مجموع الفتاوىصفحات 168-207

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 168-207
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَمَنْ عَرَفَ هَذَا حَقَّ الْمَعْرِفَةِ انْفَتَحَ لَهُ بَابُ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ لِأَنْ يُدْعَى غَيْرُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ وَلَا يُتَوَكَّلَ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يُرْجَى غَيْرُهُ وَهَذَا مُبَرْهَنٌ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ وَأَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَشَفَاعَتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ فَإِنَّ مَنْ تَوَكَّلَ فِي الشَّفَاعَةِ أَوْ الدُّعَاءِ عَلَى مَلَكٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ رَجُلٍ صَالِحٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ: هَذَا أَيْضًا سَبَبٌ مِنْ الْأَسْبَابِ فَهَذَا الشَّافِعُ وَالدَّاعِي لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ بَلْ شَفَاعَةُ أَهْلِ طَاعَتِهِ لَا تَكُونُ إلَّا لِمَنْ يَرْضَاهُ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ . فَلَيْسَ أَحَدٌ يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ الْإِذْنَ الْقَدَرِيَّ الْكَوْنِيَّ فَإِنَّ شَفَاعَتَهُ مِنْ جِهَةِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لَا تَكُونُ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَلَيْسَ كَالْمَخْلُوقِ الَّذِي يَشْفَعُ إلَيْهِ شَافِعٌ تَكُونُ شَفَاعَتُهُ بِغَيْرِ حَوْلِ الْمَشْفُوعِ إلَيْهِ وَقُوَّتِهِ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ شَفَاعَةِ الشَّافِعِ كَسَائِرِ التَّحَوُّلَاتِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ و " الْحَوْلُ " يَتَضَمَّنُ التَّحَوُّلَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ بِحَرَكَةِ أَوْ إرَادَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَالشَّافِعُ لَا حَوْلَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا إلَّا بِهِ ثُمَّ أَهْلُ طَاعَتِهِ الَّذِينَ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُمْ لَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنْ ارْتَضَى فَلَا يَطْلُبُونَ مِنْهُ مَا لَا يُحِبُّ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ بَلْ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ مَلَائِكَتُهُ كَمَا قَالَ فِيهِمْ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ .

وَالصَّادِرُ عَنْهُمْ إمَّا قَوْلٌ وَإِمَّا عَمَلٌ فَالْقَوْلُ لَا يَسْبِقُونَهُ بِهِ بَلْ لَا يَقُولُونَ حَتَّى يَقُولَ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَعَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَهُ وَمَعَ رُسُلِهِ هَكَذَا فَلَا نَقُولُ فِي الدِّينِ حَتَّى يَقُولَ وَلَا نَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا نَعْبُدُهُ إلَّا بِمَا أَمَرَ وَأَعْلَى مِنْ هَذَا أَنْ لَا نَعْمَلَ إلَّا بِمَا أَمَرَ فَلَا تَكُونُ أَعْمَالُنَا إلَّا وَاجِبَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَكَيْفَ بِمَنْ تَوَكَّلَ أَوْ رَجَا أَسْبَابًا غَيْرَ هَذِهِ مِنْ الْكَوَاكِبِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ مِنْ أَفْعَالِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْمُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالْأَصْحَابِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْأَتْبَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ: مَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
قَالُوا: الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ.
وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ وَإِنَّمَا التَّوَكُّلُ وَالرَّجَاءُ مَعْنًى يَتَأَلَّفُ مِنْ مُوجِبِ التَّوْحِيدِ وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى السَّبَبِ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَيْهِ وَرَجَاؤُهُ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرَكَاءَ وَأَضْدَادٍ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَإِنْ لَمْ يُسَخِّرْهُ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ لَمْ يُسَخَّرْ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَأَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا وَالْأَفْلَاكَ وَمَا حَوَتْهُ لَهَا خَالِقٌ مُدَبِّرٌ غَيْرَهَا وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْدُرُ عَنْ فَلَكٍ أَوْ كَوْكَبٍ أَوْ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّكَ تَجِدُهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ

مِنْ الْحَوَادِثِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُشَارِكٍ وَمُعَاوِنٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَهُ مُعَارَضَاتٌ وَمُمَانَعَاتٌ.
وَمِنْ أَعْظَمِ ذَلِكَ " الْفَلَكُ الْأَطْلَسُ التَّاسِعُ " الَّذِي يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ الإلهيين وَالْمُنَجِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ حَرَكَتَهُ هِيَ السَّبَبُ فِي حُدُوثِ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا وَإِلَيْهَا انْتَهَى عِلْمُهُمْ بِأَسْبَابِ الْحَوَادِثِ.
ثُمَّ هُمْ إمَّا أَنْ يَجْعَلُوهُ مَعْلُومًا لِوَاجِبِ الْوُجُودِ بِتَوَسُّطِ عَقْلٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ بِغَيْرِ تَوَسُّطِ ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ يُنْكِرُوا أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا وَيَجْعَلُونَهُ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ فَقَوْلُهُمْ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَقْوَالِ فَسَادًا وَإِنْ كَانُوا مَعَ ذَكَائِهِمْ لَا يَهْتَدُونَ لِذَلِكَ وَلَا يَهْتَدِي كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ.
وَكُلُّ مَنْ نَظَرَ إلَى السَّمَاءِ عَلِمَ أَنَّ حَرَكَتَهُ لَيْسَتْ هِيَ السَّبَبَ فِي جَمِيعِ الْحَرَكَاتِ الْعُلْوِيَّةِ فَإِنَّ كَثِيرًا مَا يُقَالُ: إنَّهُ بِحَرَكَتِهِ الْمَشْرِقِيَّةِ يَتَحَرَّكُ كُلُّ مَا فِيهِ مِنْ الْأَفْلَاكِ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ؛ لَكِنْ مَعَ هَذَا لِكُلِّ فَلَكٍ حَرَكَةٌ أُخْرَى تَخُصُّهُ - تُخَالِفُ هَذِهِ الْحَرَكَةَ - فَلَكَ الثَّوَابِتِ وَفَلَكَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ وَهَذِهِ الْحَرَكَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ لَيْسَتْ عَنْ تِلْكَ الْحَرَكَةِ - تُخَالِفُهَا - وَلَا أَفْلَاكُهَا مَعْلُولَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْفَلَكِ التَّاسِعِ.
فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ تَكُونُ بِحَرَكَةِ الْكَوَاكِبِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْ الْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالتَّثْلِيثِ وَالتَّرْبِيعِ وَالتَّسْدِيسِ وَالْقِرَانِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ تِلْكَ

الْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَةِ لَيْسَتْ مَعْلُولَةً عَنْ حَرَكَةِ التَّاسِعِ بَلْ حَرَكَةُ التَّاسِعِ جُزْءُ السَّبَبِ كَمَا أَنَّ حَرَكَةَ كُلِّ فَلَكٍ جُزْءُ السَّبَبِ وَالشَّكْلُ الْفَلَكِيُّ حَادِثٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْحَرَكَتَيْنِ أَوْ الْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ التِّسْعَةَ اقْتَرَنَتْ فَلَهَا سَبْعُ حَرَكَاتٍ بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ - عِنْدَهُمْ - بِحَسَبِ الْأَفْلَاكِ الْأُخَرِ الزَّوَائِدِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهَا بِالْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالْأَفْلَاكِ الْبَدْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَكُونُ بِهِ اسْتِقَامَةُ الْكَوَاكِبِ وَرُجُوعُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ جَعَلَ حَرَكَةَ التَّاسِعِ هِيَ السَّبَبَ فِي جَمِيعِ الْحَوَادِثِ كَانَ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَعِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ ثُمَّ إذَا قُدِّرَ أَنَّهَا سَبَبُ حَرَكَةِ جَمِيعِ الْأَفْلَاكِ فَلَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ مِنْ السُّحُبِ وَالرُّعُودِ وَالْبُرُوقِ وَالْأَمْطَارِ وَالنَّبَاتِ وَأَحْوَالِ الْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّ حَرَكَاتِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ لَيْسَتْ كُلُّهَا عَنْ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ بَلْ فِيهَا قُوًى وَأَسْبَابٌ تُوجِبُ لَهَا حَرَكَاتٌ أُخَرُ كَمَا فِي كُلِّ فَلَكٍ مُبْتَدِئٍ حَرَكَةٌ لَيْسَتْ عَنْ الْفَلَكِ الْآخَرِ.
وَالْحَرَكَاتُ كُلُّهَا: إمَّا " طَبِيعِيَّةٌ " وَإِمَّا " إرَادِيَّةٌ " وَإِمَّا " قَسْرِيَّةٌ " فَالْقَسْرِيَّةُ تَابِعَةٌ لِلْقَاسِرِ وَالطَّبِيعِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَا إحْسَاسَ لِلْمُتَحَرِّكِ بِهَا كَحَرَكَةِ التُّرَابِ إلَى أَسْفَلَ وَالْإِرَادِيَّةُ هِيَ الَّتِي لِلْمُتَحَرِّكِ بِهَا حِسٌّ كَحَرَكَةِ الْحَيَوَانِ فَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ مُتَحَرِّكًا بِطَبْعِ فِيهِ أَوْ إرَادَةٍ فَمَبْدَأُ حَرَكَتِهِ مِنْهُ وَمَا كَانَ مَقْسُورًا فَقَاسِرُهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ إنَّمَا يَقْسِرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ لِقَبُولِ قَسْرِهِ وَذَلِكَ مَعْنًى لَيْسَ

مِنْ الْقَاسِرِ فَحَرَكَاتُ الْأَفْلَاكِ إذَا اجْتَمَعَتْ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بِتَحْرِيكِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ جُزْءًا لِلسَّبَبِ كَمَا نَشْهَدُ أَنَّ الشَّمْسَ جُزْءُ سَبَبٍ فِي نُمُوِّ بَعْضِ الْأَجْسَامِ وَرُطُوبَتِهَا وَيُبْسِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا فَلَهَا مَوَانِعُ وَمُعَارَضَاتٌ؛ إذْ مَا مِنْ سَبَبٍ يُقَدَّرُ إلَّا وَلَهُ مَانِعٌ إرَادِيٌّ أَوْ طَبِيعِيٌّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي دَفْعِ الْبَلَاءِ النَّازِلِ مِنْ السَّمَاءِ وَلِهَذَا أُمِرْنَا بِذَلِكَ عِنْدَ الْكُسُوفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْآيَاتِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِلْعَذَابِ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ﴾ وَأَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْكُسُوفِ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَتَاقَةِ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ الْمَشْهُودَةِ إذَا نَظَرْت إلَيْهَا - وَاحِدًا وَاحِدًا - مِنْ الْفَلَكِ التَّاسِعِ وَغَيْرِهِ وَجَدْتَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ أَصْلًا؛ بَلْ لَا بُدَّ لِلْحَوَادِثِ مِنْ أَسْبَابٍ أُخَرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ جُزْءَ سَبَبٍ وَلَهَا مُعَارَضَاتٌ أُخَرُ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هُوَ الْمُحْدِثُ لِلْحَوَادِثِ الْمَشْهُودَةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ هُوَ الْمُبْدِعُ لِلْأَجْسَامِ الْمُتَحَرِّكَةِ حَرَكَةً تُخَالِفُ حَرَكَتَهُ وَتَدْفَعُ مُوجِبَهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يُوجِبُ مَا يُضَادُّهُ وَيُخَالِفُهُ وَإِذَا كَانَ فِي الْأَجْسَامِ الْمُتَحَرِّكَةِ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ مُوجِبَ الْفَلَكَ - التَّاسِعِ وَمُقْتَضَاهُ -

وَيُضَادُّهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عِلَّةَ الْآخَرِ لِأَنَّ الْمَعْلُولَ لَا يُضَادُّ عِلَّتَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا لَهَا كَمَا أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ ضِدًّا لِنَفْسِهِ وَلَا فَاعِلًا لِنَفْسِهِ فَإِنَّ مُضَادَّتَهُ لِنَفْسِهِ تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ تَابِعًا لِوُجُودِهِ فَيَكُونُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا وَفِعْلُهُ لِنَفْسِهِ مَعَ كَوْنِ الْعِلَّةِ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْمَعْلُولِ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ مَوْجُودَةً مَعْدُومَةً.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ " الْفَلَكَ التَّاسِعَ " إذَا لَمْ تَكُنْ الْحَوَادِثُ وَالْحَرَكَاتُ الَّتِي عَنْ قُوَى الْأَجْسَامِ مِنْهُ وَإِنَّمَا مِنْهُ حَرَكَةٌ عَرَضِيَّةٌ لَهَا فَأَلَّا تَكُونَ نَفْسَ الْأَجْسَامِ وَقُوَاهَا مِنْهُ أَوْلَى وَأَحْرَى وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُحَرِّكَ لِلْأَفْلَاكِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ وَالْمُبْدِعَ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ بِسَبَبِ آخَرَ رَبٌّ غَيْرُهَا هُوَ الَّذِي أَبْدَعَهَا عَلَى صُوَرِهَا الْمُخْتَلِفَةِ وَحَرَّكَهَا بِالْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
ثُمَّ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ إذَا كَانَتْ جُزْءَ السَّبَبِ مِنْ بَعْضِ الْحَوَادِثِ فَإِنَّمَا تَكُونُ جُزْءَ السَّبَبِ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَإِنَّهَا فِي حَالِ ظُهُورِهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَظْهَرُ نُورُهَا وَأَثَرُهَا فَإِذَا أَفَلَتْ انْقَطَعَ نُورُهَا وَأَثَرُهَا فَلَا تَبْقَى حِينَئِذٍ سَبَبًا وَلَا جُزْءًا مِنْ السَّبَبِ وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ فَإِنَّهَا فِي حَالِ أُفُولِهَا قَدْ انْقَطَعَ أَثَرُهَا عَنَّا بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الْمُتَعَلِّقُ بِهَا وَالرَّبُّ الَّذِي يُدْعَى وَيُسْأَلُ وَيُرْجَى وَيُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَيُّومًا يُقَيِّمُ الْعَبْدَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ كَمَا قَالَ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ وَقَالَ: ﴿اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فَهَذَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَنْوَاعِ

النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ يُوجِبُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرْجُو إلَّا اللَّهَ وَلَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَخَافُ إلَّا ذَنْبَهُ فَلِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّهُ لَا تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ إلَّا بِذُنُوبِهِ وَهَذَا يُعْلَمُ بِآيَاتِ الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ وَبِمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا سِرَّ ذَلِكَ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمَوْضِعُ.
وَهَذَا تَحْقِيقُ مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَا يَجِدُهُ الْعَبْدُ مِنْ الْخَيْرِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِهِ وَأَنَّ مَا يَجِدُهُ مِنْ الشَّرِّ فَلَا يَلُومَنَّ فِيهِ إلَّا نَفْسَهُ.
وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ﴾ اعْتِرَافٌ وَإِقْرَارٌ بِالنِّعْمَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَبُوءُ بِذَنْبِي﴾ إقْرَارٌ بِالذَّنْبِ وَلِهَذَا قَالَ؛ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: إنِّي أُصْبِحُ بَيْنَ نِعْمَةٍ وَذَنْبٍ فَأُرِيدُ أَنْ أُحْدِثَ لِلنِّعْمَةِ شُكْرًا وَلِلذَّنْبِ اسْتِغْفَارًا لَكِنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بَعْدَ النِّعْمَةِ وَالتَّوَكُّلُ وَالرَّجَاءُ يَكُونُ قَبْلَ النِّعْمَةِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ

الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} وَفِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا﴾ فَجَمَعَ بَيْنَ حَمْدِهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ وَهُوَ ظُلْمٌ وَجَهْلٌ وَهَذِهِ حَالُ مَنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: مَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا: نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَهُوَ طَعْنٌ فِي الشَّرْعِ أَيْضًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْكَرُوا الْأَسْبَابَ بِالْكُلِّيَّةِ وَجَعَلُوا وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا كَمَا أَنَّ أُولَئِكَ الطبعيين جَعَلُوهَا عِلَلًا مُقْتَضِيَةً وَكَمَا أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ فَرَّقُوا بَيْنَ أَفْعَالِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهَا وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ بَاطِلَةٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَمَنْ قَالَ يُفْعَلُ عِنْدَهَا لَا بِهَا فَقَدْ خَالَفَ لَفْظَ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّ الْحِسَّ وَالْعَقْلَ يَشْهَدُ أَنَّهَا أَسْبَابٌ وَيَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَبْهَةِ وَبَيْنَ الْعَيْنِ فِي اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِقُوَّةِ لَيْسَتْ فِي الْآخَرِ وَبَيْنَ الْخُبْزِ وَالْحَصَى فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا يَحْصُلُ بِهِ الْغِذَاءُ دُونَ الْآخَرِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ بَلْ هُوَ أَيْضًا قَدْحٌ فِي الْعَقْلِ فَإِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مِنْ أَقْوَى الْأَسْبَابِ لِمَا نِيطَ بِهَا فَمَنْ جَعَلَ

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَوْ يَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَهْلًا وَأَشَدِّهِمْ كُفْرًا بَلْ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِيمَا نِيطَ بِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَكَذَلِكَ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِمَا عَلَقَ بِهَا مِنْ الشَّقَاوَاتِ.
وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَالَ خَيْرُ الْخَلْقِ: ﴿إنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةِ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ وَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: ﴿مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ عَلِمَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابِ وَنَدَعُ الْعَمَلَ قَالَ: لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ﴾ . وَكَذَلِك

َ الدُّعَاءُ وَالتَّوَكُّلُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ

لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لَهُ فَمَنْ قَالَ: مَا قُدِّرَ لِي فَهُوَ يَحْصُلُ لِي دَعَوْتُ أَوْ لَمْ أَدْعُ وَتَوَكَّلْتُ أَوْ لَمْ أَتَوَكَّلْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: مَا قُسِمَ لِي مِنْ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ فَهُوَ يَحْصُلُ لِي آمَنْتُ أَوْ لَمْ أُؤْمِنْ وَأَطَعْتُ أَمْ عَصَيْتُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا ضَلَالٌ وَكُفْرٌ؛ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَيْسَ مِثْلَ هَذَا فِي الضَّلَالِ إذْ لَيْسَ تَعْلِيقُ الْمَقَاصِدِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوَكُّلِ كَتَعْلِيقِ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ بِالْإِيمَانِ لَكِنْ لَا رَيْبَ أَنَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ الدُّعَاءَ سَبَبًا لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا جُعِلَ الْعَمَلُ

الصَّالِحُ سَبَبًا لَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ سُبْحَانَهُ بِدُونِ هَذَا السَّبَبِ وَقَدْ يَفْعَلُهُ بِسَبَبِ آخَرَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ الْأَسْبَابَ الْمَشْرُوعَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ مِنْ جَلْبِ الْمَنَافِعِ أَوْ دَفْعِ الْمَضَارِّ قَادِحٌ فِي الشَّرْعِ خَارِجٌ عَنْ الْعَقْلِ وَمِنْ هُنَا غَلِطُوا فِي تَرْكِ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ التَّوَكُّلِ وَالتَّوَكُّلُ مَقْرُونٌ بِالْعِبَادَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وَالْعِبَادَةُ فِعْلُ الْمَأْمُورِ فَمَنْ تَرَكَ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا وَتَوَكَّلَ لَمْ يَكُنْ أَحْسَنَ حَالًا مِمَّنْ عَبَدَهُ وَلَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ بَلْ كِلَاهُمَا عَاصٍ لِلَّهِ تَارِكٌ لِبَعْضِ مَا أُمِرَ بِهِ.
وَالتَّوَكُّلُ يَتَنَاوَلُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ لِيُعِينَهُ عَلَى فِعْلِ مَا أَمَرَ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ لِيُعْطِيَهُ مَا لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ فَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ عَلَى الْأَعْمَالِ وَأَمَّا التَّوَكُّلُ فَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ لِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ الْعِبَادَةَ وَالِاسْتِعَانَةَ عَلَيْهَا بِتَرْكِ التَّوَكُّلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَيْضًا وَآخَرُ يَتَوَكَّلُ بِلَا فِعْلٍ مَأْمُورٍ وَهَذَا هُوَ الْعَجْزُ الْمَذْمُومُ.
كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد {أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا

إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَمَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزَنَّ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ﴾ . فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ مَأْمُورًا أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْقَدَرِ عِنْدَمَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَلَكِنْ عِنْدَ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَائِبِ الَّتِي لَا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهَا فَمَا أَصَابَكَ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّينَ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِمْ اصْبِرْ عَلَيْهِ وَارْضَ وَسَلِّمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ - إمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ وَإِمَّا عَلْقَمَةُ -: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ.
وَلِهَذَا قَالَ آدَمَ لِمُوسَى: أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى؛ لِأَنَّ مُوسَى قَالَ لَهُ: لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنْ الْجَنَّةِ فَلَامَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِسَبَبِ فِعْلِهِ لَا لِأَجْلِ كَوْنِهَا ذَنْبًا وَلِهَذَا احْتَجَّ عَلَيْهِ آدَمَ بِالْقَدَرِ وَأَمَّا كَوْنُهُ لِأَجْلِ الذَّنْبِ كَمَا يَظُنُّهُ طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ فَلَيْسَ مُرَادًا بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ تَابَ مِنْ الذَّنْبِ وَالتَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ

كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ لَوْمُ التَّائِبِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ.
وَ " أَيْضًا " فَإِنَّ آدَمَ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ و

َلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ

بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَسَائِرِ الْعُقَلَاءِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ مَقْبُولًا لَأَمْكَنَ كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَخْطُرُ لَهُ مِنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَيَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ.
وَنَفْسُ الْمُحْتَجِّ بِالْقَدَرِ إذَا اُعْتُدِيَ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ الْمُعْتَدِي بِالْقَدَرِ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ بَلْ يَتَنَاقَضُ وَتَنَاقُضُ الْقَوْلِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ؛ فَالِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ فِي بِدَايَةِ الْعُقُولِ.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَمَا يَظُنُّهُ المباحية المشركية الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالْقَدَرِ دُونَ الْأَمْرِ وَالْقَدَرِيَّةُ الْمَجُوسِيَّةُ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِالْأَمْرِ دُونَ الْقَدَرِ أَوْ ظَنَّ أَنَّ التَّكْلِيفَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَكِنَّ الشَّارِعَ أُطِيعَ فِيهِ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ وَجَعَلَ ذَلِكَ حُجَّةً لَهُ فِي الْأَفْعَالِ لَمْ يَتَضَمَّنْ أَسْبَابًا مُنَاسِبَةً لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ أَنْكَرَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمَحَاسِنِ وَالْمَقَاصِدِ الَّتِي لِلْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمُعَادِ وَجَعَلَ ذَلِكَ الشَّرْعَ مُجَرَّدَ إضَافَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ مُنَاسَبَةٌ وَمُلَاءَمَةٌ وَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ عَلَى وُجُوهٍ لِأَجْلِهَا كَانَتْ حَسَنَةً مَأْمُورًا بِهَا وَكَانَتْ سَيِّئَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا احْتِجَاجًا عَلَى ذَلِكَ بِالْقَدَرِ وَأَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الرَّبِّ هُوَ الْخَالِقُ يَمْتَنِعُ هَذَا كُلُّهُ

فَهُوَ مُخْطِئٌ ضَالٌّ يُعْلَمُ فَسَادُ قَوْلِهِ بِالضَّرُورَةِ وَبِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُقَلَاءُ مَعَ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ.
فَإِنَّ عَامَّةَ بَنِي آدَمَ يُؤْمِنُونَ بِالْقَدَرِ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُعْتَدِينَ حَتَّى الْمَجَانِينَ وَالْبَهَائِمَ يُؤَدَّبُونَ لِكَفِّ عُدْوَانِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُمْ مُقَدَّرَةً وَبِعَفْوِ كُلِّ الْآدَمِيِّينَ عَنْ عُدْوَانِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ أَفْعَالُهُمْ مُقَدَّرَةً فَالْعَبْدُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ وَيَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يَرْضَى بِمَا قُدِّرَ مِنْ الْمَصَائِبِ وَيَسْتَغْفِرَ مِنْ الذُّنُوبِ والمعائب وَلَا يَحْتَجَّ لَهَا بِالْقَدَرِ وَيَشْكُرَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ مِنْ النِّعَمِ وَالْمَوَاهِبِ فَيَجْمَعَ بَيْنَ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ وَالشَّرْعِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مَوْجُودًا فَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ خِطَابُ الْمَعْدُومِ؟ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَإِنْ كَانَتْ اللَّامُ لِلصَّيْرُورَةِ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَمَا صَارَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ اللَّامُ لِلْغَرَضِ لَزِمَ أَنْ لَا يَتَخَلَّفَ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ التَّخَلُّصُ مِنْ هَذَا الْمَضِيقِ؟ وَفِيمَا وَرَدَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآيَاتِ بِالرِّضَاءِ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ﴾ وَفِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فَإِنْ كَانَ الدُّعَاءُ أَيْضًا بِمَا هُوَ كَائِنٌ فَمَا فَائِدَةُ الْأَمْرِ بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَمَّا " الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى " فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْفَرْقُ بَيْنَ خِطَابِ التَّكْوِينِ الَّذِي لَا يَطْلُبُ بِهِ سُبْحَانَهُ فِعْلًا مِنْ الْمُخَاطَبِ بَلْ هُوَ الَّذِي يُكَوِّنُ الْمُخَاطَبَ بِهِ وَيَخْلُقُهُ بِدُونِ فِعْلٍ مِنْ الْمُخَاطَبِ أَوْ قُدْرَةٍ أَوْ إرَادَةٍ أَوْ وُجُودٍ لَهُ وَبَيْنَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَطْلُبُ بِهِ مِنْ الْمَأْمُورِ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا يَفْعَلُهُ بِقُدْرَةِ وَإِرَادَةٍ - وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَمِيعُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ إذْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ - وَهَذَا الْخِطَابُ قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُخَاطَبَ بِهِ الْمَعْدُومُ بِشَرْطِ وُجُودِهِ أَمْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُخَاطَبَ بِهِ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ؟ وَلَا نِزَاعَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْخِطَابِ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ.
وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي الْأَوَّلِ هَلْ هُوَ خِطَابٌ حَقِيقِيٌّ أَمْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِدَارِ وَسُرْعَةِ التَّكْوِينِ بِالْقُدْرَةِ؟ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْدُومَ فِي حَالِ عَدَمِهِ هَلْ هُوَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ إلَى أَنَّهُ شَيْءٌ فِي الْخَارِجِ وَذَاتٌ وَعَيْنٌ.
وَزَعَمُوا أَنَّ الْمَاهِيَّاتِ غَيْرُ مَجْعُولَةٍ وَلَا مَخْلُوقَةٍ وَأَنَّ وُجُودَهَا زَائِدٌ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَكَذَلِكَ ذَهَبَ إلَى هَذَا طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ والاتحادية وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ.

وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ النَّاسِ وَهُوَ قَوْلُ مُتَكَلِّمَةِ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ وَالْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ فِي الْخَارِجِ عَنْ الذِّهْنِ قَبْلَ وُجُودِهِ لَيْسَ بِشَيْءِ أَصْلًا وَلَا ذَاتٍ وَلَا عَيْنٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَارِجِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا حَقِيقَتُهُ وَالْآخَرُ وُجُودُهُ الزَّائِدُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَبْدَعَ الذَّوَاتِ الَّتِي هِيَ الْمَاهِيَّاتُ فَكُلُّ مَا سِوَاهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَمَجْعُولٌ وَمُبْدَعٌ وَمَبْدُوءٌ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَكِنْ فِي هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءِ أَصْلًا وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَيْئًا بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِهِ فِي الْعِلْمِ فَكَانَ مَجَازًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا رَيْبَ أَنَّ لَهُ ثُبُوتًا فِي الْعِلْمِ وَوُجُودًا فِيهِ فَهُوَ بِاعْتِبَارِ هَذَا الثُّبُوتِ وَالْوُجُودِ هُوَ شَيْءٌ وَذَاتٌ.
وَهَؤُلَاءِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ كَمَا فَرَّقَ مَنْ قَالَ الْمَعْدُومُ شَيْءٌ وَلَا يُفَرِّقُونَ فِي كَوْنِ الْمَعْدُومِ لَيْسَ بِشَيْءِ بَيْنَ الْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ كَمَا فَرَّقَ أُولَئِكَ إذْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَيْسَ بِشَيْءِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْمُمْكِنِ.
وَعُمْدَةُ مَنْ جَعَلَهُ شَيْئًا إنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْعِلْمِ؛ وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ صَحَّ أَنْ يُخَصَّ بِالْقَصْدِ وَالْخَلْقِ وَالْخَبَرِ عَنْهُ وَالْأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالُوا: وَهَذِهِ التَّخْصِيصَاتُ تَمْتَنِعُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالْعَدَمِ الْمَحْضِ فَإِنْ خُصَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوُجُودِ الَّذِي هُوَ الثُّبُوتُ الْعَيْنِيُّ وَبَيْنَ الْوُجُودِ الَّذِي هُوَ الثُّبُوتُ الْعِلْمِيُّ زَالَتْ الشُّبْهَةُ فِي هَذَا الْبَابِ.

وقَوْله تَعَالَى ﴿إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ مَعْلُومٌ قَبْلَ إبْدَاعِهِ وَقَبْلَ تَوْجِيهِ هَذَا الْخِطَابِ إلَيْهِ وَبِذَلِكَ كَانَ مُقَدَّرًا مَقْضِيًّا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ وَيَكْتُبُ مِمَّا يَعْلَمُهُ مَا شَاءَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﴿إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اُكْتُبْ فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ . إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ الْمَخْلُوقَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ كَانَ مَعْلُومًا مُخْبَرًا عَنْهُ مَكْتُوبًا فَهُوَ شَيْءٌ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ الْعِلْمِيِّ الْكَلَامِيِّ الْكِتَابِيِّ وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَتُهُ الَّتِي هِيَ وُجُودُهُ الْعَيْنِيُّ لَيْسَ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ بَلْ هُوَ عَدَمٌ مَحْضٌ وَنَفْيٌ صِرْفٌ وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ الْأَرْبَعَةُ الْمَشْهُورَةُ لِلْمَوْجُودَاتِ وَقَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةٍ أَنْزَلَهَا عَلَى نَبِيِّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا إلَى مَنْ تَوَجَّهَتْ إلَيْهِ الْإِرَادَةُ وَتَعَلَّقَتْ

بِهِ الْقُدْرَةُ وَخَلَقَ وَكَوَّنَ كَمَا قَالَ: ﴿إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَاَلَّذِي يُقَالُ لَهُ: كُنْ هُوَ الَّذِي يُرَادُ وَهُوَ حِينَ يُرَادُ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ لَهُ ثُبُوتٌ وَتَمَيُّزٌ فِي الْعِلْمِ وَالتَّقْدِيرِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تَمَيَّزَ الْمُرَادُ الْمَخْلُوقُ مِنْ غَيْرِهِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ التَّقْسِيمِ.
فَإِنَّ قَوْلَ السَّائِلِ: إنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مَوْجُودًا فَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ.
يُقَالُ لَهُ هَذَا إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ وُجُودَهُ الَّذِي هُوَ وُجُودُهُ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ مَوْجُودًا وَلَا هُوَ فِي نَفْسِهِ ثَابِتٌ وَأَمَّا مَا عُلِمَ وَأُرِيدَ وَكَانَ شَيْئًا فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالتَّقْدِيرِ فَلَيْسَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ مُحَالًا؛ بَلْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ لَا تُوجَدُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ.
وَقَوْلُ السَّائِلِ: إنْ كَانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ خِطَابُ الْمَعْدُومِ.
يُقَالُ لَهُ: أَمَّا إذَا قُصِدَ أَنْ يُخَاطَبَ الْمَعْدُومُ فِي الْخِطَابِ بِخِطَابِ يَفْهَمُهُ وَيَمْتَثِلُهُ فَهَذَا مُحَالٌ؛ إذْ مِنْ شَرْطِ الْمُخَاطَبِ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْفَهْمِ وَالْفِعْلِ وَالْمَعْدُومُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَفْهَمَ وَيَفْعَلَ فَيَمْتَنِعُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ لَهُ حَالَ عَدَمِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ حِينَ عَدَمِهِ أَنْ يَفْهَمَ وَيَفْعَلَ وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَمْتَنِعُ أَنْ يُخَاطَبَ الْمَعْدُومُ فِي الْخَارِجِ خِطَابَ تَكْوِينٍ بِمَعْنَى أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ وَأَنَّهُ يُخَاطَبُ بِأَنْ يَكُونَ.

وَأَمَّا الشَّيْءُ الْمَعْلُومُ الْمَذْكُورُ الْمَكْتُوبُ إذَا كَانَ تَوْجِيهُ خِطَابِ التَّكْوِينِ إلَيْهِ مِثْلَ تَوْجِيهِ الْإِرَادَةِ إلَيْهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ مُحَالًا بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُمْكِنٌ بَلْ مِثْلُ ذَلِكَ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ فَيُقَدِّرُ أَمْرًا فِي نَفْسِهِ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيُوَجِّهُ إرَادَتَهُ وَطَلَبَهُ إلَى ذَلِكَ الْمُرَادِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي قَدَّرَهُ فِي نَفْسِهِ وَيَكُونُ حُصُولُ الْمُرَادِ الْمَطْلُوبِ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى حُصُولِهِ حَصَلَ مَعَ الْإِرَادَةِ وَالطَّلَبِ الْجَازِمِ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا لَمْ يَحْصُلْ وَقَدْ يَقُولُ الْإِنْسَانُ لِيَكُنْ كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الطَّلَبِ فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَقَوْلُ السَّائِلِ: قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ إنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّامُ لِلصَّيْرُورَةِ فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَمَا صَارَ ذَلِكَ؟ وَإِنْ كَانَتْ اللَّامُ لِلْغَرَضِ لَزِمَ أَنْ لَا يَتَخَلَّفَ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ عَنْ عِبَادَتِهِ؟ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا التَّخَلُّصُ مِنْ هَذَا الْمَضِيقِ؟ فَيُقَالُ: هَذِهِ اللَّامُ لَيْسَتْ هِيَ اللَّامَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّحَاةُ لَامَ الْعَاقِبَةِ وَالصَّيْرُورَةِ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ هُنَا كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ إلَّا

عَلَى قَوْلِ مَنْ يُفَسِّرُ (يَعْبُدُونَ) بِمَعْنَى يَعْرِفُونَ يَعْنِي الْمَعْرِفَةَ الَّتِي أُمِرَ بِهَا الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ؛ لَكِنَّ هَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ وَإِنَّمَا زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ هُودٍ.
فَإِنَّ بَعْضَ الْقَدَرِيَّةِ زَعَمَ أَنَّ تِلْكَ اللَّامِ لَامُ الْعَاقِبَةِ وَالصَّيْرُورَةِ: أَيْ صَارَتْ عَاقِبَتُهُمْ إلَى الرَّحْمَةِ وَإِلَى الِاخْتِلَافِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ الْخَالِقُ وَجَعَلُوا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ هُنَا لِأَنَّ لَامَ الْعَاقِبَةِ إنَّمَا تَجِيءُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ ومصايرها فَيَفْعَلُ الْفِعْلَ الَّذِي لَهُ عَاقِبَةٌ لَا يَعْلَمُهَا كَآلِ فِرْعَوْنَ فَأَمَّا مَنْ يَكُونُ عَالِمًا بِعَوَاقِبِ الْأَفْعَالِ ومصايرها فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لَهُ عَاقِبَةٌ لَا يَعْلَمُ عَاقِبَتَهُ وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ فِعْلَهُ لَهُ عَاقِبَةٌ فَلَا يَقْصِدُ بِفِعْلِهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَإِنَّ ذَلِكَ تَمَنٍّ وَلَيْسَ بِإِرَادَةِ.
وَأَمَّا اللَّامُ فَهِيَ اللَّامُ الْمَعْرُوفَةُ وَهِيَ لَامُ كَيْ وَلَامُ التَّعْلِيلِ الَّتِي إذَا حُذِفَتْ انْتَصَبَ الْمَصْدَرُ الْمَجْرُورُ بِهَا عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ وَتُسَمَّى الْعِلَّةُ الْغَائِبَةُ وَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ مُتَأَخِّرَةٌ فِي الْوُجُودِ وَالْحُصُولِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ هِيَ الْمُرَادُ الْمَطْلُوبُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْفِعْلِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الْإِرَادَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى نَوْعَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ وَهِيَ الْإِرَادَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِوُقُوعِ الْمُرَادِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللَّهِ﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ هِيَ مَدْلُولُ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ . قَالَ السَّلَفُ خَلَقَ فَرِيقًا لِلِاخْتِلَافِ وَفَرِيقًا لِلرَّحْمَةِ وَلَمَّا كَانَتْ الرَّحْمَةُ هُنَا الْإِرَادَةَ وَهُنَاكَ كَوْنِيَّةً وَقَعَ الْمُرَادُ بِهَا فَقَوْمٌ اخْتَلَفُوا وَقَوْمٌ رَحِمُوا.
وَأَمَّا (النَّوْعُ الثَّانِي: فَهُوَ الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَهِيَ مَحَبَّةُ الْمُرَادِ وَرِضَاهُ وَمَحَبَّةُ أَهْلِهِ وَالرِّضَا عَنْهُمْ وَجَزَاهُمْ بِالْحُسْنَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الْمُرَادِ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ الْإِرَادَةِ وَلِهَذَا كَانَتْ الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةً:

أَحَدُهَا: مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِرَادَتَانِ وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي الْوُجُودِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَهُ إرَادَةَ دِينٍ وَشَرْعٍ؛ فَأَمَرَ بِهِ وَأَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ وَأَرَادَهُ إرَادَةَ كَوْنٍ فَوَقَعَ؛ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ.
والثَّانِي: مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ فَقَطْ.
وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَعَصَى ذَلِكَ الْأَمْرَ الْكُفَّارُ وَالْفُجَّارُ فَتِلْكَ كُلُّهَا إرَادَةُ دِينٍ وَهُوَ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا لَوْ وَقَعَتْ وَلَوْ لَمْ تَقَعْ.
والثَّالِثُ: مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ فَقَطْ وَهُوَ مَا قَدَّرَهُ وَشَاءَهُ مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَمْ يَأْمُرْ بِهَا: كَالْمُبَاحَاتِ وَالْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهَا وَلَمْ يَرْضَهَا وَلَمْ يُحِبَّهَا إذْ هُوَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَلَوْلَا مَشِيئَتُهُ وَقُدْرَتُهُ وَخَلْقُهُ لَهَا لَمَا كَانَتْ وَلَمَا وُجِدَتْ فَإِنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
والرَّابِعُ: مَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ هَذِهِ الْإِرَادَةُ وَلَا هَذِهِ فَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُبَاحَاتِ وَالْمَعَاصِي وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمُقْتَضَى اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ هَذِهِ الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَهَذِهِ قَدْ يَقَعُ مُرَادُهَا وَقَدْ لَا يَقَعُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي يُحِبُّ لَهُمْ وَيَرْضَى لَهُمْ وَاَلَّتِي أُمِرُوا بِفِعْلِهَا هِيَ الْعِبَادَةُ فَهُوَ الْعَمَلُ الَّذِي خَلَقَ الْعِبَادَ لَهُ: أَيْ هُوَ الَّذِي يُحَصِّلُ كَمَالَهُمْ وَصَلَاحَهُمْ الَّذِي بِهِ يَكُونُونَ مَرْضِيِّينَ مَحْبُوبِينَ فَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ مِنْهُ هَذِهِ الْغَايَةُ كَانَ عَادِمًا لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى وَيُرَادُ لَهُ الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي فِيهَا سَعَادَتُهُ وَنَجَاتُهُ وَعَادِمًا

لِكَمَالِهِ وَصَلَاحِهِ الْعَدَمَ الْمُسْتَلْزِمَ فَسَادَهُ وَعَذَابَهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: الْعِبَادَةُ هِيَ الْعَزِيمَةُ أَوْ الْفِطْرِيَّةُ: فَقَوْلَانِ ضَعِيفَانِ فَاسِدَانِ يَظْهَرُ فَسَادُهُمَا مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَقَوْلُهُ فِيمَا وَرَدَ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآيَاتِ فِي الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَعَاصِي بِغَيْرِ قَضَاءِ اللَّهِ فَهُوَ مُحَالٌ وَقَدْحٌ فِي التَّوْحِيدِ وَإِنْ كَانَتْ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَرَاهَتُهَا وَبُغْضُهَا كَرَاهَةٌ وَبُغْضٌ لِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَيُقَالُ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ آيَةٌ وَلَا حَدِيثٌ يَأْمُرُ الْعِبَادَ أَنْ يَرْضَوْا بِكُلِّ مَقْضِيٍّ مُقَدَّرٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ حَسَنِهَا وَسَيِّئِهَا؛ فَهَذَا أَصْلٌ يَجِبُ أَنْ يُعْتَنَى بِهِ وَلَكِنْ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَرْضَوْا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَسْخَطَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ وَذِكْرُ الرَّسُولِ هُنَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِيتَاءَ هُوَ الْإِيتَاءُ الدِّينِيُّ الشَّرْعِيُّ لَا الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي

الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدِ نَبِيًّا﴾ . وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَرْضَى بما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ ذُنُوبًا مِثْلَ أَنْ يَبْتَلِيَهُ بِفَقْرِ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ذُلٍّ وَأَذَى الْخَلْقِ لَهُ فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْمَصَائِبِ وَاجِبٌ وَأَمَّا الرِّضَا بِهَا فَهُوَ مَشْرُوعٌ لَكِنْ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ عَلَى " قَوْلَيْنِ " لِأَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنُحِبَّهُ وَنَرْضَاهُ وَنُحِبَّ أَهْلَهُ وَنَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَنُبْغِضَهُ وَنَسْخَطَهُ وَنُبْغِضَ أَهْلَهُ وَنُجَاهِدَهُمْ بِأَيْدِينَا وَأَلْسِنَتِنَا وَقُلُوبِنَا فَكَيْفَ نَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا نُبْغِضُهُ وَنَكْرَهُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ يَكْرَهُهَا وَهُوَ الْمُقَدِّرُ لَهَا فَكَيْفَ لَا يَكْرَهُهَا مَنْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَكْرَهَهَا وَيُبْغِضَهَا وَهُوَ الْقَائِلُ: ﴿وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّ مِنْ الْقَوْلِ الْوَاقِعِ مَا لَا يَرْضَاهُ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَرْضَى الدِّينَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ فَلَوْ كَانَ يَرْضَى كُلَّ شَيْءٍ لَمَا كَانَ لَهُ خَصِيصَةٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّهُ قَالَ لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَالْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ﴾ وَلَا بُدَّ فِي الْغَيْرَةِ مِنْ كَرَاهَةِ مَا يَغَارُ مِنْهُ وَبُغْضِهِ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا " الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ": فَقَوْلُهُ إذَا جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَإِنْ كَانَ الدُّعَاءُ أَيْضًا مِمَّا هُوَ كَائِنٌ فَمَا فَائِدَةُ الْأَمْرِ بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ؟ فَيُقَالُ: الدُّعَاءُ فِي اقْتِضَائِهِ الْإِجَابَةَ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي اقْتِضَائِهَا الْإِثَابَةَ وَكَسَائِرِ الْأَسْبَابِ فِي اقْتِضَائِهَا الْمُسَبَّبَاتِ وَمَنْ قَالَ: إنَّ الدُّعَاءَ عَلَامَةٌ وَدَلَالَةٌ مَحْضَةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَطْلُوبِ الْمَسْئُولِ لَيْسَ بِسَبَبِ أَوْ هُوَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ لَا أَثَرَ لَهُ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ وُجُودًا وَلَا عَدَمًا؛ بَلْ مَا يَحْصُلُ بِالدُّعَاءِ يَحْصُلُ

بِدُونِهِ فَهُمَا قَوْلَانِ ضَعِيفَانِ فَإِنَّ اللَّهَ عَلَّقَ الْإِجَابَةَ بِهِ تَعْلِيقَ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةِ لَيْسَ فِيهَا إثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلَّا أَعْطَاهُ بِهَا إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ: إمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ مِثْلَهَا وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ الشَّرِّ مِثْلَهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إذًا نُكْثِرُ قَالَ اللَّهُ أَكْثَرُ﴾ فَعَلَّقَ الْعَطَايَا بِالدُّعَاءِ تَعْلِيقَ الْوَعْدِ وَالْجَزَاءِ بِالْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنِّي لَا أَحْمِلُ هَمَّ الْإِجَابَةِ وَإِنَّمَا أَحْمِلُ هَمَّ الدُّعَاءِ فَإِذَا أُلْهِمْتُ الدُّعَاءَ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ مَعَهُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَأَيْضًا فَالْوَاقِعُ الْمَشْهُودُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَيُبَيِّنُهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِثْلُهُ فِي سَائِرِ الْأَسْبَابِ وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَذَا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ وقَوْله تَعَالَى عَنْ زَكَرِيَّا: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلَى الْبَرِّ إذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ {إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ

لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنْ شَاءَ أَوْبَقَهُنَّ؛ فَاجْتَمَعَ أَخْذُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَعَفْوُهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا مَعَ عِلْمِ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِهِ أَنَّهُ مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ يَعْلَمُ الْمُورِدُ لِلشُّبُهَاتِ فِي الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى رُبُوبِيَّةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ لَا مُخَلِّصَ لَهُ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ.
كَقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ . فَإِنَّ الْمَعَارِفَ الَّتِي تَحْصُلُ فِي النَّفْسِ بِالْأَسْبَابِ الِاضْطِرَارِيَّةِ أَثْبَتُ وَأَرْسَخُ مِنْ الْمَعَارِفِ الَّتِي يُنْتِجُهَا مُجَرَّدُ النَّظَرِ الْقِيَاسِيِّ - الَّذِي يَنْزَاحُ عَنْ النُّفُوسِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ - هَلْ الرَّبُّ مُوجِبٌ بِذَاتِهِ.
فَلَا يَكُونُ هُوَ الْمُحْدِثَ لِلْحَوَادِثِ ابْتِدَاءً وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْدِثَ شَيْئًا وَلَا يُغَيِّرَ الْعَالَمَ حَتَّى يُدْعَى وَيُسْأَلَ؟ وَهَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالتَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ.
وَقَادِرٌ عَلَى تَصْرِيفِ الْأَحْوَالِ حَتَّى يُسْأَلَ التَّحْوِيلَ مَنْ حَالٍ إلَى حَالٍ؟ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يَزْعُمُهُ مَنْ يَزْعُمُهُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الضُّلَّالِ فَيَجْتَمِعُ مَعَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَفْوِ مِنْ ذِي الْجَلَالِ عِلْمُ أَهْلِ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ أَنَّهُ لَا مَحِيصَ لَهُمْ عَمَّا أَوْقَعَ بِمَنْ جَادَلُوا فِي آيَاتِهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ.
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا وَأَشْبَاهِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَالدِّيَانَاتِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الدُّعَاءَ وَالسُّؤَالَ هُوَ سَبَبٌ لِنَيْلِ الْمَطْلُوبِ الْمَسْئُولِ

لَيْسَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ وَلَا هُوَ عَلَامَةٌ مَحْضَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ يُقِرُّ بِهِ جَمَاهِيرُ بَنِي آدَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ لَكِنَّ طَوَائِفَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْمَشَّائِينَ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ مُتَفَلْسِفَةِ أَهْلِ الْمِلَلِ كَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمَا - مِمَّنْ خَلَطَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْفِقْهِ وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ - يَزْعُمُونَ أَنَّ تَأْثِيرَ الدُّعَاءِ فِي نَيْلِ الْمَطْلُوبِ كَمَا يَزْعُمُونَهُ فِي تَأْثِيرِ سَائِرِ الْمُمْكِنَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْقُوَى الْفَلَكِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ وَالْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ فَيَجْعَلُونَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الدُّعَاءِ هُوَ مِنْ تَأْثِيرِ النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُثْبِتُوا لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ عِلْمًا مُفَصَّلًا أَوْ قُدْرَةً عَلَى تَغْيِيرِ الْعَالَمِ أَوْ أَنْ يُثْبِتُوا أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ غَيْرَ مَا فَعَلَ لَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُمْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَجْمَعَ عِظَامَ الْإِنْسَانِ وَيُسَوِّيَ بَنَانَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ لَهَا وَلِقُوَاهَا فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الدُّعَاءُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ فَمَا فَائِدَةُ الْأَمْرِ بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ؟ فَيُقَالُ: الدُّعَاءُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَا يَجِبُ كَوْنًا بَلْ إذَا أَمَرَ اللَّهُ الْعِبَادَ بِالدُّعَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُطِيعُهُ فَيُسْتَجَابُ لَهُ دُعَاؤُهُ وَيَنَالُ طُلْبَتَهُ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَعْلُومَ الْمَقْدُورَ هُوَ الدُّعَاءُ وَالْإِجَابَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْصِيهِ فَلَا يَدْعُو فَلَا يُحَصِّلُ مَا عُلِّقَ بِالدُّعَاءِ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَعْلُومِ الْمَقْدُورِ الدُّعَاءُ وَلَا الْإِجَابَةُ فَالدُّعَاءُ الْكَائِنُ هُوَ

الَّذِي تَقَدَّمَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ كَائِنٌ وَالدُّعَاءُ الَّذِي لَا يَكُونُ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَةُ الْأَمْرِ فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ الدُّعَاءِ قِيلَ الْأَمْرُ هُوَ سَبَبٌ أَيْضًا فِي امْتِثَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ فَالدُّعَاءُ سَبَبٌ يَدْفَعُ الْبَلَاءَ فَإِذَا كَانَ أَقْوَى مِنْهُ دَفَعَهُ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْبَلَاءِ أَقْوَى لَمْ يَدْفَعْهُ لَكِنْ يُخَفِّفُهُ وَيُضْعِفُهُ وَلِهَذَا أُمِرَ عِنْدَ الْكُسُوفِ وَالْآيَاتِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ الْأَقْضِيَةِ هَلْ هِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِلْحِكْمَةِ أَمْ لَا؟ فَإِذَا كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِلْحِكْمَةِ.
فَهَلْ أَرَادَ مِنْ النَّاسِ مَا هُمْ فَاعِلُوهُ؟ وَإِذَا كَانَتْ الْإِرَادَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فَمَا مَعْنَى وُجُودِ الْعُذْرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَدْ أَحَاطَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَحُكْمًا؛ وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَمَا مِنْ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي إلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِتَمَامِ الْعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ وَكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَمَا خَلَقَ الْخَلْقَ بَاطِلًا وَلَا فَعَلَ شَيْئًا عَبَثًا بَلْ هُوَ الْحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ثُمَّ مِنْ حِكْمَتِهِ مَا أَطْلَعَ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ مَا اسْتَأْثَرَ سُبْحَانَهُ بِعِلْمِهِ.
وَإِرَادَتِهِ " قِسْمَانِ ": إرَادَةُ أَمْرٍ وَتَشْرِيعٍ وَإِرَادَةُ قَضَاءٍ وَتَقْدِيرٍ.
فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّاعَاتِ دُونَ الْمَعَاصِي سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَوْ لَمْ تَقَعْ.
كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ .

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ إرَادَةُ التَّقْدِيرِ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ الْحَادِثَاتِ وَقَدْ أَرَادَ مِنْ الْعَالَمِ مَا هُمْ فَاعِلُوهُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ وَفِي قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ تَتَنَاوَلُ مَا حَدَثَ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي دُونَ مَا لَمْ يَحْدُثْ كَمَا أَنَّ الْأُولَى تَتَنَاوَلُ الطَّاعَاتِ حَدَثَتْ أَوْ لَمْ تَحْدُثْ وَالسَّعِيدُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُ تَقْدِيرًا مَا أَرَادَ بِهِ تَشْرِيعًا وَالْعَبْدُ الشَّقِيُّ مَنْ أَرَادَ بِهِ تَقْدِيرًا مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ تَشْرِيعًا وَالْحُكْمُ يَجْرِي عَلَى وَفْقِ هَاتَيْنِ الْإِرَادَتَيْنِ فَمَنْ نَظَرَ إلَى الْأَعْمَالِ بِهَاتَيْنِ الْعَيْنَيْنِ كَانَ بَصِيرًا وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْقَدَرِ دُونَ الشَّرْعِ أَوْ الشَّرْعِ دُونَ الْقَدَرِ كَانَ أَعْوَرَ مِثْلَ قُرَيْشٍ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ﴾ . فَإِنَّ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا أَنَّ كُلَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ وَكَوْنَهُ وَهِيَ - الْإِرَادَةُ الْقَدَرِيَّةُ - فَقَدْ أَمَرَ بِهِ وَرَضِيَهُ دُونَ الْإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ شِرْكَهُمْ بِغَيْرِ شَرْعٍ مِمَّا قَدْ شَاءَ اللَّهُ وُجُودَهُ قَالُوا: فَيَكُونُ قَدْ رَضِيَهُ وَأَمَرَ بِهِ قَالَ اللَّهُ: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بِالشَّرَائِعِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ {حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ

عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} بِأَنَّ اللَّهَ شَرَعَ الشِّرْكَ وَتَحْرِيمَ مَا حَرَّمْتُمُوهُ.
﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ فِي هَذَا ﴿إلَّا الظَّنَّ﴾ وَهُوَ تَوَهُّمُكُمْ أَنَّ كُلَّ مَا قَدَّرَهُ فَقَدْ شَرَعَهُ ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ﴾ أَيْ تُكَذِّبُونَ وَتَفْتَرُونَ بِإِبْطَالِ شَرِيعَتِهِ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ عَلَى خَلْقِهِ حِينَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ فَدَعَوْهُمْ إلَى تَوْحِيدِهِ وَشَرِيعَتِهِ وَمَعَ هَذَا فَلَوْ شَاءَ هَدَى الْخَلْقَ أَجْمَعِينَ إلَى مُتَابَعَةِ شَرِيعَتِهِ لَكِنَّهُ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَيَهْدِيَهُ فَضْلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَيَحْرِمُ مَنْ يَشَاءُ لِأَنَّ الْمُتَفَضِّلَ لَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ وَلَهُ أَنْ لَا يَتَفَضَّلَ فَتَرْكُ تَفَضُّلِهِ عَلَى مَنْ حَرَمَهُ عَدْلٌ مِنْهُ وَقِسْطٌ.
وَلَهُ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ.
وَهُوَ يُعَاقِبُ الْخَلْقَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ وَإِرَادَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِهِ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ الْقَدَرَ كَمَا جَرَى بِالْمَعْصِيَةِ جَرَى أَيْضًا بِعِقَابِهَا كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ يُقَدِّرُ عَلَى الْعَبْدِ أَمْرَاضًا تُعْقِبُهُ آلَامًا فَالْمَرَضُ بِقَدَرِهِ وَالْأَلَمُ بِقَدَرِهِ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِالذَّنْبِ فَلَا أُعَاقَبُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمَرِيضِ قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِالْمَرَضِ فَلَا أَتَأَلَّمُ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِأَكْلِ الْحَارِّ فَلَا يُحَمُّ مِزَاجِي أَوْ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالضَّرْبِ فَلَا يَتَأَلَّمُ الْمَضْرُوبُ وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ جَهْلٌ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ؛ بَلْ اعْتِلَالُهُ بِالْقَدَرِ ذَنْبٌ ثَانٍ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ أَيْضًا وَإِنَّمَا اعْتَلَّ بِالْقَدَرِ إبْلِيسُ حَيْثُ قَالَ: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وَأَمَّا آدَمَ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ سَعَادَتَهُ أَلْهَمَهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ نَحْوَهُ -

وَمَنْ أَرَادَ شَقَاوَتَهُ اعْتَلَّ بِعِلَّةِ إبْلِيسَ أَوْ نَحْوِهَا.
فَيَكُونُ كَالْمُسْتَجِيرِ مِنْ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ.
وَمَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ طَارَ إلَى دَارِهِ شَرَارَةُ نَارٍ؛ فَقَالَ لَهُ الْعُقَلَاءُ: أَطْفِئْهَا لِئَلَّا تحرق الْمَنْزِلَ فَأَخَذَ يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ هَذِهِ رِيحٌ أَلْقَتْهَا وَأَنَا لَا ذَنْبَ لِي فِي هَذِهِ النَّارِ فَمَا زَالَ يَتَعَلَّلُ بِهَذِهِ الْعِلَلِ حَتَّى اسْتَعَرَتْ وَانْتَشَرَتْ وَأَحْرَقَتْ الدَّارَ وَمَا فِيهَا.
هَذِهِ حَالُ مَنْ شَرَعَ يُحِيلُ الذُّنُوبَ عَلَى الْمَقَادِيرِ وَلَا يَرُدُّهَا بِالِاسْتِغْفَارِ وَالْمَعَاذِيرِ.
بَلْ حَالُهُ أَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ بِالذَّنْبِ الَّذِي فَعَلَهُ بِخِلَافِ الشَّرَارَةِ فَإِنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهَا.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاكُمْ وَسَائِرَ إخْوَانِنَا لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ فَإِنَّهَا لَا تُنَالُ طَاعَتُهُ إلَّا بِمَعُونَتِهِ وَلَا تُتْرَكُ مَعْصِيَتُهُ إلَّا بِعِصْمَتِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - عَنْ الْأَقْضِيَةِ: هَلْ هِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِلْحِكْمَةِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِلْحِكْمَةِ: فَهَلْ أَرَادَ مِنْ النَّاسِ مَا هُمْ فَاعِلُوهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَتْ الْإِرَادَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ: فَمَا مَعْنَى وُجُودِ الْعُذْرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَعَمْ لِلَّهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فِي أَقْضِيَتِهِ وَأَقْدَارِهِ وَإِنْ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْعِبَادَ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِمَ عِلْمًا وَعَلَّمَهُ لِعِبَادِهِ أَوْ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ وَعَلِمَ عِلْمًا لَمْ يُعَلِّمْهُ لِعِبَادِهِ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ . وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ مِنْ الْعِبَادِ مَا هُمْ فَاعِلُوهُ إرَادَةَ تَكْوِينٍ كَمَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَكَمَا قَالَ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ . وَكَمَا قَالَ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وَكَمَا قَالَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وَكَمَا قَالَ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا

بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} . وَلَكِنْ لَمْ يُرِدْ الْمَعَاصِيَ مِنْ أَصْحَابِهَا إرَادَةَ أَمْرٍ وَشَرْعٍ وَمَحَبَّةٍ وَرِضًى وَدِينٍ بَلْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . وَبِالتَّقْسِيمِ وَالتَّفْصِيلِ فِي الْمَقَالِ يَزُولُ الِاشْتِبَاهُ وَيَنْدَفِعُ الضَّلَالُ وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْقَوَاعِدِ إذْ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: مَا مَعْنَى وُجُودِ الْعُذْرِ؟ فَالْمَعْذُورُ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّهُ مَعْذُورٌ هُوَ مَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْفِعْلِ مَعَ إرَادَتِهِ لَهُ: كَالْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ وَالْفَقِيرِ الْعَاجِزِ عَنْ الْإِنْفَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ وَلَا مُعَاقَبِينَ عَلَى مَا تَرَكُوهُ وَكَذَلِكَ الْعَاجِزُ عَنْ السَّمَاعِ وَالْفَهْمِ: كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ؛ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.

وَأَمَّا مَنْ جُعِلَ مُحِبًّا مُخْتَارًا رَاضِيًا بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ حَتَّى فَعَلَهَا فَلَيْسَ مَجْبُورًا عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ وَلَا مُكْرَهًا عَلَى مَا يَرْضَاهُ فَكَيْفَ يُسَمَّى هَذَا مَعْذُورًا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى مَغْرُورًا وَلَكِنَّ بَسْطَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى الْحِكْمَةِ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ فَهَذَا مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَهَذَا الْمَكَانُ لَا يَسَعُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

فِي الْفُرُوقِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا كَوْنُ الْحَسَنَةِ مِنْ اللَّهِ وَالسَّيِّئَةِ مِنْ النَّفْسِ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

يَقْتَرِنُ بِهِ مَوْجُودٌ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، وَالنَّفْسُ بِطَبْعِهَا تُحَرِّكُهُ فَإِنَّهَا حَيَّةٌ * ، وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاةِ، وَلِهَذَا أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ وَالْهُمَامُ، وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ رِيشَةٍ مُلْقَاةٍ﴾ إلَخْ.
وَفِيهِ ﴿الْقَلْبُ أَشَدُّ تَقَلُّبًا مِنْ الْقِدْرِ إذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا﴾ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنْ هَدَاهَا اللَّهُ عَلَّمَهَا مَا يَنْفَعُهَا وَمَا يَضُرُّهَا، فَأَرَادَتْ مَا يَنْفَعُهَا وَتَرَكَتْ مَا يَضُرُّهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ تَفَضَّلَ عَلَى بَنِي آدَمَ بِأَمْرَيْنِ؛ هُمَا أَصْلُ السَّعَادَةِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَلِمُسْلِمِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ مَرْفُوعًا ﴿إنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ﴾ الْحَدِيثَ.
فَالنَّفْسُ بِفِطْرَتِهَا إذَا تُرِكَتْ كَانَتْ مُحِبَّةً لِلَّهِ تَعْبُدُهُ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ يُفْسِدُهَا مَنْ يُزَيِّنُ لَهَا مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الْآيَةَ.
وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَدَى النَّاسَ هِدَايَةً عَامَّةً، بِمَا جَعَلَ فِيهِمْ مِنْ الْعَقْلِ، وَبِمَا أَنْزَلَ إلَيْهِمْ مِنْ الْكُتُبِ، وَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ مِنْ الرُّسُلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ وَقَالَ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَقْتَضِي مَعْرِفَتَهُ بِالْحَقِّ وَمَحَبَّتَهُ لَهُ، وَقَدْ هَدَاهُ إلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الْعِلْمِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى سَعَادَةِ الْآخِرَةِ، وَجَعَلَ فِي فِطْرَتِهِ مَحَبَّةً لِذَلِكَ.

لَكِنْ قَدْ يُعْرِضُ الْإِنْسَانُ عَنْ طَلَبِ عِلْمِ مَا يَنْفَعُهُ وَذَلِكَ الْإِعْرَاضُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ، لَكِنَّ النَّفْسَ مِنْ لَوَازِمِهَا الْإِرَادَةُ وَالْحَرَكَةُ فَإِنَّهَا حَيَّةٌ حَيَاةً طَبِيعِيَّةً، لَكِنَّ سَعَادَتَهَا أَنْ تَحْيَا الْحَيَاةَ النَّافِعَةَ فَتَعْبُدَ اللَّهَ، وَمَتَى لَمْ تَحْيَا هَذِهِ الْحَيَاةَ كَانَتْ مَيِّتَةً، وَكَانَ مَا لَهَا مِنْ الْحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ مُوجِبًا لِعَذَابِهَا، فَلَا هِيَ حَيَّةٌ مُتَنَعِّمَةٌ بِالْحَيَاةِ، وَلَا مَيِّتَةٌ مُسْتَرِيحَةٌ مِنْ الْعَذَابِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ لَمَّا كَانَ فِي الدُّنْيَا لَيْسَ بِحَيِّ الْحَيَاةَ النَّافِعَةَ وَلَا مَيِّتًا عَدِيمَ الْإِحْسَاسِ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ كَذَلِكَ، وَالنَّفْسُ إنْ عَلِمَتْ الْحَقَّ وَأَرَادَتْهُ فَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ إنْعَامِ اللَّهِ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَهِيَ بِطَبْعِهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ مَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ؛ وَمُرَادَاتٍ سَيِّئَةٍ؛ فَهَذَا تَرَكَّبَ مِنْ كَوْنِهَا لَمْ تَعْرِفْ اللَّهَ وَلَمْ تَعْبُدْهُ وَهَذَا عَدَمٌ.
وَالْقَدَرِيَّةُ يَعْتَرِفُونَ بِهَذَا، وَبِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مُرِيدًا، لَكِنْ يَجْعَلُونَهُ مُرِيدًا بِالْقُوَّةِ وَالْقَبُولِ، أَيْ قَابِلًا لِأَنْ يُرِيدَ هَذَا وَهَذَا، وَأَمَّا كَوْنُهُ مُرِيدًا لِهَذَا الْمُعَيَّنِ وَهَذَا الْمُعَيَّنِ، فَهَذَا عِنْدَهُمْ لَيْسَ مَخْلُوقًا لِلَّهِ، وَغَلِطُوا بَلْ اللَّهُ خَالِقُ هَذَا كُلِّهِ، وَهُوَ الَّذِي أَلْهَمَ النَّفْسَ فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا﴾ إلَخْ " وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ إبْرَاهِيمَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ أَئِمَّةً يَدْعُونَ بِأَمْرِهِ، وَجَعَلَ آلَ فِرْعَوْنَ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ، وَلَكِنَّ هَذَا.
. . 1 * إلَى اللَّهِ لِوَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ عِلَّتِهِ الغائية، وَمِنْ جِهَةِ سَبَبِهِ:

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

أَمَّا الْعِلَّةُ الغائية: فَإِنَّهُ إنَّمَا خَلَقَهُ لِحِكْمَةِ هُوَ بِاعْتِبَارِهَا خَيْرٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا إضَافِيًّا، فَإِذَا أُضِيفَ مُفْرَدًا تَوَهَّمَ الْمُتَوَهِّمُ مَذْهَبَ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشَّرَّ الْمَحْضَ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ لِأَحَدِ، لَا لِحِكْمَةِ وَلَا لِرَحْمَةِ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ يُبْطِلُ هَذَا، كَمَا إذَا قِيلَ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ كَانَ هَذَا ذَمًّا لَهُمْ، وَكَانَ بَاطِلًا، وَإِذَا قِيلَ يُجَاهِدُونَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَيَقْتُلُونَ مَنْ مَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ كَانَ هَذَا مَدْحًا لَهُمْ وَكَانَ حَقًّا.
فَإِذَا قِيلَ: إنَّ الرَّبَّ تَعَالَى حَكِيمٌ رَحِيمٌ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْهِ وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْهِ، لَا يَفْعَلُ إلَّا خَيْرًا، وَمَا خَلَقَهُ مِنْ أَلَمٍ لِبَعْضِ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ أَعْمَالِهِ الْمَذْمُومَةِ، فَلَهُ فِيهِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَنِعْمَةٌ جَسِيمَةٌ، كَانَ هَذَا حَقًّا وَهُوَ مَدْحٌ لِلرَّبِّ.
وَأَمَّا إذَا قِيلَ يَخْلُقُ الشَّرَّ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا مَنْفَعَةَ لِأَحَدِ، وَلَا لَهُ فِيهِ حِكْمَةٌ وَلَا رَحْمَةٌ وَيُعَذِّبُ النَّاسَ بِلَا ذَنْبٍ لَمْ يَكُنْ مَدْحًا لَهُ بَلْ الْعَكْسُ، وَقَدْ بَيَّنَّا بَعْضَ مَا فِي خَلْقِ جَهَنَّمَ وَإِبْلِيسَ وَالسَّيِّئَاتِ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ أَعْظَمُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَالْحُبَّ وَالرِّضَا لِذَاتِهِ وَلِإِحْسَانِهِ هَذَا حَمْدُ شُكْرٍ، وَذَاكَ حَمْدٌ مُطْلَقًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا أَنَّ مَا خَلَقَهُ فَهُوَ نِعْمَةٌ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الشُّكْرَ، وَهُوَ مِنْ آلَائِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾

جارٍ التحميل