مجموع الفتاوىصفحات 405-444

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 405-444
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ﴿بَكِّرُوا فِي الْغُدُوِّ فِي الدُّنْيَا إلَى الْجُمُعَاتِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ كَافُورٍ أَبْيَضَ فَيَكُونُ النَّاسُ مِنْهُ فِي الدُّنُوِّ كَغُدُوِّهِمْ فِي الدُّنْيَا إلَى الْجُمُعَةِ﴾ . وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ أَمْرٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا نَبِيٌّ أَوْ مَنْ أَخَذَهُ عَنْ نَبِيٍّ فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَخَذَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِوُجُوهِ: (أَحَدُهَا) : أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ نُهُوا عَنْ تَصْدِيقِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا يُخْبِرُونَهُمْ بِهِ: فَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يُحَدِّثَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الْيَهُودُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ وَيَبْنِيَ عَلَيْهِ حُكْمًا.
(الثَّانِي) : أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خُصُوصًا كَانَ مِنْ أَشَدِّ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إنْكَارًا لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
(الثَّالِثُ) : أَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا لَنَا وَالتَّبْكِيرُ فِيهَا لَيْسَ إلَّا فِي شَرِيعَتِنَا فَيَبْعُدُ مِثْلُ أَخْذِ هَذَا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَيَبْعُدُ أَنَّ الْيَهُودِيَّ يُحَدِّثُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَهُمْ الْمَوْصُوفُونَ بِكِتْمَانِ الْعِلْمِ وَالْبُخْلِ بِهِ وَحَسَدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ {عَلْقَمَةَ قَالَ: خَرَجْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إلَى الْجُمُعَةِ فَوَجَدَ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ فَقَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يَقُولُ: إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنْ اللَّهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ ثُمَّ قَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدِ} . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ وَقَدْ ذَكَرُوا هَذَا الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِي قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: السَّابِقُونَ فِي الدُّنْيَا إلَى الْجُمُعَاتِ هُمْ السَّابِقُونَ فِي يَوْمِ الْمَزِيدِ فِي الْآخِرَةِ أَوْ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْضُرْنِي لَفْظُهُ وَتَأْيِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: ﴿نَحْنُ الآخرون السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ قَبْلَنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ: الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَد﴾ فَإِنَّهُ جُعِلَ سَبْقُنَا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ لِأَجْلِ أَنَّا أُوتِينَا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهُدِينَا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ حَتَّى صِرْنَا سَابِقِينَ لَهُمْ إلَى التَّعْبِيدِ فَكَمَا سَبَقْنَاهُمْ إلَى التَّعْبِيدِ فِي الدُّنْيَا نَسْبِقُهُمْ إلَى كَرَامَتِهِ فِي الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا " حَدِيثُ أَنَسٍ " - وَهُوَ أَشْهَرُ الْأَحَادِيثِ - فِيمَا يَكُونُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ زِيَارَةِ اللَّهِ وَرُؤْيَتِهِ وَإِتْيَانِ سُوقِ الْجَنَّةِ فَأَصَحُّ حَدِيثٍ عَنْهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُوا فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاَللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاَللَّهِ لَقَدْ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا﴾ .

فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُمْ يَأْتُونَ السُّوقَ وَفِيهِ يَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا وَأَنَّ أَهْلِيهِمْ ازْدَادُوا أَيْضًا فِي غَيْبَتِهِمْ عَنْهُمْ حُسْنًا وَجَمَالًا وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَأْتُوا سُوقَ الْجَنَّةِ.
وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ بَعْضِ الْحَدِيثِ عَلَى بَعْضٍ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ؛ بَلْ يُجْعَلُ نَوْعَ تَعَارُضٍ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُقَاوِمُ حَدِيثَ أَنَسٍ هَذَا فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ دُونَ الْجَمِيعِ؛ بَلْ قَدْ يُقَالُ: لَوْ كَانَتْ رُؤْيَةُ اللَّهِ خَاصَّةً وَأَنَّ زِيَادَةَ الْوُجُوهِ حُسْنًا وَجَمَالًا كَانَ عَنْهَا لَأَخْبَرَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ قَدْ يُقَالُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ زِيَادَةَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ إنَّمَا كَانَ مِنْ الرِّيحِ الَّتِي تَهُبُّ فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: مَا فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ مِنْ الزِّيَادَاتِ لَا يُنَافِي هَذَا - وَإِنْ كَانَ هَذَا أَصَحَّ - فَإِنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّنَافِي وَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ بِشَيْءِ وَأَخْبَرَ فِي الْآخَرِ بِزِيَادَةِ أُخْرَى لَا تُنَافِيهَا كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِمَنْزِلَةِ خَبَرٍ مُسْتَقِلٍّ فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي النَّصِّ هَلْ هِيَ نَسْخٌ؟ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي " الْأَحْكَامِ " الَّتِي هِيَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْإِبَاحَةُ وَتَوَابِعُهَا: مِثْلُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ﴾ وَقَالَ لِآخَرَ: ﴿عَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ﴾ فَهُنَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ نَسْخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ؟ مَعَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَسْخِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ.

وَأَمَّا زِيَادَةُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي " الْأَخْبَارِ الْمَحْضَةِ " فَهَذَا مِمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ وَأَنَّهُ لَا تُرَدُّ الزِّيَادَةُ إذَا لَمْ تُنَافِ الْمَزِيدَ؛ فَإِنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا عَاقِلًا أَوْ عَالِمًا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مُنَافَاةٌ؛ فَفُرِّقَ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ وَالتَّجْرِيدِ وَالزِّيَادَةِ فِي " الْأُمُورِ الطَّلَبِيَّةِ "؛ وَبَيْنَ ذَلِكَ فِي " الْأُمُورِ الْخَبَرِيَّةِ ". وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُقَالُ: قَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ أَنَّ " السُّوقَ " يَكُونُ بَعْدَ " رُؤْيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ " كَمَا أَنَّ الْعَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ يَنْتَشِرُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ بَعْدَ زِيَارَةِ اللَّهِ وَالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ.
وَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ " ازْدِيَادِ وُجُوهِهِمْ حُسْنًا وَجَمَالًا " لَا يَقْتَضِي انْحِصَارَ ذَلِكَ فِي الرِّيحِ فَإِنَّ أَزْوَاجَهُمْ قَدْ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا وَلَمْ يَشْرَكُوهُمْ فِي الرِّيحِ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَصَلَ فِي الرِّيحِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا حَصَلَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ سَبَبَ الِازْدِيَادِ " رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى " مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِهَا.
وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ " نِسَاؤُهُمْ الْمُؤْمِنَاتُ " رَأَيْنَ اللَّهَ فِي مَنَازِلِهِنَّ فِي الْجَنَّةِ " رُؤْيَةً " اقْتَضَتْ زِيَادَةَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ - إذَا كَانَ السَّبَبُ هُوَ الرُّؤْيَةَ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ - كَمَا أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا كَانَ الرِّجَالُ يَرُوحُونَ إلَى الْمَسَاجِدِ فَيَتَوَجَّهُونَ إلَى اللَّهِ هُنَالِكَ وَالنِّسَاءُ فِي بُيُوتِهِنَّ يَتَوَجَّهْنَ إلَى اللَّهِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ؛ وَالرِّجَالُ يَزْدَادُونَ نُورًا فِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ يَزْدَدْنَ نُورًا بِصَلَاتِهِنَّ كَلٌّ بِحَسَبِهِ؛ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ بَلْ كُلُّ عَبْدٍ

يَرَاهُ مَخْلِيًّا بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَمَا جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ بَلْ قَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ - وَهُوَ الْقَمَرُ - يَرَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مَخْلِيًّا بِهِ إذَا شَاءَ.
إذَا تَلَخَّصَ ذَلِكَ.
فَنَقُولُ: " الْأَحَادِيثُ الزَّائِدَةُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ " فِي بَعْضِهَا ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَقْدِيرِ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثِ سُوقِ الْجَنَّةِ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُمْ يَجْلِسُونَ مِنْ اللَّهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ فِي الدُّنْيَا؛ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الرُّؤْيَةِ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَرْفُوعِ - وَفِي بَعْضِهَا ذِكْرُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا وَهِيَ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ.
وَلَيْسَتْ الْأَحَادِيثُ الْمُتَضَمِّنَةُ " لِلرُّؤْيَةِ الْمُجَرَّدَةِ " عَنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِدُونِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِذَلِكَ: لَا فِي الْكَثْرَةِ وَلَا فِي قُوَّةِ الْأَسَانِيدِ؛ بَلْ الْمُتَضَمِّنَةُ لِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْهَا وَإِسْنَادُ بَعْضِهَا أَجْوَدُ مِنْ إسْنَادِ تِلْكَ وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ أَكْثَرَ وَرُوِيَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ بِإِسْنَادِ وَاحِدٍ - مَنْ جِنْسِ تِلْكَ الْأَسَانِيدِ - لَكَانَ حُكْمُهَا فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ كَحُكْمِ الْمَزِيدِ؛ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ.
وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ " بَعْضَ الْعَامَّةِ " الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْأَحَادِيثَ مِنْ الْقُصَّاصِ أَوْ مِنْ النُّقَّادِ أَوْ بَعْضِ مَنْ يُطَالِعُ الْأَحَادِيثَ وَلَا يَعْتَنِي بِتَمْيِيزِهَا اشْتَهَرَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ دُونَ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا عِبْرَةٌ أَصْلًا.
فَكَمْ مِنْ أَشْيَاءَ مَشْهُورَةٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ؛ بَلْ وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِين أَوْ

أَكْثَرِهِمْ؛ ثُمَّ عِنْدَ حُكَّامِ الْحَدِيثِ الْعَارِفِينَ بِهِ لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ قَدْ يَقْطَعُونَ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَكَمْ مِنْ أَشْيَاءَ مَشْهُورَةٍ عِنْدَ " الْعَارِفِينَ بِالْحَدِيثِ " بَلْ مُتَوَاتِرَةٍ عِنْدَهُمْ وَأَكْثَرُ الْعَامَّةِ؛ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَعْتَنُوا بِالْحَدِيثِ مَا سَمِعُوهَا أَوْ سَمِعُوهَا مِنْ وَرَاءِ وَرَاءَ وَهُمْ إمَّا مُكَذِّبُونَ بِهَا وَإِمَّا مُرْتَابُونَ فِيهَا وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَضْبِطُوهَا ضَبْطَ الْعَالِمِ لِعِلْمِهِ كَضَبْطِ النَّحْوِيِّ لِلنَّحْوِ وَالطَّبِيبِ لِلطِّبِّ وَإِنْ ضَبَطُوا مِنْهَا شَيْئًا: ضَبَطُوا اللَّفْظَةَ بَعْدَ اللَّفْظَةِ مِمَّا لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْضَبِطُ بِهِ دِينُ اللَّهِ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ عَنْ الْأُمَّةِ الْفَرْضُ فِي حِفْظِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ وَالْفِقْهِ فِيهِ.
قَالَ " الْإِمَامُ أَحْمَد ": مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ فِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ.
وَأَنَا أَذْكُرُ شَوَاهِدَ مَا ذَكَرْته: فَرَوَى الدارقطني فِي " كِتَابِ الرُّؤْيَةِ " - وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَا رَوَاهُ فِي تَرْجَمَةِ أَنَسٍ -: حَدَّثَنَا أَحْمَد حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلَى بَنِي هِشَامٍ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَأَى الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَأَحْدَثُهُمْ عَهْدًا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَتَرَاهُ الْمُؤْمِنَاتُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ﴾ . وَرَوَى " الدارقطني " أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ ثِقَاتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيِّ

حَدَّثَنَا سلام بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ وَإِسْرَائِيلُ وَشُعْبَةُ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ - كُلُّهُمْ - قَالُوا: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حميد عَنْ {أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِي كَفِّهِ كَالْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ يَحْمِلُهَا فِيهَا كَالنُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ فَقُلْت: مَا هَذِهِ الَّتِي فِي يَدِك يَا جِبْرِيلُ فَقَالَ: هَذِهِ الْجُمُعَةُ.
قُلْت: وَمَا الْجُمُعَةُ؟ قَالَ: لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ قُلْت: وَمَا يَكُونُ لَنَا فِيهَا؟ قَالَ: تَكُونُ عِيدًا لَك وَلِقَوْمِك مِنْ بَعْدِك وَتَكُونُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى تَبَعًا لَكُمْ قُلْت: وَمَا لَنَا فِيهَا؟ قَالَ لَكُمْ فِيهَا سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ عَبْدُهُ فِيهَا شَيْئًا هُوَ لَهُ قَسْمٌ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَلَيْسَ لَهُ بِقَسْمٍ إلَّا ادَّخَرَ لَهُ فِي آخِرَتِهِ مَا هُوَ أَعْظَم مِنْهُ قُلْت: مَا هَذِهِ النُّكْتَةُ الَّتِي فِيهَا؟ قَالَ: هِيَ السَّاعَةُ وَنَحْنُ نَدْعُوهُ يَوْمَ الْمَزِيدِ قُلْت: وَمَا ذَلِكَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ؛ إنَّ رَبَّك أَعَدَّ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا فِيهِ كُثْبَانٌ مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ هَبَطَ مِنْ عِلِّيِّينَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُرْسِيِّهِ فَيُحَفُّ الْكُرْسِيُّ بِكَرَاسِيّ مِنْ نُورٍ؛ فَيَجِيءُ النَّبِيُّونَ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى تِلْكَ الْكَرَاسِيِّ وَيُحَفُّ الْكُرْسِيُّ بِمَنَابِرَ: مِنْ نُورٍ وَمِنْ ذَهَبٍ.
مُكَلَّلَةٍ بِالْجَوْهَرِ ثُمَّ يَجِيءُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى تِلْكَ الْمَنَابِرِ ثُمَّ يَنْزِلُ أَهْلُ الْغُرَفِ مِنْ غُرَفِهِمْ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى تِلْكَ الْكُثْبَانِ ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي فَسَلُونِي فَيَسْأَلُونَهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ رَغْبَتُهُمْ فَيَفْتَحُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَذَلِكَ مِقْدَارُ مُنْصَرَفِكُمْ مِنْ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يَرْتَفِعُ عَلَى كُرْسِيِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَرْتَفِعُ مَعَهُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَيَرْجِعُ أَهْلُ

الْغُرَفِ إلَى غُرَفِهِمْ وَهِيَ لُؤْلُؤَةٌ بَيْضَاءُ وَزُمُرُّدَةٌ خَضْرَاءُ وَيَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ غُرَفُهَا وَأَبْوَابُهَا مِنْهَا وَأَنْهَارُهَا مُطَّرِدَةٌ فِيهَا وَأَزْوَاجُهَا وَخُدَّامُهَا وَثِمَارُهَا مُتَدَلِّيَاتٌ فِيهَا فَلَيْسُوا إلَى شَيْءٍ بِأَحْوَجَ مِنْهُمْ إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا مِنْهُ نَظَرًا إلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَيَزْدَادُوا مِنْهُ كَرَامَةً} . وَرَوَى " ابْنُ بَطَّةَ " هَذَا الْحَدِيثَ مِثْلَ هَذَا عَنْ القافلاني: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ الصاغاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ أَنَسٍ وَفِيهِ ﴿ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ تَعَالَى ثُمَّ يَقُولُ: سَلُونِي أُعْطِكُمْ فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا فَيَقُولُ: رِضَائِي أَحَلَّكُمْ دَارِي وَأَنَالَكُمْ كَرَامَتِي فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا فَيُشْهِدُهُمْ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُمْ - قَالَ -: فَيَفْتَحُ لَهُمْ مَا لَا تَرَى عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ - قَالَ -: وَذَلِكَ مِقْدَارُ انْصِرَافِكُمْ مِنْ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يَرْتَفِعُ وَيَرْتَفِعُ مَعَهُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ؛ وَيَرْجِعُ أَهْلُ الْغُرَفِ إلَى غُرَفِهِمْ﴾ وَذَكَرَ تَمَامَهُ.
وَهَذَا الطَّرِيقُ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَانْدَفَعَ بِذَلِكَ الْكَلَامُ فِي سلام بْنِ سُلَيْمٍ؛ فَإِنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ الثَّانِيَ كُلَّهُمْ أَئِمَّةٌ إلَى لَيْثٍ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكَأَنَّ فِي الْقَلْبِ حزازة مِنْ أَجْلِ أَنَّ " سَلَّاماً " رَوَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَشَاهِيرِ وَرَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سلام " هَذَا: فَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ مَرَّةً: لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوقٌ صَالِحُ الْحَدِيثِ.
وَسُئِلَ عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ مَرَّةً أُخْرَى فَقِيلَ لَهُ: أَثِقَةٌ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا.
وَقَالَ العقيلي لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ.

فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ الْجَيِّدَةِ انْدَفَعَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ.
وَرَوَاهُ الدارقطني مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مِنْ " وَجْهٍ ثَالِثٍ " مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَانِي جِبْرِيلُ وَفِي كَفِّهِ كَالْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ فِيهَا كَالنُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ﴾ وَسَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ: " وَذَلِكَ مِقْدَارُ انْصِرَافِكُمْ مِنْ الْجُمُعَةِ ". وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا عَنْ لَيْثٍ؛ وَلَا يَضُرُّ تَرْكُ الزِّيَادَةِ؛ فَإِنَّ عَمَّارَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُخْتِ سُفْيَانَ لَا يُحْتَجُّ لَا بِزِيَادَتِهِ وَلَا بِنَقْصِهِ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِلْمُتَابَعَةِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّالِحِينَ هُمْ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ فَأَمَّا النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ فَلَا يَرْجِعُونَ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى رُؤْيَةِ النِّسَاءِ؛ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ.
وَرَوَاهُ " أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ السَّرَّاجُ " حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَشْيَبَ حَدَّثَنَا أَبُو بَدْرٍ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ خيثمة عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ {أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَبْطَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا خَرَجَ قُلْنَا: لَقَدْ احْتَبَسْت قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي وَفِي كَفِّهِ كَهَيْئَةِ الْمِرْآةِ الْبَيْضَاءِ فِيهَا نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ.
فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْجُمُعَةَ فِيهَا خَيْرٌ لَك وَلِأُمَّتِك وَقَدْ أَرَادَهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَأَخْطَئُوهَا فَقُلْت: يَا جِبْرِيلُ مَا فِي هَذِهِ النُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ؟ قَالَ: إنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ قَسْمِهِ إلَّا

أَعْطَاهُ إيَّاهُ أَوْ ادَّخَرَ لَهُ مِثْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهُ وَأَنَّهُ خَيْرُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُسَمُّونَهُ يَوْمَ الْمَزِيدِ.
قُلْت: يَا جِبْرِيلُ وَمَا يَوْمُ الْمَزِيدِ؟ قَالَ: إنَّ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ تُرْبَتُهُ مِسْكٌ أَبْيَضُ يَنْزِلُ اللَّهُ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَيُوضَعُ كُرْسِيُّهُ ثُمَّ يُجَاءُ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَتُوضَعُ خَلْفَهُ فَتَحُفُّ بِهِ الْمَلَائِكَةُ ثُمَّ يُجَاءُ بِكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ فَتُوضَعُ ثُمَّ يَجِيءُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ أَهْلُ الْغُرَفِ فَيَجْلِسُونَ ثُمَّ يَتَبَسَّمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَيَقُولُ: سَلُوا فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُك رِضْوَانَك فَيَقُولُ: قَدْ رَضِيت عَنْكُمْ فَسَلُوا فَيَسْأَلُونَ مُنَاهُمْ فَيُعْطِيهِمْ مَا سَأَلُوا وَأَضْعَافَهَا وَيُعْطِيهِمْ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ؛ ثُمَّ يَقُولُ: أَلَمْ أُنْجِزْكُمْ وَعْدِي وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلَى غُرَفِهِمْ وَيَعُودُونَ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ قُلْت: يَا جِبْرِيلُ مَا غُرَفُهُمْ؟ قَالَ: مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ وَيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَزَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ مُقَدَّرَةٍ مِنْهَا أَبْوَابُهَا فِيهَا أَزْوَاجُهَا مُطَّرِدَةٌ أَنْهَارُهَا} رَوَاهُ " أَبُو يَعْلَى الموصلي " فِي (مُسْنَدِهِ) عَنْ شيبان بْنِ فَرُّوخٍ عَنْ الصَّعْقِ بْنِ حَزْنٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ البناني عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ لَمْ يَحْضُرْنِي لَفْظُهُ.
وَرَوَاهُ الدارقطني " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَمِيمِ الرَّازِي وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ عَنْ أَبِي شَبِيبَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ أَبِي الْيَقْظَانِ عَنْ أَنَسٍ.
وَمِنْ حَدِيثِ إسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّازِي حَدَّثَنَا عنبسة بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِنَحْوِ مِنْ السِّيَاقِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الزِّيَادَةِ.

وَرَوَى " ابْنُ بَطَّةَ " بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَ لِي عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ عَنْ أَنَسٍ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قَالَ: يَتَجَلَّى لَهُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا الدارقطني " مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الْمُصَيِّصِي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ وَاصِلٍ المنقري حَدَّثَنَا قتادة بْنُ دِعَامَةَ سَمِعْته يَقُولُ: حَدَّثَنَا ﴿أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ وَفِي يَدِهِ الْمِرْآةُ الْبَيْضَاءُ﴾ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ بِأَبْسَطَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَفِيهِ مَا يَجْمَعُ بَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ وَفِيهِ: ﴿وَيَكُونُ كَذَلِكَ حَتَّى مِقْدَارِ مُتَفَرَّقِهِمْ مِنْ الْجُمُعَةِ﴾ . وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ رَوَاهُ " أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّاهِدُ غُلَامُ ثَعْلَبٍ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الدميك الْمَرْوَزِي حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَرَّانِي حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ يَزِيدَ الرقاشي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَذَكَرَ " الْحَدِيثَ " بِأَبْسَطَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَحْضُرْنِي سِيَاقُهُ وَلَكِنْ أَظُنُّ فِيهِ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ وَهَذَا الْإِسْنَادُ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ يَزِيدَ الرقاشي وَضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو؛ لَكِنْ هُوَ مَضْمُومٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ أَنَسٍ رَوَاهُ " أَبُو حَفْصِ بْنُ شَاهِينَ " حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ حَدَّثَنَا جَدِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ سَمِعْت عَاصِمًا أَبَا عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْت حميدا الطَّوِيلَ قَالَ: سَمِعْت {أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يَتَجَلَّى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى

كَثِيبِ كَافُورٍ أَبْيَضَ} وَقِيلَ: إنَّ جَعْفَرًا وَجَدَّهُ وَعَاصِمًا: مَجْهُولُونَ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْمُعَارَضَةَ.
وَرَوَاهُ أَيْضًا " الدارقطني " بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ إلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ مَوْلَى عَفْرَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَفِيهِ: ﴿فَيَفْتَحُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ . فَهَذَا قَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ " مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ وَفِي أَكْثَرِ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ ذَكَرَ الزِّيَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا " حَدِيثُ حُذَيْفَةَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَوَاهُ " أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ جُمْهُورٍ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَانِي جِبْرِيلُ وَإِذَا فِي كَفِّهِ مِرْآةٌ كَأَصْفَى الْمَرَايَا وَأَحْسَنِهَا﴾ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِزِيَادَتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ أَلْفَاظٌ أُخْرَى وَلَمْ يَذْكُرْ الزِّيَادَةَ.
وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ وَأَحْمَد بْنُ عَمْرٍو العصفوري قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُطَيَّبٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: {فَيُوحِي اللَّهُ إلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ أَنْ يَفْتَحُوا الْحُجُبَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَيَكُونُ أَوَّلُ مَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ تَعَالَى: أَيْنَ عِبَادِي الَّذِينَ أَطَاعُونِي بِالْغَيْبِ وَلَمْ يَرَوْنِي وَصَدَّقُوا

رُسُلِي وَاتَّبَعُوا أَمْرِي؟ سَلُونِي فَهَذَا يَوْمُ الْمَزِيدِ فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنْ قَدْ رَضِينَا فَارْضَ عَنَّا - وَيَرْجِعُ فِي قَوْلِهِ - يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إنِّي لَوْ لَمْ أَرْضَ عَنْكُمْ لَمْ أُسْكِنْكُمْ جَنَّتِي هَذَا يَوْمُ الْمَزِيدِ فَسَلُونِي فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: أَرِنَا وَجْهَك رَبُّ نَنْظُرْ إلَيْهِ فَيَكْشِفُ اللَّهُ الْحُجُبَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ فَيَغْشَاهُمْ مِنْ نُورِهِ مَا لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى أَنْ لَا يَمُوتُوا لَاحْتَرَقُوا ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: ارْجِعُوا إلَى مَنَازِلِكُمْ فَيَرْجِعُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمٌ وَذَلِكَ يَوْمُ الْمَزِيدِ} . وَأَمَّا " حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ فِي (كِتَابِ الآجري) وَابْنِ بَطَّةَ وَغَيْرِهِمَا: عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُد السجستاني حَدَّثَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ حَدَّثَنَا ابْنُ جِسْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي جِسْرٌ عَنْ الْحُسَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ﴿النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي رِمَالِ الْكَافُورِ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا أَسْرَعُهُمْ إلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَبْكَرُهُمْ غُدُوًّا﴾ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالزِّيَادَةِ الْمَطْلُوبَةِ.
وَأَمَّا " حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الْعِشْرِينَ حَدَّثَنَا الأوزاعي حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ {سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَك فِي سُوقِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إذَا دَخَلُوا نَزَلُوا

فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ ثُمَّ يُؤْذَنُ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ وَيُبْرِزُ لَهُمْ عَرْشَهُ وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَمَنَابِرُ مَنْ ذَهَبٍ وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ؛ وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ - وَمَا فِيهِمْ مَنْ دَنِيٍّ - عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ؛ مَا يَرَوْنَ بِأَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ أَفْضَلُ مِنْهُمْ مَجْلِسًا - قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: نَعَمْ هَلْ تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قُلْنَا: لَا.
قَالَ: كَذَلِكَ لَا تُمَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ - يَعْنِي: رَجُلًا - إلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ أَتَذْكُرُ يَوْمَ قُلْت: كَذَا وَكَذَا - فَيُذَكِّرُهُ بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا - فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؟ أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْت مَنْزِلَتَك هَذِهِ.
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ غَشِيَهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ وَيَقُول رَبُّنَا: قُومُوا إلَى مَا أَعْدَدْت لَكُمْ مِنْ الْكَرَامَةِ فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ فِيهِ مَا لَمْ تَنْظُرْ الْعُيُونُ إلَى مِثْلِهِ وَلَمْ تَسْمَعْ الْآذَانُ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ فَيَحْمِلُ لَنَا مَا اشْتَهَيْنَا لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا - قَالَ -: فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ فَيَلْقَاهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ - وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ - فَيَرُوعُهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ إلَيْهِ مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا ثُمَّ نَنْصَرِفُ إلَى مَنَازِلِنَا فَيَتَلَقَّانَا أَزْوَاجُنَا

فَيَقُلْنَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا لَقَدْ جِئْت وَإِنَّ بِك مِنْ الْجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتنَا عَلَيْهِ؛ فَيَقُولُ: إنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا} قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ رَوَى سويد بْنُ عَمْرٍو عَنْ الأوزاعي شَيْئًا مِنْ هَذَا.
قُلْت: قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ " ابْنُ بَطَّةَ " فِي (الْإِبَانَةِ) بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَبْدِ الْقُدُّوسِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ الأوزاعي وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ الأوزاعي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي الْهِقْلُ عَنْ الأوزاعي قَالَ: نُبِّئْت أَنَّهُ لَقِيَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَك فِي سُوقِ الْجَنَّةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ عَنْ الأوزاعي لَكِنْ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ سَمَّى مَنْ حَدَّثَهُ وَفِي الرِّوَايَاتِ الْبَوَاقِي الثَّانِيَةِ لَمْ يُسَمِّ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَ " مَضْمُونُ هَذَا الْحَدِيثِ " أَنَّ أَزْوَاجَهُمْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ فِي جُمُعَةِ الْآخِرَةِ وَلَا فِي سُوقِهَا؛ لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي أَنَّهُنَّ رَأَيْنَ اللَّهَ فِي دُورِهِنَّ؛ فَإِنَّ الرِّجَالَ قَدْ عَلَّلُوا زِيَادَةَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ بِمُجَالَسَةِ الْجَبَّارِ وَالنِّسَاءُ قَدْ شَرِكَتْهُمْ فِي زِيَادَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ.

فَصْلٌ: الْمُقْتَضِي لِكِتَابَةِ هَذَا: أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ كَانَ قَدْ سَأَلَنِي لِأَجْلِ نِسَائِهِ مِنْ مُدَّةٍ: هَلْ تَرَى الْمُؤْمِنَاتُ اللَّهَ فِي الْآخِرَةِ؟ فَأَجَبْت بِمَا حَضَرَنِي إذْ ذَاكَ: مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُنَّ يَرَيْنَهُ وَذَكَرْت لَهُ أَنَّهُ قَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُنَّ يَرَيْنَهُ فِي الْأَعْيَادِ وَأَنَّ أَحَادِيثَ الرُّؤْيَةِ تَشْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَكَذَلِكَ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ؛ وَأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ حَسَبَ التَّتَبُّعِ؛ وَمَا لَمْ يَحْضُرْنِي السَّاعَةَ.
وَكَانَ قَدْ سَنَحَ لِي فِيمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ " الرُّؤْيَةَ " الْمُعْتَادَةَ الْعَامَّةَ فِي الْآخِرَةِ تَكُونُ بِحَسَبِ الصَّلَوَاتِ الْعَامَّةِ الْمُعْتَادَةِ فَلَمَّا كَانَ الرِّجَالُ قَدْ شُرِعَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الِاجْتِمَاعُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمُنَاجَاتِهِ وَتَرَائِيِهِ بِالْقُلُوبِ وَالتَّنَعُّمِ بِلِقَائِهِ فِي الصَّلَاةِ كُلَّ جُمُعَةٍ جَعَلَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ اجْتِمَاعًا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِمُنَاجَاتِهِ وَمُعَايَنَتِهِ وَالتَّمَتُّعِ بِلِقَائِهِ.
وَلَمَّا كَانَتْ السُّنَّةُ قَدْ مَضَتْ بِأَنَّ النِّسَاءَ يُؤْمَرْنَ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدِ حَتَّى الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَكَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ عَامَّةُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْعِيدِ جُعِلَ عِيدُهُنَّ فِي الْآخِرَةِ بِالرُّؤْيَةِ عَلَى مِقْدَارِ عِيدِهِنَّ فِي الدُّنْيَا.

وَأَيَّدَ ذَلِكَ عِنْدِي مَا خَرَّجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ ﴿جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البجلي قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا.
ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ } وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْمُتَلَقَّاةِ بِالْقَبُولِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَرَأَيْت أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَعْقِيبَ الْحُكْمِ لِلْوَصْفِ؛ أَوْ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ بِحَرْفِ الْفَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ؛ لَا سِيَّمَا وَمُجَرَّدُ التَّعْقِيبِ هُنَا مُحَالٌ؛ فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ التَّحْضِيضِ عَلَى الصَّلَاتَيْنِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْآخِرَةِ وَالتَّحْضِيضُ مَوْجُودٌ قَبْلَهَا فِي الدُّنْيَا.
وَالتَّعْقِيبُ الَّذِي يَقُولُهُ النَّحْوِيُّونَ لَا يَعْنُونَ بِهِ أَنَّ اللَّفْظَ بِالثَّانِي يَكُونُ بَعْدَ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَوْجُودٌ بِالْفَاءِ وَبِدُونِهَا وَبِسَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِهِ مَعْنَى أَنَّ التَّلَفُّظَ الثَّانِيَ يَكُونُ عَقِبَ الْأَوَّلِ فَإِذَا قُلْت: قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو أَفَادَ أَنَّ قِيَامَ عَمْرٍو مَوْجُودٌ فِي نَفْسِهِ عَقِبَ قِيَامِ زَيْدٍ؛ لَا أَنْ مُجَرَّدَ تَكَلُّمِ الْمُتَكَلِّمِ بِالثَّانِي عَقِبَ الْأَوَّلِ وَهَذَا مِمَّا هُوَ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ

اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ إذَا قِيلَ: هَذَا رَجُلٌ صَالِحٌ فَأَكْرِمْهُ فُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاحَ سَبَبٌ لِلْأَمْرِ بِإِكْرَامِهِ حَتَّى لَوْ رَأَيْنَا بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا لَقِيلَ كَذَلِكَ الْأَمْرُ وَهَذَا أَيْضًا رَجُلٌ صَالِحٌ أَفَلَا تُكْرِمْهُ؟ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْلَفَ الْحَكَمُ لِمُعَارِضِ وَإِلَّا عُدَّ تَنَاقُضًا.
وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَاجِبٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ وَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِكَلِمَةِ طَيِّبَةٍ﴾ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ تَحْضِيضَهُ عَلَى اتِّقَاءِ النَّارِ هُنَا لِأَجْلِ كَوْنِهِمْ يَسْتَقْبِلُونَهَا وَقْتَ مُلَاقَاةِ الرَّبِّ وَإِنْ كَانَ لَهَا سَبَبٌ آخَرُ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " سَارِعُوا إلَى الْجُمُعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْرُزُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي كَثِيبٍ مِنْ كُثُبِ الْكَافُورِ فَيَكُونُونَ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ تَسَارُعِهِمْ فِي الدُّنْيَا إلَى الْجُمُعَةِ " فَهِمَ النَّاسُ مِنْ هَذَا أَنَّ طَلَبَ هَذَا الثَّوَابِ سَبَبٌ لِلْأَمْرِ بِالْمُسَارَعَةِ إلَى الْجَنَّةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قِيلَ: إنَّ الْأَمِيرَ غَدًا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ فَلْيَحْضُرْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْحُضُورِ لِأَخْذِ النَّصِيبِ مِنْ حُكْمِهِ أَوْ قِسْمِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
ثُمَّ إنَّ هَذَا الْوَصْفَ الْمُقْتَضِيَ لِلْحُكْمِ " تَارَةً يَكُونُ سَبَبًا مُتَقَدِّمًا عَلَى

الْحُكْمِ فِي الْعَقْلِ وَفِي الْوُجُودِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ " وَتَارَةً " يَكُونُ حُكْمُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْحُكْمِ فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فِي الْوُجُودِ كَمَا فِي قَوْلِك: الْأَمِيرُ يَحْضُرُ غَدًا فَإِنْ حَضَرَ كَانَ حُضُورُ الْأَمِيرِ يُتَصَوَّرُ وَيُقْصَدُ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْحُضُورِ مَعَهُ.
وَإِنْ كَانَ يُوجَدُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْحُضُورِ وَهَذِهِ تُسَمَّى الْعِلَّةَ الغائية وَتُسَمِّيهَا الْفُقَهَاءُ حِكْمَةَ الْحُكْمِ وَهِيَ سَبَبٌ فِي الْإِرَادَةِ بِحُكْمِهَا وَحُكْمُهَا سَبَبٌ فِي الْوُجُودِ لَهَا.
وَ " التَّعْلِيلُ " تَارَةً يَقَعُ فِي اللَّفْظِ بِنَفْسِ الْحِكْمَةِ الْمَوْجُودَةِ فَيَكُونُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْمَعْلُولِ وَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا الْعِلَّةُ طَلَبُ تِلْكَ الْحِكْمَةِ وَإِرَادَتُهَا.
وَطَلَبُ الْعَافِيَةِ وَإِرَادَتُهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى طَلَبِ أَسْبَابِهَا الْمَفْعُولَةِ وَأَسْبَابُهَا الْمَفْعُولَةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهَا فِي الْوُجُودِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرٌ.
كَمَا قِيلَ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ وَيُقَالُ: إذَا حَجَجْت فَتَزَوَّدْ.
فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاتَيْنِ﴾ إلَى: فَافْعَلُوا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا هُنَا لِأَجْلِ ابْتِغَاءِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ وَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُحَافَظَةَ سَبَبٌ لِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ الْمُحَافَظَةُ تُوجِبُ ثَوَابًا آخَرَ وَيُؤْمَرُ بِهَا لِأَجْلِهِ وَأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا سَبَبٌ لِذَلِكَ الثَّوَابِ وَأَنَّ لِلرُّؤْيَةِ سَبَبًا آخَرَ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَلِ وَاقْتِضَاءَ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ لِأَحْكَامِ جَائِزٌ.
وَهَكَذَا غَالِبُ أَحَادِيثِ الْوَعْدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا

نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ} وَقَوْلِهِ: ﴿لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا؛ فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَّعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ صَلَاةَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ سَبَبٌ لِلْمَغْفِرَةِ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ وَإِنْ كَانَ لِلْمَغْفِرَةِ أَسْبَابٌ أُخَرُ.
وَأَيَّدَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وَقَدْ فُسِّرَ هَذَا الدُّعَاءُ بِصَلَاتَيْ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَلِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ بِهَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ وَأَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَتَحْضِيضُهُمْ عَلَى هَاتَيْنِ يُنَاسِبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَرَادَ وَجْهَهُ نَظَرَ إلَى وَجْهِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
ثُمَّ لَمَّا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ سَبَبٌ لِلرُّؤْيَةِ فِي وَقْتِهَا وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ نَاسَبَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ اللَّتَانِ هُمَا أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَأَوْقَاتُهُمَا أَفْضَلُ الْأَوْقَاتِ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ: الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ثُمَّ مَا كَانَ مِنْهَا أَفْضَلَ الصَّلَوَاتِ فِي أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ سَبَبًا لِأَفْضَلِ الثَّوَابَاتِ فِي أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ.
لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ ثوير بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: ﴿قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لِمَنْ يَنْظُرُ إلَى جَنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيًّا - ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ } .

قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ ثوير عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ عَنْ ثوير عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ الأشجعي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ثوير عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَرْفَعْهُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ فِيهِ مُجَاهِدًا غَيْرَ ثوير وَأَظُنُّهُ قَدْ قِيلَ: فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أَنَّ مِنْهُ النَّظَرَ إلَى اللَّهِ.
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ الدارقطني فِي " الرُّؤْيَةِ ": حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَاسِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الضبي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمِصْرِيُّ عَنْ عَبَّادٍ المنقري عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سياه عَنْ ﴿أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ هَذِهِ الْآيَةَ {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا نَسَخَهَا مُنْذُ أَنْزَلَهَا يَزُورُونَ رَبَّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَيُطْعَمُونَ وَيُسْقَوْنَ ويطيبون وَيُحْمَلُونَ وَيُرْفَعُ الْحِجَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ .} وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي " الْمَوْضُوعَاتِ " وَقَالَ: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ فِيهِ مَيْمُونُ بْنُ سياه.
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَنْفَرِدُ بِالْمَنَاكِيرِ عَنْ الْمَشَاهِيرِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إذَا انْفَرَدَ وَفِيهِ صَالِحٌ الْمِصْرِيُّ قَالَ النَّسَائِي: مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.
قُلْت: أَمَّا مَيْمُونُ بْنُ سياه فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِي وَقَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِي: ثِقَةٌ وَحَسْبُك بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَعَنْ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ فِيهِ:

ضَعِيفٌ؛ لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقُولُهُ ابْنُ مَعِينٍ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الثِّقَاتِ.
وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ حِبَّانَ فَفِيهِ ابْتِدَاعٌ فِي الْجَرْحِ.
فَلَمَّا كَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ وَعْدُ أَعْلَاهُمْ " غُدْوَةً وَعَشِيًّا " وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدّ جَعَلَ صَلَاتَيْ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ سَبَبًا " لِلرُّؤْيَةِ " وَصَلَاةَ الْجُمُعَةِ سَبَبًا " لِلرُّؤْيَةِ " فِي وَقْتِهَا؛ مَعَ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ مُنَاسَبَةِ الرُّؤْيَةِ كَانَ الْعِلْمُ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ يُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ سَبَبٌ لِلرُّؤْيَةِ فِي وَقْتِهِمَا فِي الْآخِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
فَلَمَّا كَانَ هَذَا قَدْ سَنَحَ لِي وَالنِّسَاءُ يُشَارِكْنَ الرِّجَالَ فِي سَبَبِ الْعَمَلِ فَيُشَارِكُونَهُمْ فِي ثَوَابِهِ وَلَمَّا انْتَفَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي الْجُمُعَةِ انْتَفَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي النَّظَرِ فِي الْآخِرَةِ وَلَمَّا حَصَلَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي الْعِيدِ حَصَلَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي ثَوَابِهِ.
ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ جَرَى كَلَامٌ فِي هَذِهِ " الْمَسْأَلَةِ " وَكُنْت قَدْ نَسِيت مَا ذَكَرْته أَوَّلًا؛ لَا بَعْضَهُ فَاقْتَضَى ذِكْرَ مَا ذَكَرْته أَوَّلًا فَقِيلَ لِي: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ سَبَبِ " الرُّؤْيَةِ "؛ لَا أَنَّهُ جَمِيعُ السَّبَبِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ صَلَّاهُمَا وَلَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ لَا يَسْتَحِقُّ الرُّؤْيَةَ.
وَقِيلَ لِي: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاتَيْنِ سَبَبٌ فِي الْجُمْلَةِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ سَبَبًا لِلرُّؤْيَةِ فِي الْجُمُعَةِ؛ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْ يَرَاهُ مَرَّتَيْنِ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمُحَافِظُونَ عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَعْلَاهُمْ؟ . فَقُلْت: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ هُوَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ

" الرُّؤْيَةِ " لِمَا ذَكَرْته مِنْ الْقَاعِدَةِ فِي النِّسَاءِ آنِفًا؛ ثُمَّ قَدْ يَتَخَلَّفُ الْمُقْتَضِي عَنْ الْمُقْتَضَى لِمَانِعِ لَا يَقْدَحُ فِي اقْتِضَائِهِ كَسَائِرِ أَحَادِيثِ الْوَعْدِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ﴾ " مَنْ فَعَلَ كَذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ " دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مُقْتَضَاهُ لِكُفْرِ أَوْ فِسْقٍ.
فَمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَانَ فَاسِقًا وَالْفَاسِقُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلْوَعْدِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ كَالْكَافِرِ وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ الْوَعِيدِ إذَا قِيلَ: مَنْ فَعَلَ كَذَا دَخَلَ النَّارَ؛ فَإِنَّ الْمُقْتَضَى يَتَخَلَّفُ عَنْ التَّائِبِ وَعَمَّنْ أَتَى بِحَسَنَاتِ تَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَعَنْ غَيْرِهِمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلرُّؤْيَةِ سَبَبٌ آخَرُ فَكَوْنُهُ سَبَبًا لَا يَمْنَعُ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنْهُ لِمَانِعِ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَنْتَصِبَ سَبَبٌ آخَرُ لِلرُّؤْيَةِ.
ثُمَّ أَقُولُ: فِعْلُ بَقِيَّةِ الْفَرَائِضِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ أَوْ كَانَتْ شَرْطًا فِي هَذَا السَّبَبِ: فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ وَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى بِبَقِيَّةِ شُرُوطِ الْوَعْدِ وَانْتَفَتْ عَنْهُ مَوَانِعُهُ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فَالْأُنُوثَةُ مَانِعٌ مِنْ لُحُوقِ الْوَعْدِ أَوْ الذُّكُورَةُ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ كَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ بَقِيَّةِ الْفَرَائِضِ شَرْطٌ قُلْنَا بِهِ فَأَمَّا بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَمُوجَبِهِ بِالْإِمْكَانِ؛ بَلْ مَتَى ثَبَتَ عُمُومُ اللَّفْظِ وَعُمُومُ الْعِلَّةِ وَجَبَ تَرْتِيبُ مُقْتَضَى ذَلِكَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ بِخِلَافِهِ؛ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الذُّكُورَةَ شَرْطٌ وَلَا أَنَّ الْأُنُوثَةَ مَانِعٌ؛ كَمَا لَمْ يَقْتَضِ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ وَالْعَجَمِيَّةَ وَالسَّوَادَ وَالْبَيَاضَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ " الْمُقْتَصِدِينَ " يُشَارِكُونَ " السَّابِقِينَ " فِي أَصْلِ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ امْتَازَ السَّابِقُونَ عَنْهُمْ بِدَرَجَاتِ وَمَثُوبَاتٍ أَوْ شُمُولِ الْمَعْنَى لِهَؤُلَاءِ عَلَى السَّوَاءِ فَهَذَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ سَبَبٌ لِلرُّؤْيَةِ وَوُجُودُ السَّبَبِ يَقْتَضِي وُجُودَ الْمُسَبَّبِ إلَّا إذَا تَخَلَّفَ شَرْطُهُ أَوْ حَصَلَتْ مَوَانِعُهُ وَالشُّرُوطُ وَالْمَوَانِعُ تَتَوَقَّفُ عَلَى دَلِيلٍ.
وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ عَلَى كَوْنِ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ سَبَبًا لِلرُّؤْيَةِ فِي الْجُمْلَةِ - وَلَوْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ - فَيُقَالُ: ذَلِكَ لَا يَنْفِي أَنَّ النِّسَاءَ يَرَيْنَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَلَوْ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
ثُمَّ يُقَالُ: مَجْمُوعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَحْصُلُ وَقْتَ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا فَإِذَا قِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ تَكُونُ غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَسَبَبُهَا صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ كَانَ هَذَا ظَاهِرًا فِيمَا قُلْنَاهُ.
وَالْمُدَّعَى الظُّهُورُ؛ لَا الْقَطْعُ.
وَأَمَّا كَوْنُ " الرُّؤْيَةِ مَرَّتَيْنِ " لِأَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَيْسَ مَنْ صَلَّى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَيْسَ هَذَا بِدَافِعِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ مُمْكِنَةٌ بِهِ يَخْرُجُ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا؛ لَكِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِمَا هُوَ الْوَاقِعُ مِنْهَا.
يُمْكِنُ السَّبَبَ فِعْلُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ لَا صَلَاةِ أَكْثَرِ النَّاسِ.
أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ إلَّا رُبُعُهَا إلَّا خُمُسُهَا إلَّا سُدُسُهَا - حَتَّى

قَالَ -: عُشْرُهَا} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَالصَّلَاةُ الْمَقْبُولَةُ هِيَ سَبَبُ الثَّوَابِ وَالصَّلَاةُ الْمَقْبُولَةُ هِيَ الْمَكْتُوبَةُ لِصَاحِبِهَا وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِنْ الْمُصَلِّينَ مَنْ لَا يُكْتَبُ لَهُ إلَّا بَعْضُهَا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمُصَلِّي مُسْتَحِقًّا لِلثَّوَابِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ مَنْ تَقَبَّلَ اللَّهُ صَلَاتَهُ وَكَتَبَهَا لَهُ كُلَّهَا.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكَادُ يَنْدَرِجُ فِي الْحَدِيثِ إلَّا الصِّدِّيقُونَ أَوْ قَلِيلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فَالنِّسَاءُ مِنْهُنَّ صِدِّيقَاتٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَهُ نَوَافِلُ يَجْبُرُ بِهَا نَقْصَ صِلَاتِهِ يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ: ﴿إنَّ النَّوَافِلَ تَجْبُرُ الْفَرَائِضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْمَوْجُودُونَ بِهَذَا أَكْثَرَ الْمُصَلِّينَ الْمُحَافِظِينَ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَيَكُونُ هَؤُلَاءِ أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يُؤَخِّرُ بَعْضَهَا عَنْ وَقْتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ وَاجِبَاتِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ بَعْضَهَا وَسَائِرُ الْأُمَمِ قَبْلَنَا لَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ.
وَلَوْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ مَنْ صَلَّى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ مَغْفُورًا لَهُ نَالَ هَذَا الثَّوَابَ لَأَمْكَنَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ الْحَدِيثُ نَافِيًا لِهَذَا؛ إذْ أَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالْعُلُوُّ وَالسُّفُولُ أَمْرٌ إضَافِيٌّ فَيَصْدُقُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّاتِ الثَّلَاثِ أَنَّهُمْ مِنْ أَعْلَى أَهْلِ الْجَنَّاتِ الْخَمْسِ الْبَاقِيَةِ وَيَصْدُقُ أَيْضًا

عَلَى أَكْثَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ أَعْلَى بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ تَحْتَهُمْ وَبَعْضُ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
لَكِنَّ الْغَرَضَ أَنَّ هَذَا لَا يَنْفِي مَا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ كَانَ حَدِيثُ " الْمَرَّتَيْنِ " يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَالَةِ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي إسْنَادِهِ.
وَلَمَّا جَرَى الْكَلَامُ ثَانِيًا فِي " رُؤْيَةِ النِّسَاءِ رَبَّهُنَّ فِي الْآخِرَةِ " اسْتَدْلَلْت بِأَشْيَاءَ أَنَا أَذْكُرُهَا وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَيَّ وَمَا لَمْ يُعْتَرَضْ حَتَّى يَظْهَرَ الْأَمْرُ فَأَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُنَّ يَرَيْنَهُ أَنَّ النُّصُوصَ الْمُخْبِرَةَ بِالرُّؤْيَةِ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَشْمَلُ النِّسَاءَ لَفْظًا وَمَعْنًى وَلَمْ يُعَارِضْ هَذَا الْعُمُومُ مَا يَقْتَضِي إخْرَاجَهُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَجِبَ الْقَوْلُ بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ.
وَلَوْ قِيلَ لَنَا: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْفُرْسَ يَرَوْنَ اللَّهَ؟ أَوْ أَنَّ الطِّوَالَ مِنْ الرِّجَالِ يَرَوْنَ اللَّهَ أَوْ إيش الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ نِسَاءَ الْحَبَشَةِ يَخْرُجْنَ مِنْ النَّارِ؟ لَكَانَ مِثْلُ هَذَا الْعُمُومِ فِي ذَلِكَ بَالِغًا جِدًّا إلَّا إذَا خُصِّصَ ثُمَّ يُعْلَمُ أَنَّ الْعُمُومَ الْمُسْنَدَ الْمُجَرَّدَ عَنْ قَبُولِ التَّخْصِيصِ يَكَادُ يَكُونُ قَاطِعًا فِي شُمُولِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ قَاطِعًا.
أَمَّا " النُّصُوصُ الْعَامَّةُ " فَمِثْلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ {أَنَّ النَّاسَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ فِي

الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَتْبَعُ الشَّمْسَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْبَعُ الْقَمَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْبَعُ الطَّوَاغِيتَ؛ وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمْ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمْ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَدْعُوهُمْ فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظهراني جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ} وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ ﴿أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا؛ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ لِتَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ وَغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي دُعَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إلَى أَنْ قَالَ: {حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ اللَّهُ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا قَالَ: فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ قَالُوا يَا رَبَّنَا؛ فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إلَيْهِمْ وَلَمْ

نُصَاحِبْهُمْ؛ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك لَا نُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ فَيَقُولَ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ فَتَعْرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ؛ وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ؛ ثُمَّ يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ} . هَذَانِ الْحَدِيثَانِ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ فَلَمَّا ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ؛ يُحْشَرُ النَّاسُ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ﴾ . أَلَيْسَ قَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ هَذَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؟ لِأَنَّ لَفْظَ النَّاسِ يَعُمُّ الصِّنْفَيْنِ وَلِأَنَّ الْحَشْرَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ.
وَهَذَا الْعُمُومُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ وَإِنْ جَازَ جَازَ عَلَى ضَعْفٍ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ مِنْ الرِّجَالِ إذْ قَدْ صَحَّ أَنَّهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ وَقَدْ صَحَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنْ الْإِنْسِيَّاتِ سِوَى الْحُورِ الْعِينِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ النِّسَاءِ أَكْثَرُ مِنْ الرِّجَالِ وَكَذَلِكَ فِي النَّارِ فَيَكُونُ الْخَلْقُ مِنْهُمْ أَكْثَرَ وَاللَّفْظُ الْعَامُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ الصُّوَرِ دُونَ الْكَثِيرِ بِلَا قَرِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَلْبِيسٌ وَعِيٌّ يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ الشَّارِعِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: فَيُقَالُ ﴿: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ﴾ وَصْفٌ مِنْ الصِّيَغِ الَّتِي

تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ؛ ثُمَّ فِيهَا الْعُمُومُ الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ: أَنَّ اتِّبَاعَهُ إيَّاهُ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهِ عَبَدَهُ فِي الدُّنْيَا وَهَذِهِ الْعِلَّةُ شَامِلَةٌ لِلصِّنْفَيْنِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا﴾ . وَالنِّسَاءُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُؤْمِنَاتُهُنَّ ومنافقاتهن ﴿فَإِذَا جَاءَ عَرَفْنَاهُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَأْتِيهِمْ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَدْعُوهُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَيَأْتِيهِمْ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا﴾ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْأُمَّةِ الَّتِي فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَإِلَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُهُ الَّذِي يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَإِلَى النَّاسِ غَيْرِ الْمُشْرِكِينَ؛ وَذَلِكَ يَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يُزَادَ بَيَانًا.
ثُمَّ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: ﴿فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ نَصٌّ فِي أَنَّ النِّسَاءَ مِنْ السَّاجِدِينَ الرَّافِعِينَ قَدْ رَأَوْهُ أَوَّلًا وَوَسَطًا وَآخِرًا وَالسَّاجِدُونَ قَدْ قَالَ فِيهِمْ: ﴿لَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ﴾ وَ " مَنْ " تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فَكُلُّ مَنْ سَجَدَ لِلَّهِ مُخْلِصًا مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فَقَدْ سَجَدَ لِلَّهِ وَقَدْ رَآهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَعَدُّدِ السُّجُودِ وَالتَّحَوُّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْتَمَسُ مَعْرِفَتُهُ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا مَا قَصَدْنَا لَهُ.
ثُمَّ فِي كِلَا الْحَدِيثَيْنِ الْإِخْبَارُ بِمُرُورِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَسُقُوطِ قَوْمٍ فِي النَّارِ

وَنَجَاةِ آخَرِينَ ثُمَّ بِالشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيُسَمَّوْنَ الجهنميين؛ أَفَلَيْسَ هَذَا كُلُّهُ عَامًّا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَمْ الَّذِينَ يَجْتَازُونَ عَلَى الصِّرَاطِ وَيَسْقُطُ بَعْضُهُمْ فِي النَّارِ ثُمَّ يُشَفَّعُ فِي بَعْضِهِمْ هُمْ الرِّجَالُ؛ وَلَوْ طَلَبَ الرَّجُلُ نَصًّا فِي النِّسَاءِ فِي مِثْلِ هَذَا أَمَا كَانَ مُتَكَلِّفًا ظَاهِرَ التَّكَلُّفِ؟ . وَكَذَلِكَ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ﴿أَبِي الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَلُ عَنْ الْوُرُودِ فَقَالَ: نَجِيءُ نَحْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كَذَا وَكَذَا اُنْظُرْ أَيُّ ذَلِكَ فَوْقَ النَّاسِ قَالَ: فَتُدْعَى الْأُمَمُ بِأَوْثَانِهَا وَمَا كَانَتْ تَعْبُدُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ؛ ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ: مَنْ تَنْتَظِرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْتَظِرُ رَبَّنَا فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إلَيْك فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتْبَعُونَهُ وَيُعْطِي كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ - مُنَافِقٍ أَوْ مُؤْمِنٍ - نُورًا؛ ثُمَّ يَتْبَعُونَهُ وَعَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ وحسك تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ ثُمَّ يَنْجُوا الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالشَّفَاعَةِ.
أَفَلَيْسَ هَذَا بَيِّنًا فِي أَنَّهُ يَتَجَلَّى لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ؟ كَمَا أَنَّ الْأُمَّةَ تُعْطَى نُورَهَا ثُمَّ جَمِيعُ " الْمُؤْمِنِينَ " ذُكْرَانُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ يَبْقَى نُورُهُمْ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ الْمَعَانِي تَعُمُّ الطَّائِفَتَيْنِ عُمُومًا يَقِينِيًّا.
وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ مَرْفُوعٌ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ بِمِثْلِ إسْنَادِ مُسْلِمٍ

وَذَكَرَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَقْتَضِي أَنَّ جَابِرًا سَمِعَ الْجَمِيعَ مِنْهُ وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ صَحِيحَةٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا؛ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادِ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْوَلُ سِيَاقِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَفِي حَدِيثِ ﴿أَبِي رَزِينٍ العقيلي الْمَشْهُورِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: أَكُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ مَخْلِيًّا بِهِ؟ قَالُوا: بَلَى فَاَللَّهُ أَعْظَمُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّكُمْ يَرَى رَبَّهُ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي مَالِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا﴾ مِنْ أَشْمَلِ اللَّفْظِ.
وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿كُلُّكُمْ يَرَى رَبَّهُ مَخْلِيًّا بِهِ﴾ ﴿وَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ﴾ ﴿وَمَا مِنْكُمْ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَاجِبٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ﴾ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ وَالْحِسَانِ الَّتِي تُصَرِّحُ بِأَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ مُشْتَرِكُونَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ " الْمُحَاسَبَةِ " وَ " الرُّؤْيَةِ " وَ " الْخَلْوَةِ " وَ " الْكَلَامِ ". وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ فِي " رُؤْيَتِهِ - سُبْحَانَهُ - فِي الْجَنَّةِ " مِثْلُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ صهيب قَالَ: {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ ينجزكموه فَيَقُولُونَ: مَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلْ مَوَازِينَنَا وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُدْخِلْنَا

الْجَنَّةَ وَيُجِرْنَا مِنْ النَّارِ؟ فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إلَى اللَّهِ فَمَا شَيْءٌ أُعْطُوهُ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ} . قَوْلُهُ: ﴿إذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ﴾ يَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الْأَهْلِ يَشْمَلُ الصِّنْفَيْنِ وَأَيْضًا فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ النِّسَاءَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ ينجزكموه﴾ خِطَابٌ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ دَخَلُوهَا وَوُعِدُوا بِالْجَزَاءِ وَهَذَا قَدْ دَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ النِّسَاءِ الْمُكَلَّفَاتِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: " أَلَمْ يُثَقِّلْ وَيُبَيِّضْ وَيُدْخِلْ وَيُنْجِزْ " يَعُمُّ الصِّنْفَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ يَعُمُّ الصِّنْفَيْنِ.
ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ دَلِيلٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النِّسَاءَ مِنْ الَّذِينَ أَحْسَنُوا ثُمَّ قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ يَقْتَضِي حَصْرَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ فِي أُولَئِكَ وَالنِّسَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُنَّ مِنْ أُولَئِكَ وَأُولَئِكَ إشَارَةٌ إلَى الَّذِينَ لَهُمْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ؛ فَوَجَبَ دُخُولُ النِّسَاءِ فِي الَّذِينَ لَهُمْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَاقْتَضَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ فَإِنَّهُ مَوْعُودٌ " بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحُسْنَى " الَّتِي هِيَ النَّظَرُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ؛ وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا بِدَلِيلِ؛ وَهَذِهِ " الرُّؤْيَةُ الْعَامَّةُ " لَمْ تُوَقَّتْ بِوَقْتِ بَلْ قَدْ تَكُونُ عَقِبَ الدُّخُولِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِمْ فِي الْمَنَازِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ وَقْتٍ يَكُونُ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ مَا دَلَّ مِنْ الْكِتَابِ عَلَى " الرُّؤْيَةِ " كَقَوْلِهِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ هُوَ تَقْسِيمٌ لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وَظَاهِرُ انْقِسَامِ الْوُجُوهِ إلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.
كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أَيْضًا إلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْوُجُوهِ الْبَاسِرَةِ كَانَ مِنْ الْوُجُوهِ النَّاضِرَةِ النَّاظِرَةِ؛ كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النِّسَاءَ يَزْدَدْنَ حُسْنًا وَجَمَالًا كَمَا يَزْدَادُ الرِّجَالُ فِي مَوَاقِيتِ النَّظَرِ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَدْ فُسِّرَ بِالرُّؤْيَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي " صِيَغِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ مُظْهَرِهِ وَمُضْمَرِهِ " مِثْلُ: الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَبْرَارِ وَهُوَ هَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي مُطْلَقِ اللَّفْظِ أَوْ لَا يَدْخُلُونَ إلَّا بِدَلِيلِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: (أَشْهَرُهُمَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ إذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غَلَّبُوا الْمُذَكَّرَ وَقَدْ عَهِدْنَا مِنْ الشَّارِعِ فِي خِطَابِهِ أَنَّهُ يَعُمُّ الْقِسْمَيْنِ وَيَدْخُلُ النِّسَاءُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْجُمُوعَ تَسْتَعْمِلُهَا الْعَرَبُ تَارَةً فِي الذُّكُورِ الْمُجَرَّدِينَ وَتَارَةً فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ

وَقَدْ عَهِدْنَا مِنْ الشَّارِعِ أَنَّ خِطَابَهُ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى النَّمَطِ الثَّانِي وَقَوْلُنَا: الْمُطْلَقَ احْتِرَازٌ مِنْ الْمُقَيَّدِ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ يَشْمَلُ الْقِسْمَيْنِ.
وَ (الْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُنَّ لَا يَدْخُلْنَ إلَّا بِدَلِيلِ ثُمَّ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ آيَاتِ " الْأَحْكَامِ " وَ " الْوَعْدِ " وَ " الْوَعِيدِ " الَّتِي فِي الْقُرْآنِ تَشْمَلُ الْفَرِيقَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ بِصِيغَةِ الْمُذَكَّرِ فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: دَخَلُوا فِيهِ لِأَنَّ الشَّرْعَ اسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ لَا يَشْمَلُهُ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: دَخَلُوا لِأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ الدِّينِ اسْتِوَاءَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْأَحْكَامِ فَدَخَلُوا كَمَا نَدْخُلُ نَحْنُ فِيمَا خُوطِبَ بِهِ الرَّسُولُ وَكَمَا تَدْخُلُ سَائِرُ الْأُمَّةِ فِيمَا خُوطِبَ بِهِ الْوَاحِدُ مِنْهَا.
وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ اللَّفْظِ لَا تَشْمَلُ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ.
وَحَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ اللَّفْظَ الْخَاصَّ يُسْتَعْمَلُ عَامًّا " حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً " إمَّا خَاصَّةً وَإِمَّا عَامَّةً وَرُبَّمَا سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ قِيَاسًا جَلِيًّا يَنْقُصُ حُكْمَ مَنْ خَالَفَهُ؛ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُسَمُّونَهُ " قِيَاسًا " بَلْ قَدْ عُلِمَ اسْتِوَاءُ الْمُخَاطَبِ وَغَيْرِهِ فَنَحْنُ نَفْهَمُ مِنْ الْخِطَابِ لَهُ الْخِطَابَ لِلْبَاقِينَ حَتَّى لَوْ فُرِضَ انْتِفَاءُ الْخِطَابِ فِي حَقِّهِ لِمَعْنَى يَخُصُّهُ لَمْ يَنْقُصْ انْتِفَاءَ الْخِطَابِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ " فَالْقِيَاسُ " تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ وَهُنَا لَمْ يُعَدَّ حُكْمٌ وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ ثُبُوتًا وَاحِدًا؛ بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِتَعْدِيَةِ الْخِطَابِ بِالْحُكْمِ؛ لَا نَفْسِ الْحُكْمِ.

وَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ فَالدَّلَالَةُ مِنْ صِيَغِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ مُتَوَجِّهَةٌ؛ كَمَا أَنَّهَا مُتَوَجِّهَةٌ بِلَا تَرَدُّدٍ مِنْ صِيغَةِ: " مَنْ " وَ " أَهْلٍ " وَ " النَّاسِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هُنَا " دَلَالَةً ثَانِيَةً " وَهِيَ دَلَالَةُ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ وَهِيَ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقَدْ فُسِّرَتْ " الْقُرَّةُ " بِالنَّظَرِ وَغَيْرِهِ فَيَقْتَضِي أَنَّ النَّظَرَ جَزَاءٌ عَلَى عَمَلِهِمْ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مُشْتَرِكُونَ فِي الْعَمَلِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ جِنْسُ الرِّجَالِ الْجَنَّةَ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَمْتَازُ بِهِ الرِّجَالُ " كَالْإِمَارَةِ " وَ " النُّبُوَّةِ " - عِنْدَ الْجُمْهُورِ - وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ تَنْحَصِرْ الرُّؤْيَةُ فِيهِ؛ بَلْ يَدْخُلُ فِي الرُّؤْيَةِ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا يَخْتَصُّ الرِّجَالَ؛ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا؛ وَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إنَّ " الْبِرَّ " سَبَبُ هَذَا الثَّوَابِ وَ " الْبِرُّ " مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا عَلِقَتْ بِهِ " الرُّؤْيَةُ " مِنْ اسْمِ الْإِيمَانِ وَنَحْوِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ فَيَعُمُّ الطَّائِفَتَيْنِ.
وَبِهَذَا " الْوَجْهِ " احْتَجَّ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَرَوْنَ رَبَّهُمْ.
فَقَالُوا: لَمَّا حُجِبَ الْكُفَّارُ بِالسَّخَطِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ بِالرِّضَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُؤْمِنَاتِ فَارَقْنَ الْكُفَّارَ فِيمَا اسْتَحَقُّوا بِهِ السَّخَطَ وَالْحِجَابَ وَشَارَكُوا الْمُؤْمِنِينَ

فِيمَا اسْتَحَقُّوا بِهِ الرِّضْوَانَ وَالْمُعَايَنَةَ فَثَبَتَتْ الرُّؤْيَةُ فِي حَقِّهِمْ بِاعْتِبَارِ الطَّرْدِ وَاعْتِبَارِ الْعَكْسِ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ إنْ لَمْ نَقْطَعْهُ لَمْ يَنْقَطِعْ.
فَإِنْ قِيلَ: دَلَالَةُ الْعُمُومِ ضَعِيفَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: أَكْثَرُ العمومات مَخْصُوصَةٌ؛ وَقِيلَ: مَا ثَمَّ لَفْظٌ عَامٌّ إلَّا قَوْلَهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ دَلَالَةَ الْعُمُومِ رَأْسًا.
قُلْنَا: أَمَّا " دَلَالَةُ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ الْعَقْلِيِّ " فَمَا أَنْكَرَهُ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ فِيمَا أَعْلَمُهُ؛ بَلْ وَلَا مِنْ الْعُقَلَاءِ وَلَا يُمْكِنُ إنْكَارُهَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي " أَهْلِ الظَّاهِرِ الصِّرْفِ " الَّذِينَ لَا يَلْحَظُونَ الْمَعَانِيَ كَحَالِ مَنْ يُنْكِرُهَا؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُنْكِرُونَ عُمُومَ الْأَلْفَاظِ؛ بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ الْعُمْدَةُ وَلَا يُنْكِرُونَ عُمُومَ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ؛ وَإِلَّا قَدْ يُنْكِرُونَ كَوْنَ عُمُومِ الْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةِ مَفْهُومًا مِنْ خِطَابِ الْغَيْرِ.
فَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا جَمَعَ بَيْنَ إنْكَارِ " العمومين " اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ وَنَحْنُ قَدْ قَرَّرْنَا الْعُمُومَ بِهِمَا جَمِيعًا فَيَبْقَى مَحَلُّ وِفَاقٍ مَعَ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ؛ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ فِي الْجُمْلَةِ؛ وَمَنْ أَنْكَرَهُ سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ إثْبَاتَ حُكْمِ الْأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ؛ بَلْ سَدَّ عَلَى عَقْلِهِ أَخَصَّ أَوْصَافِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ الْعَامَّةِ وَنَحْنُ قَدْ قَرَّرْنَا الْعُمُومَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ بَلْ قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِثْلِ هَذَا الْعُمُومِ: هَلْ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ.
وَأَمَّا " الْعُمُومُ اللَّفْظِيُّ " فَمَا أَنْكَرَهُ أَيْضًا إمَامٌ وَلَا طَائِفَةٌ لَهَا مَذْهَبٌ مُسْتَقِرٌّ

فِي الْعِلْمِ وَلَا كَانَ فِي " الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ " مَنْ يُنْكِرُهُ؛ وَإِنَّمَا حَدَثَ إنْكَارُهُ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَظَهَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ وَأَكْبَرُ سَبَبِ إنْكَارِهِ إمَّا مِنْ الْمُجَوِّزِينَ لِلْعَفْوِ مِنْ " أَهْلِ السُّنَّةِ ". وَمِنْ أَهْلِ الْمُرْجِئَةِ مَنْ ضَاقَ عَطَنُهُ لَمَّا نَاظَرَهُ الوعيدية بِعُمُومِ آيَاتِ الْوَعِيدِ وَأَحَادِيثِهِ فَاضْطَرَّهُ ذَلِكَ إلَى أَنْ جَحَدَ الْعُمُومَ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ فَكَانُوا فِيمَا فَرُّوا إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْجَحْدِ كَالْمُسْتَجِيرِ مِنْ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ.
وَلَوْ اهْتَدَوْا لِلْجَوَابِ السَّدِيدِ " للوعيدية ": مِنْ أَنَّ الْوَعِيدَ فِي آيَةٍ وَإِنْ كَانَ عَامًّا مُطْلَقًا فَقَدْ خُصِّصَ وَقُيِّدَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - جَرْيًا عَلَى السُّنَنِ الْمُسْتَقِيمَةِ - أَوْلَى بِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الْمُتَوَعَّدِ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا.
تَقْيِيدًا لِلْوَعِيدِ الْمُطْلَقِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَقْرِيرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ قَرَّرُوا الْعُمُومَ بِمَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ ذِكْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ يُقَالُ: بَلْ الْعِلْمُ بِحُصُولِ الْعُمُومِ مِنْ صِيَغِهِ ضَرُورِيٌّ مِنْ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعُرْفِ وَالْمُنْكِرُونَ لَهُ فِرْقَةٌ قَلِيلَةٌ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ جَحْدُ الضَّرُورِيَّاتِ أَوْ سَلْبُ مَعْرِفَتِهَا؛ كَمَا جَازَ عَلَى مَنْ جَحَدَ الْعِلْمَ بِمُوجَبِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَالِمِ الضَّرُورِيَّةِ.
وَأَمَّا مَنْ سَلَّمَ أَنَّ الْعُمُومَ ثَابِتٌ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ.
وَقَالَ: هُوَ ضَعِيفٌ أَوْ أَكْثَرُ العمومات مَخْصُوصَةٌ وَأَنَّهُ مَا مِنْ عُمُومٍ مَحْفُوظٍ إلَّا كَلِمَةً أَوْ كَلِمَاتٍ.
فَيُقَالُ لَهُ: " أَوَّلًا " هَذَا سُؤَالٌ لَا تَوْجِيهَ لَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْته لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعُمُومِ أَوْ لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ مَانِعًا

فَهُوَ مَذْهَبُ مُنْكِرِي الْعُمُومِ مِنْ الْوَاقِفَةِ وَالْمُخَصِّصَةِ وَهُوَ مَذْهَبٌ سَخِيفٌ لَمْ يُنْتَسَبْ إلَيْهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ فَهَذَا كَلَامٌ ضَائِعٌ غَايَتُهُ أَنْ يُقَالَ: دَلَالَةُ الْعُمُومِ أَضْعَفُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الظَّوَاهِرِ وَهَذَا لَا يُقَرُّ؛ فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ الْمُخَصِّصُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ.
ثُمَّ يُقَالَ " ثَانِيًا ": مَنْ الَّذِي سَلَّمَ لَكُمْ أَنَّ الْعُمُومَ الْمُجَرَّدَ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَصِّصٌ دَلِيلٌ ضَعِيفٌ؟ أَمْ مَنْ الَّذِي سَلَّمَ أَنَّ أَكْثَرَ العمومات مَخْصُوصَةٌ؟ أَمْ مَنْ الَّذِي يَقُولُ مَا مِنْ عُمُومٍ إلَّا قَدْ خُصَّ إلَّا قَوْلَهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؟ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُطْلِقُهُ بَعْضُ السَّادَاتِ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُ مِنْ أَكْذَبِ الْكَلَامِ وَأَفْسَدِهِ.
وَالظَّنُّ بِمَنْ قَالَهُ " أَوَّلًا " أَنَّهُ إنَّمَا عَنَى أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ لَفْظِ " كُلِّ شَيْءٍ " مَخْصُوصٌ إلَّا فِي مَوَاضِعَ قَلِيلَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وَإِلَّا فَأَيُّ عَاقِلٍ يَدَّعِي هَذَا فِي جَمِيعِ صِيَغِ الْعُمُومِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفِي سَائِرِ كُتُبِ اللَّهِ وَكَلَامِ أَنْبِيَائِهِ وَسَائِرِ كَلَامِ الْأُمَمِ عَرَبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ.
وَأَنْتَ إذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَجَدْت غَالِبَ عموماته مَحْفُوظَةً؛ لَا مَخْصُوصَةً.
سَوَاءٌ عَنَيْت عُمُومَ الْجَمْعِ لِأَفْرَادِهِ أَوْ عُمُومَ الْكُلِّ لِأَجْزَائِهِ أَوْ عُمُومَ الْكُلِّ لِجُزَيْئَاتِهِ فَإِذَا اعْتَبَرْت قَوْلَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَهَلْ تَجِدُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ لَيْسَ اللَّهُ رَبَّهُ؟ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فَهَلْ فِي يَوْمِ الدِّينِ شَيْءٌ لَا يَمْلِكُهُ

اللَّهُ؟ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَهَلْ فِي الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ أَحَدٌ لَا يُجْتَنَبُ حَالُهُ الَّتِي كَانَ بِهَا مَغْضُوبًا عَلَيْهِ أَوْ ضَالًّا؟ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ الْآيَةَ.
فَهَلْ فِي هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ أَحَدٌ لَمْ يَهْتَدِ بِهَذَا الْكِتَابِ؟ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ . هَلْ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مَا لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ لَا عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا؟ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ هَلْ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ عَنْ الْهُدَى فِي الدُّنْيَا وَعَنْ الْفَلَاحِ فِي الْآخِرَةِ؟ . ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قِيلَ: هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَقِيلَ: هُوَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ فَلَا تَخْصِيصَ فِيهِ؛ فَإِنَّ التَّخْصِيصَ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِ عُمُومِ اللَّفْظِ؛ وَمِنْ هُنَا يَغْلَطُ كَثِيرٌ مِنْ الغالطين يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ ثُمَّ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ قَدْ خُصَّ مِنْهُ؛ وَلَوْ أَمْعَنُوا النَّظَرَ لَعَلِمُوا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنَّ الَّذِي أَخْرَجُوهُ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ شَامِلًا لَهُ فَفُرِّقَ بَيْنَ شُرُوطِ الْعُمُومِ وَمَوَانِعِهِ وَبَيْنَ شُرُوطِ دُخُولِ الْمَعْنَى فِي إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَوَانِعِهِ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أَلَيْسَ هُوَ عَامًّا لِمَنْ عَادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ عُمُومًا مَحْفُوظًا؟ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ أَلَيْسَ هُوَ عَامًّا فِي الْقُلُوبِ وَفِي السَّمْعِ وَفِي الْأَبْصَارِ وَفِي الْمُضَافِ إلَيْهِ هَذِهِ الصِّفَةُ عُمُومًا لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ؟ وَكَذَلِكَ (وَلَهُمْ) وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ إذَا تَأَمَّلْته إلَى قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فَمَنْ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ هَذَا الْعُمُومِ الثَّانِي فَلَمْ يَخْلُقْهُمْ اللَّهُ لَهُ؟ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.

وَإِنْ مَشَيْت عَلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ كَمَا تُلَقَّنُ الصِّبْيَانُ وَجَدْت الْأَمْرَ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ﴿إلَهِ النَّاسِ﴾ فَأَيُّ نَاسٍ لَيْسَ اللَّهُ رَبَّهُمْ؟ أَمْ لَيْسَ مَلِكَهُمْ؟ أَمْ لَيْسَ إلَهَهُمْ؟ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى وَاحِدًا فَلَا عُمُومَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ جِنْسًا فَهُوَ عَامٌّ فَأَيُّ وَسْوَاسٍ خَنَّاسٍ لَا يُسْتَعَاذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ؟ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ أَيُّ جُزْءٍ مِنْ " الْفَلَقِ " أَمْ أَيُّ (فَلَقٍ لَيْسَ اللَّهُ رَبَّهُ؟ ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ أَيُّ شَرٍّ مِنْ الْمَخْلُوقِ لَا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ؟ ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾ أَيُّ نَفَّاثَةٍ فِي الْعُقَدِ لَا يُسْتَعَاذُ مِنْهَا؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ﴾ مَعَ أَنَّ عُمُومَ هَذَا فِيهِ بَحْثٌ دَقِيقٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ.
ثُمَّ " سُورَةُ الْإِخْلَاصِ " فِيهَا أَرْبَعُ عمومات: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْوِلَادَةِ وَكَذَلِكَ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ وَكَذَلِكَ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فَإِنَّهَا تَعُمُّ كُلَّ أَحَدٍ وَكُلَّ مَا يَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْكُفُؤِ فَهَلْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا خُصُوصٌ؟ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ الَّتِي هِيَ أَشْهَرُ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ وَهِيَ كَلِمَةُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " فَهَلْ دَخَلَ هَذَا الْعُمُومَ خُصُوصٌ قَطُّ؟ فَاَلَّذِي يَقُولُ بَعْدَ هَذَا: مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وَقَدْ خُصَّ إلَّا كَذَا وَكَذَا إمَّا فِي غَايَةِ الْجَهْلِ وَإِمَّا فِي غَايَةِ التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَارَةِ؛ فَإِنَّ الَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّهُ إنَّمَا عَنَى: " مِنْ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ " مَعَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمِ؛ وَإِنْ فُسِّرَ

جارٍ التحميل