مجموع الفتاوىصفحات 663-702

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 663-702
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ لِيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ وَلَا يَأْخُذُهُ بِإِشْرَافِ وَهَلَعٍ؛ بَلْ يَكُونُ الْمَالُ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَلَاءِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْقَلْبِ مَكَانَةٌ وَالسَّعْيُ فِيهِ إذَا سَعَى كَإِصْلَاحِ الْخَلَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: ﴿مَنْ أَصْبَحَ وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ شَتَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا مَا كُتِبَ لَهُ.
وَمَنْ أَصْبَحَ وَالْآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ جَمَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ؟ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ﴾ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَنْتَ مُحْتَاجٌ إلَى الدُّنْيَا وَأَنْتَ إلَى نَصِيبِك مِنْ الْآخِرَةِ أَحْوَجُ فَإِنْ بَدَأْت بِنَصِيبِك مِنْ الْآخِرَةِ مَرَّ عَلَى نَصِيبِك مِنْ الدُّنْيَا فَانْتَظَمَهُ انْتِظَامًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ . فَأَمَّا تَعْيِينُ مَكْسَبٍ عَلَى مَكْسَبٍ مِنْ صِنَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ بِنَايَةٍ أَوْ حِرَاثَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَلَا أَعْلَم فِي ذَلِكَ شَيْئًا عَامًّا لَكِنْ إذَا عَنَّ لِلْإِنْسَانِ جِهَةٌ فَلْيَسْتَخِرْ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا الِاسْتِخَارَةَ الْمُتَلَقَّاةَ عَنْ مُعَلِّمِ الْخَيْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ فِيهَا مِنْ الْبَرَكَةِ مَا لَا يُحَاطُ بِهِ.
ثُمَّ مَا تَيَسَّرَ لَهُ فَلَا يَتَكَلَّفُ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ كَرَاهَةٌ شَرْعِيَّةٌ.

وَأَمَّا مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ فِي الْعُلُومِ فَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ وَهُوَ أَيْضًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نَشْءِ الْإِنْسَانِ فِي الْبِلَادِ فَقَدْ يَتَيَسَّرُ لَهُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مِنْ الْعِلْمِ أَوْ مِنْ طَرِيقِهِ وَمَذْهَبِهِ فِيهِ مَا لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ لَكِنَّ جِمَاعَ الْخَيْرِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي تَلَقِّي الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسَمَّى عِلْمًا وَمَا سِوَاهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عِلْمًا فَلَا يَكُونُ نَافِعًا؟ وَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ عِلْمًا وَإِنْ سُمِّيَ بِهِ.
وَلَئِنْ كَانَ عِلْمًا نَافِعًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي مِيرَاثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُغْنِي عَنْهُ مِمَّا هُوَ مِثْلُهُ وَخَيْرٌ مِنْهُ.
وَلْتَكُنْ هِمَّتُهُ فَهْمَ مَقَاصِدِ الرَّسُولِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَسَائِر كَلَامِهِ.
فَإِذَا اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ الرَّسُولِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مَعَ النَّاسِ إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ.
وَلْيَجْتَهِدْ أَنْ يَعْتَصِمَ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ بِأَصْلِ مَأْثُورٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِمَّا قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ فَلْيَدْعُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ إذَا قَامَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى

قَدْ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ رَسُولُهُ: ﴿يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ﴾ . وَأَمَّا وَصْفُ " الْكُتُبِ وَالْمُصَنِّفِينَ " فَقَدْ سُمِعَ مِنَّا فِي أَثْنَاءِ الْمُذَاكَرَةِ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ.
وَمَا فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الْمُبَوَّبَةِ كِتَابٌ أَنْفَع مِنْ " صَحِيحِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ " لَكِنْ هُوَ وَحْدَهُ لَا يَقُومُ بِأُصُولِ الْعِلْمِ.
وَلَا يَقُومُ بِتَمَامِ الْمَقْصُودِ لِلْمُتَبَحِّرِ فِي أَبْوَابِ الْعِلْمِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أَحَادِيثَ أُخَرَ وَكَلَامُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِعِلْمِهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ أَوْعَبَتْ الْأُمَّةُ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ إيعَابًا فَمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ هَدَاهُ بِمَا يَبْلُغُهُ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ أَعْمَاهُ لَمْ تَزِدْهُ كَثْرَةُ الْكُتُبِ إلَّا حَيْرَةً وَضَلَالًا؛ كَمَا ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَوَلَيْسَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟﴾ . فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَرْزُقَنَا الْهُدَى وَالسَّدَادَ وَيُلْهِمَنَا رُشْدَنَا وَيَقِيَنَا شَرَّ أَنْفُسِنَا وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا؟ وَيَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَوَاتُهُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ.

وَسُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْحَبْرُ الْكَامِلُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَمُفْتِي الْأَنَامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّة - أَيَّدَهُ اللَّهُ وَزَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ -: عَنْ (الصَّبْرِ الْجَمِيلِ وَ (الصَّفْحِ الْجَمِيلِ) وَ (الْهَجْرِ الْجَمِيلِ) وَمَا أَقْسَامُ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ؟ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالْهَجْرِ الْجَمِيلِ وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ وَالصَّبْرِ الْجَمِيلِ * " فَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ " هَجْرٌ بِلَا أَذًى وَ " الصَّفْحُ الْجَمِيلُ " صَفْحٌ بِلَا عِتَابٍ وَ " الصَّبْرُ الْجَمِيلُ " صَبْرٌ بِلَا شَكْوَى قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ فَالشَّكْوَى إلَى اللَّهِ لَا تُنَافِي الصَّبْرَ الْجَمِيلَ وَيُرْوَى عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ وَإِلَيْك الْمُشْتَكَى وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ وَبِك

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

الْمُسْتَغَاثُ وَعَلَيْك التكلان " وَمِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اللَّهُمَّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي اللَّهُمَّ إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْته أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي.
أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُك أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُك لَك الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى﴾ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: ﴿إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ وَيَبْكِي حَتَّى يُسْمَعَ نَشِيجُهُ مِنْ آخِرِ الصُّفُوفِ؛ بِخِلَافِ الشَّكْوَى إلَى الْمَخْلُوقِ.
قُرِئَ عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنَّ طاوسا كَرِهَ أَنِينَ الْمَرِيضِ.
وَقَالَ: إنَّهُ شَكْوَى.
فَمَا أَنَّ حَتَّى مَاتَ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَكِيَ طَالَبَ بِلِسَانِ الْحَالِ إمَّا إزَالَةُ مَا يَضُرُّهُ أَوْ حُصُولُ مَا يَنْفَعُهُ وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ دُونَ خَلْقِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ﴿وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ﴾ . وَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ شَيْئَيْنِ: طَاعَتِهِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ وَصَبْرِهِ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْقَضَاءِ الْمَقْدُورِ.
فَالْأَوَّلُ هُوَ التَّقْوَى وَالثَّانِي هُوَ الصَّبْرُ.
قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ

دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وَقَدْ قَالَ يُوسُفُ: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وَلِهَذَا كَانَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ الْمُسْتَقِيمِينَ يُوصُونَ فِي عَامَّةِ كَلَامِهِمْ بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ: الْمُسَارَعَةُ إلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَالتَّقَاعُدِ عَنْ فِعْلِ الْمَحْظُورِ وَالصَّبْرُ وَالرِّضَا بِالْأَمْرِ الْمَقْدُورِ.
وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ غَلِطَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعَامَّةِ؛ بَلْ وَمِنْ السَّالِكِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْهَدُ الْقَدَرَ فَقَطْ وَيَشْهَدُ الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ دُونَ الدِّينِيَّةِ فَيَرَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَبَيْنَ مَا يُسْخِطُهُ وَيُبْغِضُهُ وَإِنْ قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ وَبَيْنَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَيَشْهَدُ الْجَمْعَ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ - سَعِيدُهَا وَشَقِيُّهَا - مَشْهَدَ الْجَمْعِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالنَّبِيُّ الصَّادِقُ وَالْمُتَنَبِّئُ الْكَاذِبُ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَعْدَاؤُهُ وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَالْمَرَدَةُ الشَّيَاطِينُ.

فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي هَذَا الْجَمْعِ وَهَذِهِ " الْحَقِيقَةُ الْكَوْنِيَّةُ " وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَخَالِقُهُمْ وَمَلِيكُهُمْ لَا رَبَّ لَهُمْ غَيْرُهُ.
وَلَا يَشْهَدُ الْفَرْقَ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَالْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُوَ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ وَهُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَطَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ وَفِعْلُ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ؟ وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ وَتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ وَمُوَالَاةُ أَوْلِيَائِهِ وَمُعَادَاةُ أَعْدَائِهِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَجِهَادُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ بِالْقَلْبِ وَالْيَدِ وَاللِّسَانِ.
فَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ هَذِهِ " الْحَقِيقَةَ الدِّينِيَّةَ " الْفَارِقَةَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَيَكُونُ مَعَ أَهْلِ " الْحَقِيقَةِ الدِّينِيَّةِ " وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ يُقِرُّونَ بِالْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ.
إذْ هُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ

بِاللَّهِ إلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَيَقُولُونَ اللَّهُ وَهُمْ مَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ.
فَمَنْ أَقَرَّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ دُونَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الشَّرْعِيَّيْنِ فَهُوَ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَإِنَّ أُولَئِكَ يُقِرُّونَ بِالْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الشَّرْعِيَّيْنِ لَكِنْ آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ . وَأَمَّا الَّذِي يَشْهَدُ " الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ " وَتَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ الشَّامِلَ لِلْخَلِيقَةِ وَيُقِرُّ أَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ تَحْتَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَيَسْلُكُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُتَّقِينَ الَّذِينَ أَطَاعُوا أَمْرَ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَبَيْنَ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ فَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَدْ لَمَحُوا الْفَرْقَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ بِحَيْثُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ بَعْضِ الْأَبْرَارِ وَبَيْنَ بَعْضِ الْفُجَّارِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ آخَرِينَ اتِّبَاعًا لِظَنِّهِ وَمَا يَهْوَاهُ.
فَيَكُونُ نَاقِصَ الْإِيمَانِ بِحَسَبِ مَا سَوَّى بَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ وَيَكُونُ مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى الْفَارِقَ بِحَسَبِ مَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ.

وَمَنْ أَقَرَّ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الدِّينِيَّيْنِ دُونَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ كَانَ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ هُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَهَؤُلَاءِ يُشْبِهُونَ الْمَجُوسَ وَأُولَئِكَ يُشْبِهُونَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمْ شَرٌّ مِنْ الْمَجُوسِ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِهِمَا وَجَعَلَ الرَّبَّ مُتَنَاقِضًا فَهُوَ مِنْ أَتْبَاعِ إبْلِيسَ الَّذِي اعْتَرَضَ عَلَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَخَاصَمَهُ كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْهُ.
فَهَذَا التَّقْسِيمُ فِي الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ.
وَكَذَلِكَ هُمْ فِي " الْأَحْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ". فَالصَّوَابُ مِنْهَا حَالَةُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَتَّقِي اللَّهَ فَيَفْعَلُ الْمَأْمُورَ وَيَتْرُكُ الْمَحْظُورَ وَيَصْبِرُ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَقْدُورِ فَهُوَ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ وَيَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ وَتَابَ: لَا يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَلَا يَرَى لِلْمَخْلُوقِ حُجَّةً عَلَى رَبِّ الْكَائِنَاتِ بَلْ يُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِيهِ: ﴿سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ﴾ فَيُقِرُّ بِنِعْمَةِ

اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْحَسَنَاتِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ هَدَاهُ وَيَسَّرَهُ لِلْيُسْرَى وَيُقِرُّ بِذُنُوبِهِ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَيَتُوبُ مِنْهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: أَطَعْتُك بِفَضْلِك وَالْمِنَّةُ لَك وَعَصَيْتُك بِعِلْمِك وَالْحُجَّةُ لَك فَأَسْأَلُك بِوُجُوبِ حُجَّتِك عَلَيَّ وَانْقِطَاعِ حُجَّتِي إلَّا غَفَرْت لِي.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ: ﴿يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ﴾ . وَهَذَا لَهُ تَحْقِيقٌ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَآخَرُونَ قَدْ يَشْهَدُونَ الْأَمْرَ فَقَطْ: فَتَجِدُهُمْ يَجْتَهِدُونَ فِي الطَّاعَةِ حَسَبَ الِاسْتِطَاعَةِ؛ لَكِنْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْقَدَرِ مَا يُوجِبُ لَهُمْ حَقِيقَةَ الِاسْتِعَانَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ.
وَآخَرُونَ يَشْهَدُونَ الْقَدَرَ فَقَطْ فَيَكُونُ عِنْدَهُمْ مِنْ الِاسْتِعَانَةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ مَا لَيْسَ عِنْدَ أُولَئِكَ؛ لَكِنَّهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتِّبَاعَ شَرِيعَتِهِ وَمُلَازَمَةَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ الدِّينِ فَهَؤُلَاءِ يَسْتَعِينُونَ اللَّهَ وَلَا يَعْبُدُونَهُ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يَسْتَعِينُوهُ؛ وَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُهُ وَيَسْتَعِينُهُ وَ " الْقِسْمُ الرَّابِعُ " شَرُّ الْأَقْسَامِ وَهُوَ مَنْ لَا يَعْبُدُهُ وَلَا يَسْتَعِينُهُ فَلَا هُوَ مَعَ الشَّرِيعَةِ الْأَمْرِيَّةِ.
وَلَا مَعَ الْقَدَرِ الْكَوْنِيِّ.
وَانْقِسَامُهُمْ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ هُوَ فِيمَا يَكُونُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمَقْدُورِ مِنْ تَوَكُّلٍ وَاسْتِعَانَةٍ وَنَحْوِ

ذَلِكَ؛ وَمَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنْ صَبْرٍ وَرِضًا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَهُمْ فِي التَّقْوَى وَهِيَ طَاعَةُ الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يُقَدَّرُ عَلَيْهِ مِنْ الْقَدَرِ الْكَوْنِيِّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا أَهْلُ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ وَهُمْ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَالثَّانِي الَّذِينَ لَهُمْ نَوْعٌ مِنْ التَّقْوَى بِلَا صَبْرٍ مِثْلُ الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَيَتْرُكُونَ الْمُحَرَّمَاتِ: لَكِنْ إذَا أُصِيبَ أَحَدُهُمْ فِي بَدَنِهِ بِمَرَضِ وَنَحْوِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي عِرْضِهِ أَوْ اُبْتُلِيَ بِعَدُوِّ يُخِيفُهُ عَظُمَ جَزَعُهُ وَظَهَرَ هَلَعُهُ.
وَالثَّالِثُ قَوْمٌ لَهُمْ نَوْعٌ مِنْ الصَّبْرِ بِلَا تَقْوَى مِثْلُ الْفُجَّارِ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى مَا يُصِيبُهُمْ فِي مِثْلِ أَهْوَائِهِمْ كَاللُّصُوصِ وَالْقُطَّاعِ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى الْآلَامِ فِي مِثْلِ مَا يَطْلُبُونَهُ مِنْ الْغَصْبِ وَأَخْذِ الْحَرَامِ؛ وَالْكُتَّابِ وَأَهْلِ الدِّيوَانِ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فِي طَلَبِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ بِالْخِيَانَةِ وَغَيْرِهَا.
وَكَذَلِكَ طُلَّابُ الرِّئَاسَةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى غَيْرِهِمْ يَصْبِرُونَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْأَذَى الَّتِي لَا يَصْبِرُ عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَحَبَّةِ لِلصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِشْقِ وَغَيْرِهِمْ يَصْبِرُونَ فِي مِثْلِ مَا يَهْوُونَهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْأَذَى وَالْآلَامِ.
وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ

أَوْ فَسَادًا مِنْ طُلَّابِ الرِّئَاسَةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى الْخَلْقِ وَمِنْ طُلَّابِ الْأَمْوَالِ بِالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ نَظَرًا أَوْ مُبَاشَرَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ يَصْبِرُونَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ تَقْوَى فِيمَا تَرَكُوهُ مِنْ الْمَأْمُورِ وَفَعَلُوهُ مِنْ الْمَحْظُورِ وَكَذَلِكَ قَدْ يَصْبِرُ الرَّجُلُ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَصَائِبِ: كَالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَقْوَى إذَا قُدِّرَ.
(وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ فَهُوَ شَرُّ الْأَقْسَامِ: لَا يَتَّقُونَ إذَا قَدَرُوا وَلَا يَصْبِرُونَ إذَا اُبْتُلُوا؛ بَلْ هُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ فَهَؤُلَاءِ تَجِدُهُمْ مِنْ أَظْلَمِ النَّاسِ وأجبرهم إذَا قَدَرُوا وَمِنْ أَذَلِّ النَّاسِ وَأَجْزَعِهِمْ إذَا قُهِرُوا.
إنْ قَهَرْتهمْ ذَلُّوا لَك وَنَافَقُوك وَحَابَوْك وَاسْتَرْحَمُوك وَدَخَلُوا فِيمَا يَدْفَعُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ وَالذُّلِّ وَتَعْظِيمِ الْمَسْئُولِ وَإِنْ قَهَرُوك كَانُوا مِنْ أَظْلَمِ النَّاسِ وَأَقْسَاهُمْ قَلْبًا وَأَقَلِّهِمْ رَحْمَةً وَإِحْسَانًا وَعَفْوًا كَمَا قَدْ جَرَّبَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ عَنْ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ أَبْعَدَ: مِثْلُ التَّتَارِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ يُشْبِهُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ مُتَظَاهِرًا بِلِبَاسِ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ وَزُهَّادِهِمْ وَتُجَّارِهِمْ وَصُنَّاعِهِمْ فَالِاعْتِبَارُ بِالْحَقَائِقِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إلَى أَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ﴾

فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ وَعَمَلُهُ مِنْ جِنْسِ قُلُوبِ التَّتَارِ وَأَعْمَالِهِمْ كَانَ شَبِيهًا لَهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَكَانَ مَا مَعَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ مَا يُظْهِرُهُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ مَا مَعَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ وَمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْهُ بَلْ يُوجَدُ فِي غَيْرِ التَّتَارِ الْمُقَاتِلِينَ مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ رِدَّةً وَأَوْلَى بِالْأَخْلَاقِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَبْعَدُ عَنْ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ التَّتَارِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ ﴿خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾ وَإِذَا كَانَ خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامَ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيَ مُحَمَّدٍ فَكُلُّ مَنْ كَانَ إلَى ذَلِكَ أَقْرَبَ وَهُوَ بِهِ أَشْبَهَ كَانَ إلَى الْكَمَالِ أَقْرَبَ وَهُوَ بِهِ أَحَقّ.
وَمَنْ كَانَ عَنْ ذَلِكَ أَبْعَدَ وَشَبَهُهُ بِهِ أَضْعَفَ كَانَ عَنْ الْكَمَالِ أَبْعَدَ وَبِالْبَاطِلِ أَحَقّ.
وَالْكَامِلُ هُوَ مَنْ كَانَ لِلَّهِ أَطْوَع وَعَلَى مَا يُصِيبُهُ أَصْبَر فَكُلَّمَا كَانَ أَتْبَعَ لِمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَأَعْظَمَ مُوَافَقَةً لِلَّهِ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَصَبْرًا عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ كَانَ أَكْمَلَ وَأَفْضَلَ.
وَكُلُّ مَنْ نَقَصَ عَنْ هَذَيْنِ كَانَ فِيهِ مِنْ النَّقْصِ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى " الصَّبْرَ وَالتَّقْوَى " جَمِيعًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ يَنْتَصِرُ الْعَبْدُ عَلَى عَدُوِّهِ مِنْ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ الْمُعَانِدِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَعَلَى مَنْ ظَلَمَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلِصَاحِبِهِ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ،

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وَقَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ لَهُ: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وَقَدْ قُرِنَ الصَّبْرُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ . وَفِي اتِّبَاعِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ التَّقْوَى كُلُّهَا تَصْدِيقًا لِخَبَرِ اللَّهِ وَطَاعَةً لِأَمْرِهِ وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الْحَسَنَاتِ

يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَهَذِهِ مَوَاضِعُ قُرِنَ فِيهَا الصَّلَاةُ وَالصَّبْرُ.
وَقُرِنَ بَيْن

َ " الرَّحْمَةِ وَالصَّبْرِ "

فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ . وَفِي الرَّحْمَةِ الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ بِالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ أَيْضًا رُبَاعِيَّةٌ إذْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَصْبِرُ وَلَا يَرْحَمُ كَأَهْلِ الْقُوَّةِ وَالْقَسْوَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْحَمُ وَلَا يَصْبِرُ كَأَهْلِ الضَّعْفِ وَاللِّينِ: مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ النِّسَاءِ وَمَنْ يُشْبِهُهُنَّ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَصْبِرُ وَلَا يَرْحَمُ كَأَهْلِ الْقَسْوَةِ وَالْهَلَعِ.
وَالْمَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يَصْبِرُ وَيَرْحَمُ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُتَوَلِّي: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فَبِصَبْرِهِ يَقْوَى وَبِلِينِهِ يَرْحَمُ وَبِالصَّبْرِ يُنْصَرُ الْعَبْدُ؛ فَإِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَبِالرَّحْمَةِ يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ﴾ وَقَالَ: " ﴿لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ﴾ وَقَالَ ﴿الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَمَّا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ القشيري فِي بَابِ الرِّضَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: الرِّضَا أَلَّا يَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَلَا يَسْتَعِيذَ مِنْ النَّارِ، فَهَلْ هَذَا الْكَلَامُ صَحِيحٌ؟ ؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ * : أَحَدِهِمَا: مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِهِ عَنْ الشَّيْخِ.
وَالثَّانِي مِنْ جِهَةِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ وَفَسَادِهِ.
أَمَّا " الْمَقَامُ الْأَوَّلُ " فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْقَاسِمِ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ بِإِسْنَادِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا عَنْهُ وَمَا يَذْكُرُهُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي رِسَالَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ.
تَارَةً يَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِ وَتَارَةً يَذْكُرُهُ مُرْسَلًا وَكَثِيرًا مَا يَقُولُ: وَقِيلَ كَذَا - ثُمَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِ تَارَةً يَكُونُ إسْنَادُهُ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

صَحِيحًا وَتَارَةً يَكُونُ ضَعِيفًا؛ بَلْ مَوْضُوعًا.
وَمَا يَذْكُرُهُ مُرْسَلًا وَمَحْذُوفُ الْقَائِلِ أَوْلَى وَهَذَا كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي مُصَنَّفَاتِ الْفُقَهَاءِ.
فَإِنَّ فِيهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ مَا هُوَ صَحِيحٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوعٌ.
فَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الرَّقَائِقِ وَالتَّصَوُّفِ مِنْ الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ فِيهَا الصَّحِيحُ وَفِيهَا الضَّعِيفُ وَفِيهَا الْمَوْضُوعُ.
وَهَذَا الْأَمْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَنَازَعُونَ أَنَّ هَذِهِ الْكُتُبَ فِيهَا هَذَا وَفِيهَا هَذَا؛ بَلْ نَفْسُ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي " التَّفْسِيرِ " فِيهَا هَذَا وَهَذَا مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَقْرَبُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَنْقُولَاتِ وَفِي كُتُبِهِمْ هَذَا وَهَذَا فَكَيْفَ غَيْرُهُمْ.
وَالْمُصَنِّفُونَ قَدْ يَكُونُونَ أَئِمَّةً فِي الْفِقْهِ أَوْ التَّصَوُّفِ أَوْ الْحَدِيثِ وَيَرْوُونَ هَذَا تَارَةً لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الدِّينِ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ وَتَارَةً - يَذْكُرُونَهُ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ كَذِبٌ: إذْ قَصْدُهُمْ رِوَايَةُ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَرِوَايَةُ الْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ مَعَ بَيَانِ كَوْنِهَا كَذِبًا جَائِزٌ.
وَأَمَّا رِوَايَتُهَا مَعَ الْإِمْسَاكِ عَنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ عَمَلٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ﴾ . وَقَدْ فَعَلَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ

مُتَأَوِّلِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْذِبُوا وَإِنَّمَا نَقَلُوا مَا رَوَاهُ غَيْرُهُمْ وَهَذَا يَسْهُلُ إذْ رَوَوْهُ لِتَعْرِيفِ أَنَّهُ رُوِيَ لَا لِأَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مَا يُوجَدُ فِي " الرِّسَالَةِ " وَأَمْثَالِهَا: مِنْ كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ فِيهِ: الصَّحِيحُ وَالضَّعِيفُ وَالْمَوْضُوعُ.
فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِهِ وَالْمَوْضُوعُ الَّذِي قَامَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى كَذِبِهِ وَالضَّعِيفُ الَّذِي رَوَاهُ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ إمَّا لِسُوءِ حِفْظِهِ وَإِمَّا لِاتِّهَامِهِ وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِيهِ؛ فَإِنَّ الْفَاسِقَ قَدْ يَصْدُقُ والغالط قَدْ يَحْفَظُ.
وَغَالِبُ أَبْوَابِ " الرِّسَالَةِ " فِيهَا الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ.
وَمِنْ ذَلِكَ (بَابُ الرِّضَا فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا﴾ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَإِنْ كَانَ الْأُسْتَاذُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ لَكِنَّهُ رَوَاهُ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ.
وَذَكَرَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا ضَعِيفًا - بَلْ مَوْضُوعًا - وَهُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى الرقاشي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَوَّلَ حَدِيثٍ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ

فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى مِنْ أَوْهَى الْأَحَادِيثِ وأسقطها وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَلَا يُحْتَجُّ بِهَا؛ فَإِنَّ الضَّعْفَ ظَاهِرٌ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِمْ لِسُوءِ الْحِفْظِ لَا لِاعْتِمَادِ الْكَذِبِ وَهَذَا الرقاشي اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَئِمَّةُ هَذَا الشَّأْنِ؛ حَتَّى قَالَ أَيُّوبُ السختياني: لَوْ وُلِدَ أَخْرَسَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: لَا شَيْءَ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَالنَّسَائِي: هُوَ ضَعِيفٌ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: رَجُلُ سُوءٍ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْآثَارِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ آثَارًا حَسَنَةً بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ مِثْلُ مَا رَوَاهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ الداراني أَنَّهُ قَالَ: " إذَا سَلَا الْعَبْدُ عَنْ الشَّهَوَاتِ فَهُوَ رَاضٍ " فَإِنَّ هَذَا رَوَاهُ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي بِإِسْنَادِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ لَهُ عِنَايَةٌ بِجَمْعِ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ وَحِكَايَاتِهِمْ وَصَنَّفَ فِي الْأَسْمَاءِ كِتَابَ طَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ وَكِتَابَ زُهَّادِ السَّلَفِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَصَنَّفَ فِي الْأَبْوَابِ كِتَابَ مَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَمُصَنَّفَاتُهُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.
وَذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت النَّصْرَ آبَادِي يَقُولُ.
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّ الرِّضَا فَلْيَلْزَمَ مَا جَعَلَ اللَّهُ رِضَاهُ فِيهِ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَ مَا يُرْضِي اللَّهَ مِنْ امْتِثَالِ

أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ لَا سِيَّمَا إذَا قَامَ بِوَاجِبِهَا وَمُسْتَحَبِّهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَرْضَى عَنْهُ كَمَا أَنَّ مَنْ لَزِمَ مَحْبُوبَاتِ الْحَقِّ أَحَبَّهُ اللَّهُ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ: ﴿مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته﴾ الْحَدِيثَ.
وَذَلِكَ أَن

َّ الرِّضَا نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا الرِّضَا بِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ وَتَرْكِ مَا نُهِيَ عَنْهُ.
وَيَتَنَاوَلُ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ إلَى الْمَحْظُورِ كَمَا قَالَ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ وَهَذَا الرِّضَا وَاجِبٌ؛ وَلِهَذَا ذَمَّ مَنْ تَرَكَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ . (وَالنَّوْعُ الثَّانِي الرِّضَا بِالْمَصَائِبِ: كَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالذُّلِّ فَهَذَا الرِّضَا مُسْتَحَبٌّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الصَّبْرُ.
كَمَا قَالَ الْحَسَنُ: الرِّضَا غَرِيزَةٌ وَلَكِنَّ الصَّبْرَ مُعَوَّلُ الْمُؤْمِنِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ

أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَعْمَلَ بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ . وَأَمَّا الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ: فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَاهُ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَرْضَى لَهُمْ مَا عَمِلُوهُ بَلْ يُسْخِطُهُ ذَلِكَ وَهُوَ يَسْخَطُ عَلَيْهِمْ وَيَغْضَبُ عَلَيْهِمْ فَكَيْفَ يُشْرَعُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَرْضَى ذَلِكَ أَلَّا يَسْخَطَ وَيَغْضَبَ لِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ وَيُغْضِبُهُ.
وَإِنَّمَا ضَلَّ هُنَا " فَرِيقَانِ " مِنْ النَّاسِ: " قَوْمٌ " مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ فِي مُنَاظَرَةِ الْقَدَرِيَّةِ ظَنُّوا أَنَّ مَحَبَّةَ الْحَقِّ وَرِضَاهُ وَغَضَبَهُ وَسَخَطَهُ يَرْجِعُ إلَى إرَادَتِهِ وَقَدْ

عَلِمُوا أَنَّهُ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ.
وَقَالُوا: هُوَ أَيْضًا مُحِبٌّ لَهَا مُرِيدٌ لَهَا ثُمَّ أَخَذُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلَامَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.
فَقَالُوا: لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ بِمَعْنَى لَا يُرِيدُ الْفَسَادَ: أَيْ لَا يُرِيدُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ.
أَيْ لَا يُرِيدُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ؛ فَإِنَّ هَذَا عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: لَا يُحِبُّ الْإِيمَانَ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْإِيمَانَ: أَيْ لَا يُرِيدُهُ لِلْكَافِرِينَ وَلَا يَرْضَاهُ لِلْكَافِرِينَ وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا يُحِبُّهُ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا لَيْسَ بِوَاجِبِ سَوَاءٌ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ.
وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
(وَالْفَرِيقُ الثَّانِي) مِنْ غَالِطِي الْمُتَصَوِّفَةِ شَرِبُوا مِنْ هَذِهِ الْعَيْنِ: فَشَهِدُوا أَنَّ اللَّهَ رَبُّ الْكَائِنَاتِ جَمِيعِهَا وَعَلِمُوا أَنَّهُ قَدَّرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَشَاءَهُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ رَاضِينَ حَتَّى يَرْضَوْا بِكُلِّ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيه مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَحَبَّةُ نَارٌ تُحْرِقُ مِنْ الْقَلْبِ كُلَّ مَا سِوَى مُرَادِ الْمَحْبُوبِ.
قَالُوا: وَالْكَوْنُ كُلُّهُ مُرَادُ الْمَحْبُوبِ.
وَضَلَّ هَؤُلَاءِ ضَلَالًا عَظِيمًا حَيْثُ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْإِرَادَةِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَوْنِيَّةِ وَالْإِذْنِ الْكَوْنِيِّ وَالدِّينِيِّ وَالْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ وَالدِّينِيِّ وَالْبَعْثِ الْكَوْنِيِّ وَالدِّينِيِّ.
وَالْإِرْسَالِ الْكَوْنِيِّ وَالدِّينِيِّ.
كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَهَؤُلَاءِ يَئُولُ الْأَمْرُ بِهِمْ إلَى أَلَّا يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِهِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُتَّقِينَ.
وَيَجْعَلُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلُونَ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ وَيَجْعَلُونَ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ وَيُعَطِّلُونَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ وَالشَّرَائِعَ وَرُبَّمَا سَمَّوْا هَذَا " حَقِيقَةً " وَلَعَمْرِي إنَّهُ حَقِيقَةٌ كَوْنِيَّةٌ لَكِنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ قَدْ عَرَفَهَا عُبَّادُ الْأَصْنَامِ كَمَا قَالَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ الْآيَاتِ.
فَالْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ فَمَنْ كَانَ هَذَا مُنْتَهَى تَحْقِيقِهِ كَانَ أَقْرَبَ أَنْ يَكُونَ كَعُبَّادِ الْأَصْنَامِ.
وَ " الْمُؤْمِنُ " إنَّمَا فَارَقَ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَبِرُسُلِهِ وَبِتَصْدِيقِهِمْ فِيمَا أَخْبَرُوا وَطَاعَتِهِمْ فِيمَا أَمَرُوا وَاتِّبَاعِ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ.
وَيُحِبُّهُ دُونَ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَلَكِنْ يَرْضَى بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَصَائِبِ لَا بِمَا فَعَلَهُ مِنْ المعائب.
فَهُوَ مِنْ الذُّنُوبِ يَسْتَغْفِرُ.
وَعَلَى الْمَصَائِبِ يَصْبِرُ.
فَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فَيَجْمَعُ بَيْنَ طَاعَةِ الْأَمْرِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ.
كَمَا

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وَقَالَ يُوسُفُ: ﴿إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا ": أَنَّ مَا ذَكَرَهُ القشيري عَنْ النَّصْرِ آبَادِي مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ حَيْثُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّ الرِّضَا فَلْيَلْزَمْ مَا جَعَلَ اللَّهُ رِضَاهُ فِيهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ: إذَا سَلَا الْعَبْدُ عَنْ الشَّهَوَاتِ فَهُوَ رَاضٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ طَلَبُ نَفْسِهِ لِفُضُولِ شَهَوَاتِهَا فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ سَخَطٌ فَإِذَا سَلَا عَنْ شَهَوَاتِ نَفْسِهِ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ أَنَّهُ قَالَ لِبِشْرِ الْحَافِي: الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الرَّاضِيَ لَا يَتَمَنَّى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ كَلَامٌ حَسَنٌ.
لَكِنْ أَشُكُّ فِي سَمَاعِ بِشْرٍ الْحَافِي مِنْ الْفُضَيْل.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا قَالَ: قَالَ الشِّبْلِيُّ بَيْنَ يَدَيْ الْجُنَيْد: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
فَقَالَ الْجُنَيْد: قَوْلُك ذَا ضِيقِ صَدْرٍ وَضِيقُ الصَّدْرِ لِتَرْكِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ.
فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ.
وَكَانَ الْجُنَيْد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَيِّدَ الطَّائِفَةِ وَمِنْ أَحْسَنِهِمْ تَعْلِيمًا وَتَأْدِيبًا وَتَقْوِيمًا - وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَلِمَةُ اسْتِعَانَةٍ؛ لَا كَلِمَةُ اسْتِرْجَاعٍ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقُولُهَا عِنْدَ الْمَصَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِرْجَاعِ وَيَقُولُهَا جَزَعًا لَا صَبْرًا.
فالْجُنَيْد

أَنْكَرَ عَلَى الشِّبْلِيِّ حَالَهُ فِي سَبَبِ قَوْلِهِ لَهَا إذْ كَانَتْ حَالًا يُنَافِي الرِّضَا وَلَوْ قَالَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ.
وَفِيمَا ذَكَرَهُ آثَارٌ ضَعِيفَةٌ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا.
(قَالَ وَقِيلَ: قَالَ مُوسَى: " إلَهِي دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْته رَضِيت عَنِّي.
فَقَالَ: إنَّك لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا مُتَضَرِّعًا فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: يَا ابْنَ عِمْرَانَ رِضَائِي فِي رِضَاك عَنِّي " فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ الإسرائيلية فِيهَا نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: لَا يَصْلُحُ أَنْ يُحْكَى مِثْلُهَا عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الإسرائيليات لَيْسَ لَهَا إسْنَادٌ وَلَا يَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا إذَا كَانَتْ مَنْقُولَةً لَنَا نَقْلًا صَحِيحًا مِثْلُ مَا ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنَا أَنَّهُ حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَكِنَّ مِنْهُ مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ مِثْلُ هَذِهِ؛ فَإِنَّ مُوسَى مِنْ أَعْظَمِ أُولِي الْعَزْمِ وَأَكَابِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يُطِيقُ أَنْ يَعْمَلَ مَا يَرْضَى اللَّهُ بِهِ عَنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى رَاضٍ عَنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ.
أَفَلَا يَرْضَى عَنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ كَلِيمِ الرَّحْمَنِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَفْضَلِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ خَصَّ مُوسَى بِمَزِيَّةِ فَوْقَ الرِّضَا.
حَيْثُ قَالَ: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ . ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ لَهُ فِي الْخِطَابِ: يَا ابْنَ عِمْرَانَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنْ خِطَابِهِ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالَ: يَا مُوسَى وَذَلِكَ الْخِطَابُ فِيهِ نَوْعُ غَضٍّ مِنْهُ كَمَا يَظْهَرُ.
وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ قِيلَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرِّضَا فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَرْضَى وَإِلَّا فَاصْبِرْ.
فَهَذَا الْكَلَامُ كَلَامٌ حَسَنٌ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ إسْنَادُهُ.
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَمُعَلَّقًا مَا هُوَ صَحِيحٌ وَغَيْرُهُ.
فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ إلَّا مُرْسَلَةً.
وَبِمِثْلِ ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ فَهَذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمُرْسَلَ هُوَ مِثْلُ الضَّعِيفِ وَغَيْرِ الضَّعِيفِ.
فَأَمَّا إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَلَا يَبْقَى حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
كَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَارَةً يَحْفَظُ الْإِسْنَادَ وَتَارَةً يَغْلَطُ فِيهِ.
وَالْكُتُبُ الْمُسْنَدَةُ فِي أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ وَكَلَامِهِمْ مِثْلِ كِتَابِ (حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ لِأَبِي نُعَيْمٍ وَ (طَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَ (صَفْوَةِ الصَّفْوَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ.
وَأَمْثَالِ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ.
أَلَا تَرَى الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ مُسْنَدًا حَيْثُ قَالَ: قَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ: يَا أَحْمَد لَقَدْ أُوتِيت مِنْ الرِّضَا

نَصِيبًا لَوْ أَلْقَانِي فِي النَّارِ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِيًا.
فَهَذَا الْكَلَامُ مَأْثُورٌ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ بِالْإِسْنَادِ؛ وَلِهَذَا أَسْنَدَهُ عَنْهُ القشيري مِنْ طَرِيقِ شَيْخِهِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ بِخِلَافِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُسْنَدْ عَنْهُ.
فَلَا أَصْلَ لَهَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ.
ثُمَّ إنَّ القشيري قَرَنَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ بِكَلِمَةِ أَحْسَنَ مِنْهَا فَإِنَّهُ قَبِلَ أَنْ يَرْوِيَهَا قَالَ: وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ الحيري النَّيْسَابُورِيّ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَسْأَلُك الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ﴾ فَقَالَ: لِأَنَّ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ هُوَ الرِّضَا.
فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُثْمَانَ كَلَامٌ حَسَنٌ سَدِيدٌ.
ثُمَّ أُسْنِدَ بَعْدَ هَذَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَكُونَ قَدْ عَرَفْت طَرَفًا مِنْ الرِّضَا.
لَوْ أَنَّهُ أَدْخَلَنِي النَّارَ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِيًا.
فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ لَيْسَ هُوَ رِضًا.
وَإِنَّمَا هُوَ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا وَإِنَّمَا الرِّضَا مَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ هَذَا عَزْمًا فَالْعَزْمُ قَدْ يَدُومُ وَقَدْ يَنْفَسِخُ وَمَا أَكْثَرُ انْفِسَاخِ الْعَزَائِمِ خُصُوصًا عَزَائِمَ الصُّوفِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: بِمَاذَا عَرَفْت رَبَّك؟ قَالَ: بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَنَقْضِ الْهِمَمِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا

تَفْعَلُونَ} ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ وَفِي التِّرْمِذِيِّ ﴿أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ عَلِمْنَا أَيَّ الْعَمَلِ أَحَبّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الْآيَةَ.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى الْجِهَادِ وَأَحَبُّوهُ لَمَّا اُبْتُلُوا بِهِ كَرِهُوهُ وَفَرُّوا مِنْهُ وَأَيْنَ أَلَمُ الْجِهَادِ مِنْ أَلَمِ النَّارِ؟ وَعَذَابُ اللَّهِ الَّذِي لَا طَاقَةَ لِأَحَدِ بِهِ وَمِثْلُ هَذَا مَا يَذْكُرُونَهُ عَنْ سمنون الْمُحِبِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَلَيْسَ لِي فِي سِوَاك حَظٌّ ... فَكَيْفَمَا شِئْت فَاخْتَبِرْنِي فَأَخَذَهُ الْعُسْرُ مِنْ سَاعَتِهِ: أَيْ حَصَرَهُ بَوْلُهُ؛ فَكَانَ يَدُورُ عَلَى الْمَكَاتِبِ وَيُفَرِّقُ الْجَوْزَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَيَقُولُ: اُدْعُوا لِعَمِّكُمْ الْكَذَّابِ.
وَحَكَى أَبُو نُعَيْمٍ الأصبهاني عَنْ أَبِي بَكْرٍ الواسطي أَنَّهُ قَالَ سمنون: يَا رَبِّ قَدْ رَضِيت بِكُلِّ مَا تَقْضِيه عَلَيَّ فَاحْتُبِسَ بَوْلُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ فَكَانَ يَتَلَوَّى كَمَا تَتَلَوَّى الْحَيَّةُ يَتَلَوَّى يَمِينًا وَشِمَالًا؛ فَلَمَّا

أُطْلِقَ بَوْلُهُ؛ قَالَ: رَبِّ قَدْ تُبْت إلَيْك.
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَهَذَا الرِّضَا الَّذِي ادَّعَى سمنون ظَهَرَ غَلَطُهُ فِيهِ بِأَدْنَى بَلْوَى مَعَ أَنَّ سمنونا هَذَا كَانَ يَضْرِبُ بِهِ الْمَثَلَ وَلَهُ فِي الْمَحَبَّةِ مَقَامٌ مَشْهُورٌ حَتَّى رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ابْنِ فاتك أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت سمنونا يَتَكَلَّمُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَجَاءَ طَائِرٌ صَغِيرٌ فَلَمْ يَزَلْ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ بِمِنْقَارِهِ الْأَرْضَ حَتَّى سَقَطَ مِنْهُ دَمٌ؛ وَمَاتَ الطَّائِرُ.
وَقَالَ رَأَيْته يَوْمًا يَتَكَلَّمُ فِي الْمَحَبَّةِ فَاصْطَفَقَتْ قَنَادِيلُ الْمَسْجِدِ وَكَسَرَ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَقَدْ ذَكَرَ القشيري فِي (بَابِ الرِّضَا عَنْ رويم الْمُقْرِي رَفِيقُ سمنون حِكَايَةً تُنَاسِبُ هَذَا حَيْثُ قَالَ: قَالَ رويم: إنَّ الرَّاضِيَ لَوْ جَعَلَ جَهَنَّمَ عَنْ يَمِينِهِ مَا سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُحَوِّلَهَا عَنْ يَسَارِهِ؛ فَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ سمنون: فَكَيْفَ مَا شِئْت فَامْتَحِنِّي.
وَإِذَا لَمْ يُطِقْ الصَّبْرَ عَلَى عُسْرِ الْبَوْلِ؛ أَفَيُطِيقُ أَنْ تَكُونَ النَّارُ عَنْ يَمِينِهِ.
والْفُضَيْل بْنُ عِيَاضٍ كَانَ أَعْلَى طَبَقَةً مِنْ هَؤُلَاءِ وَابْتُلِيَ بِعُسْرِ الْبَوْلِ فَغَلَبَهُ الْأَلَمُ حَتَّى قَالَ: بِحُبِّي لَك إلَّا فَرَّجْت عَنِّي؛ فَفُرِّجَ عَنْهُ.
ورويم وَإِنْ كَانَ مِنْ رُفَقَاءِ الْجُنَيْد فَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ؛ بَلْ الصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّهُ رَجَعَ إلَى الدُّنْيَا وَتَرَكَ التَّصَوُّفَ؛ حَتَّى رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الخلدي صَاحِبِ الْجُنَيْد أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَكْتِمَ سِرًّا

فَلْيَفْعَلْ.
كَمَا فَعَلَ رويم.
كَتَمَ حُبّ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ سَنَةً فَقِيلَ: وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: وُلِّيَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ الْقَاضِي قَضَاءَ بَغْدَادَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ أَكِيدَةٌ؛ فَجَذَبَهُ إلَيْهِ وَجَعَلَهُ وَكِيلًا عَلَى بَابِهِ فَتَرَكَ لُبْسَ التَّصَوُّفِ وَلُبْسَ الْخَزِّ وَالْقَصَبِ والديبقي وَأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَبَنْيِ الدُّورِ وَإِذَا هُوَ كَانَ يَكْتُمُ حُبّ الدُّنْيَا مَا لَمْ يَجِدْهَا فَلَمَّا وَجَدَهَا أَظْهَرَ مَا كَانَ يَكْتُمُ مِنْ حُبِّهَا.
هَذَا مَعَ أَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ لَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ دَاوُد.
وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ صَاحِبِ حَالٍ لَمْ يُفَكِّرْ فِي لَوَازِمِ أَقْوَالِهِ وَعَوَاقِبِهَا لَا تُجْعَلُ طَرِيقَةً وَلَا تُتَّخَذُ سَبِيلًا؛ وَلَكِنْ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا لِصَاحِبِهَا مِنْ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمَا مَعَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ حُقُوقِ الطَّرِيقِ وَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ، وَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَعْلَم بِطَرِيقِ سَبِيلِ اللَّهِ وَأَهْدَى وَأَنْصَحُ فَمَنْ خَرَجَ عَنْ سُنَّتِهِمْ وَسَبِيلِهِمْ كَانَ مَنْقُوصًا مُخْطِئًا مَحْرُومًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا.
وَيُشْبِهُ هَذَا: {الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهُوَ مَرِيضٌ كَالْفَرْخِ فَقَالَ: هَلْ كُنْت تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءِ قَالَ: كُنْت أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْت معذبني بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَاجْعَلْهُ فِي الدُّنْيَا فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَا تُطِيقُهُ هَلَّا قُلْت: رَبَّنَا آتِنَا فِي

الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فَهَذَا أَيْضًا حَمَلَهُ خَوْفُهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمَحَبَّتُهُ لِسَلَامَةِ عَاقِبَتِهِ عَلَى أَنْ يَطْلُبَ تَعْجِيلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَكَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ غالطا.
وَالْخَطَأُ وَالْغَلَطُ مَعَ حُسْنِ الْقَصْدِ وَسَلَامَتِهِ وَصَلَاحِ الرَّجُلِ وَفَضْلِهِ وَدِينِهِ وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَكَرَامَاتِهِ كَثِيرٌ جِدًّا فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ وَلِيِّ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا مِنْ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ؛ بَلْ وَلَا مِنْ الذُّنُوبِ وَأَفْضَلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ بَعْدَ الرُّسُلِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَهُ لَمَّا عَبَرَ الرُّؤْيَا ﴿أَصَبْت بَعْضًا وَأَخْطَأْت بَعْضًا﴾ . وَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَم - أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ لَمَّا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: - لَوْ أَلْقَانِي فِي النَّارِ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِيًا - أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ حَكَاهُ بِمَا فَهِمَهُ مِنْ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ: الرِّضَا أَنْ لَا تَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَلَا تَسْتَعِيذَهُ مِنْ النَّارِ.
وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَعَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ وَلَكِنْ تَدُلُّ عَلَى عَزْمِهِ بِالرِّضَا بِذَلِكَ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَزْمَ لَا يَسْتَمِرُّ بَلْ يَنْفَسِخُ وَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَانَ تَرْكُهَا أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِهَا؛ وَأَنَّهَا مُسْتَدْرَكَةٌ؛ كَمَا اُسْتُدْرِكَتْ دَعْوَى سمنون ورويم وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ بَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَتِلْكَ فَرْقًا عَظِيمًا.
فَإِنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مَضْمُونُهَا: أَنَّ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ.
وَاسْتَعَاذَ مِنْ النَّارِ.
لَا يَكُونُ رَاضِيًا.
وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: أَنَا إذَا فَعَلَ كَذَا كُنْت رَاضِيًا وَبَيْنَ

مَنْ يَقُولُ: لَا يَكُونُ رَاضِيًا إلَّا مَنْ لَا يَطْلُبُ خَيْرًا وَلَا يَهْرُبُ مِنْ شَرٍّ؛ وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ كَانَ أَجَلَّ مَنْ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ مِنْ أَجِلَّاءِ الْمَشَايِخِ وَسَادَاتِهِمْ وَمِنْ أتبعهم لِلشَّرِيعَةِ حَتَّى إنَّهُ قَالَ: إنَّهُ لَيَمُرُّ بِقَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ فَلَا أَقْبَلُهَا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَمَنْ لَا يَقْبَلُ نُكَتَ قَلْبِهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ يَقُولُ هَذَا مِثْلُ الْكَلَامِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَيْضًا: لَيْسَ لِمَنْ أُلْهِمَ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَسْمَعَ فِيهِ بِأَثَرِ فَإِذَا سَمِعَ فِيهِ بِأَثَرِ كَانَ نُورًا عَلَى نُورٍ؛ بَلْ صَاحِبُهُ أَحْمَد بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ كَانَ مِنْ أَتْبَعْ الْمَشَايِخِ لِلسُّنَّةِ فَكَيْفَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَتَمَامُ تَزْكِيَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ تَظْهَرُ بِالْكَلَامِ فِي " الْمَقَامِ الثَّانِي " وَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ كَائِنًا مَنْ كَانَ: الرِّضَا أَلَّا تَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَلَا تَسْتَعِيذَهُ مِنْ النَّارِ.
وَنُقَدِّمُ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً يَتَبَيَّنُ بِهَا أَصْلُ مَا وَقَعَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَالِاضْطِرَابِ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ: مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ وَغَيْرِهِمْ ظَنُّوا أَنَّ الْجَنَّةَ التَّنَعُّمُ بِالْمَخْلُوقِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنِكَاحٍ وَلِبَاسٍ وَسَمَاعِ أَصْوَاتٍ طَيِّبَةٍ وَشَمِّ رَوَائِحَ طَيِّبَةٍ وَلَمْ يُدْخِلُوا فِي مُسَمَّى الْجَنَّةِ نَعِيمًا غَيْرَ ذَلِكَ.
ثُمَّ صَارُوا ضَرْبَيْنِ:

" ضَرْبٌ " أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ.
كَمَا ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ الْجَهْمِيَّة مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
" وَمِنْهُمْ " مَنْ أَقَرَّ بِالرُّؤْيَةِ إمَّا الرُّؤْيَةُ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَإِمَّا بِرُؤْيَةِ فَسَّرُوهَا بِزِيَادَةِ كَشْفٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ جَعْلِهَا بِحَاسَّةٍ سَادِسَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى نَصْرِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ كَانَ مَا يُثْبِتُونَهُ مِنْ جِنْسِ مَا تَنْفِيه الْمُعْتَزِلَةُ والضرارية.
وَالنِّزَاعُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ وَنِزَاعُهُمْ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعْنَوِيٌّ؛ وَلِهَذَا كَانَ بِشْرٌ وَأَمْثَالُهُ يُفَسِّرُونَ الرُّؤْيَةَ بِنَحْوِ مِنْ تَفْسِيرِ هَؤُلَاءِ.
وَ (الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ مُثْبِتَةَ (الرُّؤْيَةِ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ يَنْعَمُ بِنَفْسِ رُؤْيَتِهِ رَبَّهُ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمُحْدَثِ وَالْقَدِيمِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي فِي " الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ " وَكَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَنَقَلُوا عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: أَسْأَلُك لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك.
فَقَالَ: يَا هَذَا هَبْ أَنَّ لَهُ وَجْهًا أَلَهُ وَجْهٌ يُتَلَذَّذُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ لَهُمْ نَعِيمًا بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ مُقَارِنًا لِلرُّؤْيَةِ فَأَمَّا النَّعِيمُ بِنَفْسِ الرُّؤْيَةِ فَأَنْكَرَهُ وَجَعَلَ هَذَا مِنْ أَسْرَارِ التَّوْحِيدِ.

وَأَكْثَرُ مُثْبِتِي الرُّؤْيَةِ يُثْبِتُونَ تَنَعُّمَ الْمُؤْمِنِينَ بِرُؤْيَةِ رَبِّهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَمَشَايِخِ الطَّرِيقِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي النَّسَائِي وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اللَّهُمَّ بِعِلْمِك الْغَيْبَ وَقُدْرَتِك عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي إذَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَشْيَتَك فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَأَسْأَلُك كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا وَأَسْأَلُك الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَأَسْأَلُك نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ وَقُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ وَأَسْأَلُك الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَسْأَلُك لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك وَأَسْأَلُك الشَّوْقَ إلَى لِقَائِك مِنْ غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ.
اللَّهُمَّ زينا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ﴾ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ صهيب عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ ينجزكموه فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ وَيُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا؟ وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُجِرْنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ؛ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ﴾ . وَكُلَّمَا كَانَ الشَّيْءُ أَحَبّ كَانَتْ اللَّذَّةُ بِنَيْلِهِ أَعْظَمَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَمَشَايِخِ الطَّرِيقِ كَمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ عَلِمَ الْعَابِدُونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ لَذَابَتْ نُفُوسُهُمْ فِي

الدُّنْيَا شَوْقًا إلَيْهِ وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَافَقُوا السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ وَالْمَشَايِخَ عَلَى التَّنَعُّمِ بِالنَّظَرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَنَازَعُوا فِي " مَسْأَلَةِ الْمَحَبَّةِ " الَّتِي هِيَ أَصْلُ ذَلِكَ؛ فَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ.
. . 1 وَالْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُحَبُّ نَفْسُهُ وَإِنَّمَا الْمَحَبَّةُ مَحَبَّةُ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ؛ وَقَالُوا: هُوَ أَيْضًا لَا يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَإِنَّمَا مَحَبَّتُهُ إرَادَتُهُ لِلْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَوِلَايَتُهُمْ.
وَدَخَلَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَنْ انْتَسَبَ إلَى نَصْرِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ حَتَّى وَقَعَ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْمَعَالِي الجُوَيْنِي وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ.
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ شُعْبَةٌ مِنْ التَّجَهُّمِ وَالِاعْتِزَالِ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَنْكَرَ " الْمَحَبَّةَ " فِي الْإِسْلَامِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ أُسْتَاذُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ؛ فَضَحَّى بِهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ.
وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا؛ وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ.
وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَمَشَايِخُ الطَّرِيقِ: أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ وَيُحَبُّ.
وَلِهَذَا وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ تَصَوَّفَ مِنْ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 90) : وهذه العبارة كما في (الاستقامة) 2 / 100: (فذهب طوائف من [المتكلمين] والفقهاء) .

أَهْلِ الْكَلَامِ: كَأَبِي الْقَاسِمِ القشيري؛ وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا.
وَنَصَرَ ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ فِي " الْإِحْيَاءِ " وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي " الرِّسَالَةِ " عَلَى طَرِيقِ الصُّوفِيَّةِ كَمَا فِي كِتَابِ أَبِي طَالِبٍ الْمُسَمَّى بِ " قُوتِ الْقُلُوبِ " وَأَبُو حَامِدٍ مَعَ كَوْنِهِ تَابَعَ فِي ذَلِكَ الصُّوفِيَّةَ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ لِمَا وَجَدَهُ مِنْ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ إثْبَاتِ نَحْوِ ذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا: يَعْشَقُ وَيُعْشَقُ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَظِيمَةِ فِي الْقَوَاعِدِ الْكِبَارِ بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ . وَ (الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَجَهِّمَةَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا التَّلَذُّذَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ إلَّا التَّنَعُّمَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَمَشَايِخِهَا فَهَذَا أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ الغالطين.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ وَالْمُتَبَتِّلَةِ:

وَافَقُوا هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَتْ إلَّا هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي يَتَنَعَّمُ بِهَا الْمَخْلُوقُ؛ وَلَكِنْ وَافَقُوا السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ عَلَى إثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ وَالتَّنَعُّمِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَأَصَابُوا فِي ذَلِكَ وَجَعَلُوا يَطْلُبُونَ هَذَا النَّعِيمَ وَتَسْمُو إلَيْهِ هِمَّتُهُمْ وَيَخَافُونَ فَوْتَهُ وَصَارَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ: مَا عَبَدْتُك شَوْقًا إلَى جَنَّتِك أَوْ خَوْفًا مِنْ نَارِك وَلَكِنْ لِأَنْظُرَ إلَيْك وَإِجْلَالًا لَك.
وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ.
مَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ: هُوَ أَعْلَى مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّمَتُّعِ بِالْمَخْلُوقِ لَكِنْ غَلِطُوا فِي إخْرَاجِ ذَلِكَ مِنْ الْجَنَّةِ.
وَقَدْ يَغْلَطُونَ أَيْضًا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ بِلَا حَظٍّ وَلَا إرَادَةٍ وَأَنَّ كُلَّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ فَهُوَ حَظُّ النَّفْسِ.
وَتَوَهَّمُوا أَنَّ الْبَشَرَ يَعْمَلُ بِلَا إرَادَةٍ وَلَا مَطْلُوبٍ وَلَا مَحْبُوبٍ وَهُوَ سُوءُ مَعْرِفَةٍ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ وَالْآخِرَةِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هِمَّةَ أَحَدِهِمْ الْمُتَعَلِّقَةَ بِمَطْلُوبِهِ وَمَحْبُوبِهِ وَمَعْبُودِهِ تُفْنِيهِ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يَشْعُرَ بِنَفْسِهِ وَإِرَادَتِهَا فَيَظُنُّ أَنَّهُ يَفْعَلُ لِغَيْرِ مُرَادِهِ وَاَلَّذِي طُلِبَ وَعَلِقَ بِهِ هِمَّتُهُ غَايَةُ مُرَادِهِ وَمَطْلُوبِهِ وَمَحْبُوبِهِ وَهَذَا كَحَالِ كَثِيرٍ مِنْ الصَّالِحِينَ وَالصَّادِقِينَ وَأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ يَكُونُ لِأَحَدِهِمْ وَجْدٌ صَحِيحٌ وَذَوْقٌ سَلِيمٌ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ عِبَارَةٌ تُبَيِّنُ كَلَامَهُ فَيَقَعُ فِي كَلَامِهِ غَلَطٌ وَسُوءُ أَدَبٍ مَعَ صِحَّةِ مَقْصُودِهِ؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقَعُ مِنْهُ فِي مُرَادِهِ وَاعْتِقَادِهِ.
فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ: إذَا عَنَوْا بِهِ طَلَبَ رُؤْيَةِ اللَّهِ

تَعَالَى أَصَابُوا فِي ذَلِكَ؛ لَكِنْ أَخْطَئُوا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ الْجَنَّةِ فَأَسْقَطُوا حُرْمَةَ اسْمِ الْجَنَّةِ وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ مُنْكَرَةٌ؛ نَظِيرُ مَا ذُكِرَ عَنْ الشِّبْلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ . فَصَرَخَ وَقَالَ أَيْنَ مُرِيدُ اللَّهِ؟ . فَيُحْمَدُ مِنْهُ كَوْنُهُ أَرَادَ اللَّهَ؛ وَلَكِنْ غَلِطَ فِي ظَنِّهِ أَنْ الَّذِينَ أَرَادُوا الْآخِرَةَ مَا أَرَادُوا اللَّهَ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ بِأُحُدٍ وَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ فَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا اللَّهَ أَفَيُرِيدُ اللَّهُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ؟ كَالشِّبْلِيِّ؟ وَأَمْثَالِهِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا أَعْرِفُهُ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ سَأَلَ مَرَّةً عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ قَالَ: فَإِذَا كَانَتْ الْأَنْفُسُ وَالْأَمْوَالُ فِي ثَمَنِ الْجَنَّةِ فَالرُّؤْيَةُ بِمَ تُنَالُ؟ فَأَجَابَهُ مُجِيبٌ بِمَا يُشْبِهُ هَذَا السُّؤَالَ.
وَالْوَاجِبُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ نَعِيمٍ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ هُوَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا أَنَّ كُلَّ مَا وَعَدَ بِهِ أَعْدَاءَهُ هُوَ فِي النَّارِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَقُولُ اللَّهُ: أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ بَلْ لَهُ مَا أَطْلَعْتهمْ عَلَيْهِ﴾ وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ

جَمِيعَ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْجَنَّةِ فَالنَّاسُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى دَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ كَمَا قَالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وَكُلٌّ مَطْلُوبٌ لِلْعَبْدِ بِعِبَادَةِ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَطَالِبِ الْآخِرَةِ هُوَ فِي الْجَنَّةِ.
وَطَلَبُ الْجَنَّةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ النَّارِ طَرِيقُ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَجَمِيعِ أَوْلِيَائِهِ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ وَأَصْحَابِ الْيَمِينِ.
كَمَا فِي السُّنَنِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ: كَيْفَ تَقُولُ: فِي دُعَائِك؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ؛ أَمَا إنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَك وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ.
فَقَالَ: حَوْلَهُمَا نُدَنْدِنُ﴾ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٌ - وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ الرَّاتِبِينَ بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ الْجَنَّةِ أَفَيَكُونُ قَوْلُ أَحَدٍ فَوْقَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٍ وَمَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُمَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَلَوْ طَلَبَ هَذَا الْعَبْدُ مَا طَلَبَ كَانَ فِي الْجَنَّةِ.
وَأَهْلُ الْجَنَّةِ نَوْعَانِ: سَابِقُونَ مُقَرَّبُونَ وَأَبْرَارٌ أَصْحَابُ يَمِينٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ﴿إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾

﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُمْزَجُ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ مَزْجًا وَيَشْرَبُهَا الْمُقَرَّبُونَ صِرْفًا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْعَبْدَ فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْوَسِيلَةَ - الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لِعَبْدِ وَاحِدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَرَجَا أَنْ يَكُونَ هُوَ ذَلِكَ الْعَبْدَ - هِيَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَهَلْ بَقِيَ بَعْدَ الْوَسِيلَةِ شَيْءٌ أَعْلَى مِنْهَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ الْجَنَّةِ يَصْلُحُ لِلْمَخْلُوقِينَ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَلْتَمِسُونَ النَّاسَ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ قَالَ: {فَيَقُولُونَ لِلرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَدْنَاهُمْ يُسَبِّحُونَك وَيَحْمَدُونَك وَيُكَبِّرُونَك.
قَالَ: فَيَقُولُ: وَمَا يَطْلُبُونَ؟ قَالُوا: يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ.
قَالَ: فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا لَكَانُوا أَشَدَّ لَهَا طَلَبًا.
قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَعِيذُونَ قَالُوا: يَسْتَعِيذُونَ مِنْ النَّارِ.
قَالَ: فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا.
قَالَ: فَيَقُولُ:

جارٍ التحميل