالب رضي الله عنه:أبى بن كعب الأنصارى: (ت سنة 20 هـ)(ا) التفسير فى عهد الصحابة:(ب) التفسير فى عهد التابعين:ابتداء التدوين فى عصر التابعين:التفسير فى عهد تابعي التابعينالتفسير النقلى والتفسير العقليالباب الأول: حياة مقاتل.الباب الأول حياة مقاتلنسب مقاتل.نسب مقاتلمولد مقاتلوبعد هذه الروايات نتساءل متى ولد مقاتل؟(خراسان)بلخبلخبلخ:قبل الإسلاممرو الشاهجان:مقاتل فى العراقشيخ أبى الحسن الأشعريالباب الثاني مقاتل وعلم الحديثاتهام مقاتل جرح رجال الحديث مقاتلا واتهموه بالكذب والوضع:كذب مقاتلالادلة على كذب مقاتلمقاتل المدلسوالتدليس قسمان:رجال روى عنهمرجال أخذوا عنهالرواية عن مقاتلقد اثنى بعض الثقات على مقاتل ورفعوا منزلته:الباب الثالث مقاتل وعلم التفسيرتفسير مقاتل يجمع بين المأثور والمعقولهل كان مقاتل أول من فسر القرآن كله؟أول من دون التفسيرمؤلفات مقاتل فى التفسير وعلوم القرآنالفصل الاول:«الفصل الاول»ذات الله.ذات اللهقال ابو حامد الغزالي:«الفصل الثاني» مقاتل وصفات اللهتمهيد.تمهيدانكار الصفاتمقاتل وجهم بن صفواناتهام مقاتل بالتشبيه فى الصفاتتحقيق هذه التهمة(ا) فى نسبة (الوجه) لله تعالى:(ب) فى نسبة (اليد او اليدين) لله تعالى.وقد اختلف المفسرون فى تفسير معنى اليد المذكورة فى القرآن الكريم:الفصل الثالث التجسيم عند مقاتلتمهيد:الاستواء«الاستواءالكرسيالعرشالعرشيمين اللهالساقتجسيم بالتلميح لا بالتصريح«الفصل الرابع تعقيب وانصافكلمة انصاف لمقاتل المتكلم.كلمة انصاف لمقاتل المتكلمرؤية الله عند مقاتلمقاتل والارجاء26اتهم مقاتل بانه من أول المرجئة، كما اتهم ابو حنيفة بذلك.القسم الثاني منهج مقاتل فى تفسير القرآن الكريمالباب الاول اسباب النزولاسباب النزول فى تفسير مقاتل.اسباب النزول فى تفسير مقاتلاهداف القرآن ومقاصده الساميةالقرآن والحربالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السببالتعبير عن سبب النزولتعدد الأسباب والمنزل واحدتعدد النازل والسبب واحدالباب الثاني النسخ عند مقاتلتمهيد:الآيات المنسوخة عند مقاتلجدول لجميع الآيات المنسوخة عند مقاتلمناقشة نسخ هذه الآياتتعقيب على المناقشةجدول بالآيات المنسوخة بآية السيف عند مقاتلوهذا هو نص الآيات:وهذا هو نص هذه الآيات:جدول بآيات لا تعارض فيها بين الناسخ والمنسوخجدول بآيات منسوخة عند مقاتل وهي اخبار لا تقبل النسخوإليك بيان هذه الآيات:وإليك بيان هذه الآيات:آيات ينطبق عليها النسخ ولم يعتبرها مقاتل منسوخةالباب الثالث المحكم والمتشابهراى مقاتل فى المحكم والمتشابه.راى مقاتل فى المحكم والمتشابهمتشابه الصفات عند مقاتلتفسير مقاتل فى ضوء هذه المذاهبالاستواء عند مقاتل وعند المفسرينراى شترتمان فيهماموضع الاتفاق وهو اللب:الباب الرابع فواتح السورفواتح السورمعاني هذه الفواتحالطبري وراى مقاتلقول الزركشي والسيوطي فى حساب الجملراى السيد رشيد رضا فى فواتح السورراى الشيخ طنطاوي جوهرى فى حساب الجملراى الباحثالباب الخامس الاسرائيلياتتمهيد:اليهود والنصارىاليهود والنصارىراى ابن كثير فى الاسرائيلياتمسئولية المفسريناعتذار الطوفى عن المفسرينتفنيد فريةتأثير الإسلام فى اليهوديةالباب السادس التشيع فى تفسير مقاتلمقاتل من الزيدية.مقاتل من الزيديةرواية البخاري:مقارنة:خلاصة البحثالباب السابع المكي والمدني فى تفسير مقاتلالسور المكية والسور المدنية عند مقاتلالسور المكية والسور المدنية عند مقاتلجدول بالسور المكية والمدنية فى تفسير مقاتلمقارنة بين تفسير مقاتل والمصحفإحصاء بالسور التي اختلف مكان نزولها فى المصحف عنه فى تفسير مقاتلالباب الثامن كيفية نزول القرآنكيفية نزول القرآنتمهيد:للعلماء فى كيفية نزول القرآن آراء ثلاثة:راى الشعبي24فى نزول القرآنراى آخر لمقاتلمدة نزول القرآنخاتمةاسباب النزول،اسباب النزول:النسخالمحكم والمتشابه.فواتح السور.الاسرائيلياتثم تحدثت عن التشيع فى تفسير مقاتل:وتحدثت عن المكي والمدني عند مقاتل:كيفية إنزال القرآن:
جارٍ التحميل