سُورَةُ الْإِخْلَاصِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
قَالَ بَعْضُهُمْ تَصْدِيقُ مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ الْوَعِيدِ وَالتَّأْوِيلُ مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ وَعَنْ الضَّحَّاكِ يَعْنِي عَاقِبَةَ مَا وَعَدَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ الْوَعِيدِ وَالتَّأْوِيلُ مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ.
وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: تَفْسِيرُهُ.
وَلَيْسَ بِشَيْءِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ عِلْمُ تَأْوِيلِهِ.
وَقَالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ فَجَعَلَ نَفْسَ سُجُودِ أَبَوَيْهِ لَهُ تَأْوِيلَ رُؤْيَاهُ.
وَقَالَ قَبْلَ هَذَا: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ أَيْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا التَّأْوِيلُ.
وَالْمَعْنَى لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ فِي الْمَنَامِ لَمَّا قَالَ أَحَدُهُمَا: ﴿إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ . ﴿إلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ فِي الْيَقَظَةِ ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ الطَّعَامُ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ تُطْعَمَانِهِ.
وَتَأْكُلَانِهِ إلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ بِتَفْسِيرِهِ وَأَلْوَانِهِ أَيَّ طَعَامٍ أَكَلْتُمْ وَكَمْ أَكَلْتُمْ وَمَتَى أَكَلْتُمْ؟ فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ الْعَرَّافِينَ وَالْكَهَنَةِ فَقَالَ مَا أَنَا بِكَاهِنِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ الْعِلْمُ مِمَّا يُعَلِّمُنِي رَبِّي.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿إلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وَقَدْ قَالَ أَحَدُهُمَا: ﴿إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ فَطَلَبَا مِنْهُ تَأْوِيلَ مَا رَأَيَاهُ وَأَخْبَرَهُمَا بِتَأْوِيلِ ذَاكَ وَلَمْ يَكُنْ تَأْوِيلُ الطَّعَامِ فِي
الْيَقَظَةِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمَا بِمَا يُرْزَقَانِهِ فِي الْيَقَظَةِ فَكَيْفَ يَقُولُ قَوْلًا عَامًّا: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ وَهَذَا الْإِخْبَارُ الْعَامُّ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ وَالْأَنْبِيَاءُ يُخْبِرُونَ بِبَعْضِ ذَلِكَ لَا يُخْبِرُونَ بِكُلِّ هَذَا.
وَأَيْضًا فَصِفَةُ الطَّعَامِ وَقَدْرُهُ لَيْسَ تَأْوِيلًا لَهُ.
وَأَيْضًا فَاَللَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ عَلَّمَهُ تَأْوِيلَ الرُّؤْيَا قَالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وَقَالَ: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ الرُّؤْيَا قَالَ لَهُ الَّذِي ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي﴾ وَالْمَلِكُ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ . فَهَذَا لَفْظُ التَّأْوِيلِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وقتادة: جَزَاءً وَثَوَابًا وَقَالَ السدي وَابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَالزَّجَّاجُ: عَاقِبَةً.
وَعَنْ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا: تَصْدِيقًا.
كَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحَةٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهَذَا تَفْسِيرُ
السَّلَفِ أَجْمَعِينَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُ مَا ذَكَرَ قَالَ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ . وَهَذَا تَأْوِيلُ فِعْلِهِ لَيْسَ هُوَ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ عَاقِبَةُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ مَا فَعَلْته: مِنْ مَصْلَحَةِ أَهْلِ السَّفِينَةِ وَمَصْلَحَةِ أَبَوَيْ الْغُلَامِ وَمَصْلَحَةِ أَهْلِ الْجِدَارِ.
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: رَدُّكُمْ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أَحْسَنُ مِنْ تَأْوِيلِكُمْ فَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ الزَّجَّاجُ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهَذَا مِنْ جِنْسِ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ فِي لَفْظِ التَّأْوِيلِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ بِالِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ لَا بِلُغَةِ الْقُرْآنِ فَأَمَّا قُدَمَاءُ الْمُفَسِّرِينَ فَلَفْظُ التَّأْوِيلِ وَالتَّفْسِيرِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ كَمَا يَقُولُ ابْنُ جَرِيرٍ: الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ.
أَيْ فِي تَفْسِيرِهَا.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا مَعْنَى التَّأْوِيلِ عِنْدَ مُجَاهِدٍ وَهُوَ إمَامُ التَّفْسِيرِ جَعَلَ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فَإِنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَهُ وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْل السُّنَّةِ.
وَكَانَ ابْنُ قُتَيْبَةَ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فِي " الْمُشْكِلِ " وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا مُتَأَخِّرُو الْمُفَسِّرِينَ كَالثَّعْلَبِيِّ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّأْوِيلِ.
قَالَ: فَمَعْنَى التَّفْسِيرِ هُوَ التَّنْوِيرُ وَكَشْفُ الْمُغْلَقِ مِنْ الْمُرَادِ بِلَفْظِهِ
وَالتَّأْوِيلُ: صَرْفُ الْآيَةِ إلَى مَعْنًى تَحْتَمِلُهُ يُوَافِقُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا وَتَكَلَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ إلَّا أَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ.
هُوَ الْمَعْنَى الثَّالِثُ الْمُتَأَخِّرُ وَأَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ يَقُولُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ التَّفْسِيرُ وَالتَّأْوِيلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؟ أَمْ يَخْتَلِفَانِ؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ يَمِيلُونَ إلَى الْعَرَبِيَّةِ: إلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ يَمِيلُونَ إلَى الْفِقْهِ: إلَى اخْتِلَافِهِمَا فَقَالُوا: التَّفْسِيرُ إخْرَاجُ الشَّيْءِ عَنْ مَقَامِ الْخَفَاءِ إلَى مَقَامِ التَّجَلِّي وَالتَّأْوِيلُ: نَقْلُ الْكَلَامِ عَنْ وَضْعِهِ إلَى مَا يَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِهِ إلَى دَلِيلٍ لَوْلَاهُ مَا تُرِكَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِك آلَ الشَّيْءُ إلَى كَذَا.
أَيْ صَارَ إلَيْهِ فَهَؤُلَاءِ لَا يَذْكُرُونَ لِلتَّأْوِيلِ إلَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فِي لُغَةِ الْقُرْآنِ فَلَا يَذْكُرُونَهُ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ التَّأْوِيلَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي يَئُولُ إلَيْهِ الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُوَافِقًا الْمَعْنَى الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ اللَّفْظِ بَلْ لَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ لَفْظُ التَّأْوِيلِ مُخَالِفًا لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ خِلَافَ اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالْكَلَامُ نَوْعَانِ: إنْشَاءٌ وَإِخْبَارٌ.
فَالْإِنْشَاءُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْإِبَاحَةُ وَتَأْوِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ نَفْسُ فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَنَفْسُ تَرْكِ الْمَحْظُورِ.
كَمَا فِي الصَّحِيحِ {عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِك
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ} فَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ . قَالَ ابْن عُيَيْنَة: السُّنَّةُ تَأْوِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَمَّا ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ فِي ﴿نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ﴾ قَالَ: وَالْفُقَهَاءُ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ.
يَقُولُ: هُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ وَمَا نَهَى عَنْهُ فَيَعْرِفُونَ أَعْيَانَ الْأَفْعَالِ الْمَوْجُودَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا وَأَعْيَانَ الْأَفْعَالِ الْمَحْظُورَةِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا.
وَتَفْسِيرُ كَلَامِهِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ مَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ؛ بَلْ هُوَ بَيَانُهُ وَشَرْحُهُ وَكَشْفُ مَعْنَاهُ.
فَالتَّفْسِيرُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ: يُفَسَّرُ الْكَلَامُ بِكَلَامٍ يُوَضِّحُهُ.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَهُوَ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْخَبَرُ كَإِخْبَارِ الرَّبِّ عَنْ نَفْسِهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَإِخْبَارِهِ عَمَّا ذِكْرِهِ لِعِبَادِهِ مِنْ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَهَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿انْطَلِقُوا إلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ فَإِنَّ مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الْقُرْآنِ لَمَّا يَأْتِهِمْ بَعْدُ وَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ.
فَالتَّفْسِيرُ هُوَ الْإِحَاطَةُ بِعِلْمِهِ وَالتَّأْوِيلُ هُوَ نَفْسُ مَا وُعِدُوا بِهِ إذَا أَتَاهُمْ فَهُمْ كَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ؛ وَقَدْ يُحِيطُ النَّاسُ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ فَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِيطُ بِعِلْمِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ وَفِي الْحَدِيثِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الْآيَةُ: قَالَ: إنَّهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ} قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَوْضِعُ قَرَارٍ وَحَقِيقَةٌ وَمُنْتَهًى يَنْتَهِي إلَيْهِ فَيُبَيِّنُ حَقَّهُ مِنْ بَاطِلِهِ وَصِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُ بِهِ اللَّهُ وَقْتٌ وَمَكَانٌ يَقَعُ فِيهِ مِنْ غَيْرٍ خَلْفٍ وَلَا تَأْخِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: لِكُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ حَقِيقَةٌ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا فَسَتَعْرِفُونَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ فَسَوْفَ
يَبْدُو لَكُمْ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: لِكُلِّ عَمَلٍ جَزَاءٌ؛ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ الْخَيْرِ جُوزِيَ بِهِ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ سُوءٍ جُوزِيَ بِهِ فِي النَّارِ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
وَمَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ: أَنَّ الْأَعْمَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ فَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ عَلَيْهَا هُوَ النَّبَأُ الَّذِي لَهُ الْمُسْتَقَرُّ فَبَيَّنَ الْمَعْنَى وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ نَفْسَ الْجَزَاءِ هُوَ نَفْسُ النَّبَأِ.
وَعَنْ السدي قَالَ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أَيْ مِيعَادٌ وَعَدَتْكُمُوهُ فَسَيَأْتِيكُمْ حَتَّى تَعْرِفُونَهُ وَعَنْ عَطَاءٍ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ تُؤَخَّرُ عُقُوبَتُهُ لِيَعْمَلَ ذَنْبَهُ " فَإِذَا عَمِلَ ذَنْبَهُ عَاقَبَهُ أَيْ لَا يُعَاقِبُ بِالْوَعِيدِ حَتَّى يَفْعَلَ الذَّنْبَ الَّذِي تَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ فِي آيَاتٍ: هَذِهِ ذَهَبَ تَأْوِيلُهَا وَهَذِهِ لَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا مِثْلَ مَا رَوَى أَبُو الْأَشْهَبِ عَنْ الْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قُرِئَتْ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةُ.
فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيْسَ هَذَا بِزَمَانِهَا قُولُوهَا مَا قُبِلَتْ مِنْكُمْ فَإِذَا رُدَّتْ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ حَيْثُ نَزَلَ فَمِنْهُ آيٌ قَدْ مَضَى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلْنَ وَمِنْهُ آيٌ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْهُ آيٌ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَسِيرِ وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
فَمَا
دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَأَهْوَاؤُكُمْ وَاحِدَةً وَلَمْ تُلْبَسُوا شِيَعًا وَلَمْ يَذُقْ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَأْمُرُوا وَانْهَوْا فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْقُلُوبُ وَالْأَهْوَاءُ وَأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَامْرُؤُ وَنَفْسُهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ.
فَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْكَلَامِ تَأْوِيلَ الْأَمْرِ وَتَأْوِيلَ الْخَبَرِ فَهَذِهِ الْآيَةُ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْحِسَابِ وَالْقِيَامَةِ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْخَبَرِ هُوَ وُجُودُ الْمُخْبَرِ بِهِ وَتَأْوِيلُ الْأَمْرِ هُوَ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ فَالْآيَةُ الَّتِي مَضَى تَأْوِيلُهَا قَبْلَ نُزُولِهَا هِيَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ: يَقَعُ الشَّيْءُ فَيَذْكُرُهُ اللَّهُ كَمَا ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ لِلرَّسُولِ وَتَكْذِيبِهِمْ لَهُ وَهِيَ وَإِنَّ مَضَى تَأْوِيلُهَا فَهِيَ عِبْرَةٌ وَمَعْنَاهَا ثَابِتٌ فِي نَظِيرِهَا وَمِنْ هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ . وَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَالْمُتَشَابِهُ مِنْ الْأَمْرِ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ؛ لَكِنْ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ فِي الْأَمْرِ مُتَشَابِهًا فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قَدْ يُرَادُ بِهِ مِنْ الْخَبَرِ فَالْمُتَشَابِهُ مِنْ الْخَبَرِ مِثْلَ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالْمَاءِ وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فَإِنَّ بَيْنَ
هَذَا وَبَيْنَ مَا فِي الدُّنْيَا تَشَابُهٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَمَعَ هَذَا فَحَقِيقَةُ ذَلِكَ مُخَالِفَةٌ لِحَقِيقَةِ هَذَا وَتِلْكَ الْحَقِيقَةُ لَا نَعْلَمُهَا نَحْنُ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾ فَهَذَا الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَعْلَمُهُ نَفْسٌ هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَكَذَلِكَ وَقْتُ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَأَشْرَاطُهَا وَكَذَلِكَ كَيْفِيَّاتُ مَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْحِسَابِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ وَالْحَوْضِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَا يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهُ إلَّا اللَّهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ حَتَّى تَعْلَمَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَا لَهُ نَظِيرٌ مُطَابِقٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى يُعْلَمَ بِهِ فَهُوَ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّبُّ عَنْ نَفْسِهِ مِثْلَ اسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَكَلَامِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ كَيْفِيَّاتِ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: تَلَقَّوْا هَذَا الْكَلَامَ عَنْهُمَا بِالْقَبُولِ لَمَّا قِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
هَذَا لَفْظُ مَالِكٍ.
فَأَخْبَرَ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مَعْلُومٌ وَهَذَا تَفْسِيرُ اللَّفْظِ وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكَيْفَ مَجْهُولٌ وَهَذَا هُوَ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهَا.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ السَّلَفِ كَابْنِ الماجشون وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا يُبَيِّنُونَ أَنَّ الْعِبَادَ لَا يَعْلَمُونَ كَيْفِيَّةَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَالْكَيْفُ هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
وَأَمَّا نَفْسُ الْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ فَيَعْلَمُهُ النَّاسُ كُلٌّ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ فَإِنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مَعْنَى السَّمْعِ وَمَعْنَى الْبَصَرِ " وَأَنَّ مَفْهُومَ هَذَا لَيْسَ هُوَ مَفْهُومَ هَذَا وَيَعْرِفُونَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ بَلْ الرُّوحُ الَّتِي فِيهِمْ يَعْرِفُونَهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَلَا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّتَهَا كَذَلِكَ يَعْلَمُونَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ.
وَأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ عُلُوَّ الرَّبِّ عَلَى عَرْشِهِ وَارْتِفَاعَهُ عَلَيْهِ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ السَّلَفُ قَبْلَهُمْ وَهَذَا مَعْنًى مَعْرُوفٌ مِنْ اللَّفْظِ لَا يُحْتَمَلُ فِي اللُّغَةِ غَيْرُهُ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ.
وَمَنْ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ لَهُ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ فَقَدْ أَجْمَلَ كَلَامَهُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: اسْتَوَى فَقَطْ.
وَلَا يَصِلُونَهُ بِحَرْفِ وَهَذَا لَهُ مَعْنًى.
وَيَقُولُونَ: اسْتَوَى عَلَى كَذَا وَلَهُ مَعْنًى وَاسْتَوَى إلَى كَذَا وَلَهُ مَعْنًى وَاسْتَوَى مَعَ كَذَا وَلَهُ مَعْنًى فَتَتَنَوَّعُ مَعَانِيهِ بِحَسَبِ صِلَاتِهِ.
وَأَمَّا اسْتَوَى عَلَى كَذَا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ الْمَعْرُوفَةِ إلَّا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ وَقَالَ ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وَقَالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ
وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} وَقَدْ ﴿أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ﴿وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ لَمَّا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ﴾ وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ: عُلُوَّهُ عَلَى مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ وَاعْتِدَالَهُ أَيْضًا.
فَلَا يُسَمُّونَ الْمَائِلَ عَلَى الشَّيْءِ مُسْتَوِيًا عَلَيْهِ وَمِنْهُ حَدِيثُ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَد لَمَّا قَالَ: اسْتَوُوا.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مهراق هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ وَاسْتِوَاؤُهُ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى كُرْسِيِّ مُلْكِهَا لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ الِاسْتِيلَاءِ؛ بَلْ اسْتِوَاءٌ مِنْهُ عَلَيْهَا؛ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ الَّذِي هُوَ الْخَلِيفَةُ قَدْ اسْتَوَى أَيْضًا عَلَى الْعِرَاقِ وَعَلَى سَائِرِ مَمْلَكَةِ الْإِسْلَامِ وَلَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ اسْتَوَى عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَسَائِرِ مَا فَتَحَهُ وَلَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اسْتَوَى عَلَى الْيَمَنِ وَغَيْرهَا مِمَّا فَتَحَهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِهِمْ اسْتِعْمَالُ الِاسْتِوَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَإِنَّمَا قِيلَ فِيمَنْ اسْتَوَى بِنَفْسِهِ عَلَى بَلَدٍ؛ فَإِنَّهُ مُسْتَوٍ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ كَمَا يُقَالُ جَلَسَ فُلَانٌ عَلَى السَّرِيرِ وَقَعَدَ عَلَى التَّخْتِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ .
وَقَوْلُ الزمخشري وَغَيْرِهِ: اسْتَوَى عَلَى كَذَا بِمَعْنَى مَلَكَ " دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ.
فَلَيْسَ لَهَا شَاهِدٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ لَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى بَاطِلًا فِي اسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى الْعَرْشِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَرْشَ كَانَ مَوْجُودًا قَبْل خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مِنْ حِينِ خَلَقَ الْعَرْشَ مَالِكٌ لَهُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَكُونُ الِاسْتِوَاءُ عَلَيْهِ مُؤَخَّرًا عَنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَأَيْضًا فَهُوَ مَالِكٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ فَلَا يُخَصُّ الْعَرْشُ بِالِاسْتِوَاءِ وَلَيْسَ هَذَا كَتَخْصِيصِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ فَإِنَّهُ قَدْ يُخَصُّ لِعَظَمَتِهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ فَيُقَالُ: رَبِّ الْعَرْشِ وَرَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَأَمَّا الِاسْتِوَاءُ فَمُخْتَصٌّ بِالْعَرْشِ فَلَا يُقَالُ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَا اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُوجَدُ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ كَمَا اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ الرُّبُوبِيَّةِ فِي الْعَرْشِ خَاصَّةً وَفِي كُلِّ شَيْءٍ عَامَّةً وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْخَلْقِ وَنَحْوُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَخُصُّ وَتَعُمُّ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فَالِاسْتِوَاءُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْعَرْشِ لَا تُضَافُ إلَى غَيْرِهِ لَا خُصُوصًا وَلَا عُمُومًا وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ بَيَانُ صَوَابِ كَلَامِ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِمْ: الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ
بِخِلَافِ مَنْ جَعَلَ هَذَا اللَّفْظَ لَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ مَعْنًى.
كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَرَبِيٍّ المعافري.
يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ قُدُومَ نَصَارَى نَجْرَانَ وَمُنَاظَرَتَهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَأَهْلُ السِّيرَةِ وَهُوَ مِنْ الْمَشْهُورِ بَلْ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّ نَصَارَى نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إلَى الْمُبَاهَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ فَأَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ وَلِمَ يُبَاهِلُوهُ وَصَدْرُ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ بِسَبَبِ مَا جَرَى؛ وَلِهَذَا عَامَّتُهَا فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ احْتَجُّوا بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ لَفْظِ (أَنَّا) و (نَحْنُ) وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْآلِهَةَ ثَلَاثَةٌ فَاتَّبَعُوا الْمُتَشَابِهَ وَتَرَكُوا الْمُحْكَمَ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فَإِنَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ الْفِتْنَةَ وَهِيَ فِتْنَةُ الْقُلُوبِ بِالْكُفْرِ وَابْتِغَاءِ تَأْوِيلِ لَفْظِ (إنَّا) و (نَحْنُ) وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إلَّا اللَّهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إنَّمَا تُقَالُ لِلْوَاحِدِ الَّذِي لَهُ أَعْوَانٌ إمَّا أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مَمَالِيكَ لَهُ.
وَلِهَذَا صَارَتْ مُتَشَابِهَةً فَإِنَّ الَّذِي مَعَهُ شُرَكَاءُ يَقُولُ: فَعَلْنَا نَحْنُ كَذَا وَإِنَّا نَفْعَلُ نَحْنُ كَذَا وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَاَلَّذِي لَهُ مَمَالِيكُ وَمُطِيعُونَ يُطِيعُونَهُ - كَالْمَلِكِ - يَقُولُ: فَعَلْنَا كَذَا.
أَيْ أَنَا
فَعَلْت بِأَهْلِ مُلْكِي وَمِلْكِي وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ مَمْلُوكٌ لَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُدَبِّرُ أَمْرَ الْعَالَمِ بِنَفْسِهِ وَمَلَائِكَتِهِ الَّتِي هِيَ رُسُلُهُ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَحَقُّ مَنْ قَالَ: إنَّا وَنَحْنُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ مَا سِوَاهُ لَيْسَ لَهُ مُلْكٌ تَامٌّ وَلَا أَمْرٌ مُطَاعٌ طَاعَةً تَامَّةً فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَقُولَ: (إنَّا و (نَحْنُ وَالْمُلُوكُ لَهُمْ شَبَهٌ بِهَذَا فَصَارَ فِيهِ أَيْضًا مِنْ الْمُتَشَابِهِ مَعْنًى آخَرُ وَلَكِنَّ الَّذِي يُنْسَبُ لِلَّهِ مِنْ هَذَا الِاخْتِصَاصِ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ مَلَائِكَتِهِ وَصِفَاتِهِمْ وَأَقْدَارِهِمْ وَكَيْفَ يُدَبِّرُ بِهِمْ أَمْرَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ﴾ فَهَذَا التَّأْوِيلُ لِهَذَا الْمُتَشَابِهِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ وَإِنْ عَلِمْنَا تَفْسِيرَهُ وَمَعْنَاهُ؛ لَكِنْ لَمْ نَعْلَمْ تَأْوِيلَهُ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ؛ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَإِنَّهَا آيَةٌ مُحْكَمَةٌ لَيْسَ فِيهَا تَشَابُهٌ فَإِنَّ هَذَا الِاسْمَ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ لَيْسَ مِثْلَ (إنَّا و (نَحْنُ الَّتِي تُقَالُ لِمَنْ لَهُ شُرَكَاءُ وَلِمَنْ لَهُ أَعْوَانٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا وَهَذَا.
كَمَا قَالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ وَقَالَ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ فَالْمَعْنَى الَّذِي يُرَادُ بِهِ هَذَا فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَظِيرُهُ ثَابِتًا لِلَّهِ؛ فَلِهَذَا صَارَ مُتَشَابِهًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وَقَالَ: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وَقَالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ فَهَذَا الِاسْتِوَاءُ كُلُّهُ يَتَضَمَّنُ حَاجَةَ الْمُسْتَوِي إلَى الْمُسْتَوَى عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَوْ عَدِمَ مَنْ تَحْتَهُ لَخَرَّ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ الْعَرْشِ وَعَنْ كُلِّ شَيْءٍ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ بِقُدْرَتِهِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ وَحَمَلَةُ الْعَرْشُ وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُمْ إنَّمَا أَطَاقُوا حَمْلَ الْعَرْشِ لَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
فَصَارَ لَفْظُ الِاسْتِوَاءِ مُتَشَابِهًا يَلْزَمُهُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ مَعَانِي يُنَزَّهُ.
اللَّهُ عَنْهَا.
فَنَحْنُ نَعْلَمُ مَعْنَاهُ وَأَنَّهُ الْعُلُوُّ وَالِاعْتِدَالُ؛ لَكِنْ لَا نَعْلَمُ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا الرَّبُّ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُسْتَوِيًا مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ مِنْهُ إلَى الْعَرْشِ بَلْ مَعَ حَاجَةِ الْعَرْشِ وَكُلُّ شَيْءٍ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَأَنَّا لَمْ نَعْهَدْ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَا يَسْتَوِي عَلَى غَيْرِهِ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُ وَحَاجَةِ ذَلِكَ الْمُسْتَوَى عَلَيْهِ إلَى الْمُسْتَوِي فَصَارَ مُتَشَابِهًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَإِنَّ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وَالْمَعْنَيَيْنِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا وَبَيْنَهُمَا قَدْرًا فَارِقًا هُوَ مُرَادٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ الْفَارِقَ الَّذِي امْتَازَ الرَّبُّ بِهِ فَصِرْنَا نَعْرِفُهُ مِنْ وَجْهٍ وَنَجْهَلُهُ مِنْ وَجْهٍ وَذَلِكَ هُوَ تَأْوِيلُهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ تَفْسِيرُهُ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ: كَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالْخَمْرِ وَالْمَاءِ فَإِنَّا لَا نَعْرِفُ لَبَنًا إلَّا مَخْلُوقًا مِنْ مَاشِيَةٍ
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ وَإِذَا بَقِيَ أَيَّامًا يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ وَلَا نَعْرِفُ عَسَلًا إلَّا مِنْ نَحْلٍ تَصْنَعُهُ فِي بُيُوتِ الشَّمْعِ الْمُسَدَّسَةِ فَلَيْسَ هُوَ عَسَلًا مُصَفًّى وَلَا نَعْرِفُ حَرِيرًا إلَّا مِنْ دُودِ الْقَزِّ وَهُوَ يَبْلَى وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ لَيْسَ مُمَاثِلًا لِهَذِهِ لَا فِي الْمَادَّةِ وَلَا فِي الصُّورَةِ وَالْحَقِيقَةِ بَلْ لَهُ حَقِيقَةٌ تُخَالِفُ حَقِيقَةَ هَذِهِ وَذَلِكَ هُوَ مِنْ التَّأْوِيلِ الَّذِي لَا نَعْلَمُهُ نَحْنُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأَسْمَاءُ.
لَكِنْ يُقَالُ: فَالْمَلَائِكَةُ قَدْ تَعْلَمُ هَذَا.
فَيُقَالُ: هِيَ لَا تَعْلَمُ مَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وَلَا تَعْلَمُ كُلَّ مَا فِي الْجَنَّةِ وَأَيْضًا فَمِنْ النِّعَمِ مَا لَا تَعْرِفُهُ الْمَلَائِكَةُ وَالتَّأْوِيلُ يَتَنَاوَلُ هَذَا كُلَّهُ.
وَإِذَا قَدَّرْنَا أَنَّهَا تَعْرِفُ مَا لَا نَعْرِفُهُ فَذَاكَ لَا يَكُونُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ عِنْدَهَا وَيَكُونُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ عِنْدَنَا فَإِنَّ الْمُتَشَابِهَ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِلْآيَةِ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا هُوَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ.
مُتَشَابِهًا عِنْدَ هَذَا مَا لَا يَكُونُ مُتَشَابِهًا عِنْدَ هَذَا.
وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ هَذَا فَإِنَّ أَحْمَد ذَكَرَ فِي رَدِّهِ عَلَى الْجَهْمِيَّة: أَنَّهَا احْتَجَّتْ بِثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ الْمُتَشَابِهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وَقَدْ فَسَّرَ أَحْمَد قَوْلَهُ:
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ . فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ مِمَّا عَلِمْنَا مَعْنَاهَا لَمْ تَكُنْ مُتَشَابِهَةً عِنْدَنَا وَهِيَ مُتَشَابِهَةٌ عِنْدَ مَنْ احْتَجَّ بِهَا وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهَا هُوَ إلَى مَا يَعْرِفُهُ مِنْ الْمُحْكَمِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَد فِي تَرْجَمَةِ كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْحَبْسِ وَهُوَ الرَّدُّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة فِيمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ ثُمَّ فَسَّرَ أَحْمَد تِلْكَ الْآيَاتِ آيَةً آيَةً فَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَشَابِهَةً عِنْدَهُ بَلْ قَدْ عَرَّفَ مَعْنَاهَا.
وَعَلَى هَذَا فَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ هَذَا الْمُتَشَابِهِ الَّذِي هُوَ تَفْسِيرُهُ وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ فَتِلْكَ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ هَذَا الْمُتَشَابِهُ الْإِضَافِيُّ لَيْسَ هُوَ الْمُتَشَابِهَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَإِنَّمَا هَذَا كَمَا يُشْكِلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ آيَاتٌ لَا يَفْهَمُونَ مَعْنَاهَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ النَّاسِ يَعْرِفُ مَعْنَاهَا وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يُجَابُ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْآيَةِ قِرَاءَتَانِ قِرَاءَةُ مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَقِرَاءَةُ مَنْ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَقٌّ وَيُرَادُ بِالْأُولَى الْمُتَشَابِهُ فِي نَفْسِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ وَيُرَادُ بِالثَّانِيَةِ الْمُتَشَابِهُ الْإِضَافِيُّ الَّذِي يَعْرِفُ الرَّاسِخُونَ تَفْسِيرَهُ وَهُوَ تَأْوِيلُهُ وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} و (لِتَزُولَ) فِيهِ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَكُلُّ قِرَاءَةٍ لَهَا مَعْنًى صَحِيحٌ.
وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وَقَرَأَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: لَتُصِيبَن الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَكِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَقٌّ فَإِنَّ الَّذِي يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ هُوَ الظَّالِمُ وَتَارِكُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ قَدْ يُجْعَلُ غَيْرَ ظَالِمٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يُشَارِكْهُ وَقَدْ يُجْعَلُ ظَالِمًا بِاعْتِبَارِ مَا تُرِكَ مِنْ الْإِنْكَارِ الْوَاجِبِ وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ فَأَنْجَى اللَّهُ النَّاهِينَ.
وَأَمَّا أُولَئِكَ الْكَارِهُونَ لِلذَّنْبِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ نَجَوْا لِأَنَّهُمْ كَانُوا كَارِهِينَ فَأَنْكَرُوا بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ الْإِنْكَارَ مُطْلَقًا فَهُوَ ظَالِمٌ يُعَذَّبُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِ مِنْهُ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِلْآيَةِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ يَصِحُّ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ بِاعْتِبَارَيْنِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ أَيْ لَا تَخْتَصُّ بِالْمُعْتَدِينَ بَلْ تَتَنَاوَلُ مَنْ رَأَى الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ وَمَنْ قَرَأَ لَتُصِيبَن الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ
خَاصَّةً أَدْخَلَ فِي ذَلِكَ مَنْ تَرَكَ الْإِنْكَارَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَقَدْ يُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي الدُّنْيَا وَيُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ كَالْجَيْشِ الَّذِينَ يَغْزُونَ الْبَيْتَ فَيُخْسَفُ بِهِمْ كُلِّهِمْ وَيُحْشَرُ الْمُكْرَهُ عَلَى نِيَّتِهِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّ الْمُتَشَابِهَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ تَشَابُهُهَا فِي نَفْسِهَا اللَّازِمِ لَهَا وَذَاكَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَأَمَّا الْإِضَافِيُّ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِ مَنْ أَرَادَ بِهِ التَّشَابُهَ الْإِضَافِيَّ فَمُرَادُهُمْ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيمَا اشْتَبَهَ مَعْنَاهُ وَأَشْكَلَ مَعْنَاهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ وَأَنَّ الْجَهْمِيَّة اسْتَدَلُّوا بِمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ وَأَشْكَلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مِنْ الْمُتَشَابِهُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَكَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ عَلَى الرَّجُلِ مَا لَا يَشْتَبِهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا الْمُتَشَابِهَ فِي نَفْسِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ التَّشَابُهُ لَمْ يُرِدْ بِشَيْءٍ مِنْهُ التَّشَابُهَ الْإِضَافِيَّ وَقَالَ تَأَوَّلْته عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ أَيْ غَيْرِ تَأْوِيلِهِ الَّذِي هُوَ تَأْوِيلُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ فَلَا يَبْقَى مُشْكِلًا عِنْدَهُمْ مُحْتَمِلًا لِغَيْرِهِ وَلِهَذَا كَانَ الْمُتَشَابِهُ فِي الْخَبَرِيَّاتِ إمَّا عَنْ اللَّهِ وَإِمَّا عَنْ الْآخِرَةِ وَتَأْوِيلُ هَذَا كُلِّهِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ بَلْ الْمُحْكَمُ مِنْ الْقُرْآنِ قَدْ يُقَالُ لَهُ تَأْوِيلٌ كَمَا لِلْمُتَشَابِهِ تَأْوِيلٌ.
كَمَا قَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ وَمَعَ هَذَا فَذَلِكَ التَّأْوِيلُ لَا يَعْلَمُ وَقْتَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ إلَّا اللَّهُ وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ التَّأْوِيلُ لِلْمُتَشَابِهِ لِأَنَّهُ فِي الْوَعْدِ
وَالْوَعِيدِ وَكُلُّهُ مُتَشَابِهٌ وَأَيْضًا فَلَا يَلْزَمُ فِي كُلِّ آيَةٍ ظَنَّهَا بَعْضُ النَّاسِ مُتَشَابِهًا أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ.
فَقَوْلُ أَحْمَد احْتَجُّوا بِثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ الْمُتَشَابِهِ وَقَوْلُهُ مَا شَكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَؤُلَاءِ أَوْ إنَّ أَحْمَد جَعَلَ بَعْضَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ وَلَيْسَ مِنْهُ فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ هُنَا الْإِحْكَامَ الْعَامَّ وَالتَّشَابُهَ الْعَامَّ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ فَوَصَفَهُ هُنَا كُلَّهُ بِأَنَّهُ مُتَشَابِهٌ أَيْ مُتَّفِقٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَهُوَ عَكْسُ الْمُتَضَادِّ الْمُخْتَلِفِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ فَإِنَّ هَذَا التَّشَابُهَ يَعُمُّ الْقُرْآنَ كَمَا أَنَّ إحْكَامَ آيَاتِهِ تَعُمُّهُ كُلَّهُ وَهُنَا قَدْ قَالَ: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فَجَعَلَ بَعْضَهُ مُحْكَمًا وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهًا فَصَارَ التَّشَابُهُ لَهُ مَعْنَيَانِ وَلَهُ مَعْنًى ثَالِثٌ وَهُوَ الْإِضَافِيُّ يُقَالُ قَدْ اشْتَبَهَ عَلَيْنَا هَذَا كَقَوْلِ بَنِي إسْرَائِيلَ: ﴿إنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مُتَمَيِّزًا مُنْفَصِلًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ.
وَهَذَا مِنْ بَابِ اشْتِبَاهِ الْحَقِّ
بِالْبَاطِلِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ.
وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْرِفُهَا فَلَيْسَتْ مُشْتَبِهَةً عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ بَلْ عَلَى بَعْضِهِمْ بِخِلَافِ مَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِهِ وَمِنْ هَذَا مَا ﴿يُرْوَى عَنْ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَأَمْرٌ اشْتَبَهَ عَلَيْكُمْ فَكِلُوهُ إلَى عَالَمِهِ﴾ . فَهَذَا الْمُشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ يُمْكِنُ الْآخَرِينَ أَنْ يَعْرِفُوا الْحَقَّ فِيهِ وَيُبَيِّنُوا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُشْتَبِهَيْنِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ مَنْ جَعَلَ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمُشْتَبِهَاتِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي يَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مِنْ الْفُرُوقِ الْمَانِعَةِ لِلتَّشَابُهِ مَا يَعْرِفُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ لَا يُنْكَرُ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ مَا اشْتَبَهَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا قِرَاءَةً فِي الْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ فِيهَا قِرَاءَتَانِ؛ لَكِنَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ عَلَى هَذَا يُرَادُ بِهِ التَّفْسِيرُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ كَمَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُحْكَمِ فَيَعْرِفُونَ الْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ وَالصِّرَاطَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مَعْرِفَةً مُجْمَلَةً فَيَكُونُونَ عَالِمِينَ بِالتَّأْوِيلِ وَهُوَ مَا يَقَعُ فِي الْخَارِجِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ
وَلَا يَعْلَمُونَهُ مُفَصَّلًا إذْ هُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّتَهُ وَحَقِيقَتَهُ إذْ ذَلِكَ لَيْسَ مِثْلَ الَّذِي عَلِمُوهُ فِي الدُّنْيَا وَشَاهَدُوهُ وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ عَلِمُوا تَأْوِيلَهُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِهِ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَعْلَمُوا تَأْوِيلَهُ وَكِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ حَقٌّ.
وَعَلَى قِرَاءَةِ النَّفْيِ هَلْ يُقَالُ أَيْضًا: إنَّ الْمُحْكَمَ لَهُ تَأْوِيلٌ لَا يَعْلَمُونَ تَفْصِيلَهُ؟ فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ إلَّا اللَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُحْكَمِ بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ مِنْ الْمُحْكَمِ أَيْضًا مَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُتَشَابِهَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ أُولَئِكَ طَلَبُوا عِلْمَ تَأْوِيلِهِ أَوْ يُقَالُ بَلْ الْمُحْكَمُ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ لَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ وَقْتَ تَأْوِيلِهِ وَمَكَانَهُ وَصِفَتَهُ.
وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ الْمُحْكَمَ مَا يُعْمَلُ بِهِ وَالْمُتَشَابِهَ مَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ كَمَا يَجِيءُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْآثَارِ وَنَعْمَلُ بِمُحْكَمِهِ، وَنُؤْمِنُ بِمُتَشَابِهِهِ وَكَمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قَالَ يُحَلِّلُونَ حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ وَيَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ.
وَكَلَامُ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّشَابُهَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ فَقَدْ يَشْتَبِهُ عَلَى هَذَا مَا لَا يَشْتَبِهُ عَلَى هَذَا فَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا اسْتَبَانَ لَهُ وَيَكِلَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلَى اللَّهِ.
كَقَوْلِ أبي بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ
الثَّوْرِيُّ عَنْ مُغِيرَةَ - وَلَيْسَ بِشَيْءِ - عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: قِيلَ لأبي بْنِ كَعْبٍ أَوْصِنِي فَقَالَ: اتَّخِذْ كِتَابَ اللَّهِ إمَامًا ارْضَ بِهِ قَاضِيًا وَحَاكِمًا هُوَ الَّذِي اسْتَخْلَفَ فِيكُمْ رَسُولُهُ شَفِيعٌ مُطَاعٌ وَشَاهِدٌ لَا يُتَّهَمُ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَيْنَكُمْ وَذِكْرُ مَا قَبْلَكُمْ وَذِكْرُ مَا فِيكُمْ.
وَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ.
عَنْ ابْنِ أَبْزَى عَنْ أبي قَالَ: فَمَا اسْتَبَانَ لَك فَاعْمَلْ بِهِ وَمَا شُبِّهَ عَلَيْك فَآمِنْ بِهِ وَكِلْهُ إلَى عَالِمِهِ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُتَشَابِهُ هُوَ الْمَنْسُوخُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ الْخَبَرِيَّاتُ مُطْلَقًا فَعَنْ قتادة وَالرَّبِيعِ وَالضَّحَّاكِ والسدي: الْمُحْكَمُ النَّاسِخُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ: وَالْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ وَكَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ العوفي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأَمَّا تَفْسِيرُ الوالبي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مُحْكَمَاتُ: الْقُرْآنِ نَاسِخُهُ وَحَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَحُدُودُهُ وَفَرَائِضُهُ وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ.
والمتشابهات: مَنْسُوخُهُ وَمُقَدَّمُهُ وَمُؤَخَّرُهُ وَأَمْثَالُهُ وَأَقْسَامُهُ وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ.
أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَهُوَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ فَقَابَلَ بَيْنَ الْمَنْسُوخِ وَبَيْنَ الْمُحْكَمِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا أَرَادَ نَسْخَ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ؛ لَمْ يُرِدْ نَسْخَ مَا أَنْزَلَهُ لَكِنْ هُمْ جَعَلُوا جِنْسَ الْمَنْسُوخِ مُتَشَابِهًا لِأَنَّهُ يُشْبِهُ غَيْرَهُ فِي التِّلَاوَةِ وَالنَّظْمِ
وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَقُرْآنٌ وَمُعْجِزٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي مَعَ أَنَّ مَعْنَاهُ قَدْ نُسِخَ.
وَمَنْ جَعَلَ الْمُتَشَابِهَ كُلَّ مَا لَا يُعْمَلُ بِهِ مِنْ الْمَنْسُوخِ وَالْأَقْسَامِ وَالْأَمْثَالِ فَلِأَنَّ ذَلِكَ مُتَشَابِهٌ وَلَمْ يُؤْمَرْ النَّاسُ بِتَفْصِيلِهِ بَلْ يَكْفِيهِمْ الْإِيمَانُ الْمُجْمَلُ بِهِ بِخِلَافِ الْمَعْمُولِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ الْمُفَصَّلِ.
وَهَذَا بَيَانٌ لِمَا يَلْزَمُ كُلَّ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ مَعْرِفَةُ مَا يُعْمَلُ بِهِ تَفْصِيلًا لِيَعْمَلُوا بِهِ.
وَمَا أَخْبَرُوا بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ؛ بَلْ عَلَيْهِمْ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ بِهِ حَسَنًا أَوْ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ فَلَيْسَ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ؛ بِخِلَافِ مَا يُعْمَلُ بِهِ.
فَفَرْضٌ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مَعْرِفَةُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعَمَلِ مُفَصَّلًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِيَّاتِ مُفَصَّلًا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ: الْمُحْكَمُ مَا فِيهِ مِنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُتَشَابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْمُتَشَابِهُ هُوَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ . وَالْحَلَالُ مُخَالِفٌ لِلْحَرَامِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: إنَّ الْعُلَمَاءَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ؛ لَكِنَّ تَفْسِيرَ الْمُتَشَابِهِ بِهَذَا مَعَ أَنَّ كُلَّ الْقُرْآنِ مُتَشَابِهٌ وَهُنَا خَصَّ الْبَعْضَ بِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْقَوْلِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ لَوْ أُرِيدَ بِالْمُتَشَابِهِ
تَصْدِيقُ بَعْضِهِ بَعْضًا لَكَانَ اتِّبَاعُ ذَلِكَ غَيْرَ مَحْذُورٍ وَلَيْسَ فِي كَوْنِهِ يُصَدِّقُ بَعْضَهُ بَعْضًا مَا يَمْنَعُ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَقَدْ يُحْتَجُّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ مُتَشَابِهَاتٍ فَجَعَلَهَا أَنْفُسَهَا مُتَشَابِهَاتٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضًا لَيْسَتْ مُتَشَابِهَةً لِغَيْرِهَا.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَيَيْنِ صَارَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ كَقَوْلِهِ: (إنَّا) و (نَحْنُ) الْمَذْكُورُ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ أَهْلِ نَجْرَانَ وَنُزُولِ الْآيَةِ قَالَ: الْمُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَمَلَ فِي التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ الْمُحْكَمَ لَا يَكُونُ تَأْوِيلُهُ فِي الْخَارِجِ إلَّا شَيْئًا وَاحِدًا وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَيَكُونُ لَهُ تَأْوِيلَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَكِنْ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ إلَّا وَاحِدًا مِنْهَا وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ وَحِينَئِذٍ فَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا كَمَا يَعْلَمُونَ الْمُرَادَ مِنْ الْمُحْكَمِ؛ لَكِنَّ نَفْسَ التَّأْوِيلِ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ وَوَقْتَ الْحَوَادِثِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُونَهُ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ نَصَارَى نَجْرَانَ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿بِكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ﴾ وَرُوحٌ مِنْهُ وَلَفْظُ كَلِمَةِ اللَّهِ: يُرَادُ بِهِ الْكَلَامُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَخْلُوقُ بِالْكَلَامِ وَرُوحٌ مِنْهُ: يُرَادُ بِهِ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ وَيُرَادُ بِهِ التَّبْعِيضُ فَعَلَى هَذَا إذَا قِيلَ تَأْوِيلُهُ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ الْمُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةُ أَيْ لَا يَعْلَمُونَ كَيْفَ خَلَقَ
عِيسَى بِالْكَلِمَةِ وَلَا كَيْفَ أَرْسَلَ إلَيْهَا رُوحَهُ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ كَلَامًا لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمِيعُ الْأُمَّةِ لَا يَعْلَمُونَ مَعْنَاهُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا الْقَوْلُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ خَطَأٌ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ هَذَا تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ لَا يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ أَوْ كَانَ لِلتَّأْوِيلِ مَعْنَيَانِ: يَعْلَمُونَ أَحَدَهُمَا وَلَا يَعْلَمُونَ الْآخَرَ وَإِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الرَّسُولَ كَانَ لَا يَعْلَمُ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ كَانَ هَذَا الْإِثْبَاتُ خَيْرًا مِنْ مِنْ ذَلِكَ النَّفْيِ فَإِنَّ مَعْنَى الدَّلَائِلِ الْكَثِيرَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْقُرْآنِ مِمَّا يُمْكِنُ عِلْمُهُ وَفَهْمُهُ وَتَدَبُّرُهُ وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ قَاطِعًا عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ لَا يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَ الْمُتَشَابِهِ فَإِنَّ السَّلَفَ قَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إنَّهُمْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ - مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ - وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَنَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِنْ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ.
وَقَوْلُ أَحْمَد فِيمَا كَتَبَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة فِيمَا شُكَّتْ فِيهِ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وَقَوْلُهُ عَنْ الْجَهْمِيَّة إنَّهَا تَأَوَّلَتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ الْمُتَشَابِهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى مَعْنَاهَا؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِهَ عِنْدَهُ تَعْرِفُ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ وَأَنَّ الْمَذْمُومَ تَأْوِيلُهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ فَأَمَّا تَفْسِيرُهُ الْمُطَابِقُ لِمَعْنَاهُ فَهَذَا مَحْمُودٌ لَيْسَ بِمَذْمُومِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ الصَّحِيحَ لِلْمُتَشَابِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ التَّفْسِيرُ فِي لُغَةِ السَّلَفِ.
وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ إنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ لَا يَعْرِفُ الرَّسُولُ وَلَا غَيْرُهُ مَعْنَاهَا بَلْ يَتْلُونَ لَفْظًا لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهُمْ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
وَابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى أَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَالْمُنْتَصِرِينَ لِمَذَاهِبِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَلَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
قَالَ فِيهِ صَاحِبُ " كِتَابِ التَّحْدِيثِ بِمَنَاقِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ": وَهُوَ أَحَدُ أَعْلَامِ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ أَجْوَدُهُمْ تَصْنِيفًا وَأَحْسَنُهُمْ تَرْصِيفًا لَهُ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةِ مُصَنَّفٍ وَكَانَ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ وَكَانَ مُعَاصِرًا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِي وَكَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ يُعَظِّمُونَهُ وَيَقُولُونَ: مَنْ اسْتَجَازَ الْوَقِيعَةَ فِي ابْنِ قُتَيْبَةَ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ وَيَقُولُونَ: كُلُّ بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ تَصْنِيفِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ قُلْت:
وَيُقَالُ هُوَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِثْلَ الْجَاحِظِ لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُ خَطِيبُ السُّنَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَاحِظَ خَطِيبُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا الْقَوْلُ الْآخَرُ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَؤُلَاءِ عَلَى قَوْلِهِمْ نَصًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَارَتْ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ فَتُرَدُّ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ وَأُولَئِكَ احْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَرَنَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ بِابْتِغَاءِ تَأْوِيلِهِ وَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَمَّ مُبْتَغِي الْمُتَشَابِهِ وَقَالَ: ﴿إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ . وَلِهَذَا ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صبيغ بْنَ عَسَلٍ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ الْمُتَشَابِهِ وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ وَلَوْ كَانَتْ الْوَاوُ وَاوَ عَطْفِ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ لَا وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ الَّتِي تَعْطِفُ جُمْلَةً عَلَى جُمْلَةٍ لَقَالَ: وَيَقُولُونَ.
فَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ﴾ الْآيَةُ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ قَالُوا فَهَذَا عَطْفُ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ وَالْفِعْلُ حَالٌ مِنْ الْمَعْطُوفِ فَقَطْ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ الْوَصْفِ بِالْإِيمَانِ لَمْ يَخُصَّ الرَّاسِخِينَ بَلْ قَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ فَإِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ فَلَمَّا خَصَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِالذِّكْرِ عَلِمَ أَنَّهُمْ امْتَازُوا بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ فَعَلِمُوهُ لِأَنَّهُمْ عَالِمُونَ وَآمَنُوا بِهِ لِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ " وَكَانَ إيمَانُهُمْ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ أَكْمَلَ فِي الْوَصْفِ وَقَدْ قَالَ عقيب ذَلِكَ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَا تَذَكُّرًا يَخْتَصُّ بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ فَإِنْ كَانَ مَا ثَمَّ إلَّا الْإِيمَانُ بِأَلْفَاظٍ فَلَا يُذَكِّرُ لِمَا يَدُلُّهُمْ عَلَى مَا أُرِيدَ بِالْمُتَشَابِهِ.
وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فَلَمَّا وَصَفَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ وَأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ قَرَنَ بِهِمْ الْمُؤْمِنِينَ فَلَوْ أُرِيدَ هُنَا مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ لَقَالَ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كَمَا قَالَ فِي تِلْكَ الْآيَةِ لَمَّا كَانَ مُرَادُهُ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ بِالْإِيمَانِ جَمَعَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.
قَالُوا: وَأَمَّا الذَّمُّ فَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى مَنْ يَتَّبِعُ الْمُتَشَابِهَ لِابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءِ تَأْوِيلِهِ وَهُوَ حَالُ أَهْلِ الْقَصْدِ الْفَاسِدِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْقَدْحَ فِي الْقُرْآنِ فَلَا يَطْلُبُونَ إلَّا الْمُتَشَابِهَ لِإِفْسَادِ الْقُلُوبِ وَهِيَ فِتْنَتُهَا بِهِ وَيَطْلُبُونَ تَأْوِيلَهُ وَلَيْسَ طَلَبُهُمْ لِتَأْوِيلِهِ لِأَجْلِ الْعِلْمِ وَالِاهْتِدَاءِ بَلْ هَذَا
لِأَجْلِ الْفِتْنَةِ وَكَذَلِكَ صبيغ بْنُ عَسَلٍ ضَرَبَهُ عُمَرُ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ بِالسُّؤَالِ عَنْ الْمُتَشَابِهِ كَانَ لِابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ وَهَذَا كَمَنْ يُورِدُ أَسْئِلَةً وَإِشْكَالَاتٍ عَلَى كَلَامِ الْغَيْرِ وَيَقُولُ مَاذَا أُرِيدَ بِكَذَا وَغَرَضُهُ التَّشْكِيكُ وَالطَّعْنُ فِيهِ لَيْسَ غَرَضُهُ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ عَنَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ وَلِهَذَا يَتَّبِعُونَ أَيْ يَطْلُبُونَ الْمُتَشَابِهَ وَيَقْصِدُونَهُ دُونَ الْمُحْكَمِ مِثْلَ الْمُتَّبِعِ لِلشَّيْءِ الَّذِي يَتَحَرَّاهُ وَيَقْصِدُهُ وَهَذَا فِعْلُ مَنْ قَصْدُهُ الْفِتْنَةُ.
وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ عَنْ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ لِيَعْرِفَهُ وَيُزِيلَ مَا عَرَضَ لَهُ مِنْ الشُّبَهِ.
وَهُوَ عَالِمٌ بِالْمُحْكَمِ مُتَّبِعٌ لَهُ مُؤْمِنٌ بِالْمُتَشَابِهِ لَا يَقْصِدُ فِتْنَةً فَهَذَا لَمْ يَذُمَّهُ اللَّهُ وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَقُولُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِثْلَ الْأَثَرِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي رَوَاهُ.
إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجوزجاني وَقَدْ ذَكَرَهُ الطلمنكي - حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ثَنَا بَقِيَّةُ ثَنَا عتبة بْنُ أَبِي حَكِيمٍ ثَنِيّ عِمَارَةُ بْنُ رَاشِدٍ الْكِنَانِيُّ عَنْ زِيَادٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ رَجُلَانِ فَرَجُلٌ لَهُ فِيهِ هَوًى وَنِيَّةٌ يُفَلِّيهِ فَلْيَ الرَّأْسِ يَلْتَمِسُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ أَمْرًا يَخْرُجُ بِهِ عَلَى النَّاسِ أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِهِمْ أُولَئِكَ يُعْمِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُبُلَ الْهُدَى وَرَجُلٌ يَقْرَؤُهُ لَيْسَ فِيهِ هَوًى وَلَا نِيَّةٌ يُفَلِّيهِ فَلْيَ الرَّأْسِ فَمَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهُ عُمِلَ بِهِ؟ وَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَكَلَهُ إلَى اللَّهِ لِيَتَفَقَّهُنَّ فِيهِ فِقْهًا مَا فَقِهَهُ قَوْمٌ قَطُّ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ مَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُبَيِّنُ لَهُ الْآيَةَ الَّتِي أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ أَوْ يُفَهِّمُهُ إيَّاهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.
قَالَ بَقِيَّةُ أَشْهَدَنِي ابْنُ عُيَيْنَة حَدِيثَ عتبة هَذَا.
فَهَذَا مُعَاذٌ يَذُمُّ مَنْ اتَّبَعَ الْمُتَشَابِهَ لِقَصْدِ الْفِتْنَةِ وَأَمَّا مَنْ قَصْدُهُ.
الْفِقْهَ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ بِفَهْمِهِ الْمُتَشَابِهَ فِقْهًا مَا فَقِهَهُ قَوْمٌ قَطُّ قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا إذَا عَرَضَ لِأَحَدِهِمْ شُبْهَةٌ فِي آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَأَلَهُ عُمَرُ فَقَالَ: أَلَمْ يَكُنْ تَحَدَّثْنَا أَنَّا نَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ وَسَأَلَهُ أَيْضًا عُمَرُ: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَقَدْ آمَنَّا؟ وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ شَقَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ وَلَمَّا ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ قَالَتْ عَائِشَةُ: أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ؟ قَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ} . قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ إجْمَاعُ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوا جَمِيعَ الْقُرْآنِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَرَضْت الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إلَى خَاتِمَتِهِ أَقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا وَتَلَقَّوْا ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي: حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ عُثْمَانُ بْنُ عفان وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى
يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا وَكَلَامُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِهِمْ فَيَقِفُ فِيهِ لَا لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ لَا يَعْلَمُهُ لَكِنْ لِأَنَّهُ هُوَ لَمْ يَعْلَمْهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَ بِتَدَبُّرِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا لَا يُتَدَبَّرُ وَلَا قَالَ: لَا تَدَبَّرُوا الْمُتَشَابِهَ وَالتَّدَبُّرُ بِدُونِ الْفَهْمِ مُمْتَنِعٌ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا لَا يُتَدَبَّرُ لَمْ يُعْرَفْ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُمَيِّزْ الْمُتَشَابِهَ بِحَدٍّ ظَاهِرٍ حَتَّى يُجْتَنَبَ تَدَبُّرُهُ.
وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَحْتَجُّونَ بِهِ وَيَقُولُونَ الْمُتَشَابِهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ إضَافِيٌّ فَقَدْ يَشْتَبِهُ عَلَى هَذَا مَا لَا يَشْتَبِهُ عَلَى غَيْرِهِ قَالُوا؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ بَيَانٌ وَهُدًى وَشِفَاءٌ وَنُورٌ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا عَنْ هَذَا الْوَصْفِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ بِدُونِ فَهْمِ الْمَعْنَى قَالُوا: وَلِأَنَّ مِنْ الْعَظِيمِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ كَلَامًا لَمْ يَكُنْ يَفْهَمُ مَعْنَاهُ لَا هُوَ وَلَا جِبْرِيلُ بَلْ وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْمَعَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ نَظِيرُ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَعْنَى مَا يَقُولُهُ وَهَذَا لَا يُظَنُّ بِأَقَلِّ النَّاسِ.
وَأَيْضًا فَالْكَلَامُ إنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ الْإِفْهَامُ فَإِذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ذَلِكَ كَانَ عَبَثًا وَبَاطِلًا وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ فِعْلِ الْبَاطِلِ وَالْعَبَثِ فَكَيْفَ يَقُولُ الْبَاطِلَ وَالْعَبَثَ وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُنَزِّلُهُ عَلَى خَلْقِهِ لَا يُرِيدُ بِهِ إفْهَامَهُمْ وَهَذَا مِنْ أَقْوَى حُجَجِ الْمُلْحِدِينَ.
وَأَيْضًا فَمَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ إلَّا وَقَدْ تَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِي مَعْنَاهَا وَبَيَّنُوا ذَلِكَ وَإِذَا قِيلَ فَقَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ قِيلَ كَمَا قَدْ يَخْتَلِفُونَ فِي آيَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَآيَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ مَعْنَاهَا وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَفْسِيرَ الْمُتَشَابِهِ فَإِنَّ الْمُتَشَابِهَ قَدْ يَكُونُ فِي آيَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَمَا يَكُونُ فِي آيَاتِ الْخَبَرِ وَتِلْكَ مِمَّا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَعْرِفَةِ الرَّاسِخِينَ لِمَعْنَاهَا فَكَذَلِكَ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْنُّفَاةِ لَمْ يَعْلَمْ مَعْنَى الْمُتَشَابِهُ إلَّا اللَّهُ لَا مَلَكٌ وَلَا رَسُولٌ وَلَا عَالِمٌ وَهَذَا خِلَافُ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي مُتَشَابِهِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَأَيْضًا فَلَفْظُ التَّأْوِيلِ يَكُونُ لِلْمُحْكَمِ كَمَا يَكُونُ لِلْمُتَشَابِهِ كَمَا دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ مَعْنَى الْمُحْكَمِ فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ وَأَيُّ فَضِيلَةٍ فِي الْمُتَشَابِهِ حَتَّى يَنْفَرِدَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْنَاهُ وَالْمُحْكَمُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَقَدْ بَيَّنَ مَعْنَاهُ لِعِبَادِهِ فَأَيُّ فَضِيلَةٍ فِي الْمُتَشَابِهِ حَتَّى يَسْتَأْثِرَ اللَّهُ بِعِلْمِ مَعْنَاهُ وَمَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَوَقْتِ السَّاعَةِ لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ
خِطَابًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْقُرْآنِ آيَةً تَدُلُّ عَلَى وَقْتِ السَّاعَةِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ اسْتَأْثَرَ بِأَشْيَاءَ لَمْ يُطْلِعْ عِبَادَهُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَلَامٍ أَنْزَلَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ هُدًى وَبَيَانٌ وَشِفَاءٌ وَأَمَرَ بِتَدَبُّرِهِ ثُمَّ يُقَالُ إنَّ مِنْهُ مَا لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَعْنَاهُ وَلِهَذَا صَارَ كُلُّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ آيَاتٍ لَا يُؤْمِنُ بِمَعْنَاهَا يَجْعَلُهَا مِنْ الْمُتَشَابِهِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ ثُمَّ سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ قِصَّةُ أَهْلِ نَجْرَانَ وَقَدْ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ (إنَّا) و (نَحْنُ) وَبِقَوْلِهِ: (كَلِمَةٌ) مِنْهُ و (رُوحٌ) مِنْهُ وَهَذَا قَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ لَا الْمَلَائِكَةُ وَلَا الْأَنْبِيَاءُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إلَيْنَا وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَدَبَّرَهُ وَنَعْقِلَهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ بَيَانٌ وَهُدًى وَشِفَاءٌ وَنُورٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْكَلَامِ إلَّا مَعَانِيهِ وَلَوْلَا الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ التَّكَلُّمُ بِلَفْظٍ لَا مَعْنَى لَهُ.
وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةً إلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ فِي مَاذَا أُنْزِلَتْ وَمَاذَا عُنِيَ بِهَا.
وَمَنْ قَالَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ سُؤَالُ الْيَهُودِ عَنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي (الم) بِحِسَابِ الْجُمَلِ فَهَذَا نَقْلٌ بَاطِلٌ.
أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَهَذَا قَدْ قِيلَ إنَّهُمْ قَالُوهُ فِي أَوَّلِ مَقْدِمٍ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ وَسُورَةُ آلِ عِمْرَانَ إنَّمَا نَزَلَ صَدْرُهَا مُتَأَخِّرًا لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ الْمُتَوَاتِرِ وَفِيهَا فُرِضَ الْحَجُّ وَإِنَّمَا فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ لَمْ يُفْرَضْ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا ثَالِثًا: فَلِأَنَّ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ وَدِلَالَةَ الْحَرْفِ عَلَى بَقَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَيْسَ هُوَ مِنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ بَلْ إمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَيْسَ مِمَّا أَرَادَهُ اللَّهُ بِكَلَامِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ بَلْ دَعْوَى دِلَالَةِ الْحُرُوفِ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بَلْ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَدْ عَلِمَ بَعْضُ النَّاسِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَحِينَئِذٍ فَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ ذَلِكَ أَمَّا دَعْوَى دِلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُهُ فَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ.
وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُورُ الْعِلْمِيَّةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ لَا يَعْرِفُهَا الرَّسُولُ كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ قَدْحِ الْمَلَاحِدَةِ فِيهِ وَكَانَ حُجَّةً لِمَا يَقُولُونَهُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْأُمُورَ الْعِلْمِيَّةَ أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُهَا وَلَمْ يُبَيِّنْهَا بَلْ هَذَا الْقَوْلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا فَإِنَّ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ لَا يَعْلَمُهُ النَّبِيُّ وَلَا غَيْرُهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَالدَّلَائِلُ الْكَثِيرَةُ تُوجِبُ الْقَطْعَ بِبُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا الرَّسُولُ وَلَا غَيْرُهُ.
نَعَمْ قَدْ يَكُونُ فِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي آيَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا يَعْرِفُهُ هَذَا وَذَلِكَ تَارَةً يَكُونُ لِغَرَابَةِ اللَّفْظِ وَتَارَةً لِاشْتِبَاهِ الْمَعْنَى بِغَيْرِهِ وَتَارَةً لِشُبْهَةٍ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ تَمْنَعُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَتَارَةً لِعَدَمِ التَّدَبُّرِ التَّامِّ وَتَارَةً لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ . أَنَّ الصَّوَابَ قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُهُ مَعْطُوفًا وَيَجْعَلُ الْوَاوَ لِعَطْفِ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ أَوْ يَكُونُ كِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقًّا وَهِيَ قِرَاءَتَانِ وَالتَّأْوِيلُ الْمَنْفِيُّ غَيْرُ التَّأْوِيلِ الْمُثْبَتِ وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ هُوَ قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُهَا وَاوَ اسْتِئْنَافٍ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ الْمَنْفِيُّ عِلْمُهُ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ هُوَ الْكَيْفِيَّاتُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِنْ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَجَاءَ عَنْهُ أَنَّ الرَّاسِخِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ.
وَجَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا " وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ مَنْ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ الْقَوْلَيْنِ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَعْلَمُونَ مِنْ تَفْسِيرِهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ وَأَنَّ فِيهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الصَّوَابَ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ وَجَعَلَ التَّأْوِيلَ بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ فَهَذَا خَطَأٌ قَطْعًا.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ فَهَذَا الِاصْطِلَاحُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ عُرِفَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ بَلْ وَلَا التَّابِعِينَ بَلْ وَلَا الْأَئِمَّةِ الْأَرْبِعَةِ وَلَا كَانَ التَّكَلُّمُ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ مَعْرُوفًا فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ بَلْ وَلَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْهُمْ خَصَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ بِهَذَا وَلَكِنْ لَمَّا صَارَ تَخْصِيصُ لَفْظِ التَّأْوِيلِ بِهَذَا شَائِعًا فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَظَنُّوا أَنَّ التَّأْوِيلَ فِي الْآيَةِ هَذَا مَعْنَاهُ صَارُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ مَعَانِيَ تُخَالِفُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ وَفَرَّقُوا دَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَارُوا شِيَعًا وَالْمُتَشَابِهُ الْمَذْكُورُ الَّذِي كَانَ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ وَإِنَّمَا الْخَطَأُ فِي فَهْمِ السَّامِعِ.
نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ مُجَرَّدَ هَذَا الْخِطَابِ لَا يُبَيِّنُ كَمَالَ الْمَطْلُوبِ وَلَكِنْ فَرْقٌ بَيْنَ عَدَمِ دِلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَبَيْنَ دِلَالَتِهِ عَلَى نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ.
فَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَنْفِيُّ؛ بَلْ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَاطِلِ أَلْبَتَّةَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَزْعُمُ أَنَّ لِظَاهِرِ الْآيَةِ مَعْنًى إمَّا مَعْنًى يَعْتَقِدُهُ وَإِمَّا مَعْنًى بَاطِلًا فَيَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِهِ وَيَكُونُ مَا قَالَهُ بَاطِلًا لَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى مُعْتَقَدِهِ وَلَا عَلَى الْمَعْنَى الْبَاطِلِ وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْقُرْآنَ كَثِيرًا مَا يَحْتَاجُ إلَى التَّأْوِيلِ الْمُحْدَثِ وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَدْلُولِهِ إلَى خِلَافِ مَدْلُولِهِ.
وَمِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ التَّأْوِيلَ: مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ - ﴿عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ﴾ فَقَدْ دَعَا لَهُ بِعِلْمِ التَّأْوِيلِ مُطْلَقًا وَابْنُ عَبَّاسٍ فَسَّرَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ قَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْت الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ أَقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا مِنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ.
وَأَيْضًا فَالنُّقُولُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي جَمِيعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ فَلَهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْقَصَصِ وَمِنْ الْكَلَامِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْأَحْكَامِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي جَمِيعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ.
وَأَيْضًا قَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَا مِنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِي مَاذَا أُنْزِلَتْ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ آيَاتِ الْأَحْكَامِ يُعْلَمُ تَأْوِيلُهَا وَهِيَ نَحْوُ خَمْسمِائَةِ آيَةٍ وَسَائِرُ الْقُرْآنِ خَبَرٌ عَنْ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ أَوْ عَنْ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَوْ عَنْ الْقَصَصِ وَعَاقِبَةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَعَاقِبَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمُتَشَابِهَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ إلَّا اللَّهُ
فَجُمْهُورُ الْقُرْآنِ لَا يَعْرِف أَحَدَ مَعْنَاهُ لَا الرَّسُولُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ ظَاهِرَةٌ.
وَأَيْضًا فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلْمَ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا أَصْعَبُ مِنْ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ الَّذِي يُخْبَرُ بِهِ فَإِنَّ دِلَالَةَ الرُّؤْيَا عَلَى تَأْوِيلِهَا دِلَالَةٌ خَفِيَّةٌ غَامِضَةٌ لَا يَهْتَدِي لَهَا جُمْهُورُ النَّاسِ؛ بِخِلَافِ دِلَالَةِ لَفْظِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ عَلَّمَ عِبَادَهُ تَأْوِيلَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَرَوْنَهَا فِي الْمَنَامِ فَلِأَنْ يُعَلِّمَهُمْ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ الَّذِي يُنَزِّلُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى قَالَ يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وَقَالَ يُوسُفُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وَقَالَ: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ . وَأَيْضًا فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْكُفَّارَ بِقَوْلِهِ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتَّى إذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وَهَذَا ذَمٌّ لِمَنْ كَذَّبَ بِمَا لَمْ يُحِطْ بِعِلْمِهِ.
فَمَا قَالَهُ النَّاسُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَدِّقَ بِقَوْلٍ دُونَ قَوْلٍ بِلَا عِلْمٍ وَلَا يُكَذِّبَ بِشَيْءٍ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُحِيطَ بِعِلْمِهِ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ إلَّا إذَا عَرَفَ الْحَقَّ الَّذِي أُرِيدَ بِالْآيَةِ فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ فَيُكَذِّبَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي أَحَاطَ بِعِلْمِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهَا وَلَمْ يُحِطْ بِشَيْءٍ مِنْهَا عِلْمًا.
فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّكْذِيبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا مَعَ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْمُتَنَاقِضَةَ بَعْضُهَا بَاطِلٌ قَطْعًا وَيَكُونُ حِينَئِذٍ الْمُكَذِّبُ بِالْقُرْآنِ كَالْمُكَذِّبِ بِالْأَقْوَالِ الْمُتَنَاقِضَةِ وَالْمُكَذِّبُ بِالْحَقِّ كَالْمُكَذِّبِ بِالْبَاطِلِ وَفَسَادُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَلْزُومِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إنْ بُنِيَ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَعَانِيَ الْآيَاتِ الْخَبَرِيَّةِ إلَّا اللَّهُ لَزِمَهُ أَنْ يُكَذِّبَ كُلَّ مَنْ احْتَجَّ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ خَبَرِيَّةٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ قَالَ: الْمُتَشَابِهُ هُوَ بَعْضُ الْخَبَرِيَّاتِ لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ فَصْلًا يَتَبَيَّنُ بِهِ مَا يَجُوزُ أَنْ يُعْلَمَ مَعْنَاهُ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ مَعْنَاهُ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ مَعْنَاهُ لَا مَلِكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرُهُمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا ذِكْرُ حَدٍّ فَاصِلٍ بَيْنَ مَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ مَعْنَاهُ بَعْضُ النَّاسِ وَبَيْنَ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ مَعْنَاهُ أَحَدٌ.
وَلَوْ ذَكَرَ مَا ذَكَرَ انْتَقَضَ عَلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَيْسَ هُوَ