مجموع الفتاوىصفحات 312-351

الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:

صفحات 312-351
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

بْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
وَذَهَبَ إلَى الشَّامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وعبادة بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ وَأَمْثَالُهُمْ.
وَبَقِيَ عِنْدَهُ مِثْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمِثْلُ أبي بْنِ كَعْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مسلمة وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ - وَهُوَ أَعْلَمُ مَنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ مِنْ الصَّحَابَةِ إذْ ذَاكَ - يُفْتِي بِالْفُتْيَا ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَةَ فَيَسْأَلُ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَرُدُّونَهُ عَنْ قَوْلِهِ فَيَرْجِعُ إلَيْهِمْ كَمَا جَرَى فِي مَسْأَلَةِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ لَمَّا ظَنَّ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهَا وَفِي الرَّبِيبَةِ وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ حَلَّتْ أُمُّهَا كَمَا تَحُلُّ ابْنَتُهَا فَلَمَّا جَاءَ إلَى الْمَدِينَةِ وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَهُ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الرَّبِيبَةِ دُونَ الْأُمَّهَاتِ.
فَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ وَأَمَرَ الرَّجُلَ بِفِرَاقِ امْرَأَتِهِ بَعْدَ مَا حَمَلَتْ.
وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيمَا يَعْمَلُونَ: إمَّا أَنْ يَكُونَ سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَإِمَّا أَنْ يَرْجِعُوا إلَى قَضَايَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيُقَالُ: إنَّ مَالِكًا أَخَذَ جُلَّ الْمُوَطَّأِ عَنْ رَبِيعَةَ وَرَبِيعَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ؛ وَعُمَرُ مُحَدِّثٌ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ

قَالَ: ﴿كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدِّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ﴾ وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ﴾ . وَكَانَ عُمَرُ يُشَاوِرُ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ: كَعُثْمَانِ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ؛ وَسَعْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وَهُمْ أَهْلُ الشُّورَى؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ اُنْظُرُوا مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُشَاوَرُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا كَانَ يَقْضِي أَوْ يُفْتِي بِهِ عُمَرُ وَيُشَاوِرُ فِيهِ هَؤُلَاءِ أَرْجَحُ مِمَّا يَقْضِي أَوْ يُفْتِي بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ نَحْوُهُ؛ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَكَانَ عُمَرُ فِي مَسَائِلِ الدِّينِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إنَّمَا يَتْبَعُ مَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يُشَاوِرُ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى كَمَا شَاوَرَهُ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ زَوْجُهَا: هَلْ تَرِثُ؟ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَحَصَلَتْ الْفِتْنَةُ وَالْفُرْقَةُ وَانْتَقَلَ عَلِيٌّ إلَى الْعِرَاقِ هُوَ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ مَنْ هُوَ مِثْلُ هَؤُلَاءِ وَلَكِنْ كَانَ بِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ مِثْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي أَيُّوبَ؛ وَمُحَمَّدِ بْنِ مسلمة؛ وَأَمْثَالِهِمْ مَنْ هُوَ أَجَلُّ مِمَّنْ مَعَ عَلِيٍّ مِنْ الصَّحَابَةِ.
ف

َأَعْلَمُ مَنْ كَانَ بِالْكُوفَةِ

مِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعَلِيٌّ كَانَ

بِالْمَدِينَةِ إذْ كَانَ بِهَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ نَائِبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيًّا مَعَ هَؤُلَاءِ أَعْظَمُ عِلْمًا وَفَضْلًا مِنْ جَمِيعِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَلِهَذَا كَانَ الشَّافِعِيُّ يُنَاظِرُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي الْفِقْهِ مُحْتَجًّا عَلَى الْمُنَاظَرِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فَصَنَّفَ الشَّافِعِيُّ " كِتَابَ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ " يُبَيِّنُ فِيهِ مَا تَرَكَهُ الْمُنَاظِرُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قَوْلِهِمَا.
وَجَاءَ بَعْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِي فَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا صَنَّفَ الشَّافِعِيُّ قَالَ: إنَّكُمْ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ تَتْرُكُونَ قَوْلَيْهِمَا لِمَا هُوَ رَاجِحٌ مِنْ قَوْلَيْهِمَا وَكَذَلِكَ غَيْرُكُمْ يَتْرُكُ ذَلِكَ لِمَا هُوَ رَاجِحٌ مِنْهُ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ: أَنَّ سَائِرَ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِ الْكُوفَةِ كَانُوا مُنْقَادِينَ لِعِلْمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ أَكْفَاءَهُمْ فِي الْعِلْمِ كَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ مِثْلَ الأوزاعي وَمَنْ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مِنْ الشَّامِيِّينَ وَمِثْلَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمَنْ قَبْلُ وَمَنْ بَعْدُ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ وَأَنَّ تَعْظِيمَهُمْ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَاتِّبَاعَهُمْ لِمَذَاهِبِهِمْ الْقَدِيمَةِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ.
وَكَذَلِكَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَأَيُّوبِ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ؛ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ؛ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَلِهَذَا ظَهَرَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ الْأَمْصَارِ فَإِنَّ أَهْلَ مِصْرَ صَارُوا نُصْرَةً لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ أَجِلَّاءُ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمِصْرِيِّينَ كَابْنِ وَهْبٍ؛ وَابْنِ الْقَاسِمِ؛ وَأَشْهَبَ: وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ.
وَالشَّامِيُّونَ

مِثْلُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ؛ وَمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ وَأَمْثَالِهِمْ؛ لَهُمْ رِوَايَاتٌ مَعْرُوفَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ؛ وَمِثْلِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إسْحَاقَ الْقَاضِي وَأَمْثَالِهِمْ؛ كَانُوا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ؛ وَكَانُوا قُضَاةَ الْقُضَاةِ وَإِسْمَاعِيلُ وَنَحْوُهُ كَانُوا مِنْ أَجَلِّ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ بَعْدَ الْفِتْنَةِ وَالْفُرْقَةِ يَدَّعُونَ مُكَافَأَةَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا قَبْلَ الْفِتْنَةِ وَالْفُرْقَةِ فَقَدْ كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمُنْقَادِينَ لَهُمْ لَا يُعْرَفُ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا يَدَّعِي أَنَّ أَهْلَ مَدِينَتِهِ أَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَتَفَرَّقَتْ الْأُمَّةُ وَصَارُوا شِيَعًا ظَهَرَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَنْ يُسَاوِي بِعُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَوَجْهُ الشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ ضَعُفَ أَمْرُ الْمَدِينَةِ لِخُرُوجِ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ مِنْهَا وَقَوِيَ أَمْرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِحُصُولِ عَلِيٍّ فِيهَا لَكِنْ مَا فِيهِ الْكَلَامُ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ قَدْ اسْتَقَرَّ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ سَائِرِ الْأَمْصَارِ قَبْلَ الْفُرْقَةِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ وَحَدِيثِهِمْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ قَالَ عُبَيْدَةُ السلماني قَاضِي عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأْيُك مَعَ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك وَحْدَك فِي الْفُرْقَةِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ بِالْكُوفَةِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالتَّفَرُّقِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا؛ الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا؛ الْفِتْنَةُ مِنْ هَاهُنَا؛ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ: إمَّا رِوَايَةٌ وَإِمَّا رَأْيٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَصَحُّ أَهْلِ الْمُدُنِ رِوَايَةً وَرَأْيًا.
وَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَأَصَحُّ الْأَحَادِيثِ وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ أَصَحَّ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَحَادِيثُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَمَّا أَحَادِيثُ أَهْلِ الشَّامِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ وَضَبْطِ الْأَلْفَاظِ مَا لِهَؤُلَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ وَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ؛ وَالشَّامِ - مَنْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَضْبُطُ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ فِي أَهْلِ بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيهِمْ فَفِي زَمَنِ التَّابِعِينَ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ لَا سِيَّمَا الشِّيعَةَ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ الطَّوَائِفِ كَذِبًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا يُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَجُّونَ بِعَامَّةِ أَحَادِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ كَذَّابِينَ وَلَمْ يَكُونُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ فَأَمَّا إذَا عَلِمُوا صِدْقَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ كَمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ السختياني وَهُوَ عِرَاقِيٌّ فَقِيلَ

لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ أَحَدٍ إلَّا وَأَيُّوبُ أَفْضَلُ مِنْهُ أَوْ نَحْوُ هَذَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذَا رَوَى سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثًا لَا يُحْتَجُّ بِهِ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ وَإِلَّا فَلَا ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنَّا فَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَأَخْبِرْنِي بِهِ حَتَّى أَذْهَبَ إلَيْهِ شَامِيًّا كَانَ أَوْ بَصْرِيًّا أَوْ كُوفِيًّا وَلَمْ يَقُلْ مَكِّيًّا أَوْ مَدَنِيًّا لِأَنَّهُ كَانَ يَحْتَجُّ بِهَذَا قَبْلُ.
وَأَمَّا عُلَمَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ كشعبة وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَأَصْحَابِ الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ فَكَانُوا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ وَغَيْرِهِمْ فَيَعْلَمُونَ مَنْ بِالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ مِنْ الثِّقَاتِ الَّذِينَ لَا رَيْبَ فِيهِمْ وَأَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلَا يَسْتَرِيبُ عَالِمٌ فِي مِثْلِ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كعلقمة؛ وَالْأَسْوَدِ؛ وَعُبَيْدَةَ السلماني؛ وَالْحَارِثِ التيمي وشريح الْقَاضِي ثُمَّ مِثْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِي؛ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَوْثَقِ النَّاسِ وَأَحْفَظِهِمْ فَلِهَذَا صَارَ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقِينَ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِمَا صَحَّحَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِنْ أَيِّ مِصْرٍ كَانَ وَصَنَّفَ أَبُو دَاوُد السجستاني مفاريد أَهْلِ الْأَمْصَارِ يَذْكُرُ فِيهِ مَا انْفَرَدَ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ.

وَأَمَّا الْفِقْهُ وَالرَّأْيُ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي أُصُولِ الدِّينِ وَلَمَّا حَدَثَ الْكَلَامُ فِي الرَّأْيِ فِي أَوَائِلِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ وَفَرَّعَ لَهُمْ رَبِيعَةُ بْنُ هُرْمُزَ فُرُوعًا كَمَا فَرَّعَ عُثْمَانُ البتي وَأَمْثَالُهُ بِالْبَصْرَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَمْثَالُهُ بِالْكُوفَةِ وَصَارَ فِي النَّاسِ مَنْ يَقْبَلُ ذَلِكَ وَفِيهِمْ مَنْ يَرُدُّ وَصَارَ الرَّادُّونَ لِذَلِكَ مِثْلَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ وَالزُّهْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَة وَأَمْثَالِهِمْ؛ فَإِنْ رَدُّوا مَا رَدُّوا مِنْ الرَّأْيِ الْمُحْدَثِ بِالْمَدِينَةِ فَهُمْ لِلرَّأْيِ الْمُحْدَثِ بِالْعِرَاقِ أَشَدُّ رَدًّا فَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِيمَا لَا يُحْمَدُ وَهُمْ فَوْقَهُمْ فِيمَا يَحْمَدُونَهُ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الرُّجْحَانُ.
وَأَمَّا مَا قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتَّى فَشَا فِيهِمْ الْمُوَلَّدُونَ: أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ فَقَالُوا فِيهِمْ بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَة: فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مَا حَدَثَ مِنْ الرَّأْيِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُوَلَّدِينَ أَبْنَاءِ سَبَايَا الْأُمَمِ وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَبِالْبَصْرَةِ وَبِالْكُوفَةِ وَاَلَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ أَحْمَد عِنْدَ هَذَا مِمَّنْ بِالْعِرَاقِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ إحْدَى الدَّوْلَتَيْنِ إنَّهُمْ كَانُوا أَتْبَعَ لِلسُّنَنِ مِنْ الدَّوْلَةِ الْأُخْرَى قَالَ ذَلِكَ لِأَجْلِ مَا ظَهَرَ بِمُقَارَبَتِهَا مِنْ الْحَدَثَانِ لِأَنَّ أُولَئِكَ أَوْلَى بِالْخِلَافَةِ نَسَبًا وَقَرْنًا.

وَقَدْ كَانَ الْمَنْصُورُ وَالْمَهْدِيُّ وَالرَّشِيدُ - وَهُمْ سَادَاتُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ - يُرَجِّحُونَ عُلَمَاءَ الْحِجَازِ وَقَوْلَهُمْ عَلَى عُلَمَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَمَا كَانَ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ يُرَجِّحُونَ أَهْلَ الْحِجَازِ عَلَى عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ وَلَمَّا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَسْلُكْ هَذَا السَّبِيلَ بَلْ عَدَلَ إلَى الْآرَاءِ الْمَشْرِقِيَّةِ كَثُرَتْ الْأَحْدَاثُ فِيهِمْ وَضَعُفَتْ الْخِلَافَةُ.
ثُمَّ إنَّ بَغْدَادَ إنَّمَا صَارَ فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مَا صَارَ وَتَرَجَّحَتْ عَلَى غَيْرِهَا بَعْدَ مَوْتِ مَالِكٍ وَأَمْثَالِهِ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ؛ وَسَكَنَهَا مَنْ أَفْشَى السُّنَّةَ بِهَا وَأَظْهَرَ حَقَائِقَ الْإِسْلَامِ مِثْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ ظَهَرَتْ بِهَا السُّنَّةُ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَكَثُرَ ذَلِكَ فِيهَا وَانْتَشَرَ مِنْهَا إلَى الْأَمْصَارِ وَانْتَشَرَ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَصَارَ فِي الْمَشْرِقِ مِثْلُ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْه وَأَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَصَارَ إلَى الْمَغْرِبِ مِنْ عِلْمِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا نُقِلَ إلَيْهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ فَصَارَ فِي بَغْدَادَ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَا يَكُونُ مِثْلُهُ إذْ ذَاكَ بِالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ.
أَمَّا أَحْوَالُ الْحِجَازِ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ عَصْرِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ مَنْ يُفَضَّلُ عَلَى عُلَمَاءِ الْمَشْرِقِ وَالْعِرَاقِ وَالْمَغْرِبِ.

وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ وَلَوْ اسْتَقْصَيْنَا فَضْلَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَصِحَّةَ أُصُولِهِمْ لَطَالَ الْكَلَامُ.
إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَلَا رَيْبَ عِنْدَ أَحَدٍ أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقْوَمُ النَّاسِ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رِوَايَةً وَرَأْيًا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ وَلَا بَعْدَهُ أَقْوَمُ بِذَلِكَ مِنْهُ كَانَ لَهُ مِنْ الْمَكَانَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - الْخَاصِّ مِنْهُمْ وَالْعَامِّ - مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ بِالْعِلْمِ أَدْنَى إلْمَامٍ وَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ أَخْبَارَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فَبَلَغُوا أَلْفًا وسبعمائة أَوْ نَحْوَهَا وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّصَلَ إلَى الْخَطِيبِ حَدِيثُهُمْ بَعْدَ قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ فَكَيْفَ بِمَنْ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ إلَيْهِ خَبَرُهُمْ فَإِنَّ الْخَطِيبَ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَعَصْرُهُ وَعَصْرُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِي وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَاحِدٌ وَمَالِكٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ أَبُو حَنِيفَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ الشَّافِعِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ وَتُوُفِّيَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَكْثَرُ صَوَابًا بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْقُرْآنِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مَعَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ عَلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ

أَصَحُّ مِنْ مُسْلِمٍ وَمَنْ رَجَّحَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ رَجَّحَهُ بِجَمْعِهِ أَلْفَاظَ أَحَادِيثَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْسَرُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ جَمْعَ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مُسْلِمٌ أَوْ الرِّجَالَ الَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمْ أَصَحُّ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْبُخَارِيُّ وَمِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمْ؛ فَهَذَا غَلَطٌ لَا يَشُكُّ فِيهِ عَالِمٌ كَمَا لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَعْلَمُ مِنْ مُسْلِمٍ بِالْحَدِيثِ وَالْعِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَأَنَّهُ أَفْقَهُ مِنْهُ؛ إذْ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد أَفْقَهُ أَهْلِ الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَتَّفِقُ لِبَعْضِ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَعْضِ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فَهَذَا قَلِيلٌ وَالْغَالِبُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْقُرْآنِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَانِ الْكِتَابَانِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَرَّدَ فِيهِمَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الْمُسْنَدَ وَلَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ بِتَصْنِيفِهِمَا ذِكْرَ آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا سَائِرِ الْحَدِيثِ مِنْ الْحَسَنِ وَالْمُرْسَلِ وَشِبْهِ ذَلِكَ وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَا جُرِّدَ فِيهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمُسْنَدُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ أَصَحُّ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ مَنْقُولًا عَنْ الْمَعْصُومِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ.
وَأَمَّا الْمُوَطَّأُ وَنَحْوُهُ فَإِنَّهُ صُنِّفَ عَلَى طَرِيقَةِ الْعُلَمَاءِ الْمُصَنِّفِينَ إذْ ذَاكَ فَإِنَّ النَّاسَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَكْتُبُونَ الْقُرْآنَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا عَنْهُ غَيْرَ

الْقُرْآنِ وَقَالَ: ﴿مَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ﴾ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ حَيْثُ ﴿أَذِنَ فِي الْكِتَابَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَالَ: اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ﴾ وَكَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كِتَابًا قَالُوا: وَكَانَ النَّهْيُ أَوَّلًا خَوْفًا مِنْ اشْتِبَاهِ الْقُرْآنِ بِغَيْرِهِ ثُمَّ أَذِنَ لَمَّا أُمِنَ ذَلِكَ فَكَانَ النَّاسُ يَكْتُبُونَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَكْتُبُونَ وَكَتَبُوا أَيْضًا غَيْرَهُ.
وَلَمْ يَكُونُوا يُصَنِّفُونَ ذَلِكَ فِي كُتُبٍ مُصَنَّفَةٍ إلَى زَمَنِ تَابِعِ التَّابِعِينَ فَصُنِّفَ الْعِلْمُ فَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ ابْنُ جريج شَيْئًا فِي التَّفْسِيرِ وَشَيْئًا فِي الْأَمْوَاتِ.
وَصَنَّفَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَمَعْمَرٌ وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ يُصَنِّفُونَ مَا فِي الْبَابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَهَذِهِ هِيَ كَانَتْ كُتُبَ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ بَعْدَ الْقُرْآنِ فَصَنَّفَ مَالِكٌ الْمُوَطَّأَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
وَصَنَّفَ بَعْدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ؛ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ؛ وَوَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ فَهَذِهِ الْكُتُبُ الَّتِي كَانُوا يَعُدُّونَهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ هِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَالَ: لَيْسَ بَعْدَ الْقُرْآنِ كِتَابٌ أَكْثَرُ صَوَابًا مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ فَإِنَّ حَدِيثَهُ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ نُظَرَائِهِ وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَد لَمَّا سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَرَأْيِهِ

وَحَدِيثِ غَيْرِهِ وَرَأْيِهِمْ؟ رَجَّحَ حَدِيثَ مَالِكٍ وَرَأْيَهُ عَلَى حَدِيثِ أُولَئِكَ وَرَأْيِهِمْ.
وَهَذَا يُصَدِّقُ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ﴾ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ كَابْنِ جريج وَابْنِ عُيَيْنَة وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مَالِكٌ.
وَاَلَّذِينَ نَازَعُوا فِي هَذَا لَهُمْ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: الطَّعْنُ فِي الْحَدِيثِ فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ مَالِكٍ كَالْعُمَرِيِّ الزَّاهِدِ وَنَحْوِهِ.
فَيُقَالُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَأَنَّهُ مَالِكٌ أَمْرٌ متقرر لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا وَبِالتَّوَاتُرِ لِمَنْ كَانَ غَائِبًا؛ فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِ مَالِكٍ أَحَدٌ ضَرَبَ إلَيْهِ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ أَكْثَرُ مِنْ مَالِكٍ.
وَهَذَا يُقَرَّرُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِطَلَبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى مِثْلِ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَاللَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَالِكًا تَأَخَّرَ مَوْتُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ فَإِنَّهُ

تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَاتُوا قَبْلَ ذَلِكَ.
فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَّةِ أَعْلَمُ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ وَهَذَا لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا رُحِلَ إلَى أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ مَا رُحِلَ إلَى مَالِكٍ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ رُحِلَ إلَيْهِ مِنْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَرَحَلَ إلَيْهِ النَّاسُ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْمُلُوكِ وَالْعَامَّةِ وَانْتَشَرَ مُوَطَّؤُهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى لَا يُعْرَفَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ كِتَابٌ بَعْدَ الْقُرْآنِ كَانَ أَكْثَرَ انْتِشَارًا مِنْ الْمُوَطَّأِ وَأَخَذَ الْمُوَطَّأَ عَنْهُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِنْ أَصْغَرِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَمْثَالُهُمَا وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إذَا حَدَّثَ بِالْعِرَاقِ عَنْ مَالِكٍ وَالْحِجَازِيِّينَ تَمْتَلِئُ دَارُهُ وَإِذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَقِلُّ النَّاسُ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ عِلْمَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ.
و

َأَجَلُّ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ الْعِلْمَ

اثْنَانِ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَة.
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّ مَالِكًا أَجَلُّ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَة حَتَّى إنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنِّي وَمَالِكًا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: وَابْنُ اللَّبُونِ إذَا مَا لَزَّ فِي قَرْنٍ ... لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ الْبَزْلِ القناعيس وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي ضُرِبَتْ إلَيْهِ أَكْبَادُ الْإِبِلِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا زَاهِدًا آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ

نَاهِيًا عَنْ الْمُنْكَرِ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّ النَّاسَ احْتَاجُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ وَلَا رَحَلُوا إلَيْهِ فِيهِ.
وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَمْرًا يَسْتَشِيرُ مَالِكًا وَيَسْتَفْتِيهِ كَمَا نُقِلَ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُ لَمَّا كَتَبَ إلَيْهِ مِنْ الْعِرَاقِ أَنْ يَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ فَقَالَ: حَتَّى أُشَاوِرَ مَالِكًا فَلَمَّا اسْتَشَارَهُ أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ هَذَا لَا يَتْرُكُهُ وَلَدُ الْعَبَّاسِ حَتَّى تُرَاقَ فِيهِ دِمَاءٌ كَثِيرَةٌ وَذَكَرَ لَهُ مَا ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - لَمَّا قِيلَ لَهُ: وَلِّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ - أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَا يَدَعُونَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تُرَاقَ فِيهِ دِمَاءٌ كَثِيرَةٌ.
وَهَذِهِ عُلُومُ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفُتْيَا وَغَيْرِهَا مِنْ الْعُلُومِ؛ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا عَنْ الْعُمَرِيِّ الزَّاهِدِ مِنْهَا مَا يُذْكَرُ فَكَيْفَ يُقْرَنُ هَذَا بِمَالِكِ فِي الْعِلْمِ وَرِحْلَةِ النَّاسِ إلَيْهِ؟ . ثُمَّ هَذِهِ كُتُبُ الصَّحِيحِ الَّتِي أَجَلُّ مَا فِيهَا كِتَابُ الْبُخَارِيِّ أَوَّلُ مَا يَسْتَفْتِحُ الْبَابَ بِحَدِيثِ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَابِ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ لَا يُقَدِّمُ عَلَى حَدِيثِهِ غَيْرَهُ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ ضَرَبُوا أَكْبَادَ الْإِبِلِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَلَمْ يَجِدُوا عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ مَالِكٍ فِي وَقْتِهِ.
وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مَعَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ: إمَّا مُوَافِقٌ؛ وَإِمَّا مُنَازِعٌ فَالْمُوَافِقُ لَهُمْ عَضُدٌ وَنَصِيرٌ وَالْمُنَازِعُ لَهُمْ مُعَظِّمٌ لَهُمْ مُبَجِّلٌ لَهُمْ

عَارِفٌ بِمِقْدَارِهِمْ.
وَمَا تَجِدُ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِأَقْوَالِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ إلَّا مَنْ لَيْسَ مَعْدُودًا مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ مَالِكًا هُوَ الْقَائِمُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مِنْ رُجْحَانِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَائِرِ الْأَمْصَارِ؛ فَإِنَّ مُوَطَّأَهُ مَشْحُونٌ: إمَّا بِحَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ وَإِمَّا بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: إمَّا قَدِيمًا؛ وَإِمَّا حَدِيثًا.
وَإِمَّا مَسْأَلَةٌ تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ فَيَخْتَارُ فِيهَا قَوْلًا وَيَقُولُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت.
فَأَمَّا بِآثَارِ مَعْرُوفَةٍ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَنْ هُوَ أَتْبَعُ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ مَالِكٍ فَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ.
وَلَسْنَا نُنْكِرُ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ أَوَّلًا لِأَحَادِيثِهِمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدراوردي أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ تَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ: تعرقت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيْ: صِرْت فِيهَا إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ يُقَدِّرُونَ أَقَلَّ الْمَهْرِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ لَكِنَّ النِّصَابَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
وَأَمَّا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فَالنِّصَابُ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ أَوْ رُبُعُ دِينَارٍ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ.
فَيُقَالُ: أَوَّلًا: إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَافِقَهُمْ

وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ يَعِيبُونَ الرَّجُلَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَمَّا اسْتَفْتَاهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَكَمَا قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لِرَبِيعَةَ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ عَقْلِ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَمِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَلِيلٌ جِدًّا وَمَا مِنْ عَالِمٍ إلَّا وَلَهُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ ابْنُ خويز منداد فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ كُتُبِ الرَّأْيِ وَالْإِجَارَةِ عَلَيْهَا: لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ رَأْيِ صَاحِبِنَا مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ لَكِنَّهُ أَقَلُّ خَطَأً مِنْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَأَكْثَرُهُ نَجِدُ مَالِكًا قَدْ قَالَ بِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَمَسْأَلَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ.
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ رَوَوْا عَنْ مَالِكٍ الرَّفْعَ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ؛ لَكِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَنَحْوَهُ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ هَمّ الَّذِينَ قَالُوا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُدَوَّنَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصْلُهَا مَسَائِلُ أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ الَّتِي فَرَّعَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ ثُمَّ سَأَلَ عَنْهَا أَسَدٌ ابْنَ الْقَاسِمِ.
فَأَجَابَهُ بِالنَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ وَتَارَةً بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ أَصْلُهَا فِي رِوَايَةِ سحنون فَلِهَذَا يَقَعُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَيْلِ إلَى أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
ثُمَّ اتَّفَقَ أَنَّهُ لَمَّا انْتَشَرَ مَذْهَبُ مَالِكٍ بِالْأَنْدَلُسِ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى

عَامِلَ الْأَنْدَلُسِ وَالْوُلَاةُ يَسْتَشِيرُونَهُ فَكَانُوا يَأْمُرُونَ الْقُضَاةَ أَنْ لَا يَقْضُوا إلَّا بِرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَانْتَشَرَتْ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لِأَجْلِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَقَدْ تَكُونُ مَرْجُوحَةً فِي الْمَذْهَبِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى صَارُوا يَتْرُكُونَ رِوَايَةَ الْمُوَطَّأِ الَّذِي هُوَ مُتَوَاتِرٌ عَنْ مَالِكٍ وَمَا زَالَ يُحَدِّثُ بِهِ إلَى أَنْ مَاتَ لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَمِثْلُ هَذَا إنْ كَانَ فِيهِ عَيْبٌ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ نَقَلَ ذَلِكَ لَا عَلَى مَالِكٍ وَيُمْكِنُ الْمُتَّبِعُ لِمَذْهَبِهِ أَنْ يَتْبَعَ السُّنَّةَ فِي عَامَّةِ الْأُمُورِ؛ إذْ قَلَّ مِنْ سُنَّةٍ إلَّا وَلَهُ قَوْلٌ يُوَافِقُهَا بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ؛ فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يُخَالِفُونَ السُّنَّةَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا ذَلِكَ.
ثُمَّ مَنْ تَدَبَّرَ أُصُولَ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ وَجَد

َ أُصُولَ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَصَحَّ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ

وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا حَتَّى إنَّ الشَّافِعِيَّ لَمَّا نَاظَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ حِينَ رَجَّحَ مُحَمَّدٌ لِصَاحِبِهِ عَلَى صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: بِالْإِنْصَافِ أَوْ بِالْمُكَابَرَةِ؟ قَالَ لَهُ: بِالْإِنْصَافِ فَقَالَ: نَاشَدْتُك اللَّهَ صَاحِبُنَا أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَمْ صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ: بَلْ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ صَاحِبُنَا أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ: بَلْ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ: صَاحِبُنَا أَعْلَمُ بِأَقْوَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ

صَاحِبُكُمْ؟ فَقَالَ: بَلْ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إلَّا الْقِيَاسُ؛ وَنَحْنُ نَقُولُ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنْ مَنْ كَانَ بِالْأُصُولِ أَعْلَمَ كَانَ قِيَاسُهُ أَصَحَّ.
وَقَالُوا لِلْإِمَامِ أَحْمَد: مَنْ أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: بَلْ مَالِكٌ.
فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَعْلَمُ بِآثَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: بَلْ مَالِكٌ.
فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَزْهَدُ مَالِكٌ أَمْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: هَذِهِ لَكُمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَعْلَمُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ؛ وَالثَّوْرِيَّ؛ وَمُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى؛ وَالْحَسَنَ بْنَ صَالِحِ بْنِ حي؛ وَشَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِي الْقَاضِي: كَانُوا مُتَقَارِبِينَ فِي الْعَصْرِ وَهُمْ أَئِمَّةُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَتَفَقَّهُ أَوَّلًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي ثُمَّ إنَّهُ اجْتَمَعَ بِأَبِي حَنِيفَةَ فَرَأَى أَنَّهُ أَفْقَهُ مِنْهُ فَلَزِمَهُ وَصَنَّفَ كِتَابَ " اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى " وَأَخَذَهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَنَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَذَكَرَ فِيهِ اخْتِيَارَهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِكِتَابِ " اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ ".

وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَعْلَمُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ فِي الْحَدِيثِ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي الْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَاَلَّذِينَ أَنْكَرُوا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ الرَّأْيِ الْمُحْدَثِ بِالْكُوفَةِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بَلْ سُفْيَانُ عِنْدَهُمْ أَمَامُ الْعِرَاقِ فَتَفْضِيلُ أَحْمَد لِمَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى مَذْهَبِ سُفْيَانَ تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي عِلْمِهِ وَعِلْمِ مَالِكٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ مَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّ أَحْمَد يُقَدِّمُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ عَلَى هَذِهِ الطَّبَقَةِ كُلِّهَا وَهُوَ يُعَظِّمُ سُفْيَانَ غَايَةَ التَّعْظِيمِ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهَا أَقْرَبُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَعُلَمَائِهَا.
وَأَحْمَد كَانَ مُعْتَدِلًا عَالِمًا بِالْأُمُورِ يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ يُحِبُّ الشَّافِعِيَّ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَيَذُبُّ عَنْهُ عِنْدَ مَنْ يَطْعَنُ فِي الشَّافِعِيِّ؛ أَوْ مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى بِدْعَةٍ وَيَذْكُرُ تَعْظِيمَهُ لِلسُّنَّةِ وَاتِّبَاعَهُ لَهَا وَمَعْرِفَتَهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ كَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ؛ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ وَيُثْبِتُ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَمُنَاظَرَتَهُ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ خَالَفَهُ بِالرَّأْيِ وَغَيْرَهُ.
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: سَمَّوْنِي بِبَغْدَادَ نَاصِرَ الْحَدِيثِ.
وَمَنَاقِبُ الشَّافِعِيِّ وَاجْتِهَادُهُ فِي اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَاجْتِهَادُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا وَهُوَ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَكَانَ قَدْ تَفَقَّهَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَكِّيِّينَ أَصْحَابُ ابْنُ جريج

كَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ؛ وَسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ ثُمَّ رَحَلَ إلَى مَالِكٍ وَأَخَذَ عَنْهُ الْمُوَطَّأَ وَكَمَّلَ أُصُولَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ أَجَلُّ عِلْمًا وَفِقْهًا وَقَدْرًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عَهْدِ مَالِكٍ ثُمَّ اتَّفَقَتْ لَهُ مِحْنَةٌ ذَهَبَ فِيهَا إلَى الْعِرَاقِ فَاجْتَمَعَ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَكَتَبَ كُتُبَهُ وَنَاظَرَهُ وَعَرَفَ أُصُولَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَخَذَ مِنْ الْحَدِيثِ مَا أَخَذَهُ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الْحِجَازِ.
ثُمَّ قَدِمَ إلَى الْعِرَاقِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَفِيهَا صَنَّفَ كِتَابَهُ الْقَدِيمَ الْمَعْرُوفَ بِ " الْحُجَّةِ " وَاجْتَمَعَ بِهِ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ فِي هَذِهِ الْقَدْمَةِ بِالْعِرَاقِ وَاجْتَمَعَ بِهِ بِمَكَّةَ وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَتَنَاظَرَا بِحُضُورِ أَحْمَد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِأَبِي يُوسُفَ وَلَا بالأوزاعي وَغَيْرِهِمَا فَمَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرِّحْلَةِ الْمُضَافَةِ إلَيْهِ فَهُوَ كَاذِبٌ؛ فَإِنَّ تِلْكَ الرِّحْلَةَ فِيهَا مِنْ الْأَكَاذِيبِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ كَذِبِ الْقِصَاصِ وَلَمْ يَكُنْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ سَعَيَا فِي أَذَى الشَّافِعِيِّ قَطُّ وَلَا كَانَ حَالُ مَالِكٍ مَعَهُ مَا ذَكَرَ فِي تِلْكَ الرِّحْلَةِ الْكَاذِبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ إلَى مِصْرَ وَصَنَّفَ كِتَابَهُ الْجَدِيدَ وَهُوَ فِي خِطَابِهِ وَكِتَابُهُ يُنْسَبُ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحِجَازِ فَيَقُولُ: قَالَ: بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ يَعْنِي: أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ أَوْ بَعْضَ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَالِكِ وَيَقُولُ فِي

أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: وَخَالَفْنَا بَعْضَ الْمَشْرِقِيِّينَ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَاحِدًا مِنْهُمْ يُنْسَبُ إلَى أَصْحَابِهِمْ وَاخْتَارَ سُكْنَى مِصْرَ إذْ ذَاكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ يُشْبِهُهُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ كَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَمْثَالِهِ وَكَانَ أَهْلُ الْغَرْبِ بَعْضُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ وَبَعْضُهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الأوزاعي وَأَهْلِ الشَّامِ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَدِينَةِ مُتَقَارِبٌ لَكِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَجَلُّ عِنْدَ الْجَمِيعِ.
ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي الْعِلْمِ وَرَأَى مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ وَإِنْ خَالَفَ قَوْلَ أَصْحَابِ الْمَدَنِيِّينَ؛ قَامَ بِمَا رَآهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَصَنَّفَ الْإِمْلَاءَ عَلَى مَسَائِلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَظْهَرَ خِلَافَ مَالِكٍ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ وَقَدْ أَحْسَنَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا فَعَلَ وَقَامَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ كَرِهَ ذَلِكَ مَنْ كَرِهَهُ وَآذَوْهُ وَجَرَتْ مِحْنَةٌ مِصْرِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.
وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ هُمَا صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِهِ كَاخْتِصَاصِ الشَّافِعِيِّ بِمَالِكِ وَلَعَلَّ خِلَافَهُمَا لَهُ يُقَارِبُ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ لِمَالِكِ وَكُلُّ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلدَّلِيلِ وَقِيَامًا بِالْوَاجِبِ.
وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَرَّرَ أُصُولَ أَصْحَابِهِ وَالْكِتَابَ

وَالسُّنَّةَ وَكَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَلِهَذَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَكَمِ يَقُولُ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ: يَا بُنَيَّ الْزَمْ هَذَا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ صَاحِبُ حُجَجٍ فَمَا بَيْنَك وَبَيْنَ أَنْ تَقُولَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَيُضْحَكُ مِنْك إلَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: فَلَمَّا صِرْت إلَى الْعِرَاقِ جَلَسْت إلَى حَلَقَةٍ فِيهَا ابْنُ أَبِي دَاوُد فَقُلْت: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ: وَمَنْ ابْنُ الْقَاسِمِ؟ فَقُلْت: رَجُلٌ مُفْتٍ يَقُولُ مِنْ مِصْرَ إلَى أَقْصَى الْغَرْبِ وَأَظُنُّهُ قَالَ: قُلْت: رَحِمَ اللَّهُ أَبِي.
وَكَانَ مَقْصُودُ أَبِيهِ: اُطْلُبْ الْحُجَّةَ لِقَوْلِ أَصْحَابِك وَلَا تَتَّبِعْ فَالتَّقْلِيدُ إنَّمَا يُقْبَلُ حَيْثُ يَعْظُمُ الْمُقَلِّدُ بِخِلَافِ الْحُجَّةِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَنْ يَقُولَ بِمُوجِبِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَاَللَّهُ يَخُصُّ هَذَا مِنْ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ مَا لَا يَخُصُّ بِهِ هَذَا وَقَدْ يَكُونُ هَذَا هُوَ الْمَخْصُوصَ بِمَزِيدِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ فِي نَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ أَوْ بَابٍ مِنْهُ أَوْ مَسْأَلَةٍ وَهَذَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ فِي نَوْعٍ آخَرَ.
لَكِنَّ جُمْلَةَ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ رَاجِحَةٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَالْمَشْرِقِ وَذَلِكَ يَظْهَرُ بِقَوَاعِدَ جَامِعَةٍ: مِنْهَا: قَاعِدَةُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّجَاسَاتِ فِي الْمِيَاهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا

لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَلَّ لَنَا الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ وَالْخَبَائِثُ نَوْعَانِ: مَا خُبْثُهُ لِعَيْنِهِ لِمَعْنَى قَامَ بِهِ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ.
وَمَا خُبْثُهُ لِكَسْبِهِ كَالْمَأْخُوذِ ظُلْمًا؛ أَوْ بِعَقْدِ مُحَرَّمٍ كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكُلُّ مَا حَرُمَ مُلَابَسَتُهُ كَالنَّجَاسَاتِ حَرُمَ أَكْلُهُ وَلَيْسَ كُلُّ مَا حَرُمَ أَكْلُهُ حَرُمَتْ مُلَابَسَتُهُ كَالسُّمُومِ وَاَللَّهُ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْنَا أَشْيَاءَ مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ مِنْ الْمَلَابِسِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْأَشْرِبَةِ أَشَدُّ مِنْ مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَسَائِرَ الْأَمْصَارِ وَفُقَهَاءَ الْحَدِيثِ يُحَرِّمُونَ كُلَّ مُسْكِرٍ وَإِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَحَرَامٌ وَإِنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَلَمْ يَتَنَازَعْ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا أَوَّلُهُمْ وَلَا آخِرُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الثِّمَارِ أَوْ الْحُبُوبِ؛ أَوْ الْعَسَلِ أَوْ لَبَنِ الْخَيْلِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْكُوفِيُّونَ لَا خَمْرَ عِنْدَهُمْ إلَّا مَا اشْتَدَّ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ فَإِنْ طُبِخَ قَبْلَ الِاشْتِدَادِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ حَلَّ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مُحَرَّمٌ إذَا كَانَ مُسْكِرًا نِيئًا فَإِنْ طُبِخَ أَدْنَى طَبْخٍ حَلَّ وَإِنْ أَسْكَرَ وَسَائِرُ الْأَنْبِذَةِ

تَحُلُّ وَإِنْ أَسْكَرَتْ لَكِنْ يُحَرِّمُونَ الْمُسْكِرَ مِنْهَا.
وَأَمَّا الْأَطْعِمَةُ فَأَهْلُ الْكُوفَةِ أَشَدُّ فِيهَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ فَإِنَّهُمْ مَعَ تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ؛ وَتَحْرِيمِ اللَّحْمِ حَتَّى يُحَرِّمُونَ الضَّبَّ وَالضَّبُعَ وَالْخَيْلَ تَحْرُمُ عِنْدَهُمْ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَمَالِكٌ يُحَرِّمُ تَحْرِيمًا جَازِمًا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فَذَوَاتُ الْأَنْيَابِ إمَّا أَنْ يُحَرِّمَهَا تَحْرِيمًا دُونَ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يَكْرَهَهَا فِي الْمَشْهُورِ وَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَةُ ذَوَاتِ الْمَخَالِبِ وَالطَّيْرُ لَا يُحَرِّمُ مِنْهَا شَيْئًا وَلَا يَكْرَهُهُ وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ عَلَى مَرَاتِبَ وَالْخَيْلُ يَكْرَهُهَا وَرُوِيَتْ الْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ أَيْضًا.
وَمَنْ تَدَبَّرَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلِمَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ فَإِنَّ بَابَ الْأَشْرِبَةِ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مَا يَعْلَمُ مَنْ عَلِمَهَا أَنَّهَا مِنْ أَبْلَغِ الْمُتَوَاتِرَاتِ بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ وَالْأَوْعِيَةِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى عَالِمٍ بِالسُّنَّةِ وَأَمَّا الْأَطْعِمَةُ فَإِنَّهُ وَإِنْ قِيلَ: إنَّ مَالِكًا خَالَفَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً فِي التَّحْرِيمِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي خَالَفَهَا مَنْ حَرَّمَ الضَّبَّ وَغَيْرَهُ تُقَاوِمُ ذَلِكَ أَوْ تَرْبُو عَلَيْهِ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ قَلِيلَةٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَادِيثِ الْأَشْرِبَةِ.

وَأَيْضًا فَمَالِكٌ مَعَهُ فِي ذَلِكَ آثَارٌ عَنْ السَّلَفِ كَابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَعَائِشَةَ؛ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ مَعَ مَا تَأَوَّلَهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَمُبِيحُ الْأَشْرِبَةِ لَيْسَ مَعَهُ لَا نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ بَلْ قَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ وَالْقِيَاسِ.
وَأَيْضًا فَتَحْرِيمُ جِنْسِ الْخَمْرِ أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ اللُّحُومِ الْخَبِيثَةِ فَإِنَّهَا يَجِبُ اجْتِنَابُهَا مُطْلَقًا وَيَجِبُ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا الْحَدُّ وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهَا.
وَأَيْضًا فَمَالِكٌ جَوَّزَ إتْلَافَ عَيْنِهَا اتِّبَاعًا لِمَا جَاءَ مِنْ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ وَمَنَعَ مِنْ تَخْلِيلِهَا وَهَذَا كُلُّهُ فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ مَا لَيْسَ فِي قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَلَمَّا كَانَ تَحْرِيمُ الشَّارِعِ لِلْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ أَشَدَّ مِنْ تَحْرِيمِهِ لِلْأَطْعِمَةِ: كَانَ الْقَوْلُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ مُوَافَقَةَ الشَّارِعِ أَصَحَّ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اسْتَحَلَّتْ الْغِنَاءَ حَتَّى صَارَ يُحْكَى ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَدْ قَالَ عِيسَى بْنُ إسْحَاقَ الطَّبَّاعُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَمًّا يَتَرَخَّصُ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْغِنَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُهُ عِنْدَنَا الْفُسَّاقُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَخَفُّ مِمَّا اسْتَحَلَّهُ مَنْ اسْتَحَلَّ الْأَشْرِبَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي تَحْرِيمِ الْغِنَاءِ مِنْ النُّصُوصِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي تَحْرِيمِ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ فَعُلِمَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ.

ثُمَّ إنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمَسَائِلِ مَسْأَلَةُ اخْتِلَاطِ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ لِعَيْنِهِ كَاخْتِلَاطِ النَّجَاسَاتِ بِالْمَاءِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ فَأَهْلُ الْكُوفَةِ يُحَرِّمُونَ كُلَّ مَاءٍ أَوْ مَائِعٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ثُمَّ يُقَدِّرُونَ مَا لَا تَصِلُ إلَيْهِ النَّجَاسَةُ بِمَا لَا تَصِلُ إلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَيُقَدِّرُونَهُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ.
ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْبِئْرَ إذَا وَقَعَتْ فِيهَا النَّجَاسَةُ لَمْ تَطْهُرْ؛ بَلْ تَطُمُّ.
وَالْفُقَهَاءُ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: تُنْزَحُ إمَّا دِلَاءٌ مُقَدَّرَةٌ مِنْهَا؛ وَإِمَّا جَمِيعُهَا عَلَى مَا قَدْ عُرِفَ لِأَجْلِ قَوْلِهِمْ يَنْجُسُ الْمَاءُ وَالْمَائِعُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ.
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِعَكْسِ ذَلِكَ فَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ عِنْدَهُمْ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ لَكِنْ لَهُمْ فِي قَلِيلِ الْمَاءِ هَلْ يَتَنَجَّسُ بِقَلِيلِ النَّجَاسَةِ؟ قَوْلَانِ.
وَمَذْهَبُ أَحْمَد قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ لَكِنْ هَذَانِ يُقَدِّرَانِ الْقَلِيلَ بِمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ دُونَ مَالِكٍ.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي الْأَطْعِمَةِ خِلَافٌ؛ وَكَذَلِكَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد نِزَاعٌ فِي سَائِرِ الْمَائِعَاتِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ اسْمَ الْمَاءِ بَاقٍ وَالِاسْمُ الَّذِي بِهِ أُبِيحَ قَبْلَ الْوُقُوعِ بَاقٍ وَقَدْ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِئْرِ بضاعة وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ وَلَمْ يُعَارِضْ ذَلِكَ الْأَحَادِيثَ لَيْسَ بِصَرِيحِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فِيهِ وَهُوَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَخُصُّ الْبَوْلَ بِالْحُكْمِ.

وَخَصَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يُبَالَ فِيهِ دُونَ أَنْ يَجْرِيَ إلَيْهِ الْبَوْلُ.
وَقَدْ يَخُصُّ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ.
وَقَدْ يُقَالُ: النَّهْيُ عَنْ الْبَوْلِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّنْجِيسَ؛ بَلْ قَدْ يُنْهَى عَنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّنْجِيسِ إذَا كَثُرَ.
يُقَرِّرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَنَازُعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ لَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ بَلْ مَاءُ الْبَحْرِ مُسْتَثْنًى بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ الْمَصَانِعُ الْكِبَارُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا وَلَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهَا بِتَحَرُّكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ لَا يُنَجِّسُهُ الْبَوْلُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ لَا يُعَارِضُهُ حَدِيثٌ فِي هَذَا الْإِجْمَالِ وَالِاحْتِمَالِ.
وَكَذَلِكَ تَنَجُّسُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَنَحْوِهِ: مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي طَهَارَتِهِ ثَابِتٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَحَدِيثِ صَبِّ وُضُوئِهِ عَلَى جَابِرٍ وَقَوْلِهِ: ﴿الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ بَوْلُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُطْعَمْ مَذْهَبُ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ لَهُمْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعَارِضُهَا شَيْءٌ.

وَكَذَلِك

َ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَعْيَانِ النَّجَاسَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي الْعِبَادَاتِ

أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَسِيرَةِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ إنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَالرَّوْثِ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَعَلَى ذَلِكَ بِضْعُ عَشْرَةِ حُجَّةً مِنْ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ وَالِاعْتِبَارِ ذَكَرْنَاهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَيْسَ مَعَ الْمُنَجَّسِ إلَّا لَفْظٌ يُظَنُّ عُمُومُهُ وَلَيْسَ بِعَامِّ أَوْ قِيَاسٌ يُظَنُّ مُسَاوَاةُ الْفَرْعِ فِيهِ لِلْأَصْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَتْ النَّجَاسَاتُ مِنْ الْخَبَائِثِ الْمُحَرَّمَةِ لِأَعْيَانِهَا وَمَذْهَبُهُمْ فِي ذَلِكَ أُخِذَ مِنْ مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ كَمَا فِي الْأَطْعِمَةِ: كَانَ مَا يُنَجِّسُونَهُ أُولَئِكَ أَعْظَمَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ: خَالَفَ حَدِيثَ الْوُلُوغِ وَنَحْوَهُ فِي النَّجَاسَاتِ فَهُوَ كَمَا يُقَالُ: إنَّهُ خَالَفَ حَدِيثَ سُبَاعِ الطَّيْرِ وَنَحْوَهُ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَقَلُّ مُخَالَفَةً لِلنُّصُوصِ مِمَّنْ يُنَجِّسُ رَوْثَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَبَوْلَهُ أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ أَوْ يَكْرَهُ سُؤْرَ الْهِرَّةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَرْوَاثِ وَالْأَبْوَالِ طَاهِرَةٌ إلَّا بَوْلَ الْإِنْسِيِّ وَعَذِرَتَهُ وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَبْعَدَ فِي الْحُجَّةِ مِنْ قَوْلِ مَنْ يُنَجِّسُ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ عَالِمًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَيَّنَ لَهُ قَطْعًا أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُنْتَظِمَ لِلتَّيْسِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ أَشْبَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمُنْتَظِمِ لِلتَّعْسِيرِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمَّا بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبِّ عَلَى بَوْلِهِ قَالَ: ﴿إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ﴾ . وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ خَالَفَهُمْ يَقُولُ: إنَّهُ يُغْسَلُ وَلَا يُجْزِئُ الصَّبُّ وَرَوَى فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مُرْسَلًا لَا يَصِحُّ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ لِكَسْبِهِ؛ كَالْمَأْخُوذِ ظُلْمًا بِأَنْوَاعِ الْغَصْبِ مِنْ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْقَهْرِ؛ وَكَالْمَأْخُوذِ بِالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ؛ وَكَالْمَأْخُوذِ عِوَضًا عَنْ عَيْنٍ أَوْ نَفْعٍ مُحَرَّمٍ؛ كَثَمَنِ الْخَمْرِ وَالدَّمِ؛ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ: فَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَعْدَلِ الْمَذَاهِبِ فَإِنَّ تَحْرِيمَ الظُّلْمِ وَمَا يَسْتَلْزِمُ الظُّلْمَ أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَبَائِثَ مِنْ الْمَطَاعِمِ إذْ هِيَ تُغَذِّي تَغْذِيَةً خَبِيثَةً تُوجِبُ لِلْإِنْسَانِ الظُّلْمَ كَمَا إذَا اغْتَذَى مِنْ الْخِنْزِيرِ وَالدَّمِ وَالسِّبَاعِ؛ فَإِنَّ الْمُغَذِّيَ شَبِيهٌ بِالْمُغْتَذَى بِهِ فَيَصِيرُ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ بِحَسَبِ مَا اغْتَذَى مِنْهُ.

وَإِبَاحَتُهَا لِلْمُضْطَرِّ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ بَقَاءِ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَفْعِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ عَارِضٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَعَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ أَثَرًا يَضُرُّ.
وَأَمَّا الظُّلْمُ فَمُحَرَّمٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَحَرَّمَهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ مُحَرَّمًا عَلَى عِبَادِهِ.
وَحَرَّمَ الرِّبَا لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلظُّلْمِ فَإِنَّهُ أَخْذُ فَضْلٍ بِلَا مُقَابِلٍ لَهُ وَتَحْرِيمُ الرِّبَا أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ الْمَيْسِرِ الَّذِي هُوَ الْقِمَارُ؛ لِأَنَّ الْمُرَابِيَ قَدْ أَخَذَ فَضْلًا مُحَقَّقًا مِنْ مُحْتَاجٍ وَأَمَّا الْمُقَامِرُ فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلٌ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ لَهُ وَقَدْ يَقْمُرُ هَذَا هَذَا وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ.
﴿وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ؛ وَعَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَبَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَوْعُ مُقَامَرَةٍ وَأَرْخَصَ فِي ذَلِكَ فِيمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَيَدْخُلُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كَمَا أَرْخَصَ فِي ابْتِيَاعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مُبْقَاةً إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَجْزَائِهَا لَمْ يُخْلَقْ وَكَمَا أَرْخَصَ فِي ابْتِيَاعِ النَّخْلِ الْمُؤَبَّرِ مَعَ جَدِيدِهِ إذَا اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ وَهُوَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَهَذَا جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشَّجَرِ الَّذِي فِيهِ ثَمَرٌ ظَاهِرٌ وَجَعَلَ لِلْبَائِعِ ثَمَرَةَ النَّخْلِ الْمُؤَبَّرِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْهَا الْمُشْتَرِي فَتَكُونُ الشَّجَرَةُ لِلْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ يَنْتَفِعُ بِهَا بِإِبْقَاءِ ثَمَرِهِ عَلَيْهَا إلَى حِينِ الْجِذَاذِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَقَالَ: ﴿إنْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرَةً فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَخِيك شَيْئًا بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟﴾ . وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ مِنْ مَذْهَبِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ مُخَالِفَهُمْ جَعَلَ الْبَيْعَ إذَا وَقَعَ عَلَى مَوْجُودٍ جَازَ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ وَجَعَلَ مُوجِبَ كُلِّ عَقْدٍ قَبْضَ الْمَبِيعِ عَقِبَهُ وَلَمْ يُجِزْ تَأْخِيرَ الْقَبْضِ فَقَالَ: إنَّهُ إذَا اشْتَرَى الثَّمَرَ بَادِيًا صَلَاحُهُ أَوْ غَيْرَ بَادٍ صَلَاحُهُ جَازَ وَمُوجَبُ الْعَقْدِ الْقَطْعُ فِي الْحَالِ لَا يَسُوغُ لَهُ تَأْخِيرُ الثَّمَرِ إلَى تَكَمُّلِ صَلَاحِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ.
وَجَعَلُوا ذَلِكَ الْقَبْضَ قَبْضًا نَاقِلًا لِلضَّمَانِ إلَى الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ وَطَرَدُوا ذَلِكَ فَقَالُوا: إذَا بَاعَ عَيْنًا مُؤَجَّرَةً لَمْ يَصِحَّ لِتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ وَقَالُوا: إذَا اسْتَثْنَى مَنْفَعَةَ الْمَبِيعِ: كَظَهْرِ الْبَعِيرِ وَسُكْنَى الدَّارِ لَمْ يَجُزْ وَذَلِكَ كُلُّهُ فَرْعٌ عَلَى ذَلِكَ الْقِيَاسِ.
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ خَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَاتَّبَعُوا النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ وَهُوَ مُوَافَقَةُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الْعَادِلِ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: الْعَقْدُ مُوجِبٌ الْقَبْضَ عَقِبَهُ؛ يُقَالُ لَهُ: مُوجَبُ الْعَقْدِ إمَّا أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ الشَّارِعِ؛ أَوْ مِنْ قَصْدِ الْعَاقِدِ وَالشَّارِعُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا

يُوجِبُ مُوجَبَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا وَأَمَّا الْمُتَعَاقِدَانِ فَهُمَا تَحْتَ مَا تَرَاضَيَا بِهِ وَيَعْقِدَانِ الْعَقْدَ عَلَيْهِ فَتَارَةً يَعْقِدَانِ عَلَى أَنْ يَتَقَابَضَا عَقِبَهُ وَتَارَةً عَلَى أَنْ يَتَأَخَّرَ الْقَبْضُ كَمَا فِي الثَّمَرِ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْحُلُولَ؛ وَلَهُمَا تَأْجِيلُهُ إذَا كَانَ لَهُمَا فِي التَّأْجِيلِ مَصْلَحَةٌ فَكَذَلِكَ الْأَعْيَانُ؛ فَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ الْمَبِيعَةُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ لِلْبَائِعِ أَوْ غَيْرِهِ كَالشَّجَرِ الَّذِي ثَمَرُهُ ظَاهِرٌ وَكَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ وَكَالْعَيْنِ الَّتِي اسْتَثْنَى الْبَائِعُ نَفْعَهَا مُدَّةً لَمْ يَكُنْ مُوجَبُ هَذَا الْعَقْدِ أَنْ يَقْتَضِيَ الْمُشْتَرِي مَا لَيْسَ لَهُ؛ وَمَا لَمْ يَمْلِكْهُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَ الْعَيْنِ دُونَ بَعْضٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا دُونَ مَنْفَعَتِهَا.
ثُمَّ سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَقْبِضُ الْعَيْنَ أَوْ قِيلَ: لَا يَقْبِضُهَا بِحَالِ: لَا يَضُرُّ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْقَبْضَ فِي الْبَيْعِ لَيْسَ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ كَمَا هُوَ فِي الرَّهْنِ بَلْ الْمِلْكُ يَحْصُلُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْمُشْتَرِي تَابِعًا وَيَكُونُ نَمَاءُ الْمَبِيعِ لَهُ بِلَا نِزَاعٍ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَلَكِنَّ أَثَرَ الْقَبْضِ إمَّا فِي الضَّمَانِ وَإِمَّا فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ.
وَقَدْ ثَبَتَ ﴿عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي﴾ . وَلِهَذَا ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ؛ فَإِنَّ تَعْلِيقَ الضَّمَانِ بِالتَّمْكِينِ مِنْ الْقَبْضِ أَحْسَنُ مِنْ تَعْلِيقِهِ بِنَفْسِ الْقَبْضِ وَبِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ فَفِي الثِّمَارِ الَّتِي أَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْجِذَاذِ

وَكَانَ مَعْذُورًا فَإِذَا تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ؛ وَلِهَذَا الَّتِي تَلِفَتْ بَعْدَ تَفْرِيطِهِ فِي الْقَبْضِ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ وَالْعَبْدُ وَالدَّابَّةُ الَّتِي تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِهَا تَكُونُ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ.
وَمَنْ جَعَلَ التَّصَرُّفَ تَابِعًا لِلضَّمَانِ فَقَدْ غَلِطَ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ اسْتِيفَائِهَا كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ وَمَعَ هَذَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِمِثْلِ الْأُجْرَةِ وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي إيجَارِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ الْأُجْرَةِ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ رِبْحًا فِيمَا لَا يُضْمَنُ وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهَا إذَا تَلِفَتْ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ وَلَكِنْ إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يَكُنْ مِنْ ضَمَانِهِ.
وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ أَيْضًا؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ﴿عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ جُزَافًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَى أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ إلَى رِحَالِنَا﴾ . وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الْقَائِلُ: ﴿مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي﴾ . فَتَبَيَّنَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الطَّعَامِ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَنْقُلَهُ وَغَلَّةُ الثِّمَارِ وَالْمَنَافِعُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا وَلَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهَا كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ وَالْبَائِعِ وَالْمَنَافِعُ لَا يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ

اسْتِيفَائِهَا وَكَذَلِكَ الثِّمَارُ لَا تُبَاعُ عَلَى الْأَشْجَارِ بَعْدَ الْجِذَاذِ بِخِلَافِ الطَّعَامِ الْمَنْقُولِ.
وَالسُّنَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الْقَبْضِ وَغَيْرِ الْقَادِرِ فِي الضَّمَانِ وَالتَّصَرُّفِ فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ كُلِّهِ وَقَوْلُهُمْ أَعْدَلُ مِنْ قَوْلِ مَنْ يُخَالِفُ السُّنَّةَ.
وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ مِثْلَ بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ: مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَهَا مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا مَعَ الْوَصْفِ؛ وَمَالِكٌ جَوَّزَ بَيْعَهَا مَعَ الصِّفَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهَذَا أَعْدَلُ.
وَالْعُقُودُ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَوْجَبَ فِيهَا الْأَلْفَاظَ وَتَعَاقَبَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ جَعَلُوا الْمَرْجِعَ فِي الْعُقُودِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ فَمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ وَمَا عَدُّوهُ إجَارَةً فَهُوَ إجَارَةٌ وَمَا عَدُّوهُ هِبَةً فَهُوَ هِبَةٌ وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَعْدَلُ فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ مِنْهَا مَا لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.
وَمِنْهَا مَا لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ.
وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ بَلْ يَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ يَحُدَّهَا الشَّارِعُ وَلَا لَهَا حَدٌّ فِي اللُّغَةِ؛ بَلْ يَتَنَوَّعُ ذَلِكَ

بِحَسَبِ عَادَاتِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ فَمَا عَدُّوهُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ وَمَا عَدُّوهُ هِبَةً فَهُوَ هِبَةٌ وَمَا عَدُّوهُ إجَارَةً فَهُوَ إجَارَةٌ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ مَالِكًا يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمُغَيَّبِ فِي الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَاللِّفْتِ وَبَيْعِ المقاثي جُمْلَةً كَمَا يُجَوِّزُ هُوَ وَالْجُمْهُورُ بَيْعَ الْبَاقِلَاءِ وَنَحْوَهُ فِي قِشْرِهِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى هَذَا التَّارِيخِ وَلَا تَقُومُ مَصْلَحَةُ النَّاسِ بِدُونِ هَذَا وَمَا يُظَنُّ أَنَّ هَذَا نَوْعُ غَرَرٍ فَمِثْلُهُ جَائِزٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ وَالْحَاجَةِ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يُبِيحُ ذَلِكَ فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَا؟ وَكَذَلِكَ مَا يُجَوِّزُ مَالِكٌ مِنْ مَنْفَعَةِ الشَّجَرِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ مِثْلَ أَنْ يَكْرِيَ أَرْضًا أَوْ دَارًا فِيهَا شَجَرَةٌ أَوْ شَجَرَتَانِ هُوَ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ مِنْ قَوْلِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ.
وَقَدْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مُطْلَقًا وَجَوَّزُوا ضَمَانَ الْحَدِيقَةِ الَّتِي فِيهَا أَرْضٌ وَشَجَرٌ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا قَبِلَ الْحَدِيقَةَ مِنْ أسيد بْنِ الحضير ثُلُثًا وَقَضَى بِمَا تَسَلَّفَهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ الرِّبَا؛ فَإِنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا أَشَدُّ مِنْ تَحْرِيمِ الْقِمَارِ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ مُحَقَّقٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا جَعَلَ خَلْقَهُ نَوْعَيْنِ غَنِيًّا وَفَقِيرًا

أَوْجَبَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ الزَّكَاةَ حَقًّا لِلْفُقَرَاءِ وَمَنَعَ الْأَغْنِيَاءَ عَنْ الرِّبَا الَّذِي يَضُرُّ الْفُقَرَاءَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فَالظَّالِمُونَ يَمْنَعُونَ الزَّكَاةَ وَيَأْكُلُونَ الرِّبَا وَأَمَّا الْقِمَارُ فَكُلٌّ مِنْ الْمُتَقَامِرَيْنِ قَدْ يَقْمُرُ الْآخَرَ وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْمُورُ هُوَ الْغَنِيَّ أَوْ يَكُونَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ فَهُوَ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ فَحَرَّمَهُ اللَّهُ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مِنْ ظُلْمِ الْمُحْتَاجِ وَضَرَرِهِ مَا فِي الرِّبَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ ظُلْمَ الْمُحْتَاجِ أَعْظَمُ مِنْ ظُلْمِ غَيْرِ الْمُحْتَاجِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ حَرَّمُوا الرِّبَا وَمَنَعُوا التَّحَيُّلَ عَلَى اسْتِحْلَالِهِ وَسَدُّوا الذَّرِيعَةَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ فَأَيْنَ هَذَا مِمَّنْ يُسَوِّغُ الِاحْتِيَالَ عَلَى أَخْذِهِ؟ بَلْ يَدُلُّ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا يَظْهَرُ بِذِكْرِ مَثَلًا رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النسأ.
أَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ؛ إذْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمِثْلِ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ وَظُلْمٌ فَإِذَا أَرَادَ الْمَدِينُ أَنْ يَبِيعَ مِائَةَ دِينَارٍ مَكْسُورٍ

وَزْنُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا؛ يُسَوِّغُ لَهُ مُبِيحُ الْحِيَلِ أَنْ يُضِيفَ إلَى ذَلِكَ رَغِيفَ خُبْزٍ أَوْ مَنْدِيلٍ يُوضَعُ فِيهِ مِائَةُ دِينَارٍ؛ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَسْهُلُ عَلَى كُلِّ مُرْبٍ فِعْلُهُ: لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا فَائِدَةٌ وَلَا فِيهِ حِكْمَةٌ وَلَا يَشَاءُ مُرْبٍ أَنْ يَبِيعَ نَوْعًا مِنْ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا أَمْكَنَهُ أَنْ يَضُمَّ إلَى الْقَلِيلِ مَا لَا قَدْرَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ.
وَكَذَلِكَ إذَا سُوِّغَ لَهُمَا أَنْ يَتَوَاطَآ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ بِعَرْضِ لَا قَصْدَ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ ثُمَّ يَبْتَاعُهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ أَمْكَنَ طَالِبَ الرِّبَا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ هُوَ دُونَ الرَّسُولِ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ وَأَذِنَ أَنْ يُفْعَلَ بِطَرِيقِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَكَانَ هَذَا عَيْبًا وَسَفَهًا؛ فَإِنَّ الْفَسَادَ بَاقٍ وَلَكِنْ زَادَهُمْ غِشًّا وَإِنْ كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ فَقَدْ كَلَّفَهُمْ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَكَيْفَ يُظَنُّ هَذَا بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ بَلْ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمُلُوكَ لَوْ نَهَوْا عَمَّا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحْتَالَ الْمَنْهِيُّ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ لَعَدُّوهُ لَاعِبًا مُسْتَهْزِئًا بِأَوَامِرِهِمْ وَقَدْ عَذَّبَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الَّذِينَ احْتَالُوا عَلَى أَلَّا يَتَصَدَّقُوا وَعَذَّبَ اللَّهُ الْقَرْيَةَ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ لَمَّا اسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَ بِالْحِيلَةِ بِأَنْ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَرْكَبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ بِأَدْنَى الْحِيَلِ﴾ .

وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى " قَاعِدَةِ إبْطَالِ الْحِيَلِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ " فِي كِتَابٍ كَبِيرٍ مُفْرَدٍ وَقَرَّرْنَا فِيهِ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
وَكَذَلِكَ رِبَا النسأ فَإِنَّ أَهْلَ ثَقِيفٍ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِي إلَى الْغَرِيمِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَيَقُولُ: أَتَقْضِي أَمْ تُرْبِي؟ فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ وَإِلَّا زَادَهُ الْمَدِينُ فِي الْمَاءِ وَزَادَهُ الطَّالِبُ فِي الْأَجَلِ فَيُضَاعِفُ الْمَالَ فِي الْمُدَّةِ لِأَجْلِ التَّأْخِيرِ.
وَهَذَا هُوَ الرِّبَا الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَالظُّلْمُ وَالضَّرَرُ فِيهِ ظَاهِرٌ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَحَلَّ الْبَيْعَ وَأَحَلَّ التِّجَارَةَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَالْمُبْتَاعُ يَبْتَاعُ مَا يَسْتَنْفِعُ بِهِ كَطَعَامِ وَلِبَاسٍ وَمَسْكَنٍ وَمَرْكَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالتَّاجِرُ يَشْتَرِي مَا يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ لِيَرْبَحَ فِيهِ وَأَمَّا آخِذُ الرِّبَا فَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنْ يَأْخُذَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ فَيَلْزَمُ الْآخَرُ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ بِلَا فَائِدَةٍ حَصَلَتْ لَهُ لَمْ يَبِعْ وَلَمْ يَتَّجِرْ وَالْمُرْبِي آكِلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ بِظُلْمِهِ وَلَمْ يَنْفَعْ النَّاسَ لَا بِتِجَارَةِ وَلَا غَيْرِهَا؛ بَلْ يُنْفِقُ دَرَاهِمَهُ بِزِيَادَةِ بِلَا مَنْفَعَةٍ حَصَلَتْ لَهُ وَلَا لِلنَّاسِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا مَقْصُودَهُمَا فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَوَصَّلُوا إلَيْهِ حَصَلَ الْفَسَادُ وَالظُّلْمُ مِثْلَ أَنْ تَوَاطَآ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ ثُمَّ يَبْتَاعَهُ فَهَذِهِ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ وَفِي

السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوْ الرِّبَا﴾ مِثْلَ أَنْ يُدْخِلَ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا يَبْتَاعُ مِنْهُ أَحَدُهُمَا مَا لَا غَرَضَ لَهُ فِيهِ لِيَبِيعَهُ آكِلُ الرِّبَا لِمُوكِلِهِ فِي الرِّبَا ثُمَّ الْمُوكِلُ يَرُدُّهُ إلَى الْمُحَلِّلِ بِمَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ.
وَقَدْ ثَبَتَ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ﴾ ﴿وَلَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ . وَمِثْلَ أَنْ يَضُمَّا إلَى الرِّبَا نَوْعَ قَرْضٍ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنُ وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك.﴾ ثُمَّ ﴿إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ﴾ وَهُوَ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ وَالْحَبِّ بِخَرْصِ وَكَمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِالطَّعَامِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالتَّسَاوِي فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ وَالْخَرْصُ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُ المكال إنَّمَا هُوَ حَزْرٌ وَحَدْسٌ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ.
ثُمَّ إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا يَبْتَاعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا فَيَجُوزُ ابْتِيَاعُ الرِّبَوِيِّ هُنَا بِخَرْصِهِ وَأَقَامَ الْخَرْصَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَقَامَ الْكَيْلِ وَهَذَا مِنْ تَمَامِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ كَمَا أَنَّهُ فِي الْعِلْمِ بِالزَّكَاةِ وَفِي الْمُقَاسَمَةِ أَقَامَ الْخَرْصَ مَقَامَ الْكَيْلِ فَكَانَ يَخْرُصُ الثِّمَارَ عَلَى أَهْلِهَا يُحْصِي الزَّكَاةَ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يُقَاسِمُ أَهْلَ خَيْبَرَ خَرْصًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ التَّقْدِيرُ بِالْكَيْلِ فُعِلَ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ كَانَ الْخَرْصُ قَائِمًا مَقَامَهُ لِلْحَاجَةِ كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ فِي الْمَعْلُومِ وَالْعَلَامَةِ؛ فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَقُومُ مَقَامَ النَّصِّ عِنْدَ عَدَمِهِ وَالتَّقْوِيمَ يَقُومُ مَقَامَ الْمِثْلِ وَعَدَمِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمِثْلِ وَالثَّمَنِ الْمُسَمَّى.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْقَافَةُ الَّتِي هِيَ اسْتِدْلَالٌ بِالشَّبَهِ عَلَى النَّسَبِ إذَا تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْقَرَائِنِ؛ إذْ الْوَلَدُ يُشْبِهُ وَالِدَهُ فِي الْخَرْصِ وَالْقَافَةُ وَالتَّقْوِيمُ أَبْدَالٌ فِي الْعِلْمِ كَالْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ وَكَذَلِكَ الْعَدْلُ فِي الْعَمَلِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعَدْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ . وَاَللَّهُ قَدْ شَرَعَ الْقِصَاصَ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الْآيَةَ فَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ؛ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُهُ بِحَقِّ اللَّهِ

جارٍ التحميل