مجموع الفتاوىصفحات 280-319

الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:

صفحات 280-319
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَلَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ذَكَرَ أَنَّ لِهَذَا مَا نَوَاهُ وَلِهَذَا مَا نَوَاهُ.
وَالْهِجْرَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْهَجْرِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ﴾ كَمَا قَالَ: ﴿الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ لِكَمَالِ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ كَمَا قَالَ: ﴿لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافُ﴾ إلَخْ وَقَدْ يُشْبِهُ هَذَا قَوْلَهُ: ﴿مَا تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَنْ لَيْسَ لَهُ دِرْهَمٌ وَلَا دِينَارٌ.
قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْمُفْلِسُ وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتِ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا؛ وَشَتَمَ هَذَا؛ وَأَخَذَ مَالَ هَذَا؛ فَيُعْطِي هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَسَنَةٌ أَخَذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ﴾ . وَقَالَ: ﴿مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟ قَالُوا: مَنْ لَا يُولَدُ لَهُ.
قَالَ: الرَّقُوبُ مَنْ لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا﴾ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصَّرْعَةِ وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ﴾ . لَكِنْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَقْصُودٌ وَبَيَانُ مَا هُوَ أَحَقُّ بِأَسْمَاءِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِمَّا يَظُنُّونَهُ.
فَإِنَّ الْإِفْلَاسَ حَاجَةٌ وَذَلِكَ مَكْرُوه فَبَيَّنَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْحَاجَةِ إنَّمَا تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَذَلِكَ عَدَمُ الْوَلَدِ تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ لِعَدَمِ الْوَلَدِ النَّافِعِ فَبَيَّنَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْوَلَدِ حَقِيقَةً إنَّمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ لِمَنْ

قَدَّمَ أَوْلَادَهُ بَيْن يَدَيْهِ وَكَذَلِكَ الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ مَحْبُوبَةٌ فَبَيَّنَ أَنَّ قُوَّةَ النُّفُوسِ أَحَقُّ بِالْمَدْحِ مِنْ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ كَمَا قِيلَ لِبَعْضِ سَادَاتِ الْعَرَبِ: مَا بَالُ عَبِيدِك أَصْبَرُ مِنْكُمْ عِنْدَ الْحَرْبِ وَعَلَى الْأَعْمَالِ؟ قَالَ: هُمْ أَصْبَرُ أَجْسَادًا وَنَحْنُ أَصْبَرُ نُفُوسًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي اسْمِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِهِ: فِي الْمُسْلِمِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْمُهَاجِرِ وَالْمُجَاهِدِ وَهَذَا مُطَابِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يَنْفِي مُسَمَّى اسْمٍ شَرْعِيٍّ إلَّا لِانْتِفَاءِ كَمَالِهِ الْوَاجِبِ؛ فَإِنَّ هَجْرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَاجِبٌ؛ وَسَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عُدْوَانِ الْإِنْسَانِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَاجِبٌ وَالْمُؤْمِنُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لَا يَكُونُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ إلَّا إذَا كَانَ أَمِينًا وَالْأَمَانَةُ وَاجِبَةٌ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ وَلَا يُعْرَفُ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِعْطَاءِ مِمَّنْ أَظْهَرَ حَاجَتَهُ وَسُؤَالَهُ وَعَطَاؤُهُ وَاجِبٌ وَتَخْصِيصُ السَّائِلِ بِالْعَطَاءِ دُونَ هَذَا لَا يَجُوزُ بَلْ تَخْصِيصُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ أَوْلَى وَأَوْجَبُ وَأَحَبُّ.
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ؛ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ؛ وَإِذَا اسْتَنْفَرْتُمْ فَانْفِرُوا﴾ وَقَالَ ﴿لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ﴾ وَكِلَاهُمَا حَقٌّ.
فَالْأَوَّلُ أَرَادَ بِهِ الْهِجْرَةَ الْمَعْهُودَةَ فِي زَمَانِهِ وَهِيَ الْهِجْرَةُ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ فَإِنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ كَانَتْ مَشْرُوعَةً لَمَّا كَانَتْ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا دَارَ كُفْرٍ وَحَرْبٍ وَكَانَ الْإِيمَانُ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَتْ الْهِجْرَةُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَاجِبَةً لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَصَارَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ وَدَخَلَتْ الْعَرَبُ فِي الْإِسْلَامِ

صَارَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ كُلُّهَا دَارَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: ﴿لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ﴾ وَكَوْنُ الْأَرْضِ دَارَ كُفْرٍ وَدَارَ إيمَانٍ أَوْ دَارَ فَاسِقِينَ لَيْسَتْ صِفَةً لَازِمَةً لَهَا؛ بَلْ هِيَ صِفَةٌ عَارِضَةٌ بِحَسَبِ سُكَّانِهَا فَكُلُّ أَرْضٍ سُكَّانُهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ هِيَ دَارُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَكُلُّ أَرْضٍ سُكَّانُهَا الْكُفَّارُ فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَكُلُّ أَرْضٍ سُكَّانُهَا الْفُسَّاقُ فَهِيَ دَارُ فُسُوقٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ سَكَنَهَا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَتَبَدَّلَتْ بِغَيْرِهِمْ فَهِيَ دَارُهُمْ.
وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا تَبَدَّلَ بِخَمَّارَةٍ أَوْ صَارَ دَارَ فِسْقٍ أَوْ دَارَ ظُلْمٍ أَوْ كَنِيسَةً يُشْرِكُ فِيهَا بِاَللَّهِ كَانَ بِحَسَبِ سُكَّانِهِ؛ وَكَذَلِكَ دَارُ الْخَمْرِ وَالْفُسُوقِ وَنَحْوُهَا إذَا جُعِلَتْ مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ بِحَسَبِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ يَصِيرُ فَاسِقًا وَالْكَافِرُ يَصِيرُ مُؤْمِنًا أَوْ الْمُؤْمِنُ يَصِيرُ كَافِرًا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كُلٌّ بِحَسَبِ انْتِقَالِ الْأَحْوَالِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَكَّةَ لَمَّا كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ وَهِيَ مَا زَالَتْ فِي نَفْسِهَا خَيْرَ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبَّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ سُكَّانَهَا.
فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا: ﴿أَنَّهُ قَالَ لِمَكَّةَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ: وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْك لَمَا خَرَجْت﴾ وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَيَّ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّهَا أَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَانَ مَقَامُهُ بِالْمَدِينَةِ وَمَقَامُ

مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ مِنْ مَقَامِهِمْ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ أَنَّهَا دَارُ هِجْرَتِهِمْ؛ وَلِهَذَا كَانَ الرِّبَاطُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَاوَرَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: ﴿رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا مَاتَ مُجَاهِدًا وَجَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَأُجْرِيَ رِزْقُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ﴾ وَفِي السُّنَنِ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ﴾ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَلُ الْأَرْضِ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ أَرْضٌ يَكُونُ فِيهَا أَطْوَعَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَلَا تَتَعَيَّنُ أَرْضٌ يَكُونُ مُقَامُ الْإِنْسَانِ فِيهَا أَفْضَلَ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّ كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ وَالْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْحُضُورِ وَقَدْ كَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى سَلْمَانَ: هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ: أَنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْعَبْدَ عَمَلُهُ.
﴿وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ﴾ وَكَانَ سَلْمَانُ أَفْقَهَ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي أَشْيَاءَ مِنْ جُمْلَتِهَا هَذَا.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي كَانَ بِهَا أُولَئِكَ الْعَمَالِقَةُ ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَ هَذَا دَارَ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ

وَأَرْضِ مِصْرَ الَّتِي أَوْرَثَهَا اللَّهُ بَنِي إسْرَائِيلَ فَأَحْوَالُ الْبِلَادِ كَأَحْوَالِ الْعِبَادِ فَيَكُونُ الرَّجُلُ تَارَةً مُسْلِمًا وَتَارَةً كَافِرًا وَتَارَةً مُؤْمِنًا؛ وَتَارَةً مُنَافِقًا وَتَارَةً بَرًّا تَقِيًّا وَتَارَةً فَاسِقًا وَتَارَةً فَاجِرًا شَقِيًّا.
وَهَكَذَا الْمَسَاكِنُ بِحَسَبِ سُكَّانِهَا فَهِجْرَةُ الْإِنْسَانِ مِنْ مَكَانِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي إلَى مَكَانِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ كَتَوْبَتِهِ وَانْتِقَالِهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ إلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَهَذَا أَمْرٌ بَاقٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ . قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ آمَنَ وَهَاجَرَ وَجَاهَدَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَنْ فَتَنَهُ الشَّيْطَانُ عَنْ دِينِهِ أَوْ أَوْقَعَهُ فِي مَعْصِيَةٍ ثُمَّ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهَا مِنْ الْعَدُوِّ وَجَاهَدَ الْمُنَافِقِينَ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَصَبَرَ عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

وَقَالَ: فَصْلٌ: الْأَذْكَارُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا خُطْبَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ: هِيَ الَّتِي يُرْوَى عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ ثُمَّ أَبِي الْحَسَنِ الشاذلي أَنَّهَا جَوَامِعُ الْكَلَامِ النَّافِعِ.
وَهِيَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ بَيْن أَمْرَيْنِ أَمْرٍ يَفْعَلُهُ اللَّهُ بِهِ فَهِيَ نِعَمُ اللَّهِ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيْهِ فَتَحْتَاجُ إلَى الشُّكْرِ.
وَأَمْرٍ يَفْعَلُهُ هُوَ: إمَّا خَيْرٌ وَإِمَّا شَرٌّ فَالْخَيْرُ يَفْتَقِرُ إلَى مَعُونَةِ اللَّهِ لَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالشَّرُّ يَفْتَقِرُ إلَى الِاسْتِغْفَارِ لِيَمْحُوَ أَثَرَهُ.
وَجَاءَ فِي حَدِيثِ ضِمَادٍ الأزدي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ﴾ فَقَطْ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ حَيْثُ قُسِّمَتْ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِلرَّبِّ وَنِصْفًا لِلْعَبْدِ فَنِصْفُ الرَّبِّ مُفْتَتَحٌ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَنِصْفُ الْعَبْدِ مُفْتَتَحٌ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ فَقَالَ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَقَدْ يُقْرَنُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالِاسْتِغْفَارِ كَمَا فِي الْأَثَرِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد فِي الزُّهْدِ " أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْدِ

الْحَسَنِ فَقِيلَ لَهُ: تَلَقَّيْنَا هَذِهِ الْخُطْبَةَ عَنْ الْوَالِدِ عَنْ وَالِدِهِ كَمَا يَقُولُهَا كَثِيرٌ مَنْ النَّاسِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا " فَأَمَّا نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ فَفِي حَدِيثِ ضِمَادٍ ﴿وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ﴾ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَأَمَّا نَسْتَهْدِيهِ فَفِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لِأَنَّ نِصْفَهَا لِلرَّبِّ وَهُوَ الْحَمْدُ وَنِصْفَهَا لِلْعَبْدِ وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ وَالِاسْتِهْدَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا الِاسْتِغْفَارُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الذَّنْبِ وَالسُّورَةُ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَالْفَاتِحَةُ بَابُ السَّعَادَةِ الْمَانِعَةُ مِنْ الذُّنُوبِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ {وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ أزدشنوءة.
وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ فَقَالَ لَوْ أَنِّي رَأَيْت هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ قَالَ فَلَقِيَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدَيَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ فَهَلْ لَك؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمَّا بَعْدُ قَالَ: فَقَالَ أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِك هَؤُلَاءِ فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ: فَقَالَ:

لَقَدْ سَمِعْت قَوْلَ الْكَهَنَةِ وَقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ فَمَا سَمِعْت بِمِثْلِ كَلِمَاتِك هَؤُلَاءِ وَلَقَدْ بَلَغْت ناعوس الْبَحْرِ قَالَ: فَقَالَ هَاتِ يَدَك أُبَايِعْك عَلَى الْإِسْلَامِ قَالَ: فَبَايَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى قَوْمِك فَقَالَ وَعَلَى قَوْمِي} رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَلِهَذَا اُسْتُحِبَّتْ وَفُعِلَتْ فِي مُخَاطَبَةِ النَّاسِ بِالْعِلْمِ عُمُومًا وَخُصُوصًا: مِنْ تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ فِي ذَلِكَ.
وَمَوْعِظَةِ النَّاسِ وَمُجَادَلَتِهِمْ أَنْ يَفْتَتِحَ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُ زَمَانِنَا الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ وَأَخَذْنَا عَنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ يَفْتَتِحُونَ مَجْلِسَ التَّفْسِيرِ أَوْ الْفِقْهِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا بِخُطْبَةِ أُخْرَى.
مِثْلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنَّا وَعَنْكُمْ وَعَنْ مَشَايِخِنَا وَعَنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ وَعَنْ السَّادَةِ الْحَاضِرِينَ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ كَمَا رَأَيْت قَوْمًا يَخْطُبُونَ لِلنِّكَاحِ بِغَيْرِ الْخُطْبَةِ الْمَشْرُوعَةِ وَكُلُّ قَوْمٍ لَهُمْ نَوْعٌ غَيْرَ نَوْعِ الْآخَرِينَ فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَخُصَّ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا هِيَ خُطْبَةٌ لِكُلِّ حَاجَةٍ فِي مُخَاطَبَةِ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالنِّكَاحُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ فَإِنَّ مُرَاعَاةَ السُّنَنِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ هُوَ كَمَالُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ

مَنْهِيًّا عَنْهُ فَإِنَّهُ مَنْقُوصٌ مَرْجُوحٌ إذْ خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ﴾ هِيَ الْجَوَامِعُ " كَمَا فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذَكَرَ ذَلِكَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَفَوَاتِحَهُ كَمَا فِي سُورَتَيْ " أَبِي " فَإِنَّ الِاسْتِهْدَاءَ يَدْخُلُ فِي الِاسْتِعَانَةِ وَتَكْرِيرَ نَحْمَدُهُ قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِهِ بِقَوْلِهِ " الْحَمْدَ لِلَّهِ " فَإِذَا فَصَلْت جَازَ كَمَا فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ: ﴿اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَهْدِيك وَنَسْتَغْفِرُك وَنُؤْمِنُ بِك وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ وَنَشْكُرُك وَلَا نُكَفِّرُك وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يفجرك﴾ . فَهَذِهِ إحْدَى سُورَتَيْ أَبِي.
وَهِيَ مُفْتَتَحَةٌ بِالِاسْتِعَانَةِ الَّتِي هِيَ نِصْفُ الْعَبْدِ مَعَ مَا بَعْدَهَا مَنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِي السُّورَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخْشَى عَذَابَك إنَّ عَذَابَك الْجَدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ﴾ . فَهَذَا مُفْتَتَحٌ بِالْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ نِصْفُ الرَّبِّ مَعَ مَا قَبْلَهَا مَنْ الْفَاتِحَةِ فَفِي سُورَتَيْ الْقُنُوتِ مُنَاسَبَةٌ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِيهِمَا جَمِيعًا مُنَاسَبَةٌ لِخُطْبَةِ الْحَاجَةِ وَذَلِكَ جَمِيعُهُ مِنْ فَوَاتِحِ الْكَلِمِ وَجَوَامِعِهِ وَخَوَاتِمِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا﴾ فَإِنَّ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ نَوْعَانِ: فَنَوْعٌ مَوْجُودٌ يُسْتَعَاذُ مِنْ ضَرَرِهِ الَّذِي لَمْ

يُوجَدْ بَعْدُ وَنَوْعٌ مَفْقُودٌ يُسْتَعَاذُ مِنْ وُجُودِهِ؛ فَإِنَّ نَفْسَ وُجُودِهِ ضَرَرٌ مِثَالُ الْأَوَّلِ: " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " وَمِثْلُ الثَّانِي: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ و ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أزل﴾ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ﴾ فَيَشْتَرِكُ فِيهِ النَّوْعَانِ فَإِنَّهُ يُسْتَعَاذُ مِنْ الشَّرِّ الْمَوْجُودِ أَنْ لَا يُضَرَّ وَيُسْتَعَاذُ مِنْ الشَّرِّ الضَّارِّ الْمَفْقُودِ أَنْ لَا يُوجَدَ فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: ﴿وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا﴾ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَيْنِ: يَحْتَمِلُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا شَرٌّ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ يُصِيبَنَا شَرَّهَا وَهَذَا أَشَبَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: " وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا " السَّيِّئَاتُ هِيَ عُقُوبَاتُ الْأَعْمَالِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ يُرَادُ بِهَا النِّعَمُ وَالنِّقَمُ كَثِيرًا كَمَا يُرَادُ بِهَا الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى السَّيِّئَاتِ الَّتِي هِيَ الْمَعَاصِي فَيَكُونُ قَدْ اسْتَعَاذَ أَنْ يَعْمَلَ السَّيِّئَاتِ أَوْ أَنْ تَضُرَّهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ أَشْبَهُ فَقَدْ اسْتَعَاذَ مِنْ عُقُوبَةِ أَعْمَالِهِ أَنْ تُصِيبَهُ وَهَذَا أَشْبَهُ.

فَيَكُونُ الْحَدِيثُ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الضَّرَرِ الْفَاعِلِيِّ وَالضَّرَرِ الغائي فَإِنَّ سَبَبَ الضَّرَرِ هُوَ شَرُّ النَّفْسِ وَغَايَتُهُ عُقُوبَةُ الذَّنْبِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ اسْتَعَاذَ مِنْ الضَّرَرِ الْمَفْقُودِ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ أَنْ لَا يَكُونَ فَإِنَّ النَّفْسَ مُقْتَضِيَةٌ لِلشَّرِّ وَالْأَعْمَالَ مُقْتَضِيَةٌ لِلْعُقُوبَةِ فَاسْتَعَاذَ أَنْ يَكُونَ شَرَّ نَفْسِهِ أَوْ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةَ عَمَلِهِ وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ الشَّرُّ هُوَ الصِّفَةُ الْقَائِمَةُ بِالنَّفْسِ الْمُوجِبَةِ لِلذُّنُوبِ وَتِلْكَ مَوْجُودَةٌ كَوُجُودِ الشَّيْطَانِ فَاسْتَعَاذَ مِنْهَا أَنْ تَضُرَّهُ أَوْ تُصِيبَهُ كَمَا يُقَالُ: " أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " وَإِنْ حَمَلَ عَلَى الشُّرُورِ الْوَاقِعَةِ وَهِيَ الذُّنُوبُ مِنْ النَّفْسِ فَهَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْلٌ: فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
﴿بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ﴾ . لَا يَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ إذَا صَارَ غَرِيبًا يَجُوزُ تَرْكُهُ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ بَلْ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .

وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَبَيَّنَّا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ كَانَ دِينُهُمْ الْإِسْلَامَ مِنْ نُوحٍ إلَى الْمَسِيحِ.
وَلِهَذَا لَمَّا بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ مِنْ الدِّينِ مَقْبُولًا بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ - حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ نَظَرَ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ - عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ - إلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الْحَدِيثَ.
وَلَا يَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ إذَا صَارَ غَرِيبًا أَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِهِ يَكُونُ فِي شَرٍّ بَلْ هُوَ أَسْعَدُ النَّاسِ كَمَا قَالَ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ ﴿فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ﴾ . و " طُوبَى " مِنْ الطِّيبِ قَالَ تَعَالَى ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لِمَا كَانَ غَرِيبًا.
وَهُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ.
أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَهُمْ أَعْلَى النَّاسِ دَرَجَةً بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ.
وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ أَنَّ اللَّهَ حَسْبُك وَحَسْبُ مُتَّبِعِك.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى {أَلَيْسَ

اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} وَقَالَ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ . فَالْمُسْلِمُ الْمُتَّبِعُ لِلرَّسُولِ: اللَّهُ تَعَالَى حَسْبُهُ وَكَافِيهِ وَهُوَ وَلِيُّهُ حَيْثُ كَانَ وَمَتَى كَانَ.
وَلِهَذَا يُوجَدُ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالْإِسْلَامِ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ لَهُمْ السَّعَادَةُ كُلَّمَا كَانُوا أَتَمَّ تَمَسُّكًا بِالْإِسْلَامِ فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ شَرٌّ كَانَ بِذُنُوبِهِمْ؛ حَتَّى إنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ إذَا رَأَوْا الْمُسْلِمَ الْقَائِمَ بِالْإِسْلَامِ عَظَّمُوهُ وَأَكْرَمُوهُ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُونَ بِهَا الْمُنْتَسِبِينَ إلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ بِحَقِيقَتِهِ لَمْ يُكْرِمْ.
وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَفِي كُلِّ وَقْتٍ.
فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا شَرٌّ وَلِلَّهِ عَلَى عِبَادِهِ نِعَمٌ لَكِنْ الشَّرُّ الَّذِي يُصِيبُ الْمُسْلِمَ أَقَلُّ وَالنِّعَمُ الَّتِي تَصِلُ إلَيْهِ أَكْثَرُ.
فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ اُبْتُلُوا بِأَذَى الْكُفَّارِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الدِّيَارِ فَاَلَّذِي حَصَلَ لِلْكُفَّارِ مِنْ الْهَلَاكِ كَانَ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ وَاَلَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لِلْكُفَّارِ مِنْ عِزٍّ أَوْ مَالٍ كَانَ يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُ مِنْهُ حَتَّى مِنْ الْأَجَانِبِ.

فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ مَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَسْعَوْنَ فِي أَذَاهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ - كَانَ اللَّهُ يَدْفَعُ عَنْهُ وَيُعِزُّهُ وَيَمْنَعُهُ وَيَنْصُرُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَعَزَّ قُرَيْشٍ مَا مِنْهُمْ إلَّا مَنْ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ مَنْ يُؤْذِيه وَيُهِينُهُ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إذْ لِكُلِّ كَبِيرٍ كَبِيرٌ يُنَاظِرُهُ ويناويه وَيُعَادِيهِ.
وَهَذِهِ حَالُ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ الْإِسْلَامَ - يَخَافُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَرْجُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
وَأَتْبَاعُهُ الَّذِينَ هَاجَرُوا إلَى الْحَبَشَةِ أَكْرَمَهُمْ مَلِكُ الْحَبَشَةِ وَأَعَزَّهُمْ غَايَةَ الْإِكْرَامِ وَالْعِزِّ وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَكَانُوا أَكْرَمَ وَأَعَزَّ.
وَاَلَّذِي كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ أَذَى الدُّنْيَا كَانُوا يُعَوَّضُونَ عَنْهُ عَاجِلًا مِنْ الْإِيمَانِ وَحَلَاوَتِهِ وَلَذَّتِهِ مَا يَحْتَمِلُونَ بِهِ ذَلِكَ الْأَذَى.
وَكَانَ أَعْدَاؤُهُمْ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ الْأَذَى وَالشَّرِّ أَضْعَافُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لَا آجِلًا وَلَا عَاجِلًا إذْ كَانُوا مُعَاقِبِينَ بِذُنُوبِهِمْ.
وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ مُمْتَحِنِينَ لِيَخْلُصَ إيمَانُهُمْ وَتُكَفَّرَ سَيِّئَاتُهُمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْمَلُ لِلَّهِ فَإِنْ أُوذِيَ احْتَسَبَ أَذَاهُ عَلَى اللَّهِ وَإِنْ بَذَلَ سَعْيًا أَوْ مَالًا بَذَلَهُ لِلَّهِ فَاحْتَسَبَ أَجْرَهُ عَلَى اللَّهِ.

وَالْإِيمَانُ لَهُ حَلَاوَةٌ فِي الْقَلْبِ وَلَذَّةٌ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ﴿ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدِ نَبِيًّا﴾ . وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ نَهَى نَبِيَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ حَزَنٌ أَوْ ضِيقٌ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَكَذَلِكَ فِي آخِرِهِ.
فَالْمُؤْمِنُ مَنْهِيٌّ أَنْ يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَكُونَ فِي ضَيْقٍ مِنْ مَكْرِهِمْ.
وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ أَوْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ أَحْوَالِ الْإِسْلَامِ جَزِعَ وَكَلَّ وَنَاحَ كَمَا يَنُوحُ أَهْلُ الْمَصَائِبِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ هَذَا؛ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ وَالثَّبَاتِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى.
وَأَنَّ مَا يُصِيبُهُ فَهُوَ بِذُنُوبِهِ فَلْيَصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلْيَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِهِ وَلْيُسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّهِ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ﴾ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ:

أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فِي أَمْكِنَةٍ وَأَزْمِنَةٍ يَعُودُ غَرِيبًا بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَظْهَرُ كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ غَرِيبًا ثُمَّ ظَهَرَ.
وَلِهَذَا قَالَ ﴿سَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ﴾ . وَهُوَ لَمَّا بَدَأَ كَانَ غَرِيبًا لَا يُعْرَفُ ثُمَّ ظَهَرَ وَعُرِفَ فَكَذَلِكَ يَعُودُ حَتَّى لَا يُعْرَفَ ثُمَّ يَظْهَرُ وَيُعْرَفُ.
فَيَقِلُّ مَنْ يَعْرِفُهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَمْرِ كَمَا كَانَ مَنْ يَعْرِفُهُ أَوَّلًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى مُسْلِمًا إلَّا قَلِيلٌ.
وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الدَّجَّالِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ عِنْدَ قُرْبِ السَّاعَةِ.
وَحِينَئِذٍ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا تَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ.
وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ﴾ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمِثْلُهُ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ.
فَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّهُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى الْحَقِّ أَعِزَّاءٌ لَا يَضُرُّهُمْ الْمُخَالِفُ وَلَا خِلَافُ الْخَاذِلِ.
فَأَمَّا بَقَاءُ الْإِسْلَامِ غَرِيبًا ذَلِيلًا فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا قَبْلَ السَّاعَةِ فَلَا يَكُونُ هَذَا.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ﴾ أَعْظَمُ

مَا تَكُونُ غُرْبَتُهُ إذَا ارْتَدَّ الدَّاخِلُونَ فِيهِ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ . فَهَؤُلَاءِ يُقِيمُونَهُ إذَا ارْتَدَّ عَنْهُ أُولَئِكَ.
وَكَذَلِكَ بَدَأَ غَرِيبًا وَلَمْ يَزَلْ يَقْوَى حَتَّى انْتَشَرَ.
فَهَكَذَا يَتَغَرَّبُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ ثُمَّ يَظْهَرُ حَتَّى يُقِيمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وُلِّيَ قَدْ تَغَرَّبَ كَثِيرٌ مِنْ الْإِسْلَامِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى كَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ.
فَأَظْهَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ مَا كَانَ غَرِيبًا.
وَفِي السُّنَنِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا﴾ . وَالتَّجْدِيدُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الدُّرُوسِ وَذَاكَ هُوَ غُرْبَةُ الْإِسْلَامِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ الْمُسْلِمَ أَنَّهُ لَا يَغْتَمُّ بِقِلَّةِ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ وَلَا يَضِيقُ صَدْرُهُ بِذَلِكَ وَلَا يَكُونُ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ كَمَا كَانَ الْأَمْرُ حِينَ بَدَأَ.
قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ

وَالْبَرَاهِينِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ.
وَكَذَلِكَ إذَا تَغَرَّبَ يَحْتَاجُ صَاحِبُهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ إلَى نَظِيرِ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ . وَقَدْ تَكُونُ الْغُرْبَةُ فِي بَعْضِ شَرَائِعِهِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ.
فَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْكِنَةِ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِعِهِ مَا يَصِيرُ بِهِ غَرِيبًا بَيْنَهُمْ لَا يَعْرِفُهُ مِنْهُمْ إلَّا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ.
وَمَعَ هَذَا فَطُوبَى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
فَإِنَّ إظْهَارَهُ وَالْأَمْرَ بِهِ وَالْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ هُوَ بِحَسَبِ الْقُوَّةِ وَالْأَعْوَانِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ

لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ} . وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ حَصَلَ لَهُ سُوءٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِخِلَافِ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَأَتْبَاعَهُ فَهَذَا مِنْ ذُنُوبِهِ وَنَقْصِ إسْلَامِهِ كَالْهَزِيمَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ.
وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . وَفِيمَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ وَنَصْرِهِمْ وَنَجَاتِهِمْ وَهَلَاكِ أَعْدَائِهِمْ عِبْرَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هُوَ خِطَابٌ لِذَلِكَ الْقَرْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ . وَلِهَذَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ لَمَّا ارْتَدَّ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ الْعَرَبِ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ.
قِيلَ: قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ

بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ هَذَا الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ﴾ وَأَمْثَالِهَا.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ . وَكِلَاهُمَا وَقَعَ وَيَقَعُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
فَإِنَّهُ مَا ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ طَائِفَةٌ إلَّا أَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ يُجَاهِدُونَ عَنْهُ وَهُمْ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
يَبِينُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا فِي سِيَاق

ِ النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ

فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ . فَالْمُخَاطَبُونَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هَمّ الْمُخَاطَبُونَ بِآيَةِ الرِّدَّةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ قُرُونِ الْأُمَّةِ.
وَهُوَ لَمَّا نَهَى عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ وَارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَضُرُّ الْإِسْلَامَ شَيْئًا.

بَلْ سَيَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فَيَتَوَلَّوْنَ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكُفَّارِ وَيُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ كَمَا قَالَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ - لَا يَضُرُّونَ الْإِسْلَامَ شَيْئًا.
بَلْ يُقِيمُ اللَّهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَيَنْصُرُ دِينَهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
وَأَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ مِمَّنْ جَاءَ اللَّهُ بِهِمْ لَمَّا ارْتَدَّ مَنْ ارْتَدَّ إذْ ذَاكَ.
وَلَيْسَتْ الْآيَةُ مُخْتَصَّةً بِهِمْ وَلَا فِي الْحَدِيثِ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُمْ.
بَلْ قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِغَيْرِ أَهْلِ الْيَمَنِ كَأَبْنَاءِ فَارِسَ لَا يَخْتَصُّ الْوَعْدُ بِهِمْ.
بَلْ قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ﴾ ﴿إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَهَذَا أَيْضًا خِطَابٌ لِكُلِّ قَرْنٍ وَقَدْ أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّهُ مَنْ نَكَلَ عَنْ الْجِهَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَذَّبَهُ وَاسْتَبْدَلَ بِهِ مَنْ يَقُومُ بِالْجِهَادِ.
وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ

الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} . فَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ مَنْ يَتَوَلَّ عَنْ الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ أَوْ عَنْ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اُسْتُبْدِلَ بِهِ.
فَهَذِهِ حَالُ الْجَبَانِ الْبَخِيلِ يَسْتَبْدِلُ اللَّهُ بِهِ مَنْ يَنْصُرُ الْإِسْلَامَ وَيُنْفِقُ فِيهِ.
فَكَيْفَ تَكُونُ حَالُ أَصْلِ الْإِسْلَامِ مَنْ ارْتَدَّ عَنْهُ؟ أَتَى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالْقِتَالِ وَالْمَالِ؛ مَعَ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ مُؤْمِنُونَ مُجَاهِدُونَ مَنْصُورُونَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ كَمَا مِنْهُمْ مَنْ يَرْتَدُّ أَوْ مَنْ يَنْكُلُ عَنْ الْجِهَادِ وَالْإِنْفَاقِ.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ . فَهَذَا الْوَعْدُ مُنَاسِبٌ لِكُلِّ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذَا الْوَصْفِ.
فَلَمَّا اتَّصَفَ بِهِ الْأَوَّلُونَ اسْتَخْلَفَهُمْ اللَّهُ كَمَا وَعَدَ.
وَقَدْ اتَّصَفَ بَعْدَهُمْ بِهِ قَوْمٌ بِحَسَبِ إيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمْ الصَّالِحِ.
فَمَنْ كَانَ أَكْمَلَ إيمَانًا وَعَمِلَ صَالِحًا كَانَ اسْتِخْلَافُهُ الْمَذْكُورُ أَتَمَّ.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ وَخَلَلٌ كَانَ فِي تَمْكِينِهِ خَلَلٌ وَنَقْصٌ.
وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا جَزَاءُ هَذَا الْعَمَلِ فَمَنْ قَامَ بِذَلِكَ الْعَمَلِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْجَزَاءَ.

لَكِنْ مَا بَقِيَ قَرْنٌ مِثْلَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ فَلَا جَرَمَ مَا بَقِيَ قَرْنٌ يَتَمَكَّنُ تَمَكُّنَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ﴾ . وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ هَذَا لِبَعْضِ أَهْلِ الْقَرْنِ كَمَا يَحْصُلُ هَذَا لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
وَأَمَّا

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحًا تَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ﴾

فَذَاكَ لَيْسَ فِيهِ رِدَّةٌ بَلْ فِيهِ مَوْتُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَهُوَ لَمْ يَقُلْ " إذَا مَاتَ كُلُّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَسْتَبْدِلَ اللَّهُ مَوْضِعَهُ آخَرَ وَإِنَّمَا وَعَدَ بِهَذَا إذَا ارْتَدَّ بَعْضُهُمْ عَنْ دِينِهِ.
وَهُوَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا تَرْتَدُّ جَمِيعُهَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبْقِيَ اللَّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هُوَ ظَاهِرٌ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
فَإِذَا مَاتَ كُلُّ مُؤْمِنٍ فَقَدْ جَاءَتْ السَّاعَةُ.
وَهَذَا كَمَا فِي حَدِيثِ الْعِلْمِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ.
فَإِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا﴾ . وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَإِنْ قِيلَ: فَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ ﴿يَسْرِي عَلَى الْقُرْآنِ فَلَا يَبْقَى فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ﴾ وَهَذَا يُنَاقِضُ هَذَا.
قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ.
فَإِنَّ قَبْضَ الْعِلْمِ لَيْسَ قَبْضَ الْقُرْآنِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ ﴿هَذَا أَوَانٌ يُقْبَضُ الْعِلْمُ.
فَقَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ: وَكَيْفَ يُقْبَضُ وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ وَأَقْرَأْنَاهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّك إنْ كُنْت لَأَحْسِبُك لَمِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ لَيْسَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ فَمَاذَا يُغْنِي عَنْهُمْ؟﴾ . فَتَبَيَّنَ أَنَّ مُجَرَّدَ بَقَاءِ حِفْظِ الْكِتَابِ لَا يُوجِبُ هَذَا الْعِلْمَ لَا سِيَّمَا أَنَّ الْقُرْآنَ يَقْرَؤُهُ الْمُنَافِقُ وَالْمُؤْمِنُ وَيَقْرَؤُهُ الْأُمِّيُّ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ.
وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: " الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمٌ فِي الْقَلْبِ وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ.
فَعِلْمُ الْقَلْبِ هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَعِلْمُ اللِّسَانِ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ". فَإِذَا قَبَضَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ بَقِيَ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِلَا عِلْمٍ فَيَسْرِي عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ عَنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ وَأَنَّ {الرَّجُلَ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ.
ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ

أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرِ دَحْرَجْته عَلَى رِجْلِك فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ} . قِيلَ: وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ وَالْإِيمَانِ لَيْسَ هُوَ قَبْضِ الْعِلْمِ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُؤْتَى إيمَانًا مَعَ نَقْصِ عِلْمِهِ.
فَمِثْلُ هَذَا الْإِيمَانِ قَدْ يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ كَإِيمَانِ بَنِي إسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا الْعِجْلَ.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ الْعِلْمَ مَعَ الْإِيمَانِ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ.
وَمِثْلُ هَذَا لَا يَرْتَدُّ عَنْ الْإِسْلَامِ قَطُّ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْقُرْآنِ أَوْ مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَرْتَفِعُ.
فَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ.
لَكِنْ أَكْثَرُ مَا نَجِدُ الرِّدَّةَ فِيمَنْ عِنْدَهُ قُرْآنٌ بِلَا عِلْمٍ وَإِيمَانٍ أَوْ مَنْ عِنْدَهُ إيمَانٌ بِلَا عِلْمٍ وَقُرْآنٍ.
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ وَالْإِيمَانَ فَحَصَلَ فِيهِ الْعِلْمُ فَهَذَا لَا يُرْفَعُ مِنْ صَدْرِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْل: وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مِثْل أُمَّتِي كَمَثَلِ الْغَيْث لَا يَدْرِي أَوَّله خَيْر أَوْ آخِره﴾ فَهَذَا قَدْ رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَد وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَبَعْضهمْ لَمْ يُضْعِفْهُ لَكِنْ قَالَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الْأُمَّةِ مِنْ يُقَارِبُ أَوَّلهمْ فِي الْفَضْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ حَتَّى يُشْتَبَهَ عَلَى النَّاظِرِ أَيّهمَا أَفْضَل وَإِنْ كَانَ اللَّه يَعْلَمُ أَنَّ الْأَوَّل أَفْضَلَ كَمَا يُقَالُ فِي الثَّوْبِ الْمُتَشَابِهِ الطَّرَفَيْنِ: هَذَا الثَّوْبُ لَا يَدْرِي أَيّ طَرَفَيْهِ خَيْر مَعَ الْعِلْم بِأَنَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ خَيْر مِنْ الْآخَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يَدْرِي أَوَّله خَيْر أَوْ آخِره وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّه يَعْلَمُ أَيّهمَا خَيْر إذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يَنْفِي الْعِلْم عَنْ الْمَخْلُوقِ لَا عَنْ الْخَالِقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّشَابُه وَالتَّقَارُب وَمَا كَانَ كَذَلِكَ اشْتَبَهَ عَلَى الْمَخْلُوقِ أَيّهمَا خَيْر.

وَسُئِلَ: عَنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿سَبْعَةٌ لَا تَمُوتُ وَلَا تَفْنَى وَلَا تَذُوقُ الْفَنَاءَ: النَّارُ وَسُكَّانُهَا وَاللَّوْحُ وَالْقَلَمُ وَالْكُرْسِيُّ وَالْعَرْشُ﴾ فَهَلْ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: هَذَا الْخَبَرُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مَا لَا يَعْدَمُ وَلَا يَفْنَى بِالْكُلِّيَّةِ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْعَرْشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَمْ يَقُلْ بِفَنَاءِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ إلَّا طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُبْتَدِعِينَ كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا.
كَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى بَقَاءِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا وَبَقَاءِ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَتَّسِعُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ لِذِكْرِهِ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ والمتفلسفة عَلَى امْتِنَاعِ فَنَاءِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَدِلَّةِ عَقْلِيَّةٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَصْلٌ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ - وَرُوِيَ - وَخَوَاتِمَهُ - وَرُوِيَ وَفَوَاتِحَهُ وَخَوَاتِمَهُ﴾ وَقَالَ فِي حَدِيثٍ: ﴿أُعْطِيَ نَبِيُّكُمْ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَفَوَاتِحَهُ وَخَوَاتِمَهُ﴾ . وَهَذَا حَدِيثٌ شَرِيفٌ جَامِعٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلِمَ نَوْعَانِ: إنْشَائِيَّةٌ فِيهَا الطَّلَبُ وَالْإِرَادَةُ وَالْعَمَلُ.
وَإِخْبَارِيَّةٌ فِيهَا الِاعْتِقَادُ وَالْعِلْمُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ وَالطَّلَبُ فِيهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ وَلَهُ أُصُولٌ مُحِيطَةٌ.
وَهِيَ نَوْعَانِ: كُلِّيَّةٌ جَامِعَةٌ عَامَّةٌ وَأَوَّلِيَّةٌ عَلِيَّةٌ فَالْعُلُومُ الْكُلِّيَّةُ وَالْأَوَّلِيَّةُ وَالْإِرَادَاتُ وَالتَّدَابِيرُ وَالْأَوَامِرُ الْكُلِّيَّةُ وَالْأَوَّلِيَّةُ هِيَ جِمَاعُ أَمْرِ الْوُجُودِ كُلِّهِ.
وَالْخَبَرُ الْمَطْلُوبُ كُلُّهُ الْحَقُّ الْمَوْجُودُ وَالْحَقُّ الْمَقْصُودُ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْقِيَاسُ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ وَغَيْرِهِمَا نَوْعَيْنِ: قِيَاسُ شُمُولٍ وَقِيَاسُ تَعْلِيلٍ.
فَإِنَّ قِيَاسَ التَّمْثِيلِ مُنْدَرِجٌ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْن الْمَثَلَيْنِ إنْ كَانَ هُوَ مَحَلَّ الْحُكْمِ فَهُوَ قِيَاسُ شُمُولٍ

وَإِنْ كَانَ مَنَاطَ الْحُكْمِ فَهُوَ قِيَاسُ تَعْلِيلٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلُومَ وَالْإِرَادَاتِ وَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ الْكَلِمَةِ الْخَبَرِيَّةِ وَالطَّلَبِيَّةِ إذَا كَانَتْ عَامَّةً جَامِعَةً كُلِّيَّةً فَقَدْ دَخَلَ فِيهَا كُلُّ مَطْلُوبٍ فَلَمْ يَبْقَ مِمَّا يَطْلُبُ عِلْمَهُ شَيْءٌ وَكُلُّ مَقْصُودٍ مِنْ الْخَبَرِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مِمَّا يَطْلُبُ قَصْدَهُ شَيْءٌ ثُمَّ ذَلِكَ عِلْمٌ وَإِرَادَةٌ لِنَفْسِهَا وَذَاتِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُفْرَدَةً أَوْ مُرَكَّبَةً.
ثُمَّ لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا عِلَّتَانِ: إحْدَاهُمَا السَّبَبُ وَهِيَ الْعِلَّةُ الْفَاعِلَةُ وَالثَّانِي الْحِكْمَةُ: وَهِيَ الْعِلَّةُ الغائية.
فَذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ لِلْأُمُورِ الْأَوَّلِيَّةِ.
فَإِنَّ السَّبَبَ وَالْفَاعِلَ أَدَلُّ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ.
وَالْحِكْمَةُ وَالْغَايَةُ أَدَلُّ فِي الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ الْإِرَادِيِّ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ الغائية عِلَّةً فَاعِلِيَّةً لِلْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ.
وَكَانَتْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ عِلَّةَ الْعِلَلِ لِتَقَدُّمِهَا عِلْمًا وَقَصْدًا وَأَنَّهَا قَدْ تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَعْلُولِ وَالْمَعْلُولُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا وَأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يَكُونُ فَاعِلًا إلَّا بِهَا وَأَنَّهَا هِيَ كَمَالُ الْوُجُودِ وَتَمَامُهُ؛ وَلِهَذَا قُدِّمَتْ فِي قَوْلِهِ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . فَإِذَا كَانَتْ الْحِكَمُ الْمُظْهِرَةُ لِلْعَلَمِ وَالطَّلَبِ فِيهَا الْفَوَاتِحُ وَفِيهَا الْخَوَاتِمُ جَمَعَتْ نَوْعَيْ الْعِلَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ.
وَإِذَا كَانَتْ جَامِعَةً كَانَتْ عِلَّةً عَامَّةً.

وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْكُرَبِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك نَاصِيَتِي بِيَدِك أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي إلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ بِهِ فَرَحًا﴾ . الرَّبِيعُ: هُوَ الْمَطَرُ الْمُنْبِتُ لِلرَّبِيعِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ: ﴿اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا رَبِيعًا مُرْبِعًا﴾ وَهُوَ الْمَطَرُ الوسمي الَّذِي يَسِمُ الْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿الْقُرْآنُ رَبِيعٌ لِلْمُؤْمِنِ﴾ . فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَاءً يُحْيِ بِهِ قَلْبَهُ كَمَا يُحْيِ الْأَرْضَ بِالرَّبِيعِ.
وَنُورًا لِصَدْرِهِ.
وَالْحَيَاةُ وَالنُّورُ جِمَاعُ الْكَمَالِ كَمَا قَالَ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ وَفِي خُطْبَةِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى؛ لِأَنَّهُ

بِالْحَيَاةِ يَخْرُجُ عَنْ الْمَوْتِ وَبِالنُّورِ يَخْرُجُ عَنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ فَيَصِيرُ حَيًّا عَالِمًا نَاطِقًا وَهُوَ كَمَالُ الصِّفَاتِ فِي الْمَخْلُوقِ.
وَكَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي الْخَالِقِ حَتَّى النَّصَارَى فَسَّرُوا الْأَبَ وَالِابْنَ وَرُوحَ الْقُدُسِ بِالْمَوْجُودِ الْحَيِّ الْعَالِمِ.
وَالْغَزَالِيُّ رَدَّ صِفَاتِ اللَّهِ إلَى الْحَيِّ الْعَالِمِ وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِقَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ: عَاقِلٌ وَمَعْقُولٌ وَعَقْلٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتْبَعُ الْكَلَامَ الْخَبَرِيَّ وَيَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ وَالْكَلَامَ الطَّلَبِيَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَيٍّ عَالِمٌ فَلَهُ إرَادَةٌ وَكَلَامٌ وَيَسْتَلْزِمُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ لَكِنْ هَذَا لَيْسَ بِجَيِّدِ لِأَنَّهُ يُقَالُ: فَالْحَيُّ نَفْسُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ وَهُوَ أَصْلُهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ: ﴿اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ . وَهُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ حَيٍّ إلَّا وَهُوَ شَاعِرٌ مُرِيدٌ فَاسْتَلْزَمَ جَمِيعَ الصِّفَاتِ فَلَوْ اكْتَفَى فِي الصِّفَاتِ بِالتَّلَازُمِ لَاكْتَفَى بِالْحَيِّ وَهَذَا يَنْفَعُ فِي الدَّلَالَةِ وَالْوُجُودِ لَكِنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ مَعْنَى الْعَالِمِ هُوَ مَعْنَى الْمُرِيدِ فَإِنَّ الْمَلْزُومَ لَيْسَ هُوَ عَيْنَ اللَّازِمِ وَإِلَّا فَالذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ جَمَعَ فِي الْمَطْلُوبِ لَنَا بَيْنَ مَا يُوجِبُ الْحَيَاةَ وَالنُّورَ فَقَطْ دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَيَاةِ أَوْ الِازْدِيَادِ مِنْ الْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْأَحْيَاءَ الْآدَمِيِّينَ فِيهِمْ مَنْ يَهْتَدِي إلَى الْحَقِّ وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَهْتَدِي.
فَالْهِدَايَةُ كَمَالُ الْحَيَاةِ وَأَمَّا الْقُدْرَةُ فَشَرْطٌ فِي

التَّكْلِيفِ لَا فِي السَّعَادَةِ فَلَا يَضُرُّ فَقْدُهَا وَنُورُ الصَّدْرِ يَمْنَعُ أَنْ يُرِيدَ سِوَاهُ.
ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي﴾ لِأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: الْحَيَا لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ؛ بَلْ إذَا نَزَلَ الرَّبِيعُ بِأَرْضِ أَحْيَاهَا.
أَمَّا النُّورُ فَإِنَّهُ يَنْتَشِرُ ضَوْءُهُ عَنْ مَحَلِّهِ.
فَلَمَّا كَانَ الصَّدْرُ حَاوِيًا لِلْقَلْبِ جَعَلَ الرَّبِيعَ فِي الْقَلْبِ وَالنُّورَ فِي الصَّدْرِ لِانْتِشَارِهِ كَمَا فَسَّرَتْهُ الْمِشْكَاةُ؛ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ وَهُوَ الْقَلْبُ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَصْلٌ: وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ﴾ فَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ وَقَالَ أَنَسٌ فَمَا فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ يَحْشُرَنِي اللَّهُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ وَكَذَلِكَ * ﴿أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ﴾ لَكِنْ هَذَا بِحَيْثُ أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ فَيُحِبُّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ كُلَّهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَاَللَّهُ يُحِبُّهُمْ كَاَلَّذِينَ يَشْهَدُ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ.
فَمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ شَهِدْنَا لَهُ بِالْجَنَّةِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِالْجَنَّةِ فَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا نَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

وَلَا نَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ.
وَقَالَ طَائِفَةٌ: بَلْ مَنْ اسْتَفَاضَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ إيمَانُهُ وَتَقْوَاهُ وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ كَعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد والْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِي وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَغَيْرِهِمْ شَهِدْنَا لَهُ بِالْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ فِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا.
فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا قَوْلُك وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ . قَالَ: هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت: وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ: قِيلَ بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ﴾ . وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالْمَشْيَخَةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ قَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مِنْ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ مَا يَمْنَعُ شَهَادَةَ النَّاسِ لَهُمْ بِذَلِكَ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ فِيهِمْ الْمُنَافِقُ وَالْفَاسِقُ كَمَا أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَعِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَحِزْبِ اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ كَمَا أَنَّ غَيْرَ الْمَشَايِخِ فِيهِمْ هَؤُلَاءِ - وَهَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ - كَالتُّجَّارِ وَالْفَلَّاحِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَصْنَافِ.

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ طَلَبَ أَنْ يُحْشَرَ مَعَ شَيْخٍ لَمْ يَعْلَمْ عَاقِبَتَهُ كَانَ ضَالًّا بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ فَيَطْلُبَ بِمَا يَعْلَمُ أَنْ يَحْشُرَهُ اللَّهُ مَعَ نَبِيِّهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ.
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . وَعَلَى هَذَا فَمَنْ أَحَبَّ شَيْخًا مُخَالِفًا لِلشَّرِيعَةِ كَانَ مَعَهُ فَإِذَا أُدْخِلَ الشَّيْخُ النَّارَ كَانَ مَعَهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشُّيُوخَ الْمُخَالِفِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَهْلُ الضَّلَالِ وَالْجَهَالَةِ فَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ كَانَ مَصِيرُهُ مَصِيرَ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَالْجَهَالَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ فَمَحَبَّةُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ وَأَعْظَمِ حَسَنَاتِ الْمُتَّقِينَ وَلَوْ أَحَبَّ الرَّجُلَ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ بَاطِنِهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ حُبُّ اللَّهِ وَحُبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَأَحَبَّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ.
لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَدَّعِي الْمَحَبَّةَ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ . قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ادَّعَى قَوْمٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ

يُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ تَقْتَضِي فِعْلَ مَحْبُوبَاتِهِ وَتَرْكَ مَكْرُوهَاتِهِ وَالنَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ فِي هَذَا تَفَاضُلًا عَظِيمًا فَمَنْ كَانَ أَعْظَمَ نَصِيبًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَعْظَمَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّ شَخْصًا لِهَوَاهُ مِثْلَ أَنْ يُحِبَّهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا مِنْهُ أَوْ لِحَاجَةِ يَقُومُ لَهُ بِهَا أَوْ لِمَالِ يتأكله بِهِ أَوْ بِعَصَبِيَّةٍ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَهَذِهِ لَيْسَتْ مَحَبَّةً لِلَّهِ بَلْ هَذِهِ مَحَبَّةٌ لِهَوَى النَّفْسِ وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تُوقِعُ أَصْحَابَهَا فِي الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.
وَمَا أَكْثَرُ مَنْ يَدَّعِي حُبَّ مَشَايِخَ لِلَّهِ وَلَوْ كَانَ يُحِبُّهُمْ لِلَّهِ لَأَطَاعَ اللَّهَ الَّذِي أَحَبَّهُمْ لِأَجْلِهِ فَإِنَّ الْمَحْبُوبَ لِأَجْلِ غَيْرِهِ تَكُونُ مَحَبَّتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَكَيْفَ يُحِبُّ شَخْصًا لِلَّهِ مَنْ لَا يَكُونُ مُحِبًّا لِلَّهِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ مُحِبًّا لِلَّهِ مَنْ يَكُونُ مُعْرِضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَبِيلِ اللَّهِ؟ وَمَا أَكْثَرُ مَنْ يُحِبُّ شُيُوخًا أَوْ مُلُوكًا وَغَيْرَهُمْ فَيَتَّخِذُهُمْ أَنْدَادًا يُحِبُّهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ وَالْمَحَبَّةِ مَعَ اللَّهِ ظَاهِرٌ فَأَهْلُ الشِّرْكِ يَتَّخِذُونَ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يُحِبُّونَ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ أَصْلُ حُبِّهِمْ هُوَ حُبُّ اللَّهِ وَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَحَبَّ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ أَحَبَّ اللَّهَ فَمَحْبُوبُ الْمَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ لِلَّهِ يُحِبُّ اللَّهَ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ أَحَبَّهُ اللَّهُ فَيُحِبُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ.

وَأَمَّا أَهْلُ الشِّرْكِ فَيَتَّخِذُونَ أَنْدَادًا وَشُفَعَاءَ يَدْعُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّي إذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . وَاَللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ﴾ . فَالدِّينُ وَاحِدٌ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ الشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا

أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وَمِنْ حِينِ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا الدِّينَ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إلَّا دَخَلَ النَّارَ﴾ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ . فَعَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ اتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ وَيَعْبُدُونَهُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بِغَيْرِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ {إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ

أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَتَفَرَّقُونَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ﴾ وَعِبَادَةُ اللَّهِ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَكَمَالُ الذُّلِّ لِلَّهِ فَاصِلُ الدِّينِ وَقَاعِدَتُهُ يَتَضَمَّنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي تُحِبُّهُ الْقُلُوبَ وَتَخْشَاهُ وَلَا يَكُونُ لَهَا إلَهٌ سِوَاهُ و " الْإِلَهُ " مَا تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ بِالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَالْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرْسَلَ الرُّسُلَ بِأَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَتَخْلُو الْقُلُوبُ عَنْ مَحَبَّةٍ مَا سِوَاهُ بِمَحَبَّتِهِ وَبِرَجَائِهِ وَعَنْ سُؤَالِ مَا سِوَاهُ بِسُؤَالِهِ وَعَنْ الْعَمَلِ لِمَا سِوَاهُ بِالْعَمَلِ لَهُ وَعَنْ الِاسْتِعَانَةِ بِمَا سِوَاهُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ وَسَطَ الْفَاتِحَةِ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَسَمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ.
أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ وَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

جارٍ التحميل