كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحَكِّمُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي كُلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ وَمَنْ حَكَمَ بِحُكْمِ الْبُنْدُقِ وَشَرْعِ الْبُنْدُقِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُخَالِفُ شَرْعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَحُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ: فَهُوَ مِنْ جِنْسِ التَّتَارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ حُكْمَ " الياسق " عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَقَدْ قَدَحَ فِي عَدَالَتِهِ وَدِينِهِ وَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ النَّظَرِ فِي الْوَقْفِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَاب الشَّهَادَاتُ
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
عَنْ الرِّوَايَةِ: هَلْ كُلُّ مَنْ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا قَوْلُهُ: هَلْ كُلُّ مَنْ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
فَذًّا فِيهِ نِزَاعٌ فَإِنَّ الْعَبْدَ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: فَمَذْهَبُ عَلِيٍّ وَأَنَسٍ وشريح تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَالْمَرْأَةُ تُقْبَلُ رِوَايَتُهَا مُطْلَقًا وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِي الْجُمْلَةِ لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهَا إلَى الشَّاهِدِ؛ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ؛ فَإِنَّ الرِّوَايَةَ يَتَعَدَّى حُكْمُهَا فَإِنَّ الرَّاوِيَ رَوَى حُكْمًا يَشْتَرِكُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ؛ فَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الرِّوَايَةِ عَدَدٌ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ.
وَهَذَا مِمَّا فَرَّقُوا بِهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ مَدِينٍ كَتَبَ مَحْضَرًا بِإِعْسَارِهِ وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ عَمَّا لَزِمَهُ مِنْ الدِّينِ وَلَمْ يُعَيَّنْ مِقْدَارُهُ: هَلْ يَكْفِي هَذَا؟ وَلَوْ عَيَّنَهُ الشَّاهِدُ: هَلْ يَفْتَقِرُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا شَيْءَ مِنْهُ؟ وَلَوْ قَالَ: فَهَلْ الثَّلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ أَوْ الدِّرْهَمُ وَالنِّصْفُ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْإِعْسَارِ فَإِذَا شَهِدُوا أَنَّهُ مُعْسِرٌ عَمَّا لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ وَعَرَفُوا قَدْرَهُ: صَحَّتْ الشَّهَادَةُ لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ قُدْرَتَهُ عَلَى وَفَاءِ بَعْضِهِ.
وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَهُ إذَا شَهِدُوا بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَاءِ شَيْءٍ لَكِنَّ الْعِلْمَ بِهَذَا مُتَعَذِّرٌ فِي الْغَالِبِ وَلَكِنْ إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَنْ مُعَاوَضَةٍ - كَثَمَنِ بَيْعٍ وَبَدَلِ قَرْضٍ - وَكَانَ لَهُ مَالٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَهَابِ مَالِهِ: صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ.
وَفِي مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ عَاجِزٌ عَنْ وَفَاءِ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ إنَّ ادَّعَى الْعَجْزَ عَنْ وَفَاءِ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا كَذَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِعُسْرَتِهِ ثَلَاثَةً إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ؛ لِلْخَبَرِ الْمَأْثُورِ فِي ذَلِكَ؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَتْ
بِتَلَفِ مَالِهِ بِسَبَبِ ظَاهِرٍ.
وَالْحَدِيثُ حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ مخارق الْهِلَالِيِّ؛ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثَةِ: رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ؛ أَوْ قَالَ: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ.
وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الحجى مِنْ قَوْمِهِ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ أَصَابَ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ؛ أَوْ قَالَ: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ ثُمَّ يُمْسِكُ.
وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ.
فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ فَسُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا﴾ .
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَمَّنْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ: أَنَّ وَارِثِي هَذَا لَمْ يَرِثْنِي غَيْرُهُ: فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ وَلِمَنْ يَكُونُ الْإِرْثُ بَعْدَهُ؟
فَأَجَابَ:
هَذِهِ الشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ بَلْ إنْ كَانَ وَارِثًا فِي الشَّرْعِ وَرِثَهُ شَاءَ أَمْ أَبَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا فِي الشَّرْعِ لَمْ يَرِثْ.
وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ وَلَا يُغَيِّرَ دِينَ اللَّهِ؛ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَرْهًا كَانَ فَاسِقًا مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ قَطَعَ مِيرَاثًا قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنْ الْجَنَّةِ﴾
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ؟ أَمْ لَا؟
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ: إنْ كَانَ الشَّاهِدُ ذَا عَدْلٍ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ لَكِنَّ فِي تَحْلِيفِهِ نِزَاعٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ يَحْلِفُ فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الضَّرَّةِ؟
فَأَجَابَ:
لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الضَّرَّةِ فِيمَا يُبْطِلُ نِكَاحَ ضَرَّتِهَا؛ لَا بِرِضَاعِ وَلَا غَيْرِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَاصِي وَالْمُبْتَدِعِ: هَلْ تَجُوزُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالشُّهْرَةِ؟ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ السَّمَاعِ وَالْمُعَايَنَةِ؟ وَإِذَا كَانَتْ الِاسْتِفَاضَةُ فِي ذَلِكَ كَافِيَةً فَمَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ
الْأَئِمَّةِ؟ وَمَا وَجْهُ حُجِّيَّتِهِ؟ وَالدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ وَالْمُرَجِّحُ لَهَا؛ هَلْ يَجُوزُ السَّتْرُ عَلَيْهِ؟ أَمْ تَتَأَكَّدُ الشَّهَادَةُ لِيُحَذِّرَهُ النَّاسُ؟ وَمَا حَدُّ الْبِدْعَةِ الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؟
فَأَجَابَ:
مَا يُجْرَحُ بِهِ الشَّاهِدُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ وَدِينِهِ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ بِهِ إذَا عَلِمَهُ الشَّاهِدُ بِهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا شَرْعِيًّا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ طَوَائِفُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي كُتُبِهِمْ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ صَرَّحُوا فِيمَا إذَا جُرِحَ الرَّجُلُ جَرْحًا مُفْسِدًا أَنَّهُ يَجْرَحُهُ الْجَارِحُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ رَآهُ وَاسْتَفَاضَ.
وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا نِزَاعًا بَيْنَ النَّاسِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ يَشْهَدُونَ فِي وَقْتِنَا فِي مِثْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالدِّينِ بِمَا لَمْ يَعْلَمُوهُ إلَّا بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَيَشْهَدُونَ فِي مِثْلِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَعَمْرُو بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْلَانَ الْقَدَرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَإِ الرافضي وَنَحْوِهِمْ مِنْ الظُّلْمِ وَالْبِدْعَةِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ إلَّا بِالِاسْتِفَاضَةِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا؛ فَقَالَ: وَجَبَتْ وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَوْلُك: وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ.
أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ﴾ . هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَفْسِيقَهُ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ وَوِلَايَتِهِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّحْذِيرَ مِنْهُ وَاتِّقَاءَ شَرِّهِ فَيُكْتَفَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَخْدَانِهِمْ؛ وَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الْأَحْدَاثُ فَنَهَى عَنْ مُجَالَسَتِهِ.
فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُخَالِطًا فِي السَّيْرِ لِأَهْلِ الشَّرِّ يُحَذَّرُ عَنْهُ.
و " الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ " مُسْتَحِقٌّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَعُقُوبَتُهُ تَكُونُ تَارَةً بِالْقَتْلِ وَتَارَةً بِمَا دُونَهُ كَمَا قَتَلَ السَّلَفُ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ وَالْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ وَغَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ وَغَيْرَهُمْ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ أَوْ لَا يُمْكِنُ عُقُوبَتُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ بِدْعَتِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا فَإِنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
و " الْبِدْعَةُ " الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ وَيُوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ وَغَيْرَهُمَا قَالُوا: أُصُولُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً هِيَ أَرْبَعٌ: الْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: فالْجَهْمِيَّة؟ قَالَ: لَيْسَتْ الْجَهْمِيَّة مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
و " الْجَهْمِيَّة " نفاة الصِّفَاتِ؛ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَإِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إلَى اللَّهِ وَإِنَّ اللَّهَ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا حَيَاةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ والمتفلسفة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: هُمَا صِنْفَانِ فَاحْذَرْهُمَا: الْجَهْمِيَّة وَالرَّافِضَةُ.
فَهَذَانِ الصِّنْفَانِ شِرَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَمِنْهُمْ دَخَلَتْ الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ كالْنُصَيْرِيَّة والْإِسْمَاعِيلِيَّة وَمِنْهُمْ اتَّصَلَتْ الِاتِّحَادِيَّةُ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْ جِنْسِ الطَّائِفَةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ.
و " الرَّافِضَةُ " فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مَعَ الرَّفْضِ جهمية قَدَرِيَّةٌ؛ فَإِنَّهُمْ ضَمُّوا إلَى الرَّفْضِ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ ثُمَّ قَدْ يَخْرُجُونَ إلَى مَذْهَبِ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَنَحْوٍ مِنْ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالِاتِّحَادِ.
وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ شُهُودٍ شَهِدُوا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَمَّا شَخَصَ قَالُوا: غَلِطْنَا وَرَجَعُوا: فَهَلْ يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ؟
فَأَجَابَ:
نَعَمْ، إذَا رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ غَلِطَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَلَا عَدَالَتِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ الْقِسْمَةُ
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ فَامْتَنَعَ شَرِيكُهُ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ: فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إنْ كَانَتْ تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِحَيْثُ لَا تَنْقُصُ فِي الْبَيْعِ أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ؛ وَإِلَّا كَانَ لِطَالِبِ الْقِسْمَةِ أَنْ يَطْلُبَ الْبَيْعَ قَدْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا الثَّمَنُ.
وَالْإِجْبَارُ عَلَى الْقِسْمَةِ الْمَذْكُورَةِ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَالْإِجْبَارُ عَلَى الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَد.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَشَرَةُ أَسْهُمٍ مِنْ أَصْلِ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا فِي بُسْتَانٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إنْسَانٍ مُخْتَلِّ الْعَقْلِ وَالْحَاكِمُ يَحْجُرُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ: فَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْسِمَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَيَلْزَمُ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى الْعِمَارَةِ؟
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ وَطَلَبَ الشَّرِيكُ الْقَسْمَ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ إجَابَتُهُ وَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ الْآخَرُ رَشِيدًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ تَحْتَ الْحَجْرِ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ غَيْرَ قِسْمَةِ الْإِجْبَارِ وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُقَاسِمَ عَنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً.
وَإِذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ: إمَّا الْقِسْمَةَ وَإِمَّا الْعِمَارَةَ: فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُجِيبَهُ إلَى أَحَدِهِمَا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ ثَلَاثَةِ شُرَكَاءَ فِي طَاحُونٍ وَلِأَحَدِهِمْ السُّدْسُ وَهُوَ فَقِيرُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يَقْتَاتُ بِهِ سِوَى أُجْرَةِ السُّدْسِ الْمُخْتَصِّ بِهِ وَقَدْ مَنَعُوهُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ إلَّا فِي كُلِّ سِتَّةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَقَدْ طَلَبَ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ بِقِسْطِهِ لِيَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى قُوتِهِ فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ بِاقْتِدَارِهِمْ عَلَى الْمَالِ وَالْجَاهِ عَلَيْهِ: فَمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ أَنْ يُؤَجِّرُوا الْعَيْنَ وَيُقَسِّمُوا الْأُجْرَةَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ أَوْ يهايئوه فَيَقْتَسِمُوا الْمَنْفَعَةَ: وَجَبَ عَلَى الشُّرَكَاءِ أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؛ فَإِنْ أَجَابُوهُ إلَى الْمُهَايَأَةِ وَطَلَبُوا تَطْوِيلَ الدَّوْرِ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ نَصِيبَهُ وَطَلَبَ هُوَ تَقْصِيرَ الدَّوْرِ وَجَبَتْ إجَابَتُهُ دُونَهُمْ؛ فَإِنَّ الْمُهَايَأَةَ بِالزَّمَانِ فِيهَا تَأْخِيرُ حُقُوقِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ عَنْ بَعْضٍ فَكُلَّمَا كَانَ الِاسْتِيفَاءُ أَقْرَبَ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ اسْتِيفَاءِ الشُّرَكَاءِ جَمِيعِهِمْ حُقُوقَهُمْ وَالتَّأْخِيرُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ فَكُلَّمَا قَلَّ زَمَنُ التَّأَخُّرِ كَانَ أَوْلَى؛ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعَ التَّأْخِيرِ لَا يُمْكِنُ الشَّرِيكَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ إلَّا بِضَرَرِ مِثْلَ إعْدَادِ بَهَائِمَ لِيَوْمِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا فِي الْأُسْبُوعِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُوَافَقَتُهُمْ عَلَى مَا فِيهِ ضَرَرُهُ مَعَ إمْكَانِ التَّعْدِيلِ بَيْنَهُمْ بِلَا ضَرَرٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ قِسْمَةِ اللَّحْمِ بِلَا مِيزَانٍ؟ وَقِسْمَةِ التِّينِ وَالْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ عَدَدًا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا قِسْمَةُ اللَّحْمِ بِالْقِيمَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ بَيْنَ الْأَنْصِبَاءِ؛ لَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاسِمُ أَهْلَ خَيْبَرَ خَرْصًا فَيَخْرُصُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مَا عَلَى النَّخْلِ فَيُقَسِّمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ خَرْصًا وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَنْحَرُونَ الْجُزُرَ وَيُقَسِّمُونَهَا بَيْنَهُمْ بِلَا مِيزَانٍ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ جَمِيعُ هَذَا الْبَابِ يَجُوزُ قِسْمَةُ التِّينِ وَالْعِنَبِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الرُّمَّانِ عَدَدًا وَكَذَلِكَ الْبِطِّيخُ وَالْخِيَارُ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَعْدُودَاتِ كُلِّهَا أَنَّهَا تُقَسَّمُ بِالْقِيمَةِ؛ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ بَيْعًا؛ لَكِنَّ تَعْدِيلَ الْأَجْزَاءِ مُعْتَبَرٌ فِيهِ الْخِبْرَةُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُعَدَّلَ الْأَنْصَابُ [بـ] 1 مَا يُمْكِنُ إمَّا مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا بِالْخَرْصِ وَالتَّقْوِيمِ؛ لَيْسَ هَذَا مِثْلَ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ الْمَالِ وَيَجُوزُ قِسْمَةُ التَّمْرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
هَلْ يَجُوزُ قِسْمَةُ اللَّحْمِ بِلَا مِيزَانٍ؟ وَقِسْمَةُ التِّينِ وَالْعِنَبِ وَالرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ عَدَدًا؟
فَأَجَابَ:
تَجُوزُ قِسْمَةُ الْأَمْوَالِ الرَّطْبَةِ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَالْمَقْصُودُ بِالْقِسْمَةِ أَنْ يَكُونَ بِالْعَدْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ التَّعْدِيلُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ كَانَ التَّعْدِيلُ يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ مِنْ الْخَرْصِ وَالتَّقْوِيمِ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْفَاكِهَةَ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ يَدًا بِيَدِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ بَيْعِهَا نَسِيئَةً وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ نَسِيئَةً وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا: هَلْ هُوَ التَّمَاثُلُ وَالْقُوتُ؟ وَالطَّعَامُ مُمَاثِلُ الطَّعْمِ؟ فَمَنْ قَالَ: هِيَ التَّمَاثُلُ وَالْقُوتُ وَالتَّمَاثُلُ مَعَ الطَّعْمِ جَوَّزَ ذَلِكَ وَمَنْ قَالَ: هِيَ الطَّعْمُ وَحْدَهُ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ الْإِقْرَارُ
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ رَجُلٍ أَقَرَّ أَنَّ جَمِيعَ الْحَانُوتِ الْمَعْرُوفَةِ بِسَكَنِ الْمُقِرِّ وَمَا فِيهَا مِنْ الْأَعْيَانِ وَقْفٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَسْجِدٍ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ ثُمَّ لَمْ تَتَمَكَّنْ الْبَيِّنَةُ مِنْ وَزْنِ تِلْكَ الْأَعْيَانِ حَتَّى مَاتَ الْوَاقِفُ وَبَعْضُ الْبَيِّنَةِ لَا تَعْرِفُ تِلْكَ الْأَعْيَانَ الْمُقَرِّ بِهَا: هِيَ هَذِهِ الْأَعْيَانُ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ؟ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا اعْتِمَادًا عَلَى إقْرَارِ الْمُقِرِّ وبالاستفاضة مِنْ تِلْكَ الْعَدْلَيْنِ؟
فَأَجَابَ:
الشَّاهِدُ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ كَلَامِ الْمُقِرِّ وَالْإِقْرَارُ يَصِحُّ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ وَالْمُتَمَيِّزِ وَغَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ.
وَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِتَعْيِينِ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ جَازَ ذَلِكَ وَعُمِلَ بِمُوجِبِ شَهَادَتِهِمْ؛ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمُقِرُّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عِنْدِي كَذَا وَأَنَّ دَارِي الْفُلَانِيَّةَ أَوْ الْمَحْدُودَةَ بِكَذَا لِفُلَانِ ثُمَّ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ هُوَ الْمُسَمَّى وَالْمَوْصُوفُ أَوْ الْمَحْدُودُ فَإِنَّ هَذَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الْمُعَرَّفِ: هَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا؟ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد.
و " الثَّانِي " قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ شَخْصَيْنِ تَبَارَيَا وَأَشْهَدَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْآخَرِ مُطَالَبَةً وَلَا دَعْوَى بِسَبَبِ دِينَارٍ وَلَا دِرْهَمٍ؛ وَلَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ بِمَسْطُورِ شَرْعِيٍّ بِدَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ فَاسْتَثْنَاهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ حَالَةَ الْإِبْرَاءِ؛ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ مِنْ الْمَسْطُورِ الْمَذْكُورِ وَلَا ذَكَرَهُ فِي الْمُبَارَاةِ فَطَلَبَ رَبَّ الدَّيْنِ بِالْمَسْطُورِ فَقَالَ لَهُ خَصْمُهُ: أَلَيْسَ تَبَارَيْنَا؟ فَقَالَ: أَبْرَأْتُك إلَّا مِنْ هَذَا الْمَسْطُورِ: فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ الشَّرْعِيَّةُ بِالْمَسْطُورِ الْمَذْكُورِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ وَأَنَّ الْغَرِيمَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ وَطَلَبَ يَمِينَهُ أَنَّهُ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ.
فَلَهُ ذَلِكَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ ابْنَ عَمٍّ وَزَوْجَةً طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَمَسَكَ وَكِيلُ الزَّوْجَةِ ابْنَ عَمِّ الْمَيِّتِ وَطَلَبَ مِنْهُ إرْثَ الزَّوْجَةِ الَّذِي لَهَا فَأَقَرَّ أَنَّهَا وَارِثَةٌ وَأَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَا خَصَّهُ مِنْ الْمِيرَاثِ مَعَ عِلْمِهِ بِالِاخْتِلَافِ وَإِبْرَاءِ ابْنِ الْعَمِّ الزَّوْجَةَ وَأَبَاهَا وَوَكِيلَهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْضَرَ بَيِّنَةً عِنْدَ حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ شَهِدُوا أَنَّ الْمَيِّتَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَحَكَمَ بِهِ وَقَالَ: مَا تَرِثُ عِنْدِي وَطَلَبَ اسْتِعَادَةَ مَا أُخِذَ مِنْهُ: فَهَلْ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ مَعَ كَوْنِهِ أَقَرَّ أَنَّهَا وَارِثَةٌ وَمَعَ الْإِبْرَاءِ لَهُمْ مِمَّا قَبَضُوهُ؛ أَمْ لَا؟ وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِمَا أَقَرَّ بِهِ فَهَلْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي دَعْوَى الْجَهْلِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِقْبَاضِ وَالْإِبْرَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِالِاخْتِلَافِ أَنَّ يَدَّعِيَ بِمَا يُنَاقِضُ إقْرَارَهُ وَإِبْرَاءَهُ وَلَا يَسُوغُ الْحُكْمُ لَهُ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْجَهْلُ بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالِاخْتِلَافِ فَكَذِبٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ امْرَأَةٍ كَانَتْ مُزَوَّجَةً بِرَجُلِ جُنْدِيٍّ وَرُزِقَتْ مِنْهُ وَلَدَيْنِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَمَاتَ الْوَلَدُ الذَّكَرُ وَأَنَّ الزَّوْجَ الْمَذْكُورَ طَلَّقَهَا وَأَخَذَتْ الْبِنْتَ
بِكَفَالَتِهَا مِنْ مُدَّةٍ تَزِيدُ عَنْ ثَمَانِ سِنِينَ وَقَدْ حَصَلَ الْآنَ مَرَضٌ شَدِيدٌ وَأَحْضَرَ شُهُودًا وَكَتَبَ لِزَوْجَتِهِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَأُخْتُهَا مُطَلَّقَةٌ كَتَبَ لَهُمَا الصَّدَاقَ وَكَانَتْ قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ وَهِيَ فِي الشَّامِ مِنْ حِينِ طَلَّقَهَا وَكَتَبَ لِأُمِّهِمْ خَمْسَمِائَةٍ وَمَنَعَنِي حَقِّي وَالْبِنْتُ الَّتِي لَهُ مِنِّي حَقُّهَا مِنْ الْوِرَاثَةِ وَمِنْ حِينِ رُزِقَتْ الْأَوْلَادَ مَا سَاوَاهُمْ بِشَيْءِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَقَدْ أَعْطَى رِزْقَهُ لَهَا؟
فَأَجَابَ:
إقْرَارُهُ لِزَوْجَتِهِ لَا يَصِحُّ لَا سِيَّمَا أَنْ يَجْعَلَهُ وَصِيَّةً فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَا تَلْزَمُ بِدُونِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَا سِيَّمَا مَعَ التُّهْمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.
وَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي أَبْرَأَتْهُ صَاحِبَتُهُ لَا يَجُوزُ؛ فَإِذَا كَانَتْ قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ الصَّدَاقِ ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِهِ لَمْ يَجُزْ هَذَا الْإِقْرَارُ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ كَذِبٌ وَلَوْ جَعَلَ ذَلِكَ تَمْلِيكًا لَهَا بَدَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ التَّمْلِيكُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.
وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ الْبِنْتِ حَقَّهَا مِنْ الْإِرْثِ وَلَا يَمْنَعُ الْمُطَلَّقَةَ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿مَنْ قَطَعَ مِيرَاثًا قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنْ الْجَنَّةِ﴾ . وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنْ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ سِتِّينَ سَنَةً بِطَاعَةِ اللَّهِ؛ ثُمَّ يَجُورُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِسُوءِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ سِتِّينَ سَنَةً بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ﴾ ثُمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَخْصٍ شَرِكَةٌ فَقَوِيَ شَرِيكُهُ فَمَسَكَهُ وَأَهَانَهُ؛ وَكَتَبَ عَلَيْهِ حُجَّةً أَنَّ الْغَنَمَ لَهُ دُونَ الشَّرِكَةِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا أَكْرَهَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَأَقَرَّ كَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا وَإِشْهَادُهُ عَلَى الْإِقْرَارِ لَا يَنْفَعُهُ؛ بَلْ يُوجِبُ عُقُوبَةَ الظَّالِمِ الْمُعْتَدِي الَّذِي اعْتَدَى عَلَى هَذَا الْمَظْلُومِ بِالْإِكْرَاهِ؛ وَتَجِبُ إعَانَةُ الْمَظْلُومِ وَرَدُّ الْمَالِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَإِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ أَوْلَادًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ أَشِقَّاءَ.
ذَكَرٌ وَاحِدٌ وَثَلَاثُ بَنَاتٍ وَوَلَدٌ وَاحِدٌ أَخُوهُمْ مِنْ أُمِّهِمْ الْجُمْلَةُ خَمْسَةٌ وَزَوْجٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ وَأَنَّهَا أَقَرَّتْ فِي مَرَضِهَا الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ لِأَوْلَادِهَا الْأَشِقَّاءِ بِأَنَّ لَهُمْ فِي ذِمَّتِهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقَصَدَتْ بِذَلِكَ إحْرَامَ وَلَدِهَا وَزَوْجِهَا مِنْ الْإِرْثِ.
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَتْ كَاذِبَةً فِي هَذَا الْإِقْرَارِ فَهِيَ عَاصِيَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ هِيَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الدَّاخِلَةِ فِي الْوَعِيدِ فَإِنَّ الْجَوْرَ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ الْكَبَائِرِ ﴿وَمَنْ قَطَعَ مِيرَاثًا قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنْ الْجَنَّةِ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ سِتِّينَ سَنَةً بِطَاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ يَجُورُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِسُوءِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ سِتِّينَ سَنَةً بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ } . وَمَنْ أَعَانَهَا عَلَى هَذَا الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ فَهُوَ شَرِيكُهَا فِيهِ مِنْ كَاتِبٍ وَمُشِيرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مُتَعَاوِنُونَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وَمَنْ لَقَّنَهَا الْإِقْرَارَ الْكَذِبَ مِنْ الشُّهُودِ فَهُوَ فَاسِقٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَهِيَ مُحْسِنَةٌ فِي ذَلِكَ مُطِيعَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَمَنْ أَعَانَهَا عَلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يَقْبَلُونَ هَذَا الْإِقْرَارَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ ظَاهِرَةٌ وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَتْ بِمَالِ الْمَيِّتِ بِالْمَرَضِ فَصَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي حَقِّهِمْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ لِأَحَدِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ.
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقْبَلُ الْإِقْرَارَ كَالشَّافِعِيِّ؛ بِنَاءً عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَأَنَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا يَكْذِبُ وَلَا يَظْلِمُ: وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَنَحْوِهَا أَنْ يُعَاوِنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى لَا يُعَاوِنُونَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.
وَيَنْبَغِي الْكَشْفُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.
فَإِنْ وَجَدَ شَوَاهِدَ خِلَافَ هَذَا الْإِقْرَارِ عَمِلَ بِهِ وَإِنْ ظَهَرَ شَوَاهِدُ كَذِبِهِ أَبْطَلَ.
فَشَوَاهِدُ الصِّدْقِ مِثْلُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ كَانَ لأب هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَالٌ نَحْوَ هَذَا الْمُقَرِّ بِهِ.
وَشَوَاهِدُ الْكَذِبِ بَيِّنَاتٌ يُعْلَمُ مِنْ بَعْضِهَا أَنَّهَا تُرِيدُ حِرْمَانَ ابْنِهَا وَزَوْجِهَا مِنْ الْمِيرَاثِ؛ فَإِنْ ظَهَرَ شَوَاهِدُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ تَرَجَّحَ ذَلِكَ الْجَانِبُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَةً فَعَوَّضَا الْمَرْأَةَ مَا يَخُصُّهَا مِنْ مِيرَاثِ وَالِدِهَا وَأَبْرَأَتْ إخْوَتَهَا الْبَرَاءَةَ الشَّرْعِيَّةَ بِالْعُدُولِ عَمَّا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى سِتِّينَ سَنَةً وَهِيَ مُقِيمَةٌ مَعَهُمْ بِالنَّاحِيَةِ؛ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَعَهُمْ تَعَلُّقٌ بِطُولِ هَذِهِ الْمُدَّةِ؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ إخْوَتُهَا وَتَحَقَّقَتْ الْمَرْأَةُ مَوْتَ الْعُدُولِ أَنْكَرَتْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهَا وَادَّعَتْ عَلَى وَارِثِ إخْوَتِهَا مَا يَخُصُّهَا مِنْ مِيرَاثِ وَالِدِهَا بَاقٍ مَعَ إخْوَتِهَا وَأَثْبَتَ لَهَا الْحَاكِمُ مَا ادَّعَتْهُ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا بِالْبَرَاءَةِ بِطَرِيقِهَا: فَهَلْ يَنْدَفِعُ مَا أَثْبَتَ لَهَا الْحَاكِمُ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى إقْرَارِهَا
بِالْقَبْضِ وَالْإِبْرَاءِ الشَّرْعِيِّ كَانَتْ دَعْوَى وَرَثَتِهَا بَاطِلَةً وَلَوْ أَقَامُوا بَيِّنَةً وَأَثْبَتُوا ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ كانت بَيِّنَةُ الْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ وَالْإِبْرَاءِ مُقَدَّمَةً؛ لِأَنَّ مَعَهَا مَزِيدَ عِلْمٍ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَدَّعِيَ أَنَّهَا أَقَرَّتْ مُكْرَهَةً أَوْ حَيَاءً أَوْ أَقَرَّتْ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ الْمُقَرُّ بِهِ فَلَهَا تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ بَاطِنَ الْإِقْرَارِ كَظَاهِرِهِ أَوْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ وَإِذَا كَانَ شُهُودُ الْإِبْرَاءِ قَدْ مَاتُوا وَخُطُوطُهُمْ مَعْرُوفَةٌ شَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ خُطُوطَهُمْ وَحَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَى مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعَ أَنَّ دَعْوَاهَا بِحَقِّهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ يَعُوقُ لَا يُقْبَلُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ ابْنَتَانِ إحْدَاهُمَا مُزَوَّجَةٌ وَالْأُخْرَى عَزْبَاءُ وَكَانَ كَتَبَ لِلْمُتَزَوِّجَةِ ثَلَاثَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَالْعَزْبَاءِ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَدْ تُوُفِّيَتْ الْمُزَوَّجَةُ وَخَلَّفَتْ وَلَدًا ذَكَرًا وَزَوْجًا وَقَدْ طَلَبَ الْوَلَدُ وَالزَّوْجُ الْمَكْتُوبَ مِنْ وَالِدِهَا: فَهَلْ يَرِثُونَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ لَهُمْ مُطَالَبَةُ الْوَلَدِ وَالْوَالِدُ يَدَّعِي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ وَكَتَبَ هَذَا الْمَكْتُوبَ خَشْيَةَ أَنْ تَدْخُلَ يَدُ الْغَيْرِ فِي مُوجِدِهِ وَالْوَلَدُ يَعِشُ؟
فَأَجَابَ: إذَا أَقَرَّ لِهَذِهِ وَلِهَذِهِ بِمَالِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ مَالٌ لَمْ يَصِرْ لَهَا عَلَيْهِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ شَيْءٌ؛ وَكَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ كَذِبًا بَاطِلًا وَلَوْ جَعَلَ لَهَا فِي ذِمَّتِهِ عَطِيَّةً لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا وَاجِبًا بَلْ يُنْهَى عَنْ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْعَدْلُ بَيْنَهُمْ وَاجِبٌ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَلَا يَسْتَحِقُّ وَرَثَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ مَلَكَهَا فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَجَوَازِ أَمْرِهِ وَسَلَامَةٍ أَنَّ جَمِيعَ مَا حَوَى مَسْكَنَهُمْ الَّذِي هُمْ فِيهِ مِنْ نُحَاسٍ وَقُمَاشٍ وَصَنَادِيقَ وَمَصَاغٍ وَفَرْشٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ لُبْسِهِ وَدَوَابِّهِ وَعُدَّةِ خَيْلِهِ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ الْمَذْكُورَةِ لَا حَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ مِنْهُ وَأَنَّ يَدَهَا عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ مُتَصَرِّفَةٌ لَا يَدَ لَهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَقَرَّ لَهَا بِذَلِكَ وَكَتَبَ كِتَابَ إقْرَارٍ شَرْعِيٍّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ: هَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ؛ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ شَيْخُنَا وَسَيِّدُنَا تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا أَقَرَّ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي بَيْتِهِ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ إلَّا السِّلَاحَ وَالدَّوَابَّ وَآلَةَ الْخَيْلِ كَانَ هَذَا إقْرَارًا صَحِيحًا يُعْمَلُ بِمُوجَبِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ أَنَّهُ مُلِّكَ لِزَوْجَتِهِ تَمَلُّكًا شَرْعِيًّا لَازِمًا كَانَ الْإِقْرَارُ صَحِيحًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ أَقَرَّ لِرَجُلِ بِمَسْطُورِ بِدَرَاهِمَ؛ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ حَضَرَ الْمُقَرُّ لَهُ إلَى عِنْدِ شُهُودِ الْمَسْطُورِ وَقَالَ: إنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فَاسِدٌ وَأَنَا مَا لِي عِنْدَهُ إلَّا ذَهَبٌ لِبِنْتِي: فَهَلْ يَكُونُ هَذَا الْإِقْرَارُ بَاطِلًا؟ وَهَلْ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمَسْطُورِ بَعْدَ سَمَاعِهِ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ مَا ذُكِرَ؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا الشَّاهِدُ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَ مِنْ الْمُقِرِّ؛ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ أَوْ كَذَّبَهُ؛ وَلَكِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ فَإِنْ فُسِّرَ كَلَامُهُ بِمَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كَانَ لِي عِنْدَهُ ذَهَبٌ فَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنْ يُقِرَّ بَدَلَهُ بِفِضَّةِ وَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ عُمِلَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقِرُّ حَلَفَ الْمُقِرُّ عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ الْمُقَرُّ لَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ -:
عَنْ رَجُلٍ صَانِعٍ عَمِلَ عِنْدَ مُعَلِّمٍ صَنْعَةً مُدَّةَ سِنِينَ وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ: حَاسِبْنِي؛ قَامَ الْمُعَلِّمُ ضَرَبَهُ وَكَتَبَ عَلَيْهِ حُجَّةً وَأَخَافَهُ بِالْوِلَايَةِ فَهَلْ لَهُ فِي الْمَسْطُورِ حَقٌّ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَتَبَ عَلَيْهِ حُجَّةً أَقَرَّ بِهَا وَهُوَ مُكْرَهٌ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ وَلَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ بِمَا فِيهَا؛ وَعَلَى مُعَلِّمِهِ أَنْ يُحَاسِبَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
آخر المُجَلَّدِ الْخَامِسِ وَالْثَّلَاثِينَ