مجموع الفتاوىصفحات 162-174

كِتَابُ الْطَلَاقِ

صفحات 162-174
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا هُوَ الْوَأْدُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك.
قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك﴾ وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ حَرَّمَ قَتْلَ الْوَلَدِ مَعَ الْحَاجَةِ وَخَشْيَةِ الْفَقْرِ فَلَأَنْ يُحَرِّمَ قَتْلَهُ بِدُونِ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَهَذِهِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ يَجِبُ عَلَيْهَا الدِّيَةُ تَكُونُ لِوَرَثَتِهِ؛ لَيْسَ لَهَا مِنْهَا شَيْءٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ الرَّجُلِ يَلْطِمُ الرَّجُلَ أَوْ يَكْلِمُهُ أَوْ يَسُبُّهُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ؟ فَأَجَابَ: وَأَمَّا " الْقِصَاصُ فِي اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَمَذْهَبُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ أَنَّ الْقِصَاصَ ثَابِتٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ الشالنجي.
وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَشْرَعُ فِي ذَلِكَ قِصَاصٌ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِيهِ مُتَعَذِّرَةٌ فِي الْغَالِبِ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضَتْ بِالْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ سُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ مُتَعَذِّرَةٌ.
فَيُقَالُ: لَا بُدَّ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ مِنْ عُقُوبَةٍ: إمَّا قِصَاصٌ وَإِمَّا تَعْزِيرٌ.
فَإِذَا جُوِّزَ أَنْ يُعَزَّزَ تَعْزِيرًا غَيْرَ مَضْبُوطِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ فَلَأَنْ يُعَاقِبَ إلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الضَّبْطِ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَالْعَدْلُ فِي الْقِصَاصِ مُعْتَبَرٌ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الضَّارِبَ إذَا ضُرِبَ ضَرْبَةً مِثْلَ ضَرْبَتِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا كَانَ هَذَا أَقْرَبَ إلَى الْعَدْلِ مِنْ أَنْ يُعَزَّرَ بِالضَّرْبِ بِالسَّوْطِ؛ فَاَلَّذِي يَمْنَعُ الْقِصَاصَ فِي ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ الظُّلْمِ يُبِيحُ مَا هُوَ أَعْظَمُ ظُلْمًا مِمَّا فَرَّ مِنْهُ.
فَعُلِمَ أَنَّمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَعْدَلُ وَأَمْثَلُ.
وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَسُبَّهُ كَمَا يَسُبُّهُ: مِثْلَ أَنْ يَلْعَنَهُ كَمَا يَلْعَنُهُ.
أَوْ يَقُولُ: قَبَّحَك اللَّهُ.
فَيَقُولُ: قَبَّحَك اللَّهُ.
أَوْ: أَخْزَاك اللَّهُ.
فَيَقُولُ لَهُ: أَخْزَاك اللَّهُ.
أَوْ يَقُولُ: يَا كَلْبُ يَا خِنْزِيرُ فَيَقُولُ: يَا كَلْبُ يَا خِنْزِيرُ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُحَرَّمَ الْجِنْسِ مِثْلَ تَكْفِيرِهِ أَوْ الْكَذِبِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَهُ وَلَا يَكْذِبَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا لَعَنَ أَبَاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْعَنَ أَبَاهُ لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَظْلِمْهُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَمَّنْ ضَرَبَ غَيْرَهُ فَعَطَّلَ مَنْفَعَةَ أُصْبُعِهِ؟ فَأَجَابَ: إذَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ أُصْبُعِهِ بِالْجِنَايَةِ الَّتِي اعْتَدَى فِيهَا وَجَبَتْ دِيَةُ الْأُصْبُعِ وَهِيَ عُشْرُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّه رُوحَهُ -: عَنْ اثْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا حُرٌّ وَالْآخَرُ عَبْدٌ: حَمَلُوا خَشَبَةً فَتَهَوَّرَتْ مِنْهُمْ الْخَشَبَةُ مِنْ غَيْرِ عَمْدٍ؛ فَأَصَابَتْ رَجُلًا؛ فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ وَتُوُفِّيَ: فَمَا يَجِبُ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ؟ وَمَاذَا يَجِبُ عَلَى مَالِكِ الْعَبْدِ إذَا تَغَيَّبَ الْعَبْدُ؟ فَأَجَابَ: إذَا حَصَلَ مِنْهُمَا تَفْرِيطٌ أَوْ عُدْوَانٌ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُفَرِّطَ بِوُقُوفِهِ حَيْثُ لَا يَصْلُحُ فَلَا ضَمَانَ.
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَفْرِيطٌ مِنْهُمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ السَّبَبِ فَلَا ضَمَانَ.

وَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَنَصِيبُ الْعَبْدِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي الْجِنَايَةِ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَفْتَدِيَهُ.
وَإِذَا افْتَدَاهُ فَإِنَّهُ يَفْتَدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَقَدْرِ جِنَايَتِهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَفِي الْأُخْرَى وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ يَفْدِيهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
فَأَمَّا إنْ جَنَى الْعَبْدُ وَهَرَبَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ سَيِّدَهُ تَسْلِيمُهُ فَلَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ ثَلَاثَةٍ حَمَلُوا عَمُودَ رُخَامٍ ثُمَّ أَنَّ مِنْهُمْ اثْنَيْنِ رَمَوْا الْعَمُودَ عَلَى الْآخَرِ كَسَرُوا رِجْلَهُ.
فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ إذَا أَلْقَوْا عَلَيْهِ عَمُودَ الرُّخَامِ حَتَّى كَسَرُوا سَاقَهُ وَجَبَ ضَمَانُ ذَلِكَ؛ لَكِنْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُوجِبُ بَعِيرَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد: وَمِنْهُمْ مَنْ يُوجِبُ فِيهِ حُكُومَةً وَهُوَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَا كَسْرَ بِهِ ثُمَّ يُقَوَّمَ مَكْسُورًا؛ فَيُنْظَرُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ: فَيَجِبُ بِقِسْطِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلَيْنِ تَخَاصَمَا وَتَمَاسَكَا بِالْأَيْدِي وَلَمْ يَضْرِبْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا ثُمَّ تَفَارَقَا فِي عَافِيَةٍ ثُمَّ بَعْدَ أُسْبُوعٍ تُوُفِّيَ أَحَدُهُمَا وَهَرَبَ الْآخَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمُسِكَ أَبُو الْهَارِبِ وَأَلْزَمُوهُ بِإِحْضَارِ وَلَدِهِ فَاعْتَقَدَ أَنَّ الْخَصْمَ لَمْ يَمُتْ؛ وَالْتَزَمَ لِأَهْلِهِ أَنَّهُ مَهْمَا تَمَّ عَلَيْهِ كَانَ هُوَ الْقَائِمَ بِهِ؛ فَلَمَّا مَاتَ اعْتَقَلُوا أَبَاهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَرَاضَى أَبُوهُ أَهْلَ الْمَيِّتِ بِمَالِ وَأُبْرِئَ المتهوم وَكُلُّ أَهْلِهِ: فَهَلْ لِهَذَا الْمُلْتَزِمِ بِالْمَبْلَغِ أَنْ يَرْجِعَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ بَنِي عَمِّهِ بِشَيْءِ مِنْ الْمَبْلَغِ وَهَلْ يَبْرَأُ الْهَارِبُ؟ فَأَجَابَ: إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْهَارِبَ قَتَلَهُ خَطَأً بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا وَقَدْ ضَرَبَهُ الْآخَرُ ضَرْبًا شَدِيدًا يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ وَكَانَ سَبَبًا فِي مَوْتِهِ: فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
فَعَلَى عَصَبَةِ بَنِي الْعَمِّ وَغَيْرِهَا أَنْ يَتَحَمَّلُوا هَذَا الْقَدْرَ الَّذِي رَضِيَ بِهِ أَهْلُ الْقَتِيلِ فَإِنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الدِّيَةِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لَكِنْ أَخَذَ الْأَبُ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ: لَمْ يَلْزَمْهُمْ بِإِقْرَارِ الْأَبِ شَيْءٌ؛ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الدِّيَةِ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ أَنْ يُطَالِبُوا بِأَكْثَرَ مِنْهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: عَنْ رَجُلٍ رَأَى رَجُلًا قَتَلَ ثَلَاثَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَحِسَ السَّيْفَ بِفَمِهِ.
وَأَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَأَنَّ الَّذِي رَآهُ قَدْ وَجَدَهُ فِي مَكَانٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَسْكِهِ: فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْقَاتِلَ الْمَذْكُورَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ وَإِذَا قَتَلَهُ هَلْ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُطَالَبُ بِدَمِهِ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ قَتَلَهُمْ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ وَجَبَ قَتْلُهُ وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُمْ لِغَرَضِ خَاصٍّ مِثْلِ خُصُومَةٍ بَيْنَهُمْ أَوْ عَدَاوَةٍ: فَأَمْرُهُ إلَى وَرَثَةِ الْقَتِيلِ: إنْ أَحَبُّوا قَتْلَهُ قَتَلُوهُ وَإِنْ أَحَبُّوا عَفَوْا عَنْهُ وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ.
فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ الْآخَرِينَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ: فَقِيلَ: بِإِذْنِ الْإِمَامِ؛ فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ أَذِنَ فِي قَتْلِهِ بِدَلَائِلِ الْحَالِ جَازَ أَنْ يَقْتُلَهُ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ وُلَاةَ الْأُمُورِ يَطْلُبُونَهُ لِيَقْتُلُوهُ وَأَنَّ قَتْلَهُ وَاجِبٌ فِي الشَّرْعِ: فَهَذَا يَعْرِفُ أَنَّهُمْ آذِنُونَ فِي قَتْلِهِ؛ وَإِذَا وَجَبَ قَتْلُهُ كَانَ قَاتِلُهُ مَأْجُورًا فِي ذَلِكَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلَيْنِ قَبَضَ أَحَدُهُمَا عَلَى وَاحِدٍ وَالْآخَرُ ضَرَبَهُ فَشُلَّتْ يَدُهُ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الِاثْنَيْنِ الْقَوَدُ إنْ وَجَبَ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا فَقَتَلَهَا ثُمَّ تَابَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ فَلَمَّا كَبُرَ أَحَدُهُمَا أَرَادَ أَدَاءَ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَلَمْ يَجِدْ قُدْرَةً عَلَى الْعِتْقِ فَأَرَادَ أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ: فَهَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْقَاتِلِ؟ وَهَلْ يُجْزِئُ قِيَامُ الْوَلَدِ بِهَا؟ وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ امْرَأَةً فَحَاضَتْ فِي زَمَنِ الشَّهْرَيْنِ: هَلْ يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ؟ وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّ الطُّهْرَ يَحْصُلُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْإِمْسَاكُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إنْ كَانَ قَدْ وَجَدَهُمَا يَفْعَلَانِ الْفَاحِشَةَ وَقَتَلَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد؛ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ عَنْ وَطْئِهَا بِالْكَلَامِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي بَيْتِك فَفَقَأْت عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْك شَيْءٌ﴾ و ﴿نَظَرَ رَجُلٌ مَرَّةً فِي بَيْتِهِ فَجَعَلَ يَتْبَعُ عَيْنَهُ بِمِدْرَى لَوْ أَصَابَتْهُ لَقَلَعَتْ عَيْنَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ﴾ وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالْكَلَامِ.
وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

وَبِيَدِهِ سَيْفٌ مُتَلَطِّخٌ بِدَمِ قَدْ قَتَلَ امْرَأَتَهُ فَجَاءَ أَهْلَهَا يَشْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: إنِّي قَدْ وَجَدْت لُكَاعًا قَدْ تفخذها فَضَرَبْت مَا هُنَالِكَ بِالسَّيْفِ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَهَزَّهُ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَيْهِ فَقَالَ: إنْ عَادَ فَعُدْ.
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ يَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُ إذَا كَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ هُوَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ إنَّمَا مَأْخَذُهُ أَنَّهُ جَنَى عَلَى حُرْمَتِهِ فَهُوَ كَفَقْءِ عَيْنِ النَّاظِرِ وَكَاَلَّذِي انْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِ الْعَاضِّ حَتَّى سَقَطَتْ ثَنَايَاهُ فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَمَهُ وَقَالَ: ﴿يَدَعُ يَدَهُ فِي فِيك فَتَقْضِمُهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الْقَوْلُ بِهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ قَالَ: لِأَنَّ دَفْعَ الصَّائِلِ يَكُونُ بِالْأَسْهَلِ.
وَالنَّصُّ يُقَدَّمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ فَقَدْ دَخَلَ اللِّصُّ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَصْلَتَ لَهُ السَّيْفَ قَالُوا: فَلَوْلَا أَنَّا نَهَيْنَاهُ عَنْهُ لَضَرَبَهُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ وَأَخَذَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الرَّجُلُ لَمْ يَفْعَلْ بَعْدُ فَاحِشَةً؛ وَلَكِنْ وَصَلَ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ وَالْأَحْوَطُ لِهَذَا أَنْ يَتُوبَ مِنْ الْقَتْلِ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِي

وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ نِزَاعٌ فَإِذَا كَفَرَ فَقَدْ فَعَلَ الْأَحْوَطَ؛ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا قَتْلُ الْعَمْدِ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَمْ يُكَفِّرْ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ وَلَيُّهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَإِنَّهُ بَدَلُ الصِّيَامِ الَّذِي عَجَزَتْ عَنْهُ قُوَّتُهُ فَإِذَا أَطْعَمَ عَنْهُ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ فَهَذَا أَوْلَى.
وَالْمَرْأَةُ إنْ صَامَتْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَمْ يَقْطَعْ الْحَيْضُ تَتَابُعَهَا بَلْ تَبْنِي بَعْدَ الطُّهْرِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا بِسَيْفِ شَلَّ يَدَهُ ثُمَّ إنَّهُ جَاءَهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَفْدِنَةِ طِينٍ سَوَاءً؛ مُصَالَحَةً ثُمَّ أَكَلَهَا اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً وَلَمْ يَكْتُبْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَبَدًا وَحَالُ الْمَضْرُوبِ ضَعِيفٌ: فَهَلْ يَلْزَمُ الضَّارِبَ الدِّيَةُ؟ الْجَوَابُ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ صَالَحَهُ عَنْ شَلَلِ يَدِهِ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ؛ وَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا أَنْ يَزِيدَهُ وَلَا لِهَذَا أَنْ يَنْقُصَهُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ أَعْطَاهُ شَيْئًا بِلَا مُصَالَحَةٍ فَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ تَمَامَ حَقِّهِ.
وَشَلَلُ الْيَدِ فِيهِ دِيَةُ الْيَدِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا فَتَحَوَّلَ حَنَكُهُ وَوَقَعَتْ أَنْيَابُهُ وَخَيَّطُوا حَنَكَهُ بِالْإِبَرِ فَمَا يَجِبُ؟ فَأَجَابَ: يَجِبُ فِي الْأَسْنَانِ فِي كُلِّ سِنٍّ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ خَمْسُونَ دِينَارًا أَوْ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَجِبُ فِي تَحْوِيلِ الْحَنَكِ الْأَرْشُ: يُقَوَّمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ سَلِيمٌ ثُمَّ يُقَوَّمُ وَهُوَ عَبْدٌ مَعِيبٌ ثُمَّ يُنْظَرُ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ فَيَجِبُ بِنِسْبَتِهِ مِنْ الدِّيَةِ.
وَإِذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ مِمَّا تَقْلَعُ الْأَسْنَانَ فِي الْعَادَةِ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَهُوَ أَنْ يَقْلَعَ لَهُ مِثْلَ تِلْكَ الْأَسْنَانِ مِنْ الضَّارِبِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ مُسْلِمٍ قَتَلَ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا بِغَيْرِ حَقٍّ ثُمَّ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَهَلْ تُرْجَى لَهُ التَّوْبَةُ وَيَنْجُو مِنْ النَّارِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةٌ أَمْ لَا؟ . فَأَجَابَ: قَاتِلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَيْهِ " حَقَّانِ ": حَقٌّ لِلَّهِ بِكَوْنِهِ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ وَانْتَهَكَ حُرُمَاتِهِ.
فَهَذَا الذَّنْبُ يَغْفِرُهُ اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ كَمَا قَالَ

تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أَيْ لِمَنْ تَابَ.
وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ ﴿إلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَجُلًا ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: أَبَعْدَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ تَكُونُ لَك تَوْبَةٌ فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَةِ وَلَكِنْ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا فَإِنَّ فِيهَا قَوْمًا صَالِحِينَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَأَمَرَ أَنْ يُقَاسَ فَإِلَى أَيِّ الْقَرْيَتَيْنِ كَانَ أَقْرَبَ أُلْحِقَ بِهِ؛ فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ﴾ " وَالْحَقُّ الثَّانِي " حَقُّ الْآدَمِيِّينَ.
فَعَلَى الْقَاتِلِ أَنْ يُعْطِيَ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ فَيُمَكِّنَهُمْ مِنْ الْقِصَاصِ؛ أَوْ يُصَالِحَهُمْ بِمَالِ أَوْ يَطْلُبَ مِنْهُمْ الْعَفْوَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهِمْ وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ.

وَهَلْ يَبْقَى لِلْمَقْتُولِ عَلَيْهِ حَقٌّ يُطَالِبُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ وَمَنْ قَالَ يَبْقَى لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَكْثِرُ الْقَاتِلُ مِنْ الْحَسَنَاتِ حَتَّى يُعْطِيَ الْمَقْتُولَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَيَبْقَى لَهُ مَا يَبْقَى فَإِذَا اسْتَكْثَرَ الْقَاتِلُ التَّائِبُ مِنْ الْحَسَنَاتِ رُجِيَتْ لَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ؛ وَأَنْجَاهُ مِنْ النَّارِ وَلَا يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي قَتْلِ النَّفْسِ عَمْدًا.
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّ هَذَا ذَنْبٌ لَا يُغْفَرُ وَقَالَ الْآخَرُ: إذَا تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ: أَمَّا حَقُّ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِاسْتِغْفَارِ الظَّالِمِ الْقَاتِلِ؛ لَا فِي قَتْلِ النَّفْسِ؛ وَلَا فِي سَائِرِ مَظَالِمِ الْعِبَادِ؛ فَإِنَّ حَقَّ الْمَظْلُومِ لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِغْفَارِ؛ لَكِنْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْقَاتِلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الظُّلْمَةِ؛ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِالتَّوْبَةِ الْحَقَّ الَّذِي لَهُ.
وَأَمَّا حُقُوقُ الْمَظْلُومِينَ فَإِنَّ اللَّهَ يُوَفِّيهِمْ إيَّاهَا: إمَّا مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ وَإِمَّا مِنْ عِنْدِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَمَّنْ اتَّهَمُوهُ النَّصَارَى فِي قَتْلِ نَصَارَى وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ؛ فَأَحْضَرُوهُ إلَى النَّائِبِ بالكرك؛ وَأَلْزَمُوهُ أَنْ يُعَاقِبَهُ؛ فَعُوقِبَ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُقِرَّ بِشَيْءِ: فَمَا يَلْزَمُ النَّصَارَى الَّذِينَ الْتَزَمُوا بِدَمِهِ؟ فَأَجَابَ: يَجِبُ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ الَّذِي الْتَزَمُوا دَمَهُ إنْ مَاتَ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ بَلْ يُعَاقَبُونَ كَمَا عُوقِبَ أَيْضًا؛ كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: قَضَى نَحْوَ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

جارٍ التحميل