سُورَةُ الْأَنْفَالِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ:
قَالَ سُبْحَانَهُ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فَوَعَدَهُمْ بِالْإِمْدَادِ بِأَلْفٍ وَعْدًا مُطْلَقًا وَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ إمْدَادَ الْأَلْفِ بُشْرَى وَلَمْ يُقَيِّدْهُ وَقَالَ فِي قِصَّةِ أُحُدٍ: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فَإِنَّ هَذَا أَظُنُّ فِيهِ قَوْلَيْنِ: " أَحَدُهُمَا " أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأُحُدٍ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةُ.
وَلِأَنَّهُ وَعْدٌ مُقَيَّدٌ وَقَوْلُهُ فِيهِ: {وَمَا
جَعَلَهُ اللَّهُ إلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} يَقْتَضِي خُصُوصَ الْبُشْرَى بِهِمْ.
وَأَمَّا قِصَّةُ بَدْرٍ فَإِنَّ الْبُشْرَى بِهَا عَامَّةٌ فَيَكُونُ هَذَا كَالدَّلِيلِ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ أَلْفَ بَدْرٍ بَاقِيَةٌ فِي الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْإِمْدَادَ وَالْبُشْرَى وَقَدَّمَ (بِهِ) عَلَى (لَكُمْ) عِنَايَةً بِالْأَلْفِ وَفِي أُحُدٍ كَانَتْ الْعِنَايَةُ بِهِمْ لَوْ صَبَرُوا فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ الْآيَةُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: " أَحَدُهَا " أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَوَلِّدَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْآدَمِيِّ؛ بَلْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ وَالْقَتْلُ هُوَ الْإِزْهَاقُ وَذَاكَ مُتَوَلِّدٌ وَهَذَا قَدْ يَقُولُهُ مَنْ يَنْفِي التَّوَلُّدَ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الرَّمْيَ أَيْضًا وَهُوَ فِعْلٌ مُبَاشِرٌ وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ فَأَثْبَتَ الْقَتْلَ.
وَلِأَنَّ الْقَتْلَ هُوَ الْفِعْلُ الصَّالِحُ لِلْإِزْهَاقِ لَيْسَ هُوَ الزُّهُوقُ؛ بِخِلَافِ الْإِمَاتَةِ.
" الثَّانِي " أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ وَهَذَا قَدْ يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ وَأَظُنُّهُ مَأْثُورًا عَنْ الْجُنَيْد سَلَبَ الْعَبْدَ الْفِعْلَ نَظَرًا إلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ.
" أَحَدُهُمَا " أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِخَلْقِ الْفِعْلِ فَالْعَبْدُ لَا يُسْلَبُهُ بَلْ يُضَافُ
الْفِعْلُ إلَيْهِ أَيْضًا فَلَا يُقَالُ مَا آمَنْت وَلَا صَلَّيْت وَلَا صُمْت وَلَا صَدَّقْت وَلَا عَلِمْت فَإِنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ؛ إذْ أَقَلُّ أَحْوَالِهِ الِاتِّصَافُ وَهُوَ ثَابِتٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا إلَّا فِي الْقَتْلِ وَالرَّمْيِ بِبَدْرِ وَلَوْ كَانَ هَذَا لِعُمُومِ خَلْقِ اللَّهِ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لَمْ يُخْتَصَّ بِبَدْرِ.
" الثَّالِثُ " أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَرَقَ الْعَادَةَ فِي ذَلِكَ فَصَارَتْ رُءُوسُ الْمُشْرِكِينَ تَطِيرُ قَبْلَ وُصُولِ السِّلَاحِ إلَيْهَا بِالْإِشَارَةِ وَصَارَتْ الْجَرِيدَةُ تَصِيرُ سَيْفًا يُقْتَلُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ رَمْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَتْ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يُصِيبَهُ فَكَانَ مَا وُجِدَ مِنْ الْقَتْلِ وَإِصَابَةِ الرَّمْيَةِ خَارِجًا عَنْ قُدْرَتِهِمْ الْمَعْهُودَةِ فَسُلِبُوهُ لِانْتِفَاءِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَهَذَا أَصَحُّ وَبِهِ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ أَيْ مَا أَصَبْت ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ إذْ طَرَحْت ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أَصَابَ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَا فَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْقُدْرَةِ الْمُعْتَادَةِ بِسَبَبِ ضَعِيفٍ كَإِنْبَاعِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ أَوْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ الْفَاعِلِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لَا عَلَى الْجَبْرِ وَلَا عَلَى نَفْيِ التَّوَلُّدِ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
" أَحَدُهُمَا " فِي الِاسْتِغْفَارِ الدَّافِعِ لِلْعَذَابِ.
و" الثَّانِي " فِي
الْعَذَابِ الْمَدْفُوعِ بِالِاسْتِغْفَارِ.
أَمَّا " الْأَوَّلُ ": فَإِنَّ الْعَذَابَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الذُّنُوبِ وَالِاسْتِغْفَارُ يُوجِبُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْعَذَابِ فَيَنْدَفِعُ الْعَذَابُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ إنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ مُتِّعُوا مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُمْ فَضْلٌ أُوتُوا الْفَضْلَ.
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: ﴿يَا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ . وَأَمَّا الْعَذَابُ الْمَدْفُوعُ فَهُوَ يَعُمُّ الْعَذَابَ السَّمَاوِيَّ وَيَعُمُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْعِبَادِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ قَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ عَذَابًا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي النَّوْعِ الثَّانِي: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ وَكَذَلِكَ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلَّا إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ إذْ التَّقْدِيرُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِعَذَابٍ بِأَيْدِينَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ .
وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْعَذَابُ بِفِعْلِ الْعِبَادِ وَقَدْ يُقَالُ: التَّقْدِيرُ: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ أَوْ يُصِيبَكُمْ بِأَيْدِينَا؛ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إصَابَةٌ بِسُوءِ؛ إذْ قَدْ يُقَالُ: أَصَابَهُ بِخَيْرٍ وَأَصَابَهُ بِشَرِّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَفْظُ الْإِصَابَةِ يَدُلُّ عَلَى الْإِصَابَةِ بِالشَّرِّ لَاكْتَفَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ﴾ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ .
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ فِي بِلَالٍ وَنَحْوِهِ: كَانُوا مِنْ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ وَيُقَالُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَرَى سَبْعَةً مِنْ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ.
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ﴾ ". وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ مَعَ مَا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِك ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِك ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قَالَ: هَاتَانِ أَهْوَنُ} " يَقْتَضِي أَنَّ لُبْسَنَا شِيَعًا وَإِذَاقَةَ بَعْضِنَا بَأْسَ بَعْضٍ هُوَ مِنْ الْعَذَابِ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِالِاسْتِغْفَارِ كَمَا قَالَ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وَإِنَّمَا تُنْفَى الْفِتْنَةُ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ قَدْ يَكُونُ الْعَذَابُ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِأَيْدِي الْعِبَادِ فَإِذَا تَرَكَ النَّاسُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ يَبْتَلِيهِمْ بِأَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ حَتَّى تَقَعَ بَيْنَهُمْ الْفِتْنَةُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ إذَا اشْتَغَلُوا بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَمَعَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ وَجَعَلَ بَأْسَهُمْ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِمْ
وَإِذَا لَمْ يَنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَذَّبَهُمْ اللَّهُ بِأَنْ يُلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يَدْخُلُ فِي الْعَذَابِ الْأَدْنَى مَا يَكُونُ بِأَيْدِي الْعِبَادِ كَمَا قَدْ فُسِّرَ بِوَقْعَةِ بَدْرٍ بَعْضُ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَذَابِ.