التعبير عن سبب النزول
تختلف عبارات الرواة فى التعبير عن سبب النزول.
فتارة يصرح فيها بلفظ السبب فيقال: (سبب نزول الآية كذا) وهذه العبارة نص فى السببية لا تحتمل غيرها، وتارة لا يصرح بلفظ السبب، ولكن يؤتى بفاء داخلة على مادة نزول الآية عقب سرد حادثة، او ذكر سؤال طرح على رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل (حدث كذا فنزلت آية كذا- او سئل عليه السلام عن كذا فنزلت آية كذا).
وهذا نص واضح فى السببية ايضا، كرواية ابن مسعود عند ما سئل النبي عن الروح فانزل الله (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ... ) الآية.
ومرة اخرى لا يصرح بلفظ السبب، ولا يؤتى بتلك الفاء، ولا بذلك الجواب المبنى على السؤال.
بل يقال: نزلت هذه الآية فى كذا (مثلا).
وهذه العبارة ليست نصا
فى السببية بل نحتملها ونحتمل امرا آخر هو بيان ما تضمنته الآية من الأحكام.
والقرائن وحدها هي التي تعين احد هذين الاحتمالين او ترجحه.
قال ابن تيمية46: قولهم (نزلت هذه الآية فى كذا) يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة ان ذلك داخل فى الآية وان لم يكن السبب كما تقول عنى بهذه الآية كذا. وقال الزركشي فى «البرهان» قد عرف من عادة الصحابة والتابعين ان أحدهم إذا قال: (نزلت هذه الآية فى كذا) فانه يريد بذلك ان هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا ان هذا كان السبب فى نزولها. «وكثيرا ما نجد المفسرين وغيرهم يقولون نزلت فى كذا وكذا، وهم يريدون ان من الأحوال التي تشير إليها تلك الآية تلك الحالة الخاصة، فكأنهم يريدون التمثيل».47
ففي كتاب الايمان من صحيح البخاري فى باب قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا، ان عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان. فانزل الله تصديق ذلك إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الآية.48
فدخل الأشعث بن قيس فقال ما حدثكم ابو عبد الرحمن قالوا كذا وكذا قال فى أنزلت، كانت لي بئر فى ارض ابن عم لي... إلخ.
فابن مسعود جعل الآية عامة لأنه جعلها تصديقا لحديث عام والأشعث جعلها خاصة بحادثة معينة هي نص فى سبب نزول الآية.
فالمعتمد فى سبب نزول هذه الآية رواية الأشعث بن قيس لأنها نص فى سبب النزول.
اما رواية ابن مسعود فاستنباط منه وتفسير لا ذكر لسبب النزول.
ومن هنا نعلم انه إذا وردت عبارتان فى موضوع واحد: أحدهما نص فى السببية لنزول آية او آيات، والثانية ليست نصا فى السببية لنزول تلك الآية او الآيات.
هنالك نأخذ فى السببية بما هو نص ونحمل الاخرى على انها بيان لمدلول الآية، لان النص أقوى فى الدلالة من المحتمل.
مثال ذلك: ما أورده مقاتل49- وهو موافق لما أخرجه مسلم عن جابر- فى سبب نزول قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ... سورة البقرة: 223. قال مقاتل: وذلك أن حيي بن أخطب ونفرا من اليهود قَالُوا للمسلمين إنَّه لا يحل لَكُمْ جماع النّساء إِلَّا مستلقيات وإنا نجد فِي كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلّ أن جماع المرأة غير مستلقية ذنب عند الله، فقال المسلمون «لرسول الله» إنا كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي الْإِسْلام نأتي النّساء عَلَى كُلّ حال فزعمت اليهود أَنَّهُ ذنب عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلّ إِلَّا مستلقيات. فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلّ (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) يعني مزرعة للولد (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) فى الفروج. وما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال: أنزلت «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ» فى إتيان النساء فى أدبارهن يقصد انها رخصة فى إتيان الدبر، فالمعول عليه ما أورده مقاتل وهو الموافق لما أخرجه مسلم عن جابر «لأنه صريح فى الدلالة على السبب، وقول ابن عمر استنباط منه وقد وهمه فيه ابن عباس وذكر مثل حديث جابر كما أخرجه ابو داود والحاكم».50
نحن اذن امام روايتين فى اسباب نزول آية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، الرواية الاولى تذكر ان سبب نزولها ان العرب كانوا يجامعون المراة مقبلة ومدبرة وعلى جنبها وعلى قفاها.
فلما هاجروا الى المدينة وجدوا ان اليهود يحرمون إتيان المراة غير مستلقية وان الأنصار تقتدى بهم فى ذلك.
فتزوج رجل من قريش امراة من الأنصار فذهب يصنع بها ما يشاء فأنكرته وقالت انما كنا نؤتى على حرف فسرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اى مقبلات ومدبرات ومستلقيات ما دام فى صمام واحد.
وهذه الرواية هي التي ذكر مضمونها مقاتل فى تفسيره.
وقد رواها الشيخان وابو داود والترمذي واحمد والحاكم.51
والرواية الثانية. رواية البخاري عن ابن عمر ان الآية نزلت فى إتيان المراة فى دبرها. الرواية الاولى هي التي نعتمد عليها فى اسباب النزول لما يأتي: 1- لأنها صرحت بذكر السبب، اما الثانية فلم تصرح بل قال ابن عمر أنزلت (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ... ) فى إتيان النساء فى أدبارهن. 2- الاولى اتفق عليها البخاري ومسلم وابو داود والترمذي واحمد والحاكم والثانية تفرد بها البخاري والطبراني فى الأوسط.52
وقد ذكر علماء الحديث ان أعلى درجات الحديث ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، فالاولى اولى لاتفاق البخاري ومسلم على روايتها، بينما الثانية تفرد بها البخاري.
3- الرواية الاولى موافقة لسياق الآية ولضمونها وفحواها، فان معنى قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ترشيح لان المراد إتيان المراة فى مكان الحرث، وقوله بعد ذلك وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ قيل هو تقديم الولد الصغير يموت قبل أبيه.
وهذا ايضا تقوية، لان المراد بقوله فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اى كيف شئتم وعلى اى حالة رغبتم ما دام فى مكان الحرث.
4- يبدو ان ابن عمر لم يبلغه حديث جابر الذي صرح بان سبب نزول الآية ادعاء اليهود تحريم جماع الزوجة الا مستلقية، ولهذا استنبط ان الآية تبيح إتيان المراة فى دبرها وقد وهم ابن عمر فى ذلك.
اخرج ابو داود والحاكم عن ابن عباس قال: ان ابن عمر- والله يغفر له- وهم.
انما كان اهل هذا الحي من الأنصار وهم اهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم اهل كتاب كانوا يرون لهم فضلا عليهم فى العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم.
وكان من امر اهل الكتاب انهم لا يأتون النساء الا على حرف، وذلك استر ما تكون المراة، وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك.
وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امراة من الأنصار.
فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت انما كنا نؤتى على حرف، فسرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزل الله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اى مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعنى بذلك موضع الولد.
وإزاء ما تقدم نعتمد فى اسباب النزول هنا على رواية الشيخين، دون رواية البخاري وحده.