رؤية الله عند مقاتل
ذهب مقاتل الى اثبات الصفات، كما فسر القرآن على اثبات رؤية الله يوم القيامة.
وقد أنكر جهم رؤية الله يوم القيامة9، اعتمادا على قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ.10
اما مقاتل فقد اثبت الرؤية اعتمادا على قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ- (القيامة/ 22، 23). وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (المطففين/ 15).
وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (البقرة/ 210).11 وقوله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ (الأحزاب/ 44).
وقد فسر هذه الآيات على اثبات رؤية الله تعالى يوم القيامة، اما الآيات التي تنفى رؤية الله مثل لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فقد أولها مقاتل بان الخلق لا يرون الله فى الدنيا دون الآخرة، ولا فى السموات12دون الجنة.
قال مقاتل: «واما قوله جل ثناؤه لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ13وقال فى آية اخرى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
فكان هذا عند من يجهل التفسير ينقض بعضه بعضا، وليس بمنتقض ولكنها فى تفسير الخواص فى المواطن المختلفة. فاما تفسير لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يعنى لا يراه الخلق فى الدنيا دون الآخرة ولا فى السموات دون الجنة وقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعنى يوم القيامة (ناضرة) يعنى الحسن والبياض يعلوها النور إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ينظرون الى الله عز وجل يومئذ معاينة- فهذا تفسيرهما.14
ومن متشابه آيات الرؤية قوله سبحانه لموسى لَنْ تَرانِي الأعراف/ 143، وقوله سبحانه حكاية عن محمد صلى الله عليه وسلم وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى النجم/ 13. وقد أول مقاتل الآيتين بان قوله تعالى لموسى لَنْ تَرانِي يعنى فى الدنيا، فاما فى الجنة فان موسى وغيره يرونه فى الجنة معاينة. واما قوله عن محمد صلى الله عليه وسلم وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى فقال: رآه فى الجنة ليلة اسرى به. ولا يخلو تفسير مقاتل لهذه الآيات من نزعة التشبيه والتجسيم- وهي نزعة فاسدة- فى خلال هذا التفسير العظيم.15
وقد كان الامام الشافعي يعتقد رؤية الله يوم القيامة16ويقول: (لو لم يعرف ابن إدريس انه سيرى ربه ما عبده فى هذه الدنيا).17
ونسب الأشعري18الى بعض المسلمين اعتقادهم: ان اهل الجنة يرون ربهم
يوم القيامة، ولكن ليس بالقوة الموضوعة فى العين بل بقوة خرى موهوبة من الله وقد سماها بعضهم «الحاسة السادسة19». وقد يدوا اعتقادهم فى رؤية الله يوم القيامة بالآيات التي تثبت الرؤية وسبق أن ذكرها مقاتل، وقروا مثله بعدم جواز رؤيته تعالى فى الدنيا20، ونه تعالى يرى باصار يوم القيامة، كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، لأنهم محجوبون عن الرؤية21كما قال تعالى (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وقد فسر مجاهد المكي (ت 102 هـ) قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) بقوله: هو م من ان تدركه الأبصار22، وقال: «تنظر منه الثواب»23». اما عطية العوفى الكوفي (ت 111 هـ/ 729 م) فقد فسر الآية السابقة بقوله: «هم ينظرون الى الله لا تحيط ابصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ.24
وقد وردت فى البخاري وغيره من كتب الصحاح أحاديث تثبت رؤية الله تعالى، «وان المؤمنين يرونه يوم القيامة كما ترى الشمس فى يوم صحو ليس به غيم، وكما يرى القمر ليلة البدر لا يشك فى رؤيته».25
وقد أول المعتزلة النظر الى الله بانتظار ثوابه.