الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
كَمَا إذَا رَضَخَ رَأْسَهُ كَمَا ﴿رَضَخَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَ الْيَهُودِيِّ الَّذِي رَضَخَ رَأْسَ الْجَارِيَةِ﴾ كَانَ ذَلِكَ أَتَمَّ فِي الْعَدْلِ بِمَنْ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ فِي عُنُقِهِ وَإِذَا تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ عُدِلَ إلَى الدِّيَةِ وَكَانَتْ الدِّيَةُ بَدَلًا لِتَعَذُّرِ الْمِثْلِ.
وَإِذَا أَتْلَفَ لَهُ مَالًا؛ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ الْعَارِيَةُ: فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ كَانَتْ الْقِيمَةُ - وَهِيَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ - بَدَلًا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمِثْلِ وَلِهَذَا كَانَ مَنْ أَوْجَبَ الْمِثْلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْقِيمَةِ أَقْرَبَ إلَى الْعَدْلِ مِمَّنْ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلِ وَفِي هَذَا كَانَتْ قِصَّةُ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا: التَّنْبِيهُ.
وَحِينَئِذٍ فَتَجْوِيزُ الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ بَيْعِهَا بِالْكَيْلِ مُوَافِقٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ مَعَ ثُبُوتِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَالِكٌ جَوَّزَ الْخَرْصَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ وَهَذَا عَيْنُ الْفِقْهِ الصَّحِيحِ.
وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ فِي الصُّورَةِ كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ وَأَقْضِيَةُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ فِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشِ
وَقَضَتْ الصَّحَابَةُ فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةِ وَفِي الظَّبْيِ بِشَاةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَمَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إنَّمَا يُوجِبُ الْقِيمَةَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَأَنَّهُ يَشْتَرِي بِالْقِيمَةِ الْأَنْعَامَ وَالْقِيمَةُ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ.
فَصْلٌ:
وَلَمَّا كَانَ الْمُحَرَّمُ نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ لِعَيْنِهِ وَنَوْعٌ لِكَسْبِهِ؛ فَالْكَسْبُ الَّذِي هُوَ مُعَامَلَةُ النَّاسِ نَوْعَانِ: مُعَاوَضَةٌ؛ وَمُشَارَكَةٌ.
فَالْمُبَايَعَةُ وَالْمُؤَاجَرَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ هِيَ الْمُعَاوَضَةُ.
وَأَمَّا الْمُشَارَكَةُ فَمِثْلُ مُشَارَكَةِ الْعَنَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُشَارَكَاتِ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُشَارَكَاتِ مِنْ أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ وَأَعْدَلِهَا؛ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ شَرِكَةَ الْعَنَانِ وَالْأَبْدَانِ وَغَيْرَهُمَا وَيُجَوِّزُ الْمُضَارَبَةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ.
وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجَوِّزُ مِنْ الشَّرِكَةِ إلَّا مَا كَانَ تَبَعًا لِشَرِكَةِ الْمِلْكِ؛ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ نَوْعَانِ: شَرِكَةٌ فِي الْأَمْلَاكِ؛ وَشَرِكَةٌ فِي الْعُقُودِ.
فَأَمَّا شَرِكَةُ الْأَمْلَاكِ كَاشْتِرَاكِ الْوَرَثَةِ فِي الْمِيرَاثِ فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى عَقْدٍ وَلَكِنْ إذَا
اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي عَقْدٍ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَحْصُلُ بِعَقْدِ وَلَا تَحْصُلُ الْقِسْمَةُ بِعَقْدِ.
وَأَحْمَد تَحْصُلُ الشَّرِكَةُ عِنْدَهُ بِالْعَقْدِ وَالْقِسْمَةُ بِالْعَقْدِ فَيُجَوِّزُ شَرِكَةَ الْعَنَانِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَالَيْنِ وَعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ وَإِذَا تَحَاسَبَ الشَّرِيكَانِ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ إفْرَازٍ كَانَ ذَلِكَ قِسْمَةً حَتَّى لَوْ خَسِرَ الْمَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تُجْبَرْ الْوَضِيعَةُ بِالرِّبْحِ.
وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجَوِّزُ شَرِكَةَ الْأَبْدَانِ وَلَا الْوُجُوهِ وَلَا الشَّرِكَةَ بِدُونِ خَلْطِ الْمَالَيْنِ وَلَا أَنْ يَشْتَرِطَ لِأَحَدِهِمَا رِبْحًا زَائِدًا عَلَى نَصِيبِ الْآخَرِ مِنْ مَالِهِ إذْ لَا تَأْثِيرَ عِنْدَهُ لِلْعَقْدِ وَجَوَّزَ الْمُضَارَبَةَ وَبَعْضَ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةَ تَبَعًا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ لَا لِوَفْقِ الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ نَفْسُهُ فَلَا يُجَوِّزُ مُسَاقَاةً وَلَا مُزَارَعَةً؛ لِأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُؤَاجَرَةِ وَالْمُؤَاجَرَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ بِالْأُجْرَةِ.
وَمَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْسَعُ مِنْهُمَا حَيْثُ جَوَّزَ الْمُسَاقَاةَ عَلَى جَمِيعِ الثِّمَارِ مَعَ تَجْوِيزِ الْأَنْوَاعِ مِنْ الْمُشَارَكَاتِ الَّتِي هِيَ شَرِكَةُ الْعَنَانِ وَالْأَبْدَانِ لَكِنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ الْمُزَارَعَةَ عَلَى الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مُوَافَقَةً لِلْكُوفِيِّينَ.
وَأَمَّا قُدَمَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَكَانُوا
يُجَوِّزُونَ هَذَا كُلَّهُ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ؛ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ؛ وَمُحَمَّدٍ؛ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِ.
وَالشُّبْهَةُ الَّتِي مَنَعَتْ أُولَئِكَ الْمُعَامَلَةَ: أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ إجَارَةٌ وَالْإِجَارَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ ثُمَّ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْمُضَارَبَةَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ؛ إذْ الدَّرَاهِمُ لَا تُؤَجَّرُ.
وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ مِنْ نَفْسِ الْمُشَارَكَاتِ لَا مِنْ جِنْسِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَقْصِدُ اسْتِيفَاءَ الْعَمَلِ كَمَا يَقْصِدُ اسْتِيفَاءَ عَمَلِ الْخَيَّاطِ وَالْخَبَّازِ وَالطَّبَّاخِ وَنَحْوِهِمْ وَأَمَّا فِي هَذَا الْبَابِ فَلَيْسَ الْعَمَلُ هُوَ الْمَقْصُودَ بَلْ هَذَا يَبْذُلُ نَفْعَ بَدَنِهِ وَهَذَا يَبْذُلُ نَفْعَ مَالِهِ لِيَشْتَرِكَا فِيمَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ رِبْحٍ فَإِمَّا يَغْنَمَانِ جَمِيعًا أَوْ يَغْرَمَانِ جَمِيعًا وَعَلَى هَذَا ﴿عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ أَنْ يَعْمُرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ﴾ . وَاَلَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِرَاءِ الْمُزَارَعَةِ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ؛ فَإِنَّهُ ﴿نَهَى أَنْ يُكْرَى بِمَا تُنْبِتُ الماذيانات وَالْجَدَاوِلُ وَشَيْءٌ مِنْ التِّبْنِ﴾ فَرُبَّمَا غَلَّ هَذَا وَلَمْ يَغُلَّ هَذَا فَنَهَى أَنْ يُعَيِّنَ الْمَالِكُ زَرْعَ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا كَمَا نَهَى فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يُعَيِّنَ الْعَامِلُ مِقْدَارًا مِنْ الرِّبْحِ وَرِبْحَ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ
لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْعَدْلَ فِي الْمُشَارَكَةِ.
وَأَصْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ مِنْ أَصْلِ غَيْرِهِمْ الَّذِي يُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَمَلٍ وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ وَقَدْ تَكُونُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَالِ وَرِبْحِهِ: فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ فِي الْفَاسِدِ نَظِيرَ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الصَّحِيحِ فَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ ثَمَنًا وَأُجْرَةً وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ قِسْطٌ مِنْ الرِّبْحِ كَانَ الْوَاجِبُ فِي الْفَاسِدِ قِسْطًا مِنْ الرِّبْحِ وَكَذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَمَا يَضْعُفُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ قَوْلِ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ فِيهِ أَضْعَفُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ مِنْ الرَّأْيِ الْمُحْدَثِ الَّذِي عَلِمَ بِهِ مَنْ عَابَهُ مِنْ السَّلَفِ وَأَمَّا مَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَالْعَمَلُ فَهُوَ الْعَدْلُ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ الْأُصُولَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَالْمُضَارَبَةَ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ مِنْ الْمُؤَاجَرَةِ؛ فَإِنَّ الْمُؤَاجَرَةَ مُخَاطَرَةٌ وَالْمُسْتَأْجِرَ قَدْ يَنْتَفِعُ وَقَدْ لَا يَنْتَفِعُ بِخِلَافِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ فَإِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ فَلَيْسَ فِيهَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَا فِي الْمُؤَاجَرَةِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَإِنَّ أَصْلَ الدِّينِ أَنَّهُ لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَالْأَعْرَافِ عَابَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَأَنَّهُمْ شَرَعُوا مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ﴾ الْآيَةَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الشِّرْكِ وَذَمَّهُمْ عَلَى احْتِجَاجِهِمْ عَلَى بِدَعِهِمْ بِالْقَدَرِ قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الْآيَةَ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْت لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ وَذَكَرَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ مَا حَرَّمُوهُ وَمَا شَرَعُوهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ الْآيَةَ وَقَالَ:
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ الْآيَةَ فَبَيَّنَ لَهُمْ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَمَا حَرَّمَهُ هُوَ وَقَالَ ذَمًّا لَهُمْ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ الْآيَةَ.
وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُحَرِّمَ إلَّا مَا جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِتَحْرِيمِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ.
سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَعْيَانُ وَالْأَفْعَالُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْرَعَ دِينًا وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى وُجُوبِهِ وَاسْتِحْبَابِهِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَأَهْلُ الْمَدِينَةِ أَعْظَمُ النَّاسِ اعْتِصَامًا بِهَذَا الْأَصْلِ؛ فَإِنَّهُمْ أَشَدُّ أَهْلِ الْمَدَائِنِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَرَاهِيَةً لِلْبِدَعِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى مَا حَرَّمَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَهُمْ لَا يُحَرِّمُونَهُ.
وَأَمَّا الدِّينُ فَهُمْ أَشَدُّ أَهْلِ الْمَدَائِنِ اتِّبَاعًا لِلْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَبْعَدُهُمْ عَنْ الْعِبَادَاتِ الْبِدْعِيَّةِ.
وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ اسْتَحَبُّوا لِلْمُتَوَضِّئِ وَالْمُغْتَسِلِ وَالْمُصَلِّي وَنَحْوِهِمْ أَنْ يَتَلَفَّظُوا بِالنِّيَّةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَقَالُوا: إنَّ التَّلَفُّظَ بِهَا أَقْوَى مِنْ مُجَرَّدِ قَصْدِهَا بِالْقَصْدِ وَإِنْ كَانَ التَّلَفُّظُ بِهَا لَمْ يُوجِبْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ لَمْ يَسْتَحِبُّوا شَيْئًا مِنْ
ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَلِأَصْحَابِ أَحْمَد وَجْهَانِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ بَلْ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَقُولُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كَذَلِكَ فِي تَعْلِيمِهِ لِلصَّحَابَةِ إنَّمَا عَلَّمَهُمْ الِافْتِتَاحَ بِالتَّكْبِيرِ فَهَذِهِ بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ وَهِيَ أَيْضًا غَلَطٌ فِي الْقَصْدِ فَإِنَّ الْقَصْدَ إلَى الْفِعْلِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي النَّفْسِ فَالتَّلَفُّظُ بِهِ مِنْ بَابِ الْعَبَثِ كَتَلَفُّظِ الْآكِلِ بِنِيَّةِ الْأَكْلِ؛ وَالشَّارِبِ بِنِيَّةِ الشُّرْبِ؛ وَالنَّاكِحِ بِنِيَّةِ النِّكَاحِ؛ وَالْمُسَافِرِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ؛ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ " صِفَاتُ الْعِبَادَاتِ " فَإِنَّ مَالِكًا وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يُجَوِّزُونَ تَغْيِيرَ صِفَةِ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَلَا يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ التَّكْبِيرِ الْمَشْرُوعِ؛ وَهُوَ قَوْلُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَمَا أَنَّ هَذَا التَّكْبِيرَ هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي الْأَذَانِ وَالْأَعْيَادِ وَلَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ الْمَقْصُودِ الْمَنْصُوصِ فِي الزَّكَاةِ إلَى مَا يَخْتَارُ الْمَالِكُ مِنْ الْأَمْوَالِ بِالْقِيمَةِ.
وَهُمْ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ حَيْثُ يَسْتَحِبُّونَ تَقْدِيمَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَيَجْعَلُونَ وَقْتَ الْعَصْرِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَيَجْعَلُونَ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ مُشْتَرِكًا لِلْمَعْذُورِ كَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَالْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ
وَيُجَوِّزُونَ الْجَمْعَ لِلْمُسَافِرِ الَّذِي جَدَّ بِهِ السَّيْرُ؛ وَالْمَرِيضِ؛ وَفِي الْمَطَرِ.
وَهُمْ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ مُعْتَدِلُونَ؛ فَإِنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَجْعَلُ الْإِتْمَامَ أَفْضَلَ مِنْ الْقَصْرِ أَوْ يَجْعَلُ الْقَصْرَ أَفْضَلَ لَكِنْ لَا يَكْرَهُ الْإِتْمَامَ بَلْ يَرَى أَنَّهُ الْأَظْهَرُ وَأَنَّهُ لَا يَقْصُرُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْإِتْمَامَ غَيْرَ جَائِزٍ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ الْقَصْرُ وَإِذَا رَبَّعَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَيَجْعَلُونَ الْقَصْرَ سُنَّةً رَاتِبَةً وَالْجَمْعَ رُخْصَةً عَارِضَةً.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهُ الْأَقْوَالِ بِالسُّنَّةِ.
وَكَذَلِكَ فِي " السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ " يَجْعَلُونَ الْوِتْرَ رَكْعَةً وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا شَفْعٌ.
وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا وِتْرَ إلَّا كَالْمَغْرِبِ.
مَعَ أَنَّ تَجْوِيزَ كِلَيْهِمَا أَصَحُّ؛ لَكِنَّ الْفَصْلَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ.
فَقَوْلُهُمْ أَرْجَحُ مِنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ مُطْلَقًا وَلَا يَرَوْنَ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَهَا سُنَّةً رَاتِبَةً خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْكُوفِيِّينَ.
وَمَالِكٌ لَا يُوَقِّتُ مَعَ الْفَرَائِضِ شَيْئًا وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَّتَ أَشْيَاءَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ فَقَوْلُ مَالِكٍ أَقْرَبُ إلَى السُّنَّةِ.
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ الْجَمْعَ وَالْقَصْرَ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْقَصْرَ
بِمِنَى سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا رَيْبٍ وَهَذَا الْقَوْلُ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إلَّا لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَقَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ لِلْجَمْعِ أَسْبَابًا غَيْرَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ؛ وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ كَمَا يَجُوزُ فِي الطَّوِيلِ أَقْوَى مِنْ قَوْلِ مَنْ لَا يُجَوِّزْهُ إلَّا فِي الطَّوِيلِ لَا فِي الْقَصِيرِ.
وَظَنَّ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِمِنَى ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ﴾ وَهَذَا بَاطِلٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا الَّذِي فِي السُّنَنِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا صَلَّى فِي مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَكَذَلِكَ قَدْ نَقَلُوا هَذَا عَنْ عُمَرَ.
وَيُرْوَى أَنَّ الرَّشِيدَ لَمَّا حَجَّ أَمَرَ أَبَا يُوسُفَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ: أَتَقُولُ لَنَا هَذَا وَمِنْ عِنْدَنَا خَرَجَتْ السُّنَّةُ؟ وَقَالَ: هَذَا مِنْ فِقْهِك تَكَلَّمَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ.
وَهَذَا الْمَكِّيُّ وَافَقَ أَبَا يُوسُفَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ لَا يَقْصُرُونَ لَكِنْ مِنْ قِلَّةِ فِقْهِهِ تَكَلَّمَ وَتَكَلُّمُ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ لَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيُبْطِلُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَلَوْ كَانَ الْمَكِّيُّ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ لَقَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ بَلْ قَدْ صَلَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَكَذَلِكَ صَلَّوْا بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَأْمُرُوا مَنْ خَلْفَهُمْ مِنْ الْمَكِّيِّينَ بِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ فِيهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ " صَلَاةُ الْكُسُوفِ " فَإِنَّهُ قَدْ تَوَاتَرَتْ السُّنَنُ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ صَلَّاهَا بِرُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَاتَّبَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ هَذِهِ السُّنَّةَ وَخَفِيَتْ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ حَيْثُ مَنَعُوا ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ " صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ " فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ﴾ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ أَنْ يُصَلِّيَ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَخَفِيَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَمِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَاتُ الْعِيدِ الزَّوَائِدُ؛ فَإِنَّ غَالِبَ السُّنَنِ وَالْآثَارِ تُوَافِقُ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الْأُولَى سَبْعٌ بِتَكْبِيرَاتِ الِافْتِتَاحِ وَالْإِحْرَامِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ هَلْ تُدْرَكُ بِرَكْعَةِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ؟ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهَا إنَّمَا تُدْرَكُ بِرَكْعَةِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: ﴿مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ﴾ وَقَالَ: ﴿مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ﴾ فَمَالِكٌ يَقُولُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ: إنَّمَا تُدْرَكُ بِرَكْعَةِ وَكَذَلِكَ إدْرَاكُ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ إدْرَاكُ الْوَقْتِ كَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَالْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يُعَلِّقُ الْإِدْرَاكَ فِي الْجَمِيعِ بِمِقْدَارِ التَّكْبِيرَةِ حَتَّى فِي الْجُمُعَة يَقُولُ: إذَا أَدْرَكَ مِنْهَا مِقْدَارَ تَكْبِيرَةٍ فَقَدْ أَدْرَكَهَا.
وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد يُوَافِقَانِ مَالِكًا فِي الْجُمُعَةِ وَيَخْتَلِفُ قَوْلُهُمَا فِي غَيْرِهَا وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِمَا يُوَافِقُونَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي الْبَاقِي.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَ مَنْ وَافَقَ مَالِكًا فِي الْجَمِيعِ أَصَحُّ نَصًّا وَقِيَاسًا.
وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى مَالِكٍ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ الصَّلَاةِ﴾ وَلَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّجْدَةِ الرَّكْعَةُ كَمَا ﴿قَالَ ابْنُ عُمَرَ: حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَسَجْدَتَيْنِ بَعْدَهَا﴾ وَنَظَائِرُهَا مُتَعَدِّدَةٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ وَحَدَثِهِ ثُمَّ عَلِمَ أَعَادَ هُوَ وَلَمْ يُعِدْ الْمَأْمُومُ وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعِيدُ الْجَمِيعُ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَد وَالْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ جَرَتْ لِأَبِي يُوسُفَ؛ فَإِنَّ الْخَلِيفَةَ اسْتَخْلَفَهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّاسَ بِالْإِعَادَةِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: رُبَّمَا ضَاقَ عَلَيْنَا الشَّيْءُ فَأَخَذْنَا بِقَوْلِ إخْوَانِنَا الْمَدَنِيِّينَ مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فِيهَا خِلَافٌ كَثِيرٌ؛ لِكَوْنِ الْإِمَامَةِ شَرْطًا فِيهَا.
وَطَرَدَ مَالِكٌ هَذَا الْأَصْلَ أَيْضًا فِي سَائِرِ خَطَأِ الْإِمَامِ فَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ فَتَرَكَ مَا يَعْتَقِدُ الْمَأْمُومُ وُجُوبَهُ مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ لَا يَرَى وُجُوبَ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ أَوْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ الدَّمِ أَوْ مِنْ الْقَهْقَهَةِ؛ أَوْ مِنْ مَسِّ النِّسَاءِ وَالْمَأْمُومُ يَرَى وُجُوبَ ذَلِكَ: فَمَذْهَبُ مَالِكٍ صِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا يَصِحُّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُوَ الَّذِي لَا رَيْبَ فِي
صِحَّتِهِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ﴾ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى بِاجْتِهَادِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنَفِّذُ حُكْمَهُ إذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ؟ فالائتمام بِهِ أَوْلَى.
وَالْمُنَازِعُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ صَلَّى بِاجْتِهَادِهِ أَوْ تَقْلِيدِهِ وَأَنَّهُ إنْ كَانَ مُصِيبًا فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ بِالتَّوَاتُرِ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ مَا زَالَ يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ مَعَ وُجُودِ مِثْلِ ذَلِكَ فَمَا زَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَمْثَالُهُ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ لَا يَقْرَءُونَ الْبَسْمَلَةَ سِرًّا وَلَا جَهْرًا.
وَمِنْ الْمَأْثُورِ أَنَّ الرَّشِيدَ احْتَجَمَ فَاسْتَفْتَى مَالِكًا فَأَفْتَاهُ بِأَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ فَصَلَّى خَلْفَهُ أَبُو يُوسُفَ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد أَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَقِيلَ لِأَبِي يُوسُفَ: أَتُصَلِّي خَلْفَهُ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ لِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ شَعَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ كَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ هَذَا
فَأَفْتَى بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ؛ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَا يَتَوَضَّأُ أُصَلِّي خَلْفَهُ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَلَا تُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَمَالِكٌ يَرَى أَنَّ كَلَامَ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ؛ وَحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ لَمَّا شَمَّتَ الْعَاطِسَ؛ وَحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالُوا: حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بَعْدَ خَيْبَرَ؛ إذْ قَدْ شَهِدَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَامَ خَيْبَرَ وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ كَانَ قَبْلَ رُجُوعِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ الْحَبَشَةِ وَابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ بَدْرًا.
وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَالتَّنْبِيهِ بِالْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ التَّوَسُّعِ مَا يُوَافِقُ السُّنَّةَ بِخِلَافِ الْكُوفِيِّينَ: فَإِنَّهُمْ ضَيَّقُوا فِي هَذَا الْبَابِ تَضْيِيقًا كَثِيرًا وَجَعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْكَلَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ أَنَّ مَالِكًا رَأَى الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ لِشَهْوَةِ دُونَ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَدُونَ الْخَارِجِ النَّادِرِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَأَبُو حَنِيفَةَ رَآهَا مِنْ الْقَهْقَهَةِ وَالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ مُطْلَقًا وَلَا يَرَاهَا مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَادِيثَ نَقْضِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ أَثْبَتُ وَأَعْرَفُ مِنْ أَحَادِيثِ الْقَهْقَهَةِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْهَا فِي السُّنَنِ شَيْئًا وَهِيَ مَرَاسِيلُ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْهَبْ إلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ؛ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ.
وَالْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ فِيهِ طَرِيقَانِ: مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ تَعَبُّدًا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَلَا يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ الْأُصُولِ كَالْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجْعَلُهُ تَعَبُّدًا؛ فَهُوَ حِينَئِذٍ أَظْهَرُ وَأَقْوَى.
وَأَمَّا لَمْسُ النِّسَاءِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا وُضُوءَ مِنْهُ بِحَالِ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ
أَحْمَد -: أَنَّهُ إنْ كَانَ بِشَهْوَةِ نَقَضَ الْوُضُوءَ وَإِلَّا فَلَا وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلَ مَالِكٍ هُمَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ فِي السَّلَفِ وَأَمَّا إيجَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لَمْسِ النِّسَاءِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَقَوْلٌ شَاذٌّ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي أَثَرٍ عَنْ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا هُوَ مُوَافِقٌ لِأَصْلِ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّ اللَّمْسَ الْعَارِيَ عَنْ شَهْوَةٍ لَا يُؤَثِّرُ لَا فِي الْإِحْرَامِ وَلَا فِي الِاعْتِكَافِ كَمَا يُؤَثِّرُ فِيهِمَا اللَّمْسُ مَعَ الشَّهْوَةِ وَلَا يُكْرَهُ لِصَائِمِ وَلَا يُوجِبُ مُصَاهَرَةً وَلَا يُؤَثِّرُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ فَمَنْ جَعَلَهُ مُفْسِدًا لِلطَّهَارَةِ فَقَدْ خَالَفَ الْأُصُولَ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ فَقَطْ كَمَا قَالَهُ عُمَرُ وَغَيْرُهُ فَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ لَامَسْتُمْ فِي الْوُضُوءِ كَقَوْلِهِ فِي الِاعْتِكَافِ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وَالْمُبَاشَرَةُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا تُؤَثِّرُ هُنَاكَ؛ فَكَذَلِكَ هُنَا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ . هَذَا مَعَ أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَا زَالَ الرِّجَالُ يَمَسُّونَ النِّسَاءَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ وَلَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُنْقَلُ وَيُؤْثَرُ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ احْتَجَّ مَنْ احْتَجَّ عَلَى مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ الْمَنِيِّ أَنَّ النَّاسَ لَا يَزَالُونَ يَحْتَلِمُونَ فِي الْمَنَامِ فَتُصِيبُ الْجَنَابَةُ أَبْدَانَهُمْ وَثِيَابَهُمْ فَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِغَسْلِ مَا أَصَابَهُ مِنْ مَنِيٍّ لَا فِي بَدَنِهِ وَلَا فِي ثِيَابِهِ وَقَدْ أَمَرَ الْحَائِضَ أَنْ تَغْسِلَ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ ثَوْبِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ إصَابَةَ الْجَنَابَةِ ثِيَابَ النَّاسِ أَكْثَرُ مِنْ إصَابَةِ دَمِ الْحَيْضِ ثِيَابَ النِّسَاءِ فَكَيْفَ يُبَيِّنُ هَذَا لِلْحَائِضِ وَيَتْرُكُ بَيَانَ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْعَامِّ؟ مَعَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ وَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَثَبَتَ عَنْهَا أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْرُكُهُ فَكَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا أَيْضًا أَنَّ الْغُسْلَ يَكُونُ لِقَذَارَتِهِ كَمَا قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: أَمِطْهُ عَنْك وَلَوْ بإذخرة فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ.
فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ مُسْتَقِيمَةً فَمِثْلُهَا يُقَالُ فِي الْوُضُوءِ مِنْ لَمْسِ النِّسَاءِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَمْسِهِنَّ لِشَهْوَةِ فِي التوضي مِنْهُ اجْتِهَادٌ وَتَنَازُعٌ قَدِيمٌ وَأَمَّا لَمْسُهُنَّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَكَمَا تَرَى.
وَكَذَلِكَ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْجَنَابَةِ؛ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَد بَلْ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْهُ: اتِّبَاعُ السُّنَّةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ مَنْ نَقَلَ غُسْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَعَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ لَمْ يَنْقُلْ أَنَّهُ غَسَلَ بَدَنَهُ
كُلَّهُ ثَلَاثًا بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَتَخْلِيلِ أُصُولِ الشَّعْرِ حَثَا حَثْيَةً عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ وَأَنَّهُ أَفَاضَ الْمَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى سَائِرِ بَدَنِهِ.
وَاَلَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الثَّلَاثَ إنَّمَا ذَكَرُوهُ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ وَالسُّنَّةُ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ السُّنَّةُ فِي الْغُسْلِ التَّثْلِيثَ لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ فَإِنَّ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ فَوْقَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ التَّيَمُّمُ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا يَجِبُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَتَيَمَّمُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ.
وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ يُشْبِهُ الْآثَارَ الْمَأْثُورَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالْمَأْثُورَةَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَلِهَذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَشْهُورُ فِيهِمَا عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يُوجِبُونَ الزَّكَاةَ فِي مَالِ الْخَلِيطَيْنِ؛ كَمَالُ الْمَالِكِ الْوَاحِدِ وَيَجْعَلُونَ فِي الْإِبِلِ إذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتِ لَبُونٍ؛ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكِتَابَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَامَّةُ كُتُبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاَلَّتِي كَانَتْ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَآلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهَا تُوَافِقُ هَذَا.
وَمَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَسْتَأْنِفُ الْفَرِيضَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَحْصُلُ لِلْخَلْطَةِ تَأْثِيرٌ وَمَعَهُمْ آثَارُ الِاسْتِئْنَافِ؛ لَكِنْ لَا تُقَاوِمُ هَذَا وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ مَنْسُوخٌ كَمَا نُسِخَ مَا رُوِيَ فِي الْبَقَرِ أَنَّهَا تُزَكَّى بِالْغَنَمِ.
وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ لَا وَقْصَ إلَّا فِي الْمَاشِيَةِ فَفِي النَّقْدَيْنِ مَا زَادَ فَبِحَسَبِهِ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ فِي الْآثَارِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَجْعَلُ الْوَقْصَ تَابِعًا لِلنِّصَابِ فَفِي النَّقْدَيْنِ عِنْدَهُ لَا زَكَاةَ فِي الْوَقْصِ كَمَا فِي الْمَاشِيَةِ.
وَأَمَّا الْمُعَشَّرَاتُ فَعِنْدَهُ لَا وَقْصَ فِيهَا وَلَا نِصَابَ بَلْ يَجِبُ الْعُشْرُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ فِي الْخَضْرَاوَاتِ لَكِنَّ صَاحِبَاهُ وَافَقَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ؛ لِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ.
وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ﴾ وَبِمَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ تَرْكِ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ: ﴿لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ﴾ . وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ الرِّكَازَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ﴾ لَا يَدْخُلُ الْمَعْدِنُ بَلْ الْمَعْدِنُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
كَمَا أُخِذَتْ مِنْ مَعَادِنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ فَإِنَّ الْمُوَطَّأَ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَتَدَبَّرَ تَرَاجِمَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ الْآثَارِ وَتَرْتِيبَهُ عَلِمَ قَوْلَ مَنْ خَالَفَهَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَصَدَ بِذَلِكَ التَّرْتِيبِ وَالْآثَارِ بَيَانَ السُّنَّةِ وَالرَّدَّ عَلَى مَنْ خَالَفَهَا وَمَنْ كَانَ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ أَعْلَمَ كَانَ أَعْلَمَ بِمِقْدَارِ الْمُوَطَّأِ؛ وَلِهَذَا كَانَ يَقُولُ: كِتَابٌ جَمَعْته فِي كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ تَأْخُذُونَهُ فِي كَذَا وَكَذَا يَوْمًا كَيْفَ تَفْقَهُونَ مَا فِيهِ؟ أَوْ كَلَامًا يُشْبِهُ هَذَا.
وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَجْعَلُونَ الرِّكَازَ اسْمًا يَتَنَاوَلُ الْمَعَادِنَ وَدَفْنَ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ أُمُورُ الْمَنَاسِكِ فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ لِلْقَارِنِ أَنْ يَطُوفَ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا وَلَا يَسْعَى إلَّا سَعْيًا وَاحِدًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّهَا تُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ.
وَمَنْ صَارَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ إلَى أَنْ يَطُوفَ أَوَّلًا ثُمَّ يَسْعَى لِلْعُمْرَةِ ثُمَّ يَطُوفَ ثَانِيًا وَيَسْعَى لِلْحَجِّ فَمُتَمَسِّكٌ بِآثَارِ مَنْقُولَةٍ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَهَذَا إنْ صَحَّ لَا يُعَارِضُ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى الْقِرَانَ أَفْضَلَ؛ وَمَالِكٌ يَرَى الْإِفْرَادَ
أَفْضَلَ وَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ لَا يَرْتَابُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَارِنًا كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
قِيلَ: هَذِهِ الْمَسَائِلُ كَثُرَ نِزَاعُ النَّاسِ فِيهَا وَاضْطَرَبَ عَلَيْهِمْ مَا نُقِلَ فِيهَا وَمَا مِنْ طَائِفَةٍ إلَّا وَقَدْ قَالَتْ فِيهَا قَوْلًا مَرْجُوحًا وَالتَّحْقِيقُ الثَّابِتُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَجَّ بِأَصْحَابِهِ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمَّا لَمْ يَحْلِلْ تَوَقَّفُوا فَقَالَ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً﴾ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ.
فَاَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ وَإِنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ هَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سُفْرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَأَمَّا إذَا سَافَرَ لِلْحَجِّ سُفْرَةً وَلِلْعُمْرَةِ سُفْرَةً فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ إذَا سَافَرَ لِكُلِّ مِنْهُمَا سُفْرَةً وَالْقِرَانُ الَّذِي فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِطَوَافِ وَاحِدٍ وَبِسَعْيٍ وَاحِدٍ لَمْ يَقْرِنْ بِطَوَافَيْنِ وسعيين كَمَا يَظُنُّهُ مَنْ يَظُنُّهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُفْرِدْ الْحَجَّ كَمَا يَظُنُّهُ مَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَلَا اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَّا عَائِشَةُ لِأَجْلِ عُمْرَتِهَا الَّتِي حَاضَتْ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ
صَحَّ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ: إحْدَاهُنَّ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إحْرَامِهِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد.
وَمَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ صُدُّوا عَنْ الْعُمْرَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ لَمْ يَعْتَمِرُوا وَجَمِيعُ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا أَكْثَرَ مَنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَهُمْ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَاتَ قَبْلَ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ.
وَمَذْهَبُهُمْ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِأَحَدِ بَلْ يُكْرَهُ أَنْ يَحْرِمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ وَالْكُوفِيُّونَ يَسْتَحِبُّونَ الْإِحْرَامَ قَبْلَهُ.
وَقَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُوَافِقُ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ قَبْلَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ: عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ وَكِلَاهُمَا أَحْرَمَ فِيهِمَا مِنْ ذِي الحليفة وَاعْتَمَرَ عَامَ حنين مِنْ الْجِعْرَانَةِ ثُمَّ حِجَّةَ الْوَدَاعِ وَأَحْرَمَ فِيهَا مِنْ ذِي الحليفة وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْ الْمَدِينَةِ قَطُّ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُدَاوِمَ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ وَخُلَفَاؤُهُ
كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ نَهَوْا عَنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ؟ فَقَالَ: أَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَةِ فَقَالَ: قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ فَقَالَ السَّائِلُ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ فِي ذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ امْتِثَالٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّك خَصَصْت بِفِعْلِ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَوْ كَمَا قَالَ.
وَكَانَ يَقُولُ: لَنْ يُصْلِحَ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا أَوْ كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ تَرَكْنَا مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ بِجَدَلِ هَذَا؟ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنْ وَطِئَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ فَسَدَ حَجُّهُ وَمَنْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ دُونَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْوَطْءَ بَعْدَ التَّعْرِيفِ لَا يُفْسِدُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْوَطْءَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ لَا يُوجِبُ إحْرَامًا ثَانِيًا.
وَاتَّبَعَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ؛ لَكِنْ لَمْ يُسَمِّ مَنْ نَقَلَهُ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ إذْ الرَّاوِي لَهُ عِكْرِمَةُ لَمَّا بَلَغَهُ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَعْدٍ وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَتَمَّهُ تَوْثِيقَ عِكْرِمَةَ وَلِهَذَا رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَالَفَ حَدِيثَ ضباعة بِنْتِ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِرَاطِهَا
التَّحَلُّلَ إذَا حَبَسَهَا حَابِسٌ ﴿وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي تَطْيِيبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَقَبْلَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ﴾ ﴿وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي أَنَّهُ مَا زَالَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ﴾ وَغَيْرَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: إذَا قِيسَ هَذَا بِمَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَنَحْوُهُ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مَعَ أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ اتَّبَعَ فِيهَا آثَارًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ عِنْدَ تَنَازُعِ الصَّحَابَةِ الرَّدَّ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ بَعْضُ السُّنَّةِ فَاتَّبَعَ عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ وَنَحْوَهُمَا كَانَ أَرْجَحَ مِمَّا خَفِيَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِمَّا خَفِيَ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَلَفٌ مِثْلُ سَلَفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ تَوَاتَرَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ بِإِثْبَاتِ حَرَمِهَا بَلْ صَحَّ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ جَعَلَ جَزَاءَ مَنْ عَضَدَ بِهَا شَجَرًا أَنَّ سَلَبَهُ لِوَاجِدِهِ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّهَا حَرَامٌ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ نِزَاعٌ وَمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ لَمْ تَبْلُغْهُ هَذِهِ السُّنَنُ؛ وَلَكِنَّ بَعْضَ أَتْبَاعِهِمْ أَخَذَ يُعَارِضُ ذَلِكَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عُمَيْرٍ؛ وَحَدِيثِ الْوَحْشِ؛ وَهَذِهِ لَوْ كَانَتْ تُقَاوِمُ ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُعَارَضَ بِهَا لَكِنَّ تِلْكَ مُتَوَاتِرَاتٌ وَحَدِيثُ أَبِي عُمَيْرٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ
الصَّيْدَ صِيدَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أُدْخِلَ إلَيْهَا كَذَلِكَ حَدِيثُ الْوَحْشِ إنْ صَحَّ.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ فَكَانَ مِثْلَ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّ أَحَادِيثَ الْحَرَمِ رَوَاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَنَحْوُهُ مِمَّنْ صُحْبَتُهُ مُتَأَخِّرَةٌ؛ وَأَمَّا دُخُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَبِي طَلْحَةَ فَكَانَ مِنْ أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ أَوْ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا نَاقِلٌ عَنْ الْأَصْلِ وَالْآخَرُ نَافٍ مُبْقٍ لِحُكْمِ الْأَصْلِ كَانَ النَّاقِلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا قُدِّمَ النَّاقِلُ لَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ الْحُكْمِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِذَا قُدِّمَ الْمُبْقِي تَغَيَّرَ الْحُكْمُ مَرَّتَيْنِ.
فَلَوْ قِيلَ: إنَّ حَدِيثَ أَبِي عُمَيْرٍ بَعْدَ أَحَادِيثِ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ لَكَانَ قَدْ حَرَّمَهُ ثُمَّ أَحَلَّهُ وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ إلَّا كَوْنُهُ قَدْ حَرَّمَهُ بَعْدَ التَّحْلِيلِ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْمُنَاكَحُ فَلَا رَيْبَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي بُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَنِكَاحِ الشِّغَارِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ مِمَّنْ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ ،
وَثَبَتَ عَنْ أَصْحَابِهِ كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ التَّحْلِيلِ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأُصُولِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
فَإِنَّ مِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ القصود فِي الْعُقُودِ مُعْتَبَرَةٌ كَمَا يَجْعَلُونَ الشَّرْطَ الْمُتَقَدِّمَ كَالشَّرْطِ الْمُقَارَنِ وَيَجْعَلُونَ الشَّرْطَ الْعُرْفِيَّ كَالشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ.
وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ أَبْطَلُوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ وَخُلْعَ الْيَمِينِ الَّذِي يُفْعَلُ حِيلَةً لِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَأَبْطَلُوا الْحِيَلَ الَّتِي يُسْتَحَلَّ بِهَا الرِّبَا وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَمَنْ نَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ.
وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَلْغَى النِّيَّاتِ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ وَجَعَلَ الْقَصْدَ الْحَسَنَ كَالْقَصْدِ السَّيِّئِ وَسَوَّغَ إظْهَارَ أَعْمَالٍ لَا حَقِيقَةَ لَهَا وَلَا قَصْدٍ بَلْ هِيَ نَوْعٌ مِنْ النِّفَاقِ وَالْمَكْرِ كَمَا قَالَ أَيُّوبُ السختياني يُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ الصِّبْيَانَ لَوْ أَتَوْا الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ.
وَالْبُخَارِيُّ قَدْ أَوْرَدَ فِي صَحِيحِهِ كِتَابًا فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْحِيَلِ وَمَا زَالَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي الْكِتَابِ الْمُفْرَدِ.
وَنِكَاحُ الشِّغَارِ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ
وَجْهٍ النَّهْيُ عَنْهُ وَلَكِنْ مَنْ صَحَّحَهُ مِنْ الْكُوفِيِّينَ رَأَى أَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِيهِ إلَّا عَدَمُ إعْلَامِ الْمَهْرِ وَالنِّكَاحُ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ وَلِهَذَا كَانَ الْمُبْطِلُونَ لَهُ لَهُمْ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَأْخَذَهُ جَعْلُ بُضْعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرَ الْأُخْرَى فَيَلْزَمُ التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد.
وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ يُبْطِلُونَهُ إلَّا أَنْ يُسَمَّى مَهْرًا؛ لِأَنَّهُ مَعَ تَسْمِيَتِهِ انْتَفَى التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُبْطِلُهُ إلَّا بِقَوْلِ: وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرٌ لِلْأُخْرَى؛ لِكَوْنِهِ إذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ جَعْلُ الْبُضْعِ مَهْرًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُبْطِلُهُ مُطْلَقًا كَمَا جَاءَ عَنْهُ بِذَلِكَ حَدِيثٌ مُصَرِّحٌ بِهِ فِي السُّنَنِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ بُطْلَانَهُ لِاشْتِرَاطِ عَدَمِ الْمَهْرِ وَفَرْقٌ بَيْنَ السُّكُوتِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ وَبَيْنَ اشْتِرَاطِ الْمَهْرِ؛ فَإِنَّ هَذَا النِّكَاحَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ سَمَّى الْمَهْرَ بِمَا يَعْلَمَانِ تَحْرِيمَهُ كَخَمْرِ وَخِنْزِيرٍ بَطَلَ النِّكَاحُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَهُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَشْبَهُ بِقِيَاسِ الْأُصُولِ.
وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْحَامِلِ أَوْ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الزِّنَا بَاطِلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ
وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْآثَارِ وَالْقِيَاسِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءُ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ.
وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فَجَوَّزَ الْعَقْدَ دُونَ الْوَطْءِ وَالشَّافِعِيُّ جَوَّزَهُمَا.
وَأَحْمَد وَافَقَهُ وَزَادَ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يُجَوِّزْ نِكَاحَ الزَّانِيَةِ حَتَّى تَتُوبَ لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ.
وَأَمَّا مَنْ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَطْءُ فَفَسَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ تَدَاخُلِ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ كَاَلَّتِي تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا؛ أَوْ الَّتِي وُطِئَتْ بِشُبْهَةِ؛ فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْعِدَّتَيْنِ لَا يَتَدَاخَلَانِ؛ بَلْ تَعْتَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ بِتَدَاخُلِهِمَا.
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ إصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي: هَلْ تَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ؟ وَهُوَ الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ مَنْ يُصِيبُهَا ثُمَّ تَعُودُ إلَى الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّهَا تَعُودُ عَلَى مَا بَقِيَ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكَابِرِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَمْثَالِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَإِنَّمَا قَالَ لَا تَعُودُ عَلَى مَا بَقِيَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَكَذَلِكَ فِي الْإِيلَاءِ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يُوقَفُ إمَّا أَنْ يَفِيَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْأُصُولُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ عَزْمَ الطَّلَاقِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فَإِذَا انْقَضَتْ وَلَمْ يَفِ طَلُقَتْ وَغَايَةُ مَا يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إنْ صَحَّ عَنْهُ.
وَمَسْأَلَةُ الرَّجْعَةِ بِالْفِعْلِ كَمَا إذَا طَلَّقَهَا: فَهَلْ يَكُونُ الْوَطْءُ رَجْعَةً؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: يَكُونُ رَجْعَةً كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّالِثُ: يَكُونُ رَجْعَةً مَعَ النِّيَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ وَالْأَحْكَامُ فَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَرْجَحُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْقَوَدَ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ وَكَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأُصُولُ بَلْ بَالَغَ مَالِكٌ حَتَّى أَنْكَرَ الْخَطَأَ شِبْهَ
الْعَمْدِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ لِهَجْرِ الشِّبْهِ لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ نَوْعٌ مِنْ الْخَطَأِ امْتَازَ بِمَزِيدِ حُكْمٍ فَلَيْسَ هُوَ قِسْمًا مِنْ الْخَطَأِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ وَالذِّمِّيِّ وَالْحُرِّ بِالْعَبْدِ لِلنَّاسِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يُقْتَلُ بِهِ بِكُلِّ حَالٍ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يُقْتَلُ بِهِ بِحَالِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُقْتَلُ بِهِ إلَّا فِي الْمُحَارَبَةِ؛ فَإِنَّ الْقَتْلَ فِيهَا حَدٌّ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فَلَا تَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ بَلْ يُقْتَلُ فِيهِ الْحُرُّ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا وَالْمُسْلِمُ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا.
وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِأَحْمَدَ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُحَارَبِينَ وَغَيْرِهِمْ إجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الرَّدْءِ وَالْمُبَاشِرِ كَمَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ.
وَمَنْ نَازَعَهُ فِي هَذَا سَلَّمَ أَنَّ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْقَتْلِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَوَدُ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ كَمَا قَالَ عُمَرُ لَوْ تَمَالَأَ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتهمْ بِهِ فَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ مُبَاشِرِينَ فَلَا نِزَاعَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُبَاشِرٍ لَكِنَّهُ مُتَسَبِّبٌ سَبَبًا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ غَالِبًا: كَالْمُكْرَهِ وَشَاهِدِ الزُّورِ إذَا رَجَعَ وَالْحَاكِمِ الْجَائِرِ إذَا رَجَعَ: فَقَدْ سَلَّمَ لَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ
فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ رَجَعَا وَقَالَا: أَخْطَأْنَا قَالَ: " لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْت أَيْدِيَكُمَا " فَدَلَّ عَلَى قَطْعِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ وَعَلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى شَاهِدِ الزُّورِ.
وَالْكُوفِيُّونَ يُخَالِفُونَ فِي هَذَيْنِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ رَقَبَةَ الْمُحَارَبِينَ بَيْنَهُمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْمُتَعَاوِنِينَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مُشْتَرِكِينَ فِي الْعُقُوبَةِ أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَفْظًا وَمَعْنًى مِمَّنْ لَمْ يُوجِبْ الْعُقُوبَةَ إلَّا عَلَى نَفْسِ الْمُبَاشِرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَّبِعُونَ مَا خَطَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ زَنَى مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا أُحْصِنَّ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ.
كَذَلِكَ يَحُدُّونَ فِي الْخَمْرِ بِمَا إذَا وُجِدَ سكرانا أَوْ تَقَيَّأَ؛ أَوْ وُجِدَتْ مِنْهُ الرَّائِحَةُ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَوْنَ الْحَدَّ إلَّا بِإِقْرَارِ أَوْ بَيِّنَةٍ عَلَى الْفِعْلِ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَوَّلَ أَشْبَهُ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَهُوَ حِفْظٌ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِهَا وَالشُّبْهَةُ فِي هَذَا كَالشُّبْهَةِ فِي الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ الَّذِي يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ وَالْخَطَأَ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ " الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةَ " مَشْرُوعَةٌ حَيْثُ مَضَتْ بِهَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ كَمَا أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ مَشْرُوعَةٌ حَيْثُ مَضَتْ بِهَا السُّنَّةُ وَقَدْ أَنْكَرَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةَ مَنْ أَنْكَرَهَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ وَادَّعَوْا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَمِنْ أَيْنَ يَأْتُونَ عَلَى نَسْخِهَا بِحُجَّةِ؟ وَهَذَا يَفْعَلُونَهُ كَثِيرًا إذَا رَأَوْا حَدِيثًا صَحِيحًا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ وَأَمَّا عُلَمَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ فَرَأَوْا السُّنَنَ وَالْآثَارَ قَدْ جَاءَتْ بِالْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ كَمَا جَاءَتْ بِالْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ: مِثْلَ كَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهَا وَتَحْرِيقِ حَانُوتِ الْخَمَّارِ كَمَا صَنَعَ مُوسَى بِالْعِجْلِ وَصَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَصْنَامِ وَكَمَا أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِتَحْرِيقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ وَكَمَا أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي فِيهَا لَحْمُ الْحُمُرِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فِي غَسْلِهَا وَكَمَا ضُعِّفَ الْقَوَدُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ غُرْمُ الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ وَضِعْفَ ثَمَنِ دِيَةِ الذِّمِّيِّ الْمَقْتُولِ عَمْدًا.
وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُمْ فِي " الْعُقُودِ وَالدِّيَاتِ " مِنْ أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ فَمِنْ
ذَلِكَ دِيَةُ الذِّمِّيِّ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: دِيَتُهُ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا قِيلَ؛ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ دِيَتَهُ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ: أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنْ ذَلِكَ الْعَاقِلَةُ تَحْمِلُ جَمِيعَ الدِّيَةِ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ أَوْ تَحْمِلُ الْمُقَدَّرَاتِ كَدِيَةِ الْمُوضِحَةِ وَالْأَصَابِعِ فَمَا فَوْقَهَا كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْ تَحْمِلُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الْمَأْثُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَفِي الثُّلُثِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد.
وَيُذْكَرُ أَنَّهُ تَنَاظَرَ مَدَنِيٌّ وَكُوفِيٌّ فَقَالَ الْمَدَنِيُّ لِلْكُوفِيِّ: قَدْ بُورِكَ لَكُمْ فِي الرُّبُعِ كَمَا تَقُولُ: يُمْسَحُ رُبُعُ الرَّأْسِ وَيُعْفَى عَنْ النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ عَنْ رُبُعِ الْمَحَلِّ وَكَمَا تَقُولُونَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ الْكُوفِيُّ: وَأَنْتُمْ بُورِكَ لَكُمْ فِي الثُّلُثِ كَمَا تَقُولُونَ: إذَا نَذَرَ صَدَقَةَ مَالِهِ أَجْزَأَهُ الثُّلُثُ؛ وَكَمَا تَقُولُونَ: الْعَاقِلَةُ تَحْمِلُ مَا فَوْقَ الثُّلُثِ وَعَقْلُ الْمَرْأَةِ كَعَقْلِ الرَّجُلِ إلَى الثُّلُثِ فَإِذَا زَادَتْ كَانَتْ عَلَى النِّصْفِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَهَذَا صَحِيحٌ؛ وَلَكِنْ يُقَالُ لِلْكُوفِيِّ: لَيْسَ فِي الرُّبُعِ أَصْلٌ لَا
فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَإِنَّمَا قَالُوا: الْإِنْسَانُ لَهُ أَرْبَعُ جَوَانِبَ وَيُقَالُ: رَأَيْت الْإِنْسَانَ إذَا رَأَيْت أَحَدَ جَوَانِبِهِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ فَيُقَامُ الرُّبُعُ مَقَامَ الْجَمِيعِ.
وَأَمَّا الثُّلُثُ فَلَهُ أَصْلٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْمَرِيضَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ لَا أَكْثَرَ كَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا عَادَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَجَزَّأَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَكَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي لُبَابَةَ " يَجْزِيك الثُّلُثُ " وَكَمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟ وَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْقُرْعَةُ فِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسِتَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يستهموا عَلَيْهِ﴾ . وَمِنْهَا: ﴿إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ﴾ وَمِنْهَا أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يستهمون عَلَى الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا هَاجَرُوا إلَيْهِمْ وَمِنْهَا فِي الْمُتَدَاعِيَيْنِ اللَّذَيْنِ أَمَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ حَبَّا أَمْ كَرِهَا وَمِنْهَا فِي {اللَّذَيْنِ
اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دُرِسَتْ فَقَالَ لَهُمَا: تَوَخَّيَا الْحَقَّ وَاسْتَهِمَا وَلْيَحْلِلْ كُلٌّ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ} . وَالْقُرْعَةُ يَقُولُ بِهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا وَمَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ الْكُوفِيِّينَ لَا يَقُولُ بِهَا بَلْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: الْقُرْعَةُ قِمَارٌ وَجَعَلُوهَا مِنْ الْمَيْسِرِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقُرْعَةِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمَيْسِرِ الَّذِي حَرَّمَهُ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ؛ فَإِنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا تَكُونُ مَعَ اسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ وَعَدَمِ إمْكَانِ تَعْيِينِ وَاحِدٍ وَعَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ الْمُسْتَحَقُّ مُعَيَّنًا كَالْمُشْتَرَكِينَ إذَا عُدِمَ الْمَقْسُومُ فَيُعَيَّنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِالْقَرْعَةِ وَكَالْعَبِيدِ الَّذِينَ جَزَّأَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَكَالنِّسَاءِ اللَّاتِي يُرِيدُ السَّفَرَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَهَذَا لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْقُرْعَةِ أَنَّهُ يُقْرَعُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ الْمُعَيَّنُ مُسْتَحَقًّا فِي الْبَاطِنِ كَقِصَّةِ يُونُسَ والمتداعيين وَكَالْقُرْعَةِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ أُنْسِيَهُ وَفِيمَا إذَا طَلَّقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ أُنْسِيَهَا أَوْ مَاتَ: أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ الْقُرْعَةُ فِيهَا نِزَاعٌ وَأَحْمَد يُجَوِّزُ ذَلِكَ دُونَ الشَّافِعِيِّ.
فَصْلٌ:
وَمَذْهَبُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّهُمْ يُرَجِّحُونَ جَانِبَ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَيَجْعَلُونَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِهِ فَيَقْضُونَ بِالشَّاهِدِ وَيَمِينِ الطَّالِبِ فِي الْحُقُوقِ وَفِي الْقَسَامَةِ يَبْدَءُونَ بِتَحْلِيفِ الْمُدَّعِينَ فَإِنْ حَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا اسْتَحَقُّوا الدَّمَ.
وَالْكُوفِيُّونَ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعِي لَا فِي قَسَامَةٍ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَلَا يَقْضُونَ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ وَلَا يَرَوْنَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَةَ تُوَافِقُ مَذْهَبَ الْمَدَنِيِّينَ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ الْقَسَامَةِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِيهِ وَقَدْ ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ: تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ﴾ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إذَا نَاظَرُوا عُلَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَأَبِي الزِّنَادِ وَغَيْرِهِ فِي الْقَسَامَةِ؛ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالسُّنَّةِ الَّتِي لَا مَنْدُوحَةَ لَأَحَدٍ عَنْ قَبُولِهَا وَيَقُولُونَ لَهُمْ: إنَّ السُّنَّةَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ: فَلَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ قَبُولِهَا.
فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ مَرْوِيٍّ بِإِسْنَادِ.
وَكَذَلِك
َ " مَسْأَلَةُ الْحُكْمِ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ "
فِيهَا أَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لَمَّا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: نَرَى أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ نُقِضَ حُكْمُهُ انْتَصَرَ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الْعُلَمَاءُ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ.
فَمَالِكٌ بَحَثَ فِيهَا فِي مُوَطَّئِهِ بَحْثًا لَا يُعَدُّ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " بَحَثَ فِيهَا نَحْوَ عَشْرِ أَوْرَاقٍ وَكَذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ.
وَلَيْسَ مَعَ الْكُوفِيِّينَ إلَّا مَا يَرْوُونَهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ﴾ . وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ فِي السُّنَنِ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْأَحَادِيثِ وَلَكِنْ فِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ﴾ وَهَذَا اللَّفْظُ إمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا عُمُومَ فِيهِ؛ بَلْ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْمَعْهُودِ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ مَعَ الْمُدَّعِي إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى كَمَا قَالَ: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ وَمَنْ يُحَلِّفُ الْمُدَّعِيَ لَا يُحَلِّفُهُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى بَلْ إنَّمَا يُحَلِّفُهُ إذَا قَامَتْ حُجَّةٌ يَرْجَحُ بِهَا جَانِبُهُ كَالشَّاهِدِ فِي الْحُقُوقِ وَالْإِرْثِ فِي الْقَسَامَةِ إنْ قِيلَ: هُوَ عَامٌّ فَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ.
وَاحْتِجَاجُهُمْ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الشَّاهِدَيْنِ وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ
ضَعِيفٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ دُونَ الْحُكْمِ بِهَا؛ وَلَوْ كَانَ فِي الْحُكْمِ فَالْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى ذَلِكَ وَمَنْ حَلَفَ مَعَ الشَّاهِدِ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ.
ثُمَّ الْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ بِلَا شَهَادَةٍ أَصْلًا بَلْ بِالنُّكُولِ أَوْ الرَّدِّ وَأَنَّهُ يُحْكَمُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِي مَوَاضِعَ فَكَيْفَ يُحْكَمُ مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُخَالِفِ لِلْقُرْآنِ؟ فَكَيْفَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؟ ثُمَّ مَالِكٌ يُوجِبُ الْقَوَدَ فِي الْقَسَامَةِ وَيُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا الْتَعَنَ الرَّجُلُ وَلَمْ تَلْتَعِنْ الْمَرْأَةُ وَالشَّافِعِيُّ يُقِيمُ الْحَدَّ وَلَا يَقْتُلُ مِنْ الْقَسَامَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَحْمَد يُوَافِقُ عَلَى الْقَوَدِ بِالْقَسَامَةِ دُونَ حَدِّ الْمَرْأَةِ بَلْ يَحْبِسُهَا إذَا لَمْ تَلْتَعِنْ وَيُخَلِّيهَا.
وَظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُوَافِقُ قَوْلَ مَالِكٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْن
َ قَتْلَ اللُّوطِيِّ
الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ؛ مُحْصَنَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَمَنْ قَالَ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ مِنْ الْكُوفِيِّينَ فَلَا سُنَّةَ مَعَهُ وَلَا أَثَرَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ لِلْكُوفِيِّ الَّذِي نَاظَرَهُ أَيُجْعَلُ مَا لَا يَحِلُّ بِحَالِ كَمَا يُبَاحُ بِحَالِ
دُونَ حَالٍ؟ وَذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِذَلِكَ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَى فِي التُّهَمِ كَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ يُرَاعُونَ فِيهَا حَالَ الْمُتَّهَمِ: هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ أَمْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ؟ وَيَرَوْنَ عُقُوبَةَ مَنْ ظَهَرَتْ التُّهْمَةُ فِي حَقِّهِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مَنْ صَنَّفَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد ذَكَرُوا فِي عُقُوبَةِ مِثْلَ هَذَا هَلْ يُعَاقِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي أَمْ يُعَاقِبُهُ الْوَالِي؟ قَوْلَانِ.
وَكَمَا يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَنْ حَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ سَوَاءٌ كَانَ وَالِيًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَدْ غَلِطَ وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ لِكَوْنِ هَذَا وَلِيٍّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ دُونَ هَذَا فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ.
وَهَذَا كَمَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ خِطَابِ بَعْضِ أَتْبَاعِ الْكُوفِيِّينَ وَفِي تَصَانِيفِهِمْ إذَا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ مُحْتَجٌّ بِمَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ؛ كَقَتْلِهِ الْيَهُودِيَّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ الْجَارِيَةِ وَكَإِهْدَارِهِ لِدَمِ السَّابَّةِ الَّتِي سَبَّتْهُ وَكَانَتْ مُعَاهَدَةً وَكَأَمْرِهِ بِقَتْلِ اللُّوطِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالُوا: هَذَا يَعْمَلُهُ سِيَاسَةً فَيُقَالُ.
لَهُمْ: هَذِهِ السِّيَاسَةُ: إنْ قُلْتُمْ هِيَ مَشْرُوعَةٌ لَنَا فَهِيَ حَقٌّ؛ وَهِيَ سِيَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً لَنَا فَهَذِهِ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ.
ثُمَّ قَوْلُ الْقَائِلِ بَعْدَ هَذَا سِيَاسَةٌ: إمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ النَّاسَ