تفسير مقاتل فى ضوء هذه المذاهب
كان تفسير مقاتل لبعض آيات الصفات لا يخرج عن هذه المذاهب الثلاثة، ففي تفسيره للوجه جمع بين منهج الخلف والسلف. وفى تفسيره لليد كان سلفيا، وفى تفسيره للعين كان متوسطا.20
ولكن مقاتلا خرج على هذه المذاهب الثلاثة وكان مجسما فى تفسيره لاشياء احصيناها عليه وهي: الاستواء، والعرش والكرسي، والساق، واليمين، والمجيء. فقد فسر الاستواء بالاستقرار. وفسر العرش تفسيرا ماديا وذكر ان الله فوق العرش. وفسر الكرسي تفسيرا يشعر بالتجسيم، اعتمادا على حديث رواه وهب بن منبه وهو من رواة الاسرائيليات، وعلى حديث الأوعال، وقد بينا ان فيه عللا قادحة. كما ذكر ان الله يكشف عن ساقه يوم القيامة فتضيء الأرض بنور ساقه، وانه يمسك السماء والأرض بقبضة يمينه، وقد نسب تفسيره للساق الى ابن مسعود، كما نسب تفسيره لليمين الى ابن عباس).21
كما فسر المجيء فى قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا22بقوله: فيجيء الله عز وجل كما قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ.23
وقد نسبت كتب الفرق الى مقاتل القول: «بان الله جسم، وانه جثة، وانه على صورة الإنسان، لحم ودم وشعر وعظم، له جوارح وأعضاء من يد، ورجل، وراس وعينين، مصمت، وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره».24
بيد ان هذا القول لم يرد له اثر فى تفسيره الكامل للقرآن الكريم، وقد أخذت
السبيل لتصوير جميع مؤلفات مقاتل بن سليمان، بغية التثبت من نسبة هذا القول اليه، من كلامه هو لا من كلام الناس عنه.25
## الاستواء على العرش فى ضوء المذاهب إذا أردنا تطبيق المذاهب الثلاثة على قوله سبحانه الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى26- وجدنا ان الجميع من سلف وخلف يتفقون على ان ظاهر الاستواء على العرش، وهو الجلوس عليه مع التمكن والتحيز مستحيل، لان الادلة القاطعة تنزه الله عن ان يشبه خلقه، او يحتاج الى شيء مثلهم، سواء أكان مكانا يحل فيه ام غيره، وكذلك اتفق السلف والخلف على ان هذا الظاهر غير مراد لله قطعا، لأنه تعالى نفى عن نفسه المماثلة لخلقه، واثبت لنفسه الغنى عنهم، فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ27وقال هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ28، فلو أراد هذا الظاهر لكان متناقضا. ثم اختلف السلف والخلف بعد ما تقدم، فراى السلف ان يفرضوا تعيين معنى الاستواء الى الله، فهو اعلم بما نسبه الى نفسه واعلم بما يليق به. وراى الخلف ان يؤولوا. لأنه يبعد كل البعد ان يخاطب الله عباده بما لا يفهمون، وما دام ميدان اللغة متسعا للتأويل فالتأويل واجب. بيد انهم افترقوا فى هذا التأويل فرقتين: فطائفة الاشاعرة يؤولون من غير تعيين ويقولون: ان المراد من الآية اثبات ان الله تعالى متصف بصفة سمعية لا نعلمها على التعيين، تسمى صفة الاستواء.29
وطائفة المتأخرين يعينون فيقولون: ان المراد بالاستواء هنا هو الاستيلاء والقهر، من غير معاناة ولا تكلف، لان اللغة تتسع لهذا المعنى، ومنه قول الشاعر العربي: قد استوى بشر على العراق... من غير سيف ودم مهراق
اى استولى وقهر وحكم، فكذلك يكون معنى النص الكريم: الرحمن استولى على عرش العالم، وحكم العالم بقدرته ودبره بمشيئته.
وابن دقيق العيد يقول بهذا التأويل ان رآه قريبا، ويتوقف ان رآه بعيدا.