ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ قَدِيمَةٌ وَيَقُولُونَ: لَيْسَ مُرَادُنَا بِالْأَفْعَالِ نَفْسَ الْحَرَكَاتِ وَلَكِنَّ مُرَادَنَا الثَّوَابُ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿إنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى عَمَلَهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ حَسَنِ الْوَجْهِ طَيِّبِ الرِّيحِ﴾ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ مِنْ الْقَدَرِ وَالْقَدَرُ سِرُّ اللَّهِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ وَصِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الشَّرَائِعَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّهَا أَمْرُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ وَالْأَفْعَالُ هِيَ الشَّرَائِعُ فَتَكُونُ قَدِيمَةً.
وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ كُلِّهِمْ؛ وَأَحَدُهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَد فَإِنَّهُ نَصَّ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ الَّذِي يُعْطِيهِ اللَّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ.
فَكَيْفَ بِالثَّوَابِ الَّذِي يُعْطِيهِ عَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ.
وَلَمَّا احْتَجَّ الْجَهْمِيَّة عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿تَأْتِي الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَابَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ وَيَأْتِي الْقُرْآنُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ الشَّاحِبِ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَالُوا: وَمَنْ يَأْتِي وَيَذْهَبُ لَا يَكُونُ إلَّا مَخْلُوقًا أَجَابَهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَد بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ
بِالِاتِّفَاقِ بَلْ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: جَاءَ أَمْرُهُ وَهَكَذَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ يَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَجِيئِهِ مَجِيءُ أَمْرِهِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ مَجِيءُ الْقُرْآنِ عَلَى مَجِيءِ ثَوَابِهِ؟ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ بِمَجِيءِ ثَوَابِهَا وَثَوَابُهَا مَخْلُوقٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ وَاحِدٍ وَبَيَّنُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ﴾ أَيْ: ثَوَابُهُمَا لِيُجِيبُوا الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ احْتَجُّوا بِمَجِيءِ الْقُرْآنِ وَإِتْيَانِهِ عَلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَلَوْ كَانَ الثَّوَابُ أَيْضًا الَّذِي يَجِيءُ فِي صُورَةِ غَمَامَةٍ أَوْ صُورَةِ شَابٍّ غَيْرِ مَخْلُوقٍ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَالثَّوَابِ وَلَا كَانَ حَاجَةً إلَى أَنْ يَقُولُوا: يَجِيءُ ثَوَابُهُ؟ وَلَا كَانَ جَوَابُهُمْ للجهمية صَحِيحٌ بَلْ كَانَتْ الْجَهْمِيَّة تَقُولُ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ وَأَنَّ ثَوَابَهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَلَا يَنْفَعُكُمْ هَذَا الْجَوَابُ.
فَعُلِمَ أَنَّ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ مَعَ الْجَهْمِيَّة كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ فَكَيْفَ يَكُونُ ثَوَابُ سَائِرِ الْأَعْمَالِ؛ وَهَذَا بَيِّنٌ فَإِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ هُوَ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ وَأَوْعَدَهُمْ بِهِ؛ فَالثَّوَابُ هُوَ الْجَنَّةُ بِمَا فِيهَا؛ وَالْعِقَابُ هُوَ النَّارُ بِمَا فِيهَا؛ وَالْجَنَّةُ بِمَا فِيهَا مَخْلُوقٌ وَالنَّارُ بِمَا فِيهَا مَخْلُوقٌ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَد هَذِهِ الْحُجَّةَ فِيمَا كَتَبَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة فَقَالَ: بَابُ: مَا ادَّعَتْ الْجَهْمِيَّة أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَتْ
﴿إنَّ الْقُرْآنَ يَجِيءُ فِي صُورَةِ الشَّابِّ الشَّاحِبِ؛ فَيَأْتِي صَاحِبُهُ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُ نَهَارَكَ؛ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ؛ قَالَ: فَيَأْتِي بِهِ اللَّهُ؛ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ﴾ فَادَّعَوْا.
أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ؛ فَقُلْنَا لَهُمْ: إنَّ الْقُرْآنَ لَا يَجِيءُ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ: ﴿مَنْ قَرَأَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا} أَلَا تَرَوْنَ مَنْ قَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لَا يَجِيئُهُ؛ بَلْ يَجِيءُ ثَوَابُهُ؛ لِأَنَّا نَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَنَقُولُ لَا يَجِيءُ؛ وَلَا يَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ.
فَبَيَّنَ أَحْمَد أَنَّ الثَّوَابَ هُوَ الَّذِي يَجِيءُ؛ وَهُوَ الْمَخْلُوقُ مِنْ الْعَمَلِ؛ فَكَيْفَ بِعُقُوبَةِ الْأَعْمَالِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فَإِذَا كَانَ هَذَا ثَوَابُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَهُوَ ثَوَابُ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ ثَوَابُ غَيْرِهِ وَأَمَّا احْتِجَاجُ الْمُحْتَجِّ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ قَدَرُ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُ: لَفْظُ " الْقَدَرِ " يُرَادُ بِهِ التَّقْدِيرُ؛ وَيُرَادُ بِهِ الْمُقَدَّرُ.
فَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ نَفْسُ تَقْدِيرِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ عِلْمُهُ وَكَلَامُهُ وَمَشِيئَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ؛ فَهَذَا غَلَطٌ وَبَاطِلٌ.
فَإِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى؛ فَهَذَا حَقٌّ، فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ كَمَا أَنَّ سَائِرَ الْمَخْلُوقَاتِ مُقَدَّرَةٌ؛ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ﴾ وَكُلُّ تِلْكَ الْمَقْدُورَاتِ مَخْلُوقَةٌ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ﴿عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؛ إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ﴾ . فَالرِّزْقُ وَالْأَجَلُ قَدَّرَهُ كَمَا قَدَّرَ عَمَلَهُ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّزْقَ الَّذِي يَأْكُلُهُ مَخْلُوقٌ مَعَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ.
فَكَذَلِكَ عَمَلُهُ؛ وَكَذَلِكَ سَعَادَتُهُ وَشَقَاؤُهُ؛ وَسَعَادَتُهُ وَشَقَاؤُهُ هِيَ ثَوَابُ الْعَمَلِ وَعِقَابُهُ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ؛ كَمَا أَنَّ الرِّزْقَ مُقَدَّرٌ وَالْمُقَدَّرَ مَخْلُوقٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ؛ إنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ الشَّرَائِعُ وَالشَّرَائِعُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَيُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا لَفْظُ الشَّرْعِ يُرَادُ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ بِهِ الدِّينَ وَيُرَادُ بِهِ الْأَعْمَالُ الْمَشْرُوعَةُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يُرَادُ بِهَا الْمَصْدَرُ وَيُرَادُ بِهَا الْمَفْعُولُ كَلَفْظِ " الْخَلْقِ " وَنَحْوِهِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ هِيَ الشَّرْعُ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ فَهَذَا بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
وَإِنْ أَرَدْتُمْ: أَنَّ الْأَعْمَالَ هِيَ الْمَشْرُوعَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ بِهَا فَهَذَا حَقٌّ؛ لَكِنَّ أَمْرَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَمَّا الْمَأْمُورُ بِهِ الْمُكَوَّنُ بِأَمْرِ اللَّهِ أَوْ الْمُمْتَثِلُ بِأَمْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَخْلُوقٌ كَمَا أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْمُورَ مَخْلُوقٌ.
وَلَفْظُ " الْأَمْرِ " يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَالْمَفْعُولُ فَالْمَفْعُولُ مَخْلُوقٌ كَمَا قَالَ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ . فَهُنَا الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَمْرَهُ الَّذِي هُوَ كَلَامُهُ وَهَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَؤُلَاءِ تَضَمَّنَتْ الشَّرْعَ وَهُوَ الْأَمْرُ وَالْقَدَرُ وَقَدْ ضَلَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَرِيقَانِ: " الْجَهْمِيَّة " الَّذِينَ يَقُولُونَ: كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ . وَيَقُولُونَ: مَا كَانَ مَقْدُورًا فَهُوَ مَخْلُوقٌ.
وَهَؤُلَاءِ " الْحُلُولِيَّةُ " الضَّالُّونَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ فِعْلَ الْعِبَادِ قَدِيمًا بِأَنَّهُ أَمْرُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ وَأَمْرُهُ وَقَدَرُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَمَثَارُ الشُّبْهَةِ أَنَّ اسْمَ " الْقَدَرِ " وَ " الْأَمْرِ " وَ " الشَّرْعِ " يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ فَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ الْمَقْدُورُ وَهَذَا مَخْلُوقٌ وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ فَأَمْرُهُ كَلَامُهُ إذْ لَمْ يُنْزِلْ إلَيْنَا الْأَفْعَالَ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا وَإِنَّمَا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ فَهَذَا الْأَمْرُ هُوَ كَلَامُهُ.
فَإِذَا احْتَجَّ الجهمي الَّذِي يَئُولُ أَمْرَهُ إلَى أَنْ يَجْعَلَهُ حَالًّا فِي الْمَخْلُوقَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ قِيلَ لَهُ الْمُرَادُ بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وَكَمَا يُقَالُ عَنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللَّهُ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ وَإِذَا احْتَجَّ الْحُلُولِيُّ الَّذِي يَجْعَلُ صِفَاتِ الرَّبِّ تُقَارِنُ ذَاتَه وَتَحِلُّ فِي
الْمَخْلُوقَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ وَقَالَ الْأَفْعَالُ قَدَرُهُ وَأَمْرُهُ وَأَمْرُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَدَرُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
قِيلَ لَهُ: أَمْرُهُ وَقَدَرُهُ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ كَمَشِيئَتِهِ وَكَلَامِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَأَمَّا أَمْرُهُ الَّذِي هُوَ قَدَرٌ مَقْدُورٌ فَمَخْلُوقٌ فَالْمَقْدُورُ مَخْلُوقٌ وَالْمَأْمُورُ بِهِ مَخْلُوقٌ وَإِنْ سُمِّيَا أَمْرًا وَقَدَرًا.
ثُمَّ يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ: هَبْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ يُسَمَّى أَمْرًا وَشَرْعًا فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَيْسَ هُوَ مَأْمُورًا بِهِ وَلَا مَشْرُوعًا وَإِنَّمَا هُوَ مُخَالَفَةٌ لِلْأَمْرِ وَالشَّرْعِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَكَيْفَ سَمَّيْتُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ شَرَائِعَ وَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرَائِعِ وَلَكِنْ هِيَ مِمَّا نَهَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ وَلَمَّا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ هَلْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ وَهَلْ أُمِرَ الرَّسُولُ بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ وَبِاجْتِنَابِهِ وَاتِّقَائِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: مَا الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْقَدَرِ الَّذِي قُدِّرَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَأَصَابَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بَلْ هَذَا الْكَلَامُ حُجَّةٌ عَلَى نَقِيضِ مَطْلُوبِهِ فَإِنَّ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ﴾ فَقَدَّرَ أَعْمَالَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَصُوَرَهُمْ وَأَلْوَانَهُمْ وَكُلُّ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنْ الْمَقْدُورَاتِ الْمَخْلُوقَةِ وَهَلْ يَقُولُ عَاقِلٌ: إنَّ عَمَلَ الْعَبْدِ كَانَ مَوْجُودًا
قَبْلَ وُجُودِهِ وَعَمَلُ الْعَبْدِ حَرَكَتُهُ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ.
وَمَنْ فَسَّرَ كَلَامَهُ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نُرِدْ الْحَرَكَةَ وَلَكِنْ أَرَدْنَا ثَوَابَهَا فَيُقَالُ لَهُ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَكَلَامُهُ وَصِفَاتُهُ لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنْ مُسَمَّاهُ؛ بَلْ كَلَامُهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ.
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا سِوَى اللَّهِ وَصِفَاتِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ لِيُزِيلَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ كَانَ قَدْ قَصَدَ مَعْنًى صَحِيحًا وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: اللَّهُ الْخَالِقُ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ إلَّا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ فَهَؤُلَاءِ اسْتَثْنَوْا الْقُرْآنَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمُ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمُنَزَّلَ مَخْلُوقٌ.
فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّاسِ: الْقُرْآنُ هُوَ اللَّهُ أَوْ غَيْرُ اللَّهِ؟ فَيُجِيبُهُمْ مَنْ لَا يَفْهَمُ مَقْصُودَهُمْ بِأَنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ فَيَقُولُونَ كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِئَلَّا يَظُنُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَقَاصِدَ الْجَهْمِيَّة أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ لِظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: وَمَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَالُوا: إنَّ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: وَمَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَقَالُوا: إلَّا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ وَإِنْ أَدْخَلَهُ مَنْ أَدْخَلَهُ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ وَمَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ فَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْغَيْرِ وَالسِّوَى فِيهِمَا اشْتِرَاكٌ فَصِفَةُ الشَّيْءِ تَدْخُلُ تَارَةً فِي لَفْظِ الْغَيْرِ وَالسِّوَى وَتَارَةً لَا تَدْخُلُ وَالْمُخَاطَبُ مِمَّنْ يَفْهَمُ دُخُولَ الْقُرْآنِ فِي لَفْظِ السِّوَى اسْتَثْنَاهُ السَّلَفُ.
فَأَمَّا أَفْعَالُ الْعِبَادِ فَلَمْ يَسْتَثْنِهَا أَحَدٌ مِنْ عُمُومِ الْمَخْلُوقَاتِ إلَّا الْقَدَرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْهَا - مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ -. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهَا مُحْدَثَةٌ كَائِنَةٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ إلَّا هَؤُلَاءِ الْحُلُولِيَّةُ وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ: إنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مِنْ الْخَيْرِ أَوْ الشَّرِّ قَدِيمَةٌ لَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْبِدْعَةِ إلَّا عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْمِصْرِيِّينَ وَبَلَغَنِي نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأَعَاجِمِ وَرَأَيْتُ بَعْضَ شُيُوخِ هَؤُلَاءِ مِنْ الشَّامِيِّينَ تَوَقَّفُوا عَنْهَا فَقَالُوا: نَقُولُ هِيَ مَقْضِيَّةٌ مُقَدَّرَةٌ وَلَا نَقُولُ مَخْلُوقَةٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَبَعْضُ النَّاسِ فَرَّقَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ مِنْ الْإِيمَانِ وَكَلَامُ السَّلَفِ فِي " الْإِيمَانِ " مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَهَذِهِ " الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ " بِقِدَمِهَا أَوْ قِدَمِ أَفْعَالِ الْخَيْرِ وَالتَّوَقُّفُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ بَاطِلَةٌ لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ وَلَا يَقُولُهَا مَنْ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ وَإِنَّمَا أَوْقَعَ هَؤُلَاءِ فِيهَا مَا ظَنُّوهُ فِي " مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ " وَ " مَسْأَلَةِ التِّلَاوَةِ وَالْمَتْلُوِّ " وَ " مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ ". وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَذَاهِبَ النَّاسِ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ " وَبَيَّنَّا الْقَوْلَ الْحَقَّ وَالْوَسَطَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ الْمُوَافِقَ لِلْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَبَيَّنَّا انْحِرَافَ الْمُنْحَرِفِينَ مِنْ الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ آلَ الْأَمْرُ بِطَائِفَةِ مِمَّنْ يَجْعَلُونَ بَعْضَ صِفَاتِ الْعَبْدِ قَدِيمًا إلَى أَنْ جَعَلُوا الرُّوحَ الَّتِي فِيهِ قَدِيمَةً وَقَالُوا: بِقِدَمِ النُّورِ الْقَائِمِ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ الَّتِي بَيَّنَّا فَسَادَهَا وَمُخَالَفَتَهَا لِلسَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَهَؤُلَاءِ يَشْتَرِكُونَ فِي الْقَوْلِ بِحُلُولِ بَعْضِ صِفَاتِ الْخَالِقِ فِي الْمَخْلُوقِ وَأَمَّا الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ هُمْ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ فَيَئُولُ الْأَمْرُ بِهِمْ إلَى أَنْ يَجْعَلُوا الْخَالِقَ نَفْسَهُ يَحِلُّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا أَوْ يَجْعَلُوهُ عَيْنَ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ وَكَانَ قَدْ اجْتَمَعَ شَيْخُ هَؤُلَاءِ الْحُلُولِيَّةِ الْجَهْمِيَّة بِشُيُوخِ أُولَئِكَ الْحُلُولِيَّةِ الصفاتية.
وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْبِدَعِ وَأَمْثَالِهَا وَغَيْرِهَا مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ جَرَى مَا جَرَى مِنْ الْمَصَائِبِ عَلَى الْأَئِمَّةِ.
وَالْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنْكَرُوا الْقَوْلَ بِالْحُلُولِ وَشَبَّهُوا هَؤُلَاءِ بِالنَّصَارَى وَقَالَ - فِيمَا كَتَبَهُ مِنْ " الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة " قَالَ: - فَكَانَ مِمَّا بَلَغَنَا مِنْ أَمْرِ الْجَهْمِ عَدُوِّ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مِنْ أَهْلِ الترمذ وَكَانَ لَهُ خُصُومَاتٌ وَكَلَامٌ وَكَانَ أَكْثَرُ كَلَامِهِ فِي اللَّهِ فَلَقِيَ أُنَاسًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُمْ السمنية فَعَرَفُوا الْجَهْمَ فَقَالُوا لَهُ: نُكَلِّمُكَ فَإِنْ ظَهَرَتْ حُجَّتُنَا عَلَيْكَ دَخَلْتَ فِي دِينِنَا وَإِنْ ظَهَرَتْ حُجَّتُكَ عَلَيْنَا دَخَلْنَا فِي دِينِكَ فَكَانَ مِمَّا كَلَّمُوا بِهِ الْجَهْمَ أَنْ قَالُوا: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ لَكَ إلَهًا؟ قَالَ الْجَهْمُ
نَعَمْ.
فَقَالُوا لَهُ: فَهَلْ رَأَيْتَ إلَهَكَ؟ قَالَ: لَا قَالُوا: فَهَلْ سَمِعْتَ كَلَامَهُ قَالَ: لَا.
قَالُوا: فَشَمَمْتَ لَهُ رَائِحَةً.
قَالَ: لَا.
قَالُوا: فَوَجَدْتَ لَهُ حِسًّا.
قَالَ: لَا.
قَالُوا: فَوَجَدْتَ لَهُ مَجَسًّا.
قَالَ: لَا.
قَالُوا: فَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ إلَهٌ؟ قَالَ: فَتَحَيَّرَ الْجَهْمُ فَلَمْ يَدْرِ مَنْ يَعْبُدُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ ثُمَّ إنَّهُ اسْتَدْرَكَ حُجَّةً مِثْلَ حُجَّةِ زَنَادِقَةِ النَّصَارَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ زَنَادِقَةَ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ الرُّوحَ الَّذِي فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ هُوَ رُوحُ اللَّهِ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ؛ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ أَمْرًا دَخَلَ فِي بَعْضِ خَلْقِهِ؛ فَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِ خَلْقِهِ فَيَأْمُرُ بِمَا شَاءَ؛ وَيَنْهَى عَمَّا يَشَاءُ وَهُوَ رُوحٌ غَائِبٌ عَنْ الْأَبْصَارِ.
فَاسْتَدْرَكَ الْجَهْمُ حُجَّةً فَقَالَ للسمني: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ فِيكَ رُوحًا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتَ رُوحَكَ.
قَالَ: لَا.
قَالَ: فَهَلْ سَمِعْتَ كَلَامَهُ.
قَالَ: لَا.
قَالَ: فَوَجَدْتَ لَهُ حِسًّا أَوْ مَجَسًّا.
قَالَ: لَا.
قَالَ: فَكَذَلِكَ اللَّهُ لَا تَرَى لَهُ وَجْهًا وَلَا تَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا وَلَا تَشُمُّ لَهُ رَائِحَةً وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ الْأَبْصَارِ وَلَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ وَتَكَلَّمَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ إنَّ الْجَهْمَ ادَّعَى أَمْرًا آخَرَ فَقَالَ: إنَّا وَجَدْنَا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلَى الْقُرْآنِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَقُلْنَا: أَيُّ آيَةٍ؟ فَقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وَعِيسَى مَخْلُوقٌ.
فَقُلْنَا: إنَّ اللَّهَ مَنَعَكَ الْفَهْمَ فِي الْقُرْآنِ عِيسَى تَجْرِي عَلَيْهِ أَلْفَاظٌ لَا تَجْرِي عَلَى الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ
يُسَمِّيهِ مَوْلُودًا وَطِفْلًا وَصَبِيًّا وَغُلَامًا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَجْرِي عَلَيْهِ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ ثُمَّ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَلَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَقُولَ فِي الْقُرْآنِ مَا نَقُولُ فِي عِيسَى هَلْ سَمِعْتُمْ اللَّهَ يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ مَا قَالَ فِي عِيسَى وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ﴾ فَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ حِينَ قَالَ لَهُ: كُنْ فَكَانَ عِيسَى بكن وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الكن وَلَكِنْ كَانَ بكن فالكن مِنْ اللَّهِ قَوْلٌ وَلَيْسَ الكن مِنْ اللَّهِ مَخْلُوقًا.
وَكَذَبَ النَّصَارَى وَالْجَهْمِيَّة عَلَى اللَّهِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَذَلِكَ أَنَّ الْجَهْمِيَّة قَالُوا: عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ إلَّا أَنَّ الْكَلِمَةَ مَخْلُوقَةٌ وَقَالَتْ النَّصَارَى: عِيسَى رُوحُ اللَّهِ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ.
كَمَا يُقَالُ: إنَّ هَذِهِ الْخِرْقَةَ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ.
وَقُلْنَا: نَحْنُ إنَّ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ.
وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكَلِمَةَ وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ.
يَقُولُ: مِنْ أَمْرِهِ كَانَ الرُّوحُ فِيهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ يَقُولُ: مِنْ أَمْرِهِ وَتَفْسِيرُ رُوحِ اللَّهِ إنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّهَا رُوحٌ بِكَلِمَةِ اللَّهِ خَلَقَهَا اللَّهُ كَمَا يُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ وَسَمَاءُ اللَّهِ.
وَبَيَّنَ أَحْمَد أَنَّ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَخْلُوقٌ فَضْلًا عَنْ أَعْمَالِهِمْ فَقَالَ:
بَيَانُ مَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّة مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ كَلَّمَ مُوسَى فَقُلْنَا لِمَ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ إنَّمَا كَوَّنَ شَيْئًا فَعَبَّرَ عَنْ اللَّهِ وَخَلَقَ صَوْتًا فَأَسْمَعَ وَزَعَمُوا أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جَوْفٍ وَلِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ.
فَقُلْنَا: فَهَلْ يَجُوزُ لِمُكَوِّنِ غَيْرِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ: يَا مُوسَى أَنَا رَبُّكَ أَوْ يَقُولَ: ﴿إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ الجهمي أَنَّ اللَّهَ كَوَّنَ شَيْئًا كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْمُكَوِّنُ: يَا مُوسَى إنَّ اللَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ فَهَذَا مَنْصُوصُ الْقُرْآنِ.
فَأَمَّا مَا قَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ.
وَلَا يُكَلِّمُ فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ خيثمة عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُ رَبَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ﴾ . وَبَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهِمْ إلَى أَنْ قَالَ: قَدْ أَعْظَمْتُمْ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ حِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ فَشَبَّهْتُمُوهُ بِالْأَصْنَامِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَتَكَلَّمُ وَلَا تَتَحَرَّكُ وَلَا تَزُولُ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ فَلَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ قَالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَتَكَلَّمُ وَلَكِنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ قُلْنَا: وَكَذَلِكَ بَنُو آدَمَ كَلَامُهُمْ مَخْلُوقٌ فَقَدْ شَبَّهْتُمْ اللَّهَ بِخَلْقِهِ حِينَ
زَعَمْتُمْ أَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ فَفِي مَذْهَبِكُمْ قَدْ كَانَ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى خَلَقَ التَّكَلُّمَ فَقَدْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ كُفْرٍ وَتَشْبِيهٍ فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ.
وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ كَانَ وَلَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى خَلَقَ وَذَكَرَ تَمَامَ كَلَامِهِ.
فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ اللَّهُ وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ نَصِّهِ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ مَعَ نَصِّهِ عَلَى الْأَمْرَيْنِ.
وَقَالَ إذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الجهمي كَاذِبٌ عَلَى اللَّهِ حِينَ زَعَمَ أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَلَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ.
فَقُلْ: أَلَيْسَ اللَّهُ كَانَ وَلَا شَيْءَ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَقُلْ لَهُ: حِينَ خَلَقَ خَلْقَهُ خَلَقَهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ خَارِجًا عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ: وَاحِدَةٌ مِنْهَا إنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي نَفْسِهِ كَفَرَ حِينَ زَعَمَ أَنَّ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ فِي نَفْسِهِ.
وَإِنْ قَالَ: خَلَقَهُمْ خَارِجًا مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِمْ كَانَ هَذَا أَيْضًا كُفْرًا حِينَ زَعَمَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي مَكَانٍ وَحِشٍ قَذِرٍ رَدِيءٍ.
وَإِنْ قَالَ: خَلَقَهُمْ خَارِجًا مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ أَجْمَعَ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَد أَنَّ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ مَخْلُوقٌ وَنَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُمْ مَخْلُوقَةٌ وَالنَّصُّ عَلَى كَلَامِهِمْ أَبْلَغُ فَإِنَّ الشُّبَهَ فِيهِ أَظْهَرُ.
فَمَنْ قَالَ: إنَّ
كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ أَوْ أَفْعَالَهُمْ قَدِيمَةٌ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَاضِي الْمَعْلُومِ الْمُتَيَقَّنِ: مِثْلَ قَوْلِهِ هَذِهِ شَجَرَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ هَذَا إنْسَانٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ السَّمَاءُ فَوْقَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَوْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَوْ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَنْ يَقُولَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَطْعًا.
وَأَنْ يَقُولَ: هَذِهِ شَجَرَةٌ قَطْعًا فَهَذِهِ بِدْعَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ.
وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ " الْإِسْلَامِ " إلَّا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ وَلَمْ يَكُنْ الشَّيْخُ يَقُولُ بِذَلِكَ وَلَا عُقَلَاءُ أَصْحَابِهِ.
وَلَكِنْ حَدَّثَنِي بَعْضُ الْخَبِيرِينَ أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ تَنَازَعَ صَاحِبَانِ لَهُ: حَازِمٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ فَابْتَدَعَ حَازِمٌ هَذِهِ الْبِدْعَةَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ الْمَقْطُوعِ بِهَا.
وَتَرَكَ الْقَطْعَ بِذَلِكَ.
وَخَالَفَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي ذَلِكَ مُوَافَقَةً لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ.
وَأَمَّا " الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو " فَكَانَ أَعْقَلَ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِثْلِ هَذَا
الْهَذَيَانِ فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَدِينٌ وَإِنْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَسْأَلَةِ قِدَمِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ يُعْزَى إلَيْهِ.
وَقَدْ أَرَانِي بَعْضُهُمْ خَطَّهُ بِذَلِكَ.
فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَكَانَ يَسْلُكُ طَرِيقَة الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ المقدسي الشِّيرَازِيِّ وَنَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ وَيَقُولُ: هِيَ مَقْضِيَّةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَأَمْسَكَ.
وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ كَانَ أَحَدَ أَصْحَابِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَلَكِنْ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى لَا يَرْضَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ بَلْ هُوَ مِمَّنْ يَجْزِمُ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ وَلَوْ سَمِعَ أَحَدًا يَتَوَقَّفُ فِي الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ - فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُولَ إنَّ أَفْعَالَ الْعَبْدِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ قَدِيمَةٌ - لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَعْظَمَ الْإِنْكَارِ.
وَإِنْ كَانَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي مَوَاضِعُ اضْطَرَبَ فِيهَا كَلَامُهُ وَتَنَاقَضَ فِيهَا وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ كَلَامًا بَنَى عَلَيْهِ مَنْ وَافَقَهُ فِيهِ مِنْ أَبْنِيَةٍ فَاسِدَةٍ فَالْعَالِمُ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي يَزِلُّ فِيهَا فَيُفَرِّعُ أَتْبَاعُهُ عَلَيْهَا فُرُوعًا كَثِيرَةً كَمَا جَرَى فِي مَسْأَلَةِ " اللَّفْظِ " وَ " كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ " وَمَسْأَلَةِ " الْإِيمَانِ " وَ " أَفْعَالِ الْعِبَادِ ". فَإِنَّ السَّلَفَ وَالْأَئِمَّةَ - الْإِمَامَ أَحْمَد وَغَيْرَهُ - لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا قَالُوا: إنَّهُ قَدِيمٌ وَلَا أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَلَا أَنَّهَا قَدِيمَةٌ.
وَلَا قَالُوا أَيْضًا: إنَّ الْإِيمَانَ قَدِيمٌ وَلَا أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا قَالُوا: إنَّ لَفْظَ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ وَلَا أَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَكِنْ مَنَعُوا مِنْ إطْلَاقِ
الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ.
وَأَنَّ اللَّفْظَ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ؛ لِمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِمَا يُفْهِمُهُ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ أَنَّ نَفْسَ كَلَامِ الْخَالِقِ مَخْلُوقٌ وَأَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَخْلُوقٌ وَمَنَعُوا أَنْ يُقَالَ: حُرُوفُ الْهِجَاءِ مَخْلُوقَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقُرْآنُ كَلَامَ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى.
فَجَاءَ أَقْوَامٌ أَطْلَقُوا نَقِيضَ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَبَدَّعَ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
حَتَّى صَارَ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ " أَفْعَالَ الْعِبَادِ " الَّتِي هِيَ إيمَانٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ فَجَاءَ آخَرُونَ فَزَادُوا عَلَى ذَلِكَ فَقَالُوا كَلَامُ الْآدَمِيِّينَ مُؤَلَّفٌ مِنْ الْحُرُوفِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ.
فَيَكُونُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ كُلُّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَالْبِدْعَةُ كُلَّمَا فُرِّعَ عَلَيْهَا وَذُكِرَ لَوَازِمُهَا زَادَتْ قُبْحًا وَشَنَاعَةً وَأَفْضَتْ بِصَاحِبِهَا إلَى أَنْ يُخَالِفَ مَا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا وَبَيَّنَّا اضْطِرَابَ النَّاسِ فِي هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ أَقْوَامًا ابْتَدَعُوا: أَنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ
وَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ وَهَذَا الْكَلَامُ فَاسِدٌ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ وَالنَّقْلِ الصَّحِيحِ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ هُوَ الْأَمْرَ بِكُلِّ مَأْمُورٍ وَالْخَبَرَ عَنْ كُلِّ مُخْبِرٍ وَلَا يَكُونُ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَاحِدًا وَهُمْ يَقُولُونَ: إذَا عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ بِالْعَرَبِيَّةِ صَارَ قُرْآنًا وَإِذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ صَارَ تَوْرَاةً وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَمَعَانِيهَا لَيْسَتْ هِيَ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ وَلَيْسَتْ مَعَانِيهِ هِيَ مَعَانِي التَّوْرَاةِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ ابْنُ كُلَّابٍ وَلَكِنَّهُ هُوَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ عَلَيْهِ: كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ الْقُرْآنَ مَحْفُوظٌ بِالْقُلُوبِ حَقِيقَةً مَتْلُوٌّ بِالْأَلْسُنِ حَقِيقَةً مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ حَقِيقَةً.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُمَثِّلُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالْقُلُوبِ كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَعْلُومٌ بِالْقُلُوبِ وَمَتْلُوٌّ بِالْأَلْسُنِ كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَذْكُورٌ بِالْأَلْسُنِ وَمَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ كَمَا أَنَّ اللَّهَ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ وَهَذَا غَلَطٌ فِي تَحْقِيقِ مَذْهَبِ ابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ فَإِنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَهُمْ مَعْنَى عِبَارَةٍ عَنْهُ وَالْحَقَائِقُ لَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: وُجُودٌ عَيْنِيٌّ وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ، وَرَسْمِيٌّ.
فَلَيْسَ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى لَهُ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ وَلَيْسَ ثُبُوتُهُ فِي الْكِتَابِ كَثُبُوتِ الْأَعْيَانِ فِي الْكِتَابِ فَزَادَ هَؤُلَاءِ قَوْلَ ابْنِ كُلَّابٍ وَالْأَشْعَرِيِّ قُبْحًا.
ثُمَّ تَبِعَ أَقْوَامٌ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ أَحَدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ فَقَطْ وَأَنَّ الْحُرُوفَ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ بَلْ خَلَقَهَا اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ صَنَّفَهَا جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ فَضَمُّوا إلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُصْحَفَ لَيْسَ فِيهِ إلَّا مِدَادٌ وَوَرَقٌ وَأَعْرَضُوا عَمَّا قَالَهُ سَلَفُهُمْ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ فَيَجِبُ احْتِرَامُهُ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ دَلِيلًا لَا يُوجِبُ الِاحْتِرَامَ كَالدَّلِيلِ عَلَى الْخَالِقِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْكَلَامِ فَإِنَّ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا أَدِلَّةٌ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ احْتِرَامُهَا فَصَارَ هَؤُلَاءِ يَمْتَهِنُونَ الْمُصْحَفَ حَتَّى يَدُوسُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ أَسْمَاءَ اللَّهِ بِالْعَذِرَةِ إسْقَاطًا لِحُرْمَةِ مَا كُتِبَ فِي الْمَصَاحِفِ، وَالْوَرَقُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْمُصْحَفِ مِثْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي الْحُشِّ أَوْ يَرْكُضَهُ بِرِجْلِهِ إهَانَةً لَهُ إنَّهُ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ.
فَالْبِدَعُ تَكُونُ فِي أَوَّلِهَا شِبْرًا ثُمَّ تَكْثُرُ فِي الِاتِّبَاعِ حَتَّى تَصِيرَ أَذْرُعًا وَأَمْيَالًا وَفَرَاسِخَ.
وَهَذَا الْجَوَابُ لَا يَحْتَمِلُ بَسْطَ هَذَا الْبَابِ فَإِنَّهُ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِهِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَثْنُونَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَاضِيَةِ الْمَقْطُوعِ بِهَا مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّالٌ جُهَّالٌ وَأَحَدُهُمْ يَحْتَجُّ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِذَا قِيلَ لَهُ: هَذِهِ شَجَرَةٌ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقْلِبَهَا حَيَوَانًا فَعَلَ.
فَيُقَالُ لَهُ: هِيَ الْآنَ شَجَرَةٌ قَطْعًا.
وَأَمَّا إذَا قُلْتَ: قَدْ انْتَقَلَتْ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْمًا ثُمَّ يحيى فَبَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ حَيٌّ قَطْعًا وَإِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُمِيتَهُ أَمَاتَهُ؛ فَاَللَّهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى تَحْوِيلِ الْخَلْقِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى الْحَالِ الَّتِي خَلَقَهُمْ عَلَيْهَا.
فَالسَّمَاءُ سَمَاءٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ؛ وَالْإِنْسَانُ إنْسَانٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ وَالْفَرَسُ فَرَسٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ وَإِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا شَاءَ غَيَّرَهُ بِمَشِيئَتِهِ إنْ شَاءَ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ.
وَلَمْ يَجِئْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اسْتِثْنَاءٌ فِي الْمَاضِي بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ سُلَيْمَانَ قَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَأْتِي كُلُّ امْرَأَةٍ بِفَارِسِ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ.
فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ وَلَدٍ قَالَ: فَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعِينَ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ﴾ لِأَنَّ الْحَالِفَ يَحْلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ لَيَفْعَلَنَّ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ كَذَا أَوْ لَا يَفْعَلُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ كَذَا فَيَقُولُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ؛ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ وَقَعَ الْفِعْلُ كَانَ اللَّهُ شَاءَهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ شَاءَهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَهُ إنْ أَشَاءَ اللَّهُ؛ فَإِذَا لَمْ يَشَأْهُ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ الْتَزَمَهُ فَلَا يَحْنَثُ.
وَ " الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ " مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ لَا شَكًّا فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِيمَانُ بِهِ فَإِنَّ الشَّكَّ فِي ذَلِكَ كُفْرٌ.
وَلَكِنَّهُمْ اسْتَثْنَوْا فِي الْإِيمَانِ خَوْفًا أَلَّا يَكُونُوا قَامُوا بِوَاجِبَاتِهِ وَحَقَائِقِهِ؛ وَقَدْ ﴿قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ} . وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالْعَاقِبَةِ وَالْإِيمَانُ النَّافِعُ هُوَ الَّذِي يَمُوتُ الْمَرْءُ عَلَيْهِ.
وَاسْتَثْنَوْا خَوْفًا مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الصَّحِيحَةِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَثْنَى فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ كَقَوْلِهِ: صَلَّيْتُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ اسْتِثْنَاءٌ فِي أَفْعَالٍ لَمْ يُعْلَمْ وُقُوعُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ الْمَقْبُولِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فِيمَا لَمْ تُعْلَمْ حَقِيقَتُهُ؛ أَوْ فِي مُسْتَقْبَلٍ عُلِّقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي مَاضٍ مَعْلُومٍ فَهَذِهِ بِدْعَةٌ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ:
فَصْلٌ:
وَأَمَّا " مَسْأَلَةُ تَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ "، فَفِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
فَالْحَنَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ يَقُولُونَ بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ وَهُوَ قَوْلُ الكَرَّامِيَة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الطَّوَائِفِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ يَنْفُونَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ؛ لَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى إثْبَاتِ الْقَدَرِ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وَالْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ: يُخَالِفُونَ فِي هَذَا.
فَإِنْكَارُ الْقَدَرِ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مَنْ يَقُولُ: بِتَحْسِينِ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ يَنْفِي الْقَدَرَ وَيَدْخُلُ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي مَسَائِلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْوِيزِ وَهَذَا غَلَطٌ بَلْ جُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ لَا يُوَافِقُونَ الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يُوَافِقُونَ الْأَشْعَرِيَّةَ عَلَى نَفْيِ
الْحُكْمِ وَالْأَسْبَابِ؛ بَلْ جُمْهُورُ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ يُثْبِتُونَ الْقَدَرَ وَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا.
وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِتَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فَهَذَا لَمْ يُنْكِرْهُ إلَّا الْغُلَاةُ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَإِلَّا فَجُمْهُورُ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ مَا الْعِبَادُ فَاعِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوهُ وَيُصَدِّقُونَ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ.
كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ " عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وَفِي لَفْظٍ ﴿ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ - إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ الْمَلَكُ؛ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ
أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ} . وَالْآثَارُ مِثْلَ هَذَا كَثِيرَةٌ.
فَهَذَا يُقِرُّ بِهِ أَكْثَرُ الْقَدَرِيَّةِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ غُلَاتُهُمْ كَاَلَّذِينَ ذَكَرُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ بِحَيْثُ قِيلَ لَهُ: " قِبَلَنَا أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَفْتَقِرُونَ الْعِلْمَ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ مِنِّي بُرَآءُ " وَلِهَذَا كَفَّرَ الْأَئِمَّةُ: - كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد - مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ حَتَّى يَعْمَلُوهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ جَمَاهِيرَ الْمُسْلِمِينَ يُخَالِفُونَ الْقَدَرِيَّةَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَجَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا يُقِرُّونَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَسْبَابًا فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَيُقِرُّونَ بِحِكْمَةِ اللَّهِ - الَّتِي يُرِيدُهَا - فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ.
وَيَقُولُونَ: كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وَقَالَ: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّ هَذَا فُعِلَ بِهَذَا لَا يَقُولُونَ كَمَا يَقُولُ نفاة الْأَسْبَابِ: فُعِلَ عِنْدَهَا لَا بِهَا وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ " مَسْأَلَةَ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ " لَيْسَتْ مُلَازِمَةً لِمَسْأَلَةِ الْقَدَرِ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَالنَّاسُ فِي " مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ " عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: طَرَفَانِ وَوَسَطٌ.
الطَّرَفُ الْوَاحِدُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَيَجْعَلُ ذَلِكَ صِفَاتٍ ذَاتِيَّةً لِلْفِعْلِ لَازِمَةً لَهُ وَلَا يَجْعَلُ الشَّرْعَ إلَّا كَاشِفًا عَنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَا سَبَبًا لِشَيْءِ مِنْ الصِّفَاتِ فَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - وَإِذَا ضُمَّ إلَى ذَلِكَ قِيَاسُ الرَّبِّ عَلَى خَلْقِهِ فَقِيلَ: مَا حَسُنَ مِنْ الْمَخْلُوقِ حَسُنَ مِنْ الْخَالِقِ وَمَا قَبُحَ مِنْ الْمَخْلُوقِ قَبُحَ مِنْ الْخَالِقِ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَقْوَالُ الْقَدَرِيَّةِ الْبَاطِلَةِ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي التَّجْوِيزِ وَالتَّعْدِيلِ وَهُمْ مُشَبِّهَةُ الْأَفْعَالِ يُشَبِّهُونَ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ وَالْمَخْلُوقَ بِالْخَالِقِ فِي الْأَفْعَالِ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ كَمَا أَنَّ تَمْثِيلَ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ وَالْمَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ فِي الصِّفَاتِ بَاطِلٌ.
فَالْيَهُودُ وَصَفُوا اللَّهَ بِالنَّقَائِصِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْهَا فَشَبَّهُوهُ بِالْمَخْلُوقِ: كَمَا وَصَفُوهُ بِالْفَقْرِ وَالْبُخْلِ وَاللُّغُوبِ.
وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يُمَاثِلَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ لَا فِي عِلْمِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا إرَادَتِهِ وَلَا رِضَاهُ وَلَا غَضَبِهِ وَلَا خَلْقِهِ وَلَا اسْتِوَائِهِ وَلَا إتْيَانِهِ وَلَا
نُزُولِهِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ.
بَلْ مَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ.
وَمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.
فَلَا يَنْفُونَ عَنْهُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الصِّفَاتِ وَلَا يُمَثِّلُونَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ؛ فَالنَّافِي مُعَطِّلٌ وَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا.
وَالْمُشَبِّهُ مُمَثِّلٌ وَالْمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صَنَمًا.
وَمَذْهَبُ السَّلَفِ إثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَعْطِيلٍ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وَهَذَا رَدٌّ عَلَى الْمُمَثِّلَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رَدٌّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ.
وَأَفْعَالُ اللَّهِ لَا تُمَثَّلُ بِأَفْعَالِ الْمَخْلُوقِينَ فَإِنَّ الْمَخْلُوقِينَ عَبِيدُهُ يَظْلِمُونَ وَيَأْتُونَ الْفَوَاحِشَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِمْ وَلَوْ لَمْ يَمْنَعْهُمْ؛ لَكَانَ ذَلِكَ قَبِيحًا مِنْهُ وَكَانَ مَذْمُومًا عَلَى ذَلِكَ.
وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يَقْبُحُ ذَلِكَ مِنْهُ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالنِّعْمَةِ السَّابِغَةِ هَذَا عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْجُمْهُورِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الْحِكْمَةَ فِي خَلْقِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ.
وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا بِحِكْمَةِ وَلَا يَأْمُرُ بِشَيْءِ بِحِكْمَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ إلَّا مَحْضَ الْإِرَادَةِ الَّتِي تُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ كَمَا هُوَ أَصْلُ ابْنِ كُلَّابٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَهُوَ أَصْلُ قَوْلَيْ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّة.
وَأَمَّا الطَّرَفُ الْآخَرُ فِي " مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ " فَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ:
إنَّ الْأَفْعَالَ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى صِفَاتٍ هِيَ أَحْكَامٌ وَلَا عَلَى صِفَاتٍ هِيَ عِلَلٌ لِلْأَحْكَامِ بَلْ الْقَادِرُ أَمَرَ بِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لِمَحْضِ الْإِرَادَةِ لَا لِحِكْمَةِ وَلَا لِرِعَايَةِ مَصْلَحَةٍ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ.
وَيَقُولُونَ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ بِالشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَيَنْهَى عَنْ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَيَنْهَى عَنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْأَحْكَامُ الَّتِي تُوصَفُ بِهَا الْأَحْكَامُ مُجَرَّدُ نِسْبَةٍ وَإِضَافَةٍ فَقَطْ وَلَيْسَ الْمَعْرُوفُ فِي نَفْسِهِ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ وَلَا الْمُنْكَرُ فِي نَفْسِهِ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ.
بَلْ إذَا قَالَ: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ فَحَقِيقَةُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِمَا يَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا يَنْهَاهُمْ وَيُحِلُّ لَهُمْ مَا يُحِلُّ لَهُمْ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ مَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ بَلْ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُمْ لَا مَعْرُوفٌ وَلَا مُنْكَرٌ وَلَا طَيِّبٌ وَلَا خَبِيثٌ إلَّا أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا يُلَائِمُ الطِّبَاعَ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عِنْدَهُمْ كَوْنَ الرَّبِّ يُحِبُّ الْمَعْرُوفَ وَيُبْغِضُ الْمُنْكَرَ.
فَهَذَا الْقَوْلُ وَلَوَازِمُهُ هُوَ أَيْضًا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ أَيْضًا لِلْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ الْفَحْشَاءِ.
فَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ كَمَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَقَالَ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} وَقَالَ: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ وَعَلَى قَوْلِ الْنُّفَاةِ: لَا فَرْقَ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَبَيْنَ تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَيْسَ تَنْزِيهُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ تَنْزِيهِهِ عَنْ الْآخَرِ وَهَذَا خِلَافُ الْمَنْصُوصِ وَالْمَعْقُولِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وَعِنْدَهُمْ تَعَلُّقُ الْإِرْسَالِ بِالرَّسُولِ كَتَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِالْأَفْعَالِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ صِفَةٍ لَا قَبْلَ التَّعَلُّقِ وَلَا بَعْدَهُ وَالْفُقَهَاءُ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: اللَّهُ حَرَّمَ الْمُحَرَّمَاتِ فَحُرِّمَتْ وَأَوْجَبَ الْوَاجِبَاتِ فَوَجَبَتْ فَمَعَنَا شَيْئَانِ: إيجَابٌ وَتَحْرِيمٌ وَذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ وَخِطَابُهُ وَالثَّانِي وُجُوبٌ وَحُرْمَةٌ وَذَلِكَ صِفَةٌ لِلْفِعْلِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ حَكِيمٌ عَلِمَ بِمَا تَتَضَمَّنُهُ الْأَحْكَامُ مِنْ الْمَصَالِحِ فَأَمَرَ وَنَهَى لِعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ مِنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَمَفَاسِدِهِمْ وَهُوَ أَثْبَتَ حُكْمَ الْفِعْلِ وَأَمَّا صِفَتُهُ فَقَدْ تَكُونُ ثَابِتَةً بِدُونِ الْخِطَابِ.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْخِطَابِ وَالْحِكْمَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الشَّرَائِعِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِذَلِكَ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ الْعَدْلَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الْعَالَمِ وَالظُّلْمَ
يَشْتَمِلُ عَلَى فَسَادِهِمْ فَهَذَا النَّوْعُ هُوَ حَسَنٌ وَقَبِيحٌ وَقَدْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ قُبْحُ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ أَثْبَتَ لِلْفِعْلِ صِفَةً لَمْ تَكُنْ؛ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ هَذَا الْقُبْحِ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مُعَاقَبًا فِي الْآخِرَةِ إذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعٌ بِذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا غَلِطَ فِيهِ غُلَاةُ الْقَائِلِينَ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا؛ إنَّ الْعِبَادَ يُعَاقَبُونَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ وَلَوْ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولًا وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إنْ أَنْتُمْ إلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ إلَّا بَعْدَ الرِّسَالَةِ كَثِيرَةٌ تَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ: إنَّ الْخَلْقَ يُعَذَّبُونَ فِي الْأَرْضِ بِدُونِ رَسُولٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ.
(النَّوْعُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّارِعَ إذَا أَمَرَ بِشَيْءِ صَارَ حَسَنًا وَإِذَا نَهَى
عَنْ شَيْءٍ صَارَ قَبِيحًا وَاكْتَسَبَ الْفِعْلُ صِفَةَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِخِطَابِ الشَّارِعِ.
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْمُرَ الشَّارِعُ بِشَيْءِ لِيَمْتَحِنَ الْعَبْدَ هَلْ يُطِيعُهُ أَمْ يَعْصِيهِ وَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَفَدَاهُ بِالذَّبْحِ وَكَذَلِكَ ﴿حَدِيثُ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَنْ سَأَلَهُمْ الصَّدَقَةَ فَلَمَّا أَجَابَ الْأَعْمَى قَالَ الْمَلَكُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ فَإِنَّمَا اُبْتُلِيتُمْ؛ فَرَضِيَ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ﴾ . فَالْحِكْمَةُ مَنْشَؤُهَا مِنْ نَفْسِ الْأَمْرِ لَا مِنْ نَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهَذَا النَّوْعُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يَفْهَمْهُ الْمُعْتَزِلَةُ؛ وَزَعَمَتْ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ بِدُونِ أَمْرِ الشَّارِعِ وَالْأَشْعَرِيَّةُ ادَّعَوْا: أَنَّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ مِنْ قِسْمِ الِامْتِحَانِ وَأَنَّ الْأَفْعَالَ لَيْسَتْ لَهَا صِفَةٌ لَا قَبْلَ الشَّرْعِ وَلَا بِالشَّرْعِ؛ وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ وَالْجُمْهُورُ فَأَثْبَتُوا الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ.
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْعَبْدِ: هَلْ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ الطَّاعَةَ إذَا أَرَادَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ الْمَعْصِيَةَ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى تَرْكِهَا أَمْ لَا؟ وَإِذَا فَعَلَ الْخَيْرَ نَسَبَهُ إلَى اللَّهِ وَإِذَا فَعَلَ الشَّرَّ نَسَبَهُ إلَى نَفْسِهِ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ إذَا أَرَادَ الْعَبْدُ الطَّاعَةَ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ إرَادَةً جَازِمَةً كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِ إرَادَةً جَازِمَةً كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَسَائِرُ أَهْلِ الْمِلَلِ حَتَّى أَئِمَّةُ الْجَبْرِيَّةِ بَلْ هَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ غُلَاةِ " الْجَبْرِيَّةِ " الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْأَمْرَ الْمُمْتَنِعَ لِذَاتِهِ وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَيَحْتَجُّونَ بِأَمْرِهِ أَبَا لَهَبٍ: بِأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِمَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ إيمَانِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ: كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَغَيْرِهِمْ وَخِلَافُ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
فَأَمَّا إجْمَاعُ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ عَلَى ذَلِكَ فَظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُثْبِتَةُ:
كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَبِي الْعَبَّاسِ القلانسي وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَانِي وَأَبِي بَكْرِ بْنِ فورك وَأَبِي إسْحَاقَ الإسفراييني وَالْأُسْتَاذِ أَبِي الْمَعَالِي الجُوَيْنِي وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَكَذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ وَأَصْحَابُهُ: كَابْنِ الْهَيْصَمِ وَسَائِرِ مُتَكَلِّمِي أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: كَأَبِي مَنْصُورٍ الماتريدي.
وَغَيْرِهِ وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ وَقَدْ حَكَى إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ: كَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِي وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَاتَّبَعَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي.
وَاحْتِجَاجُهُمْ بِقِصَّةِ أَبِي لَهَبٍ حُجَّةٌ بَاطِلَةٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ أَبَا لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ السُّورَةُ فَلَمَّا أَصَرَّ وَعَانَدَ اسْتَحَقَّ الْوَعِيدَ كَمَا اسْتَحَقَّ قَوْمُ نُوحٍ حِينَ قِيلَ لَهُ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ وَحِينَ اسْتَحَقَّ الْوَعِيدَ أَخْبَرَ اللَّهُ بِالْوَعِيدِ الَّذِي يَلْحَقُهُ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَأْمُورًا أَمْرًا يُطْلَبُ بِهِ مِنْهُ ذَلِكَ وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَأْمُورَ بِهَا مَشْرُوطَةٌ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَالْقُدْرَةِ كَمَا ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ﴾ .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ وَاجِبَاتِهَا: كَالْقِيَامِ أَوْ الْقِرَاءَةِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا إذَا أَرَادَ فِعْلَهُ إرَادَةً جَازِمَةً أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْ مِثْلِ:
الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ الَّذِينَ يَعْجِزُونَ عَنْهُ أَدَاءً وَقَضَاءً وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا هَلْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْفِدْيَةُ بِالْإِطْعَامِ؟ فَأَوْجَبَهَا الْجُمْهُورُ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَلَمْ يُوجِبْهَا مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وَقَدْ تَنَازَعُوا: هَلْ الِاسْتِطَاعَةُ مُجَرَّدُ وُجُودِ الْمَالِ؟ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَوْ مُجَرَّدُ الْقُدْرَةِ وَلَوْ بِالْبَدَنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؟ أَوْ لَا بُدَّ مِنْهُمَا كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؟ وَالْأَوَّلُونَ يُوجِبُونَ عَلَى الْمَغْصُوبِ أَنْ يَسْتَنِيبَ بِمَالِهِ بِخِلَافِ الْآخَرِينَ.
بَلْ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الشَّرْعِيَّةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَمْ يَكْتَفِ الشَّارِعُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْمِكْنَةِ وَلَوْ مَعَ الضَّرَرِ بَلْ مَتَى كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ مَعَ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ جُعِلَ كَالْعَاجِزِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ: كَالتَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ وَالصِّيَامِ فِي الْمَرَضِ وَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ " ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: لَا تزرموه - أَيْ لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ﴾ وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: - لِمُعَاذِ وَأَبِي مُوسَى حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ - يَسِّرَا وَلَا
تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا} وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ فِي الشَّرِيعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ.
فَمَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يَعْجِزُونَ عَنْهُ إذَا أَرَادُوهُ إرَادَةً جَازِمَةً فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ مِنْ الْمُفْتَرِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ قَالَ أَبُو قلابة: هَذَا لِكُلِّ مُفْتَرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
لَكِنْ مَعَ قَوْلِهِ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَهُوَ خَالِقُ الْعِبَادِ وَقُدْرَتَهُمْ وَإِرَادَتَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ فَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَإِذْنِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَقُدْرَتِهِ وَفِعْلِهِ وَقَدْ جَاءَت
ْ الْإِرَادَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى نَوْعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ - إلَى قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . وَ (الثَّانِي: الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وَقَالَ نُوحٌ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَهَذَا التَّقْسِيمُ تَقْسِيمٌ شَرِيفٌ وَهُوَ أَيْضًا وَارِدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي الْإِذْنِ وَالْأَمْرِ وَالْكَلِمَاتِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ كَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبِمَعْرِفَتِهِ تَنْدَفِعُ شُبُهَاتٌ عَظِيمَةٌ.
وَمِنْ مَوَاقِعِ الشُّبْهَةِ ومثارات الْغَلَطِ: تَنَازَعَ النَّاسُ فِي " الْقُدْرَةِ " هَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ؟ أَوْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ؟ وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ - وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا - لَا يَجِبُ أَنْ تُقَارِنَ الْفِعْلَ.
فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهُ فَمَنْ لَمْ يَحُجَّ مِنْ هَؤُلَاءِ كَانَ عَاصِيًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ اسْتِطَاعَةٌ مُقَارِنَةٌ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ عَصَى اللَّهَ مِنْ الْمَأْمُورِينَ الْمَنْهِيِّينَ وُجِدَ فِي حَقِّهِ الِاسْتِطَاعَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَأَمَّا الْمُقَارَنَةُ فَإِنَّمَا تُوجَدُ فِي حَقِّ مَنْ فَعَلَ وَالْفَاعِلُ لَا بُدَّ أَنْ يُرِيدَ الْفِعْلَ إرَادَةً جَازِمَةً وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَجَبَ وُجُودُ الْفِعْلِ.
فَمَنْ قَالَ: الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ الْمُقَارَنَةُ فَهِيَ مَجْمُوعُ مَا يُحِبُّ مِنْ الْفِعْلِ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْإِرَادَةُ وَغَيْرُهَا وَعَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ يُقَالُ: إذَا لَمْ يُرِدْ الْفِعْلَ فَلَيْسَ
بِقَادِرِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا النِّزَاعِ لَفْظِيٌّ فَمَنْ فَسَّرَ عَدَمَ الْقُدْرَةِ بِذَلِكَ ظَهَرَ مَقْصُودُهُ فَإِذَا حَقَّقَ الْأَمْرَ وَقِيلَ: هَلْ يَكُونُ الْعَبْدُ إذَا أَرَادَ مَا أُمِرَ بِهِ إرَادَةً جَازِمَةً عَاجِزًا عَنْهُ تَبَيَّنَ الْحَقُّ وَظَهَرَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ مَا أُمِرَ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا بَلْ قَادِرًا عَلَيْهِ.
وَأَنَّ مَا كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ إذَا أَرَادَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ إيَّاهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا: أَيْ مَا وَسِعَتْهُ النَّفْسُ.
وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ عَمَلَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَمِنْ نِعْمَتِهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ . وَكَذَلِكَ إضَافَةُ السَّيِّئَاتِ إلَى نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ مَوْجُودٍ: مِنْ الْأَعْيَانِ وَالصِّفَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ.
كَمَا قَالَ آدَمَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَقَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ وَقَالَ الْخَلِيلُ: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} وَقَالَ لِخَاتَمِ الرُّسُلِ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: - فِي حَقِّ مَنْ عَذَّبَهُمْ - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إلَّا أَنْ قَالُوا إنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تظالموا يَا عِبَادِي إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وَلَا أُبَالِي فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ؛ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ.
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا.
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ مَسْأَلَتَهُ؛ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ إذْ يُغْمَسُ فِيهِ الْمِخْيَطُ غمسة وَاحِدَةً.
يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ﴾ . فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ مَنْ وَجَدَ خَيْرًا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِذَلِكَ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ: إمَّا شَرًّا لَهُ عِقَابٌ وَإِمَّا عَبَثًا
لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي ظَلَمَ نَفْسَهُ وَكُلُّ حَادِثٍ فَبِقُدْرَةِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَكَذَلِكَ فِي سَيِّدِ الِاسْتِغْفَارِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ؛ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ مَنْ قَالَهَا إذَا أَصْبَحَ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ؛ وَمَنْ قَالَهَا إذَا أَمْسَى مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ﴾ . قَوْلُهُ ﴿أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ﴾ يَتَنَاوَلُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُهُ وَ ﴿أَبُوءُ بِذَنْبِي﴾ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِذَنْبِهِ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ طَرِيقَةُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمَنْ عَدَاهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: فَإِنَّ الْقِسْمَةَ رُبَاعِيَّةٌ.
قِسْمٌ يَجْعَلُونَ أَنْفُسَهُمْ هِيَ الْخَالِقَةَ الْمُحْدِثَةَ لِلْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ الدِّينِيَّةَ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْعَبْدَ إلَّا قُدْرَةً وَاحِدَةً تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ وَلَيْسَ بِيَدِ اللَّهِ هِدَايَةٌ خَصَّ بِهَا الْمُؤْمِنَ؛ أَوْ تُطْلَبُ مِنْهُ بِقَوْلِ الْعَبْدِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى هِدَايَةِ ضَالٍّ وَلَا إضْلَالِ مُهْتَدٍ؛ فَهَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةُ الْمَجُوسِيَّةُ.
وَ (قِسْمٌ يَسْلُبُونَ الْعَبْدَ اخْتِيَارَهُ وَقُدْرَتَهُ؛ وَيَجْعَلُونَهُ مَجْبُورًا عَلَى حَرَكَاتِهِ
مِنْ جِنْسِ حَرَكَاتِ الْجَمَادَاتِ؛ وَيَجْعَلُونَ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَّةَ والاضطرارية مِنْ نَمَطٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَقُولَ أَحَدُهُمْ: إنَّ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا يُطِيقُهُ؛ فَيَسْلُبُونَهُ الْقُدْرَةَ مُطْلَقًا؛ إذْ لَا يَثْبُتُونَ لَهُ إلَّا قُدْرَةً وَاحِدَةً مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ.
وَلَا يَجْعَلُونَ لِلْعَاصِي قُدْرَةً أَصْلًا.
فَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ وَأَمْثَالُهَا مِنْ " مَقَالَاتِ الْجَبْرِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ " الَّذِينَ أَنْكَرَ قَوْلَهُمْ - كَمَا أَنْكَرُوا قَوْلَ الْأَوَّلِينَ - أَئِمَّةَ الْهُدَى: مِثْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الأوزاعي وَسُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ.
فَإِنْ ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ إقَامَةَ الْعُذْرِ لِلْعُصَاةِ بِالْقَدَرِ وَقَالُوا: إنَّهُمْ مَعْذُورُونَ لِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّونَ اللَّوْمَ وَالْعَذَابَ أَوْ جَعَلُوا عُقُوبَتَهُمْ ظُلْمًا فَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ كَمَا أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ عِلْمَ اللَّهِ الْقَدِيمَ مِنْ غُلَاةِ الْقَدَرِيَّةِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَإِنْ جَعَلُوا ثُبُوتَ الْقَدَرِ مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ كَفِعْلِ المباحية فَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا؛ ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَسْتَلْزِمُ طَيَّ بِسَاطِ كُلِّ أَمْرٍ وَنَهْيٍ
وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْفَسَادَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْمُعَادِ.
وَأَمَّا (الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فَهُوَ شَرُّ الْأَقْسَامِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ وَأَنْتَ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاكَ تَمَذْهَبْتَ بِهِ - فَهَؤُلَاءِ شَرُّ أَتْبَاعِ الشَّيْطَانِ وَلَيْسَ هُوَ مَذْهَبًا لِطَائِفَةِ مَعْرُوفَةٍ وَلَكِنْ هُوَ حَالُ عَامَّةِ الْمَحْلُولِينَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إنْ فَعَلَ طَاعَةً أَخَذَ يُضِيفُهَا إلَى نَفْسِهِ وَيُعْجَبُ حَتَّى يُحْبِطَ عَمَلَهُ وَإِنْ فَعَلَ مَعْصِيَةً أَخَذَ يَعْتَذِرُ بِالْقَدَرِ وَيَحْتَجُّ بِالْقَضَاءِ وَتِلْكَ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ وَعُذْرٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
وَتَرَاهُ إذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ بِفِعْلِ الْعِبَادِ أَوْ غَيْرِهِمْ لَا يَسْتَسْلِمُ لِلْقَدَرِ وَتَرَاهُ إذَا ظَلَمَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ وَيَقُولُ: الْعَبْدُ مِسْكِينٌ لَا قَادِرٌ وَلَا مَعْذُورٌ وَيَقُولُ:
أَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ مَكْتُوفًا وَقَالَ لَهُ ... إيَّاكَ إيَّاكَ أَنْ تَبْتَلَّ بِالْمَاءِ
وَإِنْ ظَلَمَهُ غَيْرُهُ ظُلْمًا دُونَ ذَلِكَ أَوْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ ظَلَمَهُ أَحَدٌ سَعَى فِي الِانْتِقَامِ مِنْ ذَلِكَ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ وَلَا يَعْذُرُ غَيْرَهُ بِمِثْلِ مَا عَذَرَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ الْقَدَرِ وَهُمَا سَوَاءٌ فَهَذِهِ الْجُمَلُ يَجِبُ اعْتِقَادُهَا.
وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُوجِبَةِ لِإِضَافَةِ الذُّنُوبِ إلَى الْعَبْدِ مَعَ عُمُومِ الْخَلْقِ
وَفِي سَرْدِ وُقُوعِ هَذِهِ الشُّرُورِ - فِي الْقَدَرِ وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُضَفْ إلَى اللَّهِ فِي كِتَابِهِ إلَّا عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا عَلَى (طَرِيقِ الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . وَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إلَى السَّبَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ . وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ الْفَاعِلُ كَقَوْلِ الْجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ . وَالْكَلَامُ عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى لَا بُدَّ أَنْ تَتَضَمَّنَ إضَافَةَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ دَاخِلٌ فِي مَفْعُولَاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَتَحْرِيرُ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي هِيَ شَرَفُ الْأَوَّلِينَ والآخرين يَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ وَإِطْنَابٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْجَوَابِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.