مجموع الفتاوىصفحات 179-218

الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:

صفحات 179-218
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

لِلْوَعِيدِ كَمَا أَنَّ مُشَاقَّ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يُوجِبُ الْوَعِيدَ بِمُجَرَّدِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ الْآخَرُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ لَكَانَ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ.
وَهُنَا لِلنَّاسِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ.
وَقِيلَ: بَلْ مُخَالَفَةُ الرَّسُولِ مُسْتَقِلَّةٌ بِالذَّمِّ فَكَذَلِكَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ مُسْتَقِلٌّ بِالذَّمِّ وَقِيلَ: بَلْ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ يُوجِبُ الذَّمَّ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ لَكِنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي مُفَارَقَةَ الْأَوَّلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لَهُ فَكُلُّ مُتَابِعٍ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُشَاقٌّ لِلرَّسُولِ وَكَذَلِكَ مُشَاقُّ الرَّسُولِ مُتَّبِعٌ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا كَمَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ وَطَاعَةَ الرَّسُولِ وَاجِبَةٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ مُوجِبٌ لِلذَّمِّ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ؛ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي؛ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ؛ وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي: إذَا أَمَرَ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ فَطَاعَتُهُ مِنْ طَاعَتِي وَكُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ عَصَى الرَّسُولَ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ

بِهِ بَلْ مَنْ أَطَاعَ رَسُولًا وَاحِدًا فَقَدْ أَطَاعَ جَمِيعَ الرُّسُلِ وَمَنْ آمَنَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَقَدْ آمَنَ بِالْجَمِيعِ وَمَنْ عَصَى وَاحِدًا مِنْهُمْ فَقَدْ عَصَى الْجَمِيعَ وَمَنْ كَذَّبَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَقَدْ كَذَّبَ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَسُولٍ يُصَدِّقُ الْآخَرَ وَيَقُولُ: إنَّهُ رَسُولٌ صَادِقٌ وَيَأْمُرُ بِطَاعَتِهِ فَمَنْ كَذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِي صَدَّقَهُ وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى مَنْ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدًا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّا مُعَاشِرُ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ . و

َدِينُ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ الْإِسْلَامُ

كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.

وَهُوَ: الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَطَاعَةُ كُلِّ نَبِيٍّ هِيَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إذْ ذَاكَ وَاسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ النَّسْخِ ثُمَّ لَمَّا أَمَرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ صَارَ اسْتِقْبَالُهَا مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَبْقَ اسْتِقْبَالُ الصَّخْرَةَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ وَلِهَذَا خَرَجَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُمْ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ وَتَصْدِيقَ رَسُولِهِ واعتاضوا عَنْ ذَلِكَ بِمُبَدَّلٍ أَوْ مَنْسُوخٍ.
وَهَكَذَا كُلُّ مُبْتَدِعٍ دِينًا خَالَفَ بِهِ سُنَّةَ الرَّسُولِ لَا يَتَّبِعُ إلَّا دِينًا مُبَدَّلًا أَوْ مَنْسُوخًا فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ كَانَ مَشْرُوعًا لِنَبِيٍّ ثُمَّ نُسِخَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ شُرِعَ قَطُّ؛ فَهَذَا كَالْأَدْيَانِ الَّتِي شَرَعَهَا الشَّيَاطِينُ عَلَى أَلْسِنَةِ أَوْلِيَائِهِمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وَقَالَ:.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ . وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ إذَا قَالَ أَحَدُهُمْ بِرَأْيِهِ شَيْئًا يَقُولُ: إنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ؛ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ

مِنْهُ كَمَا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ؛ فَإِنَّهُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ أَوْ لَا يَكُونَ؛ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِشَرْعِ غَيْرِهِ؛ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ فَهَذَا الثَّالِثُ الْمُبَدَّلُ كَأَدْيَانِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ وَمَا كَانَ شَرْعًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ لَا يُوَافِقُ شَرْعَهُ فَقَدْ نُسِخَ كَالسَّبْتِ وَتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي ظُفُرٍ وَشَحْمِ الثَّرْبِ وَالْكُلْيَتَيْنِ؛ فَإِنَّ اتِّخَاذَ السَّبْتِ عِيدًا وَتَحْرِيمَ هَذِهِ الطَّيِّبَاتِ قَدْ كَانَ شَرْعًا لِمُوسَى ثُمَّ نُسِخَ؛ بَلْ قَدْ قَالَ الْمَسِيحُ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ الْمَسِيحِ بَعْضَ مَا كَانَ حَرَامًا فِي شَرْعِ مُوسَى.
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَالشِّرْكُ كُلُّهُ مِنْ الْمُبَدَّلِ لَمْ يَشْرَعْ اللَّهُ الشِّرْكَ قَطُّ كَمَا قَالَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلَّا نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يُحَرِّمُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ،

كَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ والحام وَغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ مِنْ الدِّينِ الْمُبَدَّلِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ ذَلِكَ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَذَكَرَ تَعَالَى مَا حَرَّمَهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى لِسَانِ مُوسَى فِي الْأَنْعَامِ فَقَالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْدَ هَذَا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ . فَبَيَّنَ أَنَّ مَا حَرَّمَهُ الْمُشْرِكُونَ لَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَلَا لِسَانِ مُحَمَّدٍ وَهَذَانِ هُمَا اللَّذَانِ جَاءَا بِكِتَابٍ فِيهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إمَامًا وَرَحْمَةً﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وَقَالَتْ الْجِنُّ لَمَّا سَمِعَتْ الْقُرْآنَ: ﴿إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ:

إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجَانِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَكَذَلِكَ قَالَ النَّجَاشِيُّ.
فَالْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ هُمَا كِتَابَانِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَأْتِ مِنْ عِنْدِهِ كِتَابٌ أَهْدَى مِنْهُمَا كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ وَاَلَّذِي فِيهِمَا دِينٌ وَاحِدٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَمْرَ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَفِيهِ التَّوْحِيدُ قَوْلًا وَعَمَلًا كَمَا فِي سُورَتَيْ الْإِخْلَاصِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . وَأَمَّا الزَّبُورُ فَإِنَّ دَاوُد لَمْ يَأْتِ بِغَيْرِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَإِنَّمَا فِي الزَّبُورِ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَدُعَاءٌ وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ بِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فَأَحَلَّ لَهُمْ بَعْضَ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ فِي الْأَكْثَرِ مُتَّبِعٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ.
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِمَنْ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ التَّوْرَاةَ وَيَتَّبِعَ مَا فِيهَا؛ إذْ كَانَ الْإِنْجِيلُ تَبَعًا لَهَا.
وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَمْ يحوج أَصْحَابَهُ إلَى كِتَابٍ آخَرَ بَلْ اشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الْكُتُبِ مِنْ الْمَحَاسِنِ؛ وَعَلَى زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا تُوجَدُ فِي الْكُتُبِ؛ فَلِهَذَا كَانَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ

وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ يُقَرِّرُ مَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ وَيُبْطِلُ مَا حُرِّفَ مِنْهَا وَيَنْسَخُ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ فَيُقَرِّرُ الدِّينَ الْحَقَّ وَهُوَ جُمْهُورُ مَا فِيهَا وَيُبْطِلُ الدِّينَ الْمُبَدَّلَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَالْقَلِيلَ الَّذِي نُسِخَ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْمَنْسُوخَ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُحْكَمِ الْمُقَرَّرِ.
وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَتَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ مُسْتَلْزِمٌ تَصْدِيقَ سَائِرِهِمْ وَطَاعَةُ بَعْضِهِمْ تَسْتَلْزِمُ طَاعَةَ سَائِرِهِمْ وَكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ وَالْمَعْصِيَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَذِّبَ نَبِيٌّ نَبِيًّا بَلْ إنْ عَرَفَهُ صَدَّقَهُ وَإِلَّا فَهُوَ يَصْدُقُ بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُطْلَقًا وَهُوَ يَأْمُرُ بِطَاعَةِ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ مَنْ صَدَّقَ مُحَمَّدًا فَقَدْ صَدَّقَ كُلَّ نَبِيٍّ؛ وَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ كُلَّ نَبِيٍّ وَمَنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ كَذَّبَ كُلَّ نَبِيٍّ؛ وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى كُلَّ نَبِيٍّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . وَمَنْ كَذَّبَ هَؤُلَاءِ تَكْذِيبًا بِجِنْسِ الرِّسَالَةِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُكَذِّبُ الْجَمِيعَ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وَلَمْ

يُرْسِلْ إلَيْهِمْ قَبْلَ نُوحٍ أَحَدًا وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ والمتفلسفة طَاعِنًا فِي جِنْسِ الرُّسُلِ كَمَا قَدَّمْنَا بِأَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا الْحَقَّ أَوْ لَمْ يُبَيِّنُوهُ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ كَاَلَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ الْوَلِيدِ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ . وَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِجِنْسِ الرِّسَالَةِ لَكِنْ يَكْذِبُ بَعْضُ الرُّسُلِ كَالْمَسِيحِ وَمُحَمَّدٍ فَهَؤُلَاءِ لَمَّا آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ كَانُوا كَافِرِينَ حَقًّا وَكَثِيرٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ لَا يُكَذِّبُ الرُّسُلَ تَكْذِيبًا صَرِيحًا وَلَا يُؤْمِنُ بِحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ بَلْ يُقِرُّ بِفَضْلِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ كَوْنِهِ يَقُولُ: إنَّ غَيْرَهُمْ أَعْلَمُ

مِنْهُمْ؛ أَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَيِّنُوا الْحَقَّ أَوْ لَبَّسُوهُ؛ أَوْ إنَّ النُّبُوَّةَ هِيَ فَيْضٌ يَفِيضُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ مِنْ جِنْسِ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ وَلَا يُقِرُّ بِمَلَائِكَةٍ مُفَضَّلِينَ وَلَا بِالْجِنِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ يُقِرُّونَ بِبَعْضِ صِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ دُونَ بَعْضٍ؛ وَبِمَا أُوتُوهُ دُونَ بَعْضٍ وَلَا يُقِرُّونَ بِجَمِيعِ مَا أُوتِيَهُ الْأَنْبِيَاءُ وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمْ شَرًّا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ أَقَرُّوا بِجَمِيعِ صِفَاتِ النُّبُوَّةِ لَكِنْ كَذَّبُوا بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ هَؤُلَاءِ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ؛ إذْ كَانَ هَؤُلَاءِ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَيُقِرُّونَ بِقِيَامِ الْقِيَامَةِ وَيُقِرُّونَ بِأَنَّهُ تَجِبُ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُقِرُّونَ بِالشَّرَائِعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
وَأُولَئِكَ يُكَذِّبُونَ بِهَذَا وَإِنَّمَا يُقِرُّونَ بِبَعْضِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَلِهَذَا كَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَقَلَّ كُفْرًا مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الْبَاطِنِيَّةِ والمتفلسفة وَنَحْوِهِمْ لَكِنْ مَنْ كَانَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَدْ دَخَلَ مَعَ هَؤُلَاءِ فَقَدْ جَمَعَ نَوْعَيْ الْكُفْرِ؛ إذْ لَمْ يُؤْمِنْ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِمْ وَلَا بِجَمِيعِ أَعْيَانِهِمْ وَهَؤُلَاءِ مَوْجُودُونَ فِي دُوَلِ الْكُفَّارِ كَثِيرًا كَمَا يُوجَدُ أَيْضًا فِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ إذْ كَانُوا فِي دَوْلَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ كَانُوا مُنَافِقِينَ فِيهِمْ مِنْ النِّفَاقِ بِحَسَبِ مَا فِيهِمْ

مِنْ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقُ يَتَبَعَّضُ وَالْكُفْرُ يَتَبَعَّضُ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلَّا خَسَارًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ وَقَالَ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ . وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْكَلَامِ لَا يَرُدُّونَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَاب إلَّا مَا يَقُولُونَ: إنَّهُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ مِثْلَ تَثْلِيثِ النَّصَارَى وَمِثْلَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ وَلَا يُنَاظِرُونَهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَهَذَا تَقْصِيرٌ مِنْهُمْ وَمُخَالَفَةٌ لِطَرِيقَةِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُبَيِّنُ فِي الْقُرْآنِ مَا خَالَفُوا بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَيَذُمُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ كَانَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ يَتَعَلَّقُ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَإِذَا تَبَيَّنَ مَا خَالَفُوا فِيهِ الْأَنْبِيَاءَ ظَهَرَ كُفْرُهُمْ.

وَأُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ لَمَّا أَصَّلُوا لَهُمْ دِينًا بِمَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْكَلَامِ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَعْرَاضِ عَلَى حُدُوثِ الْأَجْسَامِ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا هُوَ أُصُولُ الدِّينِ وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ حَقًّا لَكَانَ ذَلِكَ جُزْءًا مِنْ الدِّينِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ بَاطِلًا؟ وَقَدْ ذَكَرْت فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ لِلْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ مَا يَظْهَرُ بِهِ مِنْ كُفْرِهِمْ مَا يَظْهَرُ؛ وَلِهَذَا قِيلَ فِيهِ " الْجَوَابُ الصَّحِيحُ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ " وَخِطَابُهُمْ فِي مَقَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَبْدِيلُهُمْ لِدِينِ الْمَسِيحِ.
وَالثَّانِي: تَكْذِيبُهُمْ لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْيَهُودُ خِطَابُهُمْ فِي تَكْذِيبِ مَنْ بَعْدَ مُوسَى إلَى الْمَسِيحِ ثُمَّ فِي تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ إلَى أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ أَعْرَضُوا

عَنْ كِتَابِ اللَّهِ مُطْلَقًا وَاتَّبَعُوا السِّحْرَ.
فَقَالَ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . وَالنَّصَارَى نَذُمُّهُمْ عَلَى الْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ وَعَلَى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ والرهبانية الَّتِي ابْتَدَعُوهَا وَلَا نَحْمَدُهُمْ عَلَيْهَا إذْ كَانُوا قَدْ ابْتَدَعُوهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ لَكِنْ إذَا كَانَ صَاحِبُهَا قَاصِدًا لِلْحَقِّ فَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ فَيَبْقَى عَمَلُهُ ضَائِعًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الضَّلَالُ الَّذِي يُعْذَرُ صَاحِبُهُ فَلَا يُعَاقَبُ وَلَا يُثَابُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَإِنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ يُعَاقَبُ بِنَفْسِ الْغَضَبِ وَالضَّالَّ فَاتَهُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الرَّحْمَةُ وَالثَّوَابُ وَلَكِنْ قَدْ لَا يُعَاقَبُ كَمَا عُوقِبَ ذَلِكَ بَلْ يَكُونُ مَلْعُونًا مَطْرُودًا وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نفيل: أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لَهُ: لَنْ تَدْخُلَ فِي دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ نَصِيبَك مِنْ غَضَبِ اللَّهِ.
وَقَالَ لَهُ النَّصَارَى: حَتَّى تَأْخُذَ نَصِيبَك مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَطَائِفَةٌ: إنَّ جَهَنَّمَ طَبَقَاتٌ فَالْعُلْيَا لِعُصَاةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا لِلنَّصَارَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا لِلْيَهُودِ.
فَجَعَلُوا الْيَهُودَ تَحْتَ النَّصَارَى

وَالْقُرْآنُ قَدْ شَهِدَ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودَ يُوجِدُونَ أَشَدَّ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّا نَصَارَى وَشِدَّةُ الْعَدَاوَةِ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ فَالْيَهُودُ أَقْوَى كُفْرًا مِنْ النَّصَارَى وَإِنْ كَانَ النَّصَارَى أَجْهَلَ وَأَضَلَّ لَكِنَّ أُولَئِكَ يُعَاقَبُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ إذْ كَانُوا عَرَفُوا الْحَقَّ وَتَرَكُوهُ عِنَادًا فَكَانُوا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ وَهَؤُلَاءِ بِالضَّلَالِ حُرِمُوا أَجْرَ الْمُهْتَدِينَ وَلُعِنُوا وَطُرِدُوا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْمُهْتَدُونَ ثُمَّ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ فَلَمْ يُؤْمِنُوا اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ إذْ كَانَ اسْمُ الضَّلَالِ عَامًّا.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ بَلْ يَضِلُّ عَنْ الْحَقِّ مَنْ قَصَدَ الْحَقَّ وَقَدْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ فَعَجَزَ عَنْهُ فَلَا يُعَاقَبُ وَقَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ مَا أُمِرَ بِهِ فَيَكُونُ لَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَخَطَؤُهُ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ مَغْفُورٌ لَهُ.
وَكَثِيرٌ مِنْ مُجْتَهِدِي السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَدْ قَالُوا وَفَعَلُوا مَا هُوَ بِدْعَةٌ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بِدْعَةٌ إمَّا لِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ظَنُّوهَا صَحِيحَةً وَإِمَّا لِآيَاتِ فَهِمُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُرَدْ مِنْهَا وَإِمَّا لِرَأْيٍ رَأَوْهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَمْ تَبْلُغْهُمْ.

وَإِذَا اتَّقَى الرَّجُلُ رَبَّهُ مَا اسْتَطَاعَ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: " قَدْ فَعَلْت " وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الرَّسُولَ بَيَّنَ جَمِيعَ الدِّينِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ - إجْمَاعُ الْأُمَّةِ - حَقٌّ؛ فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ حَقٌّ يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ.
وَالْآيَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي يُحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى مَوْرِدِ النِّزَاعِ؛ فَإِنَّ الذَّمَّ فِيهَا لِمَنْ جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ أَوْ لِمَنْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي بِهَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَهِيَ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ أَوْ أَنَّ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ فَهَذَا وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَا تَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: بَلْ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا وَتَكَلَّفُوا لِذَلِكَ مَا تَكَلَّفُوهُ كَمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ كَلَامِهِمْ وَلَمْ يُجِيبُوا عَنْ أَسْئِلَةِ أُولَئِكَ بِأَجْوِبَةٍ شَافِيَةٍ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ الْوَسَطُ: أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَحْرِيمِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ وَلَكِنْ مَعَ تَحْرِيمِ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ كُلٍّ مِنْ هَذَا وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ لَا يَنْفِي تَلَازُمَهُمَا كَمَا ذُكِرَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: الذَّمُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا لِمُشَاقَّةِ الرَّسُولِ فَقَطْ؛ أَوْ بِاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ فَقَطْ؛ أَوْ أَنْ يَكُونَ الذَّمُّ لَا يَلْحَقُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ بِهِمَا إذَا اجْتَمَعَا؛ أَوْ يَلْحَقُ الذَّمُّ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ انْفَرَدَ عَنْ الْآخَرِ؛ أَوْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِلْآخَرِ.
وَالْأَوَّلَانِ بَاطِلَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُؤَثِّرُ أَحَدَهُمَا فَقَطْ كَانَ ذِكْرُ الْآخَرِ ضَائِعًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَكَوْنُ الذَّمِّ لَا يَلْحَقُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاطِلٌ قَطْعًا؛ فَإِنَّ مُشَاقَّةَ الرَّسُولِ مُوجِبَةٌ لِلْوَعِيدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنْ اتَّبَعَهُ؛ وَلُحُوقُ الذَّمِّ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ انْفَرَدَ عَنْ الْآخَرِ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ؛ فَإِنَّ الْوَعِيدَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَجْمُوعِ.
بَقِيَ الْقِسْمُ الْآخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَصْفَيْنِ يَقْتَضِي الْوَعِيدَ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْآخَرِ كَمَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَمُخَالَفَةِ الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ فَيُقَالُ: مَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ أَوْ مَنْ خَرَجَ عَنْ الْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ فَإِنَّ الْكُفْرَ بِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ بِغَيْرِهِ فَمَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ كَفَرَ

بِالْجَمِيعِ وَمَنْ كَفَرَ بِالْمَلَائِكَةِ كَفَرَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ فَكَانَ كَافِرًا بِاَللَّهِ إذْ كَذَّبَ رُسُلَهُ وَكُتُبَهُ وَكَذَلِكَ إذَا كَفَرَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ كَذَّبَ الْكُتُبَ وَالرُّسُلَ فَكَانَ كَافِرًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذَمَّهُمْ عَلَى الْوَصْفَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُقْتَضٍ لِلذَّمِّ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ وَلِهَذَا نَهَى عَنْهُمَا جَمِيعًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فَإِنَّهُ مَنْ لَبَّسَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فَغَطَّاهُ بِهِ فَغَلِطَ بِهِ لَزِمَ أَنْ يَكْتُمَ الْحَقَّ الَّذِي تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاطِلٌ؛ إذْ لَوْ بَيَّنَهُ زَالَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَبِسَ بِهِ الْحَقُّ.
فَهَكَذَا مُشَاقَّةُ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ شَاقَّهُ فَقَدْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَمَنْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ فَقَدْ شَاقَّهُ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ مُدْخَلًا فِي الْوَعِيدِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَصْفٌ مُؤَثِّرٌ فِي الذَّمِّ فَمَنْ خَرَجَ عَنْ إجْمَاعِهِمْ فَقَدْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ قَطْعًا وَالْآيَةُ تُوجِبُ ذَمَّ ذَلِكَ.
وَإِذَا قِيلَ: هِيَ إنَّمَا ذِمَّتُهُ مَعَ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ.
قُلْنَا: لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَنْصُوصًا عَنْ الرَّسُولِ فَالْمُخَالِفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ لِلرَّسُولِ كَمَا أَنَّ الْمُخَالِفَ لِلرَّسُولِ مُخَالِفٌ لِلَّهِ وَلَكِنْ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ قَدْ بَيَّنَهُ الرَّسُولُ؛ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.

فَلَا يُوجَدُ قَطُّ مَسْأَلَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا إلَّا وَفِيهَا بَيَانٌ مِنْ الرَّسُولِ وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ وَيَعْلَمُ الْإِجْمَاعَ.
فَيَسْتَدِلُّ بِهِ كَمَا أَنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِالنَّصِّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ دَلَالَةَ النَّصِّ وَهُوَ دَلِيلٌ ثَانٍ مَعَ النَّصِّ كَالْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ فِي الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ دَلِيلٌ آخَرُ كَمَا يُقَالُ: قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ مَعَ تَلَازُمِهَا؛ فَإِنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَعَنْ الرَّسُولِ أُخِذَ فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كِلَاهُمَا مَأْخُوذٌ عَنْهُ وَلَا يُوجَدُ مَسْأَلَةٌ يَتَّفِقُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا إلَّا وَفِيهَا نَصٌّ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ النَّاسُ يَذْكُرُ مَسَائِلَ فِيهَا إجْمَاعٌ بِلَا نَصٍّ كَالْمُضَارَبَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُضَارَبَةُ كَانَتْ مَشْهُورَةً بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا سِيَّمَا قُرَيْشٌ؛ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ كَانَ عَلَيْهِمْ التِّجَارَةُ وَكَانَ أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ يَدْفَعُونَهَا إلَى الْعُمَّالِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَافَرَ بِمَالِ غَيْرِهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَمَا سَافَرَ بِمَالِ خَدِيجَةَ وَالْعِيرُ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ كَانَ أَكْثَرُهَا مُضَارَبَةً مَعَ أَبِي سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُسَافِرُونَ بِمَالِ غَيْرِهِمْ مُضَارَبَةً وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ وَالسُّنَّةُ: قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ وَإِقْرَارُهُ.
فَلَمَّا أَقَرَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِالسُّنَّةِ.

وَالْأَثَرُ الْمَشْهُورُ فِيهَا عَنْ عُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ لَمَّا أَرْسَلَ أَبُو مُوسَى بِمَالٍ أَقْرَضَهُ لِابْنَيْهِ وَاتَّجَرَا فِيهِ وَرَبِحَا وَطَلَبَ عُمَرُ أَنْ يَأْخُذَ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِكَوْنِهِ خَصَّهُمَا بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: لَوْ خَسِرَ الْمَالَ كَانَ عَلَيْنَا فَكَيْفَ يَكُونُ لَك الرِّبْحُ وَعَلَيْنَا الضَّمَانُ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: اجْعَلْهُ مُضَارِبًا فَجَعَلَهُ مُضَارَبَةً وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ وَالْعَهْدَ بِالرَّسُولِ قَرِيبٌ لَمْ يَحْدُثْ بَعْدَهُ فَعَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ كَمَا كَانَتْ الْفِلَاحَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الصِّنَاعَاتِ كَالْخِيَاطَةِ وَالْجِزَارَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَالْمَسَائِلُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا قَدْ تَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ لَمْ يَعْرِفُوا فِيهَا نَصًّا فَقَالُوا فِيهَا بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ الْمُوَافِقِ لِلنَّصِّ لَكِنْ كَانَ النَّصُّ عِنْدَ غَيْرِهِمْ.
وَابْنُ جَرِيرٍ وَطَائِفَةٌ يَقُولُونَ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إلَّا عَنْ نَصٍّ نَقَلُوهُ عَنْ الرَّسُولِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ الْقِيَاسِ.
وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ عَلِمُوا النَّصَّ فَنَقَلُوهُ بِالْمَعْنَى كَمَا تُنْقَلُ الْأَخْبَارُ لَكِنْ اسْتَقْرَأْنَا مَوَارِدَ الْإِجْمَاعِ فَوَجَدْنَاهَا كُلَّهَا مَنْصُوصَةً وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَعْلَمْ النَّصَّ وَقَدْ وَافَقَ الْجَمَاعَةُ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَحْتَجُّ بِقِيَاسٍ وَفِيهَا إجْمَاعٌ لَمْ يَعْلَمْهُ فَيُوَافِقُ الْإِجْمَاعَ وَكَمَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ خَاصٌّ وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِعُمُومِ كَاسْتِدْلَالِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:

سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْد الطُّولَى أَيْ: بَعْدَ الْبَقَرَةِ؛ وَقَوْلُهُ: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يَقْتَضِي انْحِصَارَ الْأَجَلِ فِي ذَلِكَ فَلَوْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعُدَّ بِأَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ لَمْ يَكُنْ أَجْلُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا أَدْخَلُوهَا فِي عُمُومِ الْآيَتَيْنِ وَجَاءَ النَّصُّ الْخَاصُّ فِي قِصَّةِ سبيعة الأسلمية بِمَا يُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْمُفَوَّضَةِ إذَا مَاتَ زَوْجُهَا: هَلْ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؟ أَفْتَى ابْنُ مَسْعُودٍ فِيهَا بِرَأْيِهِ أَنَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ ثُمَّ رَوَوْا حَدِيثَ بروع بِنْتِ وَاشِقٍ بِمَا يُوَافِقُ ذَلِكَ وَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَغَيْرُهُمَا فَقَالُوا: لَا مَهْرَ لَهَا.
فَثَبَتَ أَنَّ بَعْضَ الْمُجْتَهِدِينَ قَدْ يُفْتِي بِعُمُومٍ أَوْ قِيَاسٍ وَيَكُونُ فِي الْحَادِثَةِ نَصٌّ خَاصٌّ لَمْ يَعْلَمْهُ فَيُوَافِقُهُ وَلَا يَعْلَمُ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً اتَّفَقُوا عَلَى إنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا؛ بَلْ عَامَّةُ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَحْتَجُّ فِيهِ بِالنُّصُوصِ أُولَئِكَ احْتَجُّوا بِنَصٍّ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلُ وَهَؤُلَاءِ احْتَجُّوا بِشُمُولِ الْآيَتَيْنِ لَهَا وَالْآخَرِينَ قَالُوا: إنَّمَا يَدْخُلُ فِي آيَةِ الْحَمْلِ فَقَطْ وَأَنَّ آيَةَ الشُّهُورِ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ كَمَا أَنَّ آيَةَ الْقُرُوءِ فِي غَيْرِ الْحَامِلِ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْحَرَامِ احْتَجَّ مَنْ جَعَلَهُ يَمِينًا بِقَوْلِهِ: {لِمَ تُحَرِّمُ

مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ . وَكَذَلِكَ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْمَبْتُوتَةِ: هَلْ لَهَا نَفَقَةٌ أَوْ سُكْنَى؟ احْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ وَبِأَنَّ السُّكْنَى الَّتِي فِي الْقُرْآنِ لِلرَّجْعِيَّةِ وَأُولَئِكَ قَالُوا: بَلْ هِيَ لَهُمَا.
وَدَلَالَاتُ النُّصُوصِ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً فَخَصَّ اللَّهُ بِفَهْمِهِنَّ بَعْضَ النَّاسِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ: إلَّا فَهْمًا يُؤْتِيه اللَّهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ النَّصُّ بَيِّنًا وَيُذْهِلُ الْمُجْتَهِدُ عَنْهُ كَتَيَمُّمِ الْجُنُبِ فَإِنَّهُ بَيَّنَ فِي الْقُرْآنِ فِي آيَتَيْنِ وَلَمَّا احْتَجَّ أَبُو مُوسَى عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ قَالَ: الْحَاضِرُ: مَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَرْخَصَنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ أَحَدُهُمْ إذَا وَجَدَ الْمَرْءُ الْبَرْدَ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَجَابِرٌ: إنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِي الْقُرْآنِ هِيَ الرَّجْعِيَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وَأَيُّ أَمْرٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ؟ وَقَدْ احْتَجَّ طَائِفَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَاحْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ مَنْعِ الْفَسْخِ وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: إنَّمَا أُمِرَ

بِالْإِتْمَامِ فَقَطْ وَكَذَلِكَ أَمَرَ الشَّارِعُ أَنْ يَتِمَّ وَكَذَلِكَ فِي الْفَسْخِ قَالُوا: مَنْ فَسَخَ الْعُمْرَةَ إلَى غَيْرِ حَجٍّ فَلَمْ يُتِمَّهَا أَمَّا إذَا فَسَخَهَا لِيَحُجَّ مِنْ عَامِهِ فَهَذَا قَدْ أَتَى بِمَا تَمَّ مِمَّا شَرَعَ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ شَرَعَ فِي حَجٍّ مُجَرَّدٍ فَأَتَى بِعُمْرَةٍ فِي الْحَجِّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا إتْمَامًا لَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
وَتَنَازَعُوا فِي الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِقْصَائِهِ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةٌ مُجَرَّدَةٌ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَدِلُّ فِيهَا بِنَصٍّ جَلِيٍّ وَلَا خَفِيٍّ فَهَذَا مَا لَا أَعْرِفُهُ.
وَالْجَدُّ لَمَّا قَالَ أَكْثَرُهُمْ: إنَّهُ أَبٌ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ كَانَتْ الْجِنُّ تَظُنُّ أَنَّ الْإِنْسَ تُسَمِّي أَبَا الْأَبِ جَدًّا لَمَا قَالَتْ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ يَقُولُ: إنَّمَا هُوَ أَبٌ لَكِنْ أَبٌ أَبْعَدُ مِنْ أَبٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ أَنَّهُمَا احْتَجَّا بِقِيَاسِ فَمَنْ ادَّعَى إجْمَاعَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ مُطْلَقًا فَقَدْ غَلِطَ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ مِنْ الْمَسَائِلِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَّا بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ فَقَدْ غَلِطَ بَلْ

كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فَمَنْ رَأَى دَلَالَةَ الْكِتَابِ ذَكَرَهَا وَمَنْ رَأَى دَلَالَةَ الْمِيزَانِ ذَكَرَهَا وَالدَّلَائِلُ الصَّحِيحَةُ لَا تَتَنَاقَضُ لَكِنْ قَدْ يَخْفَى وَجْهُ اتِّفَاقِهَا أَوْ ضَعْفُ أَحَدِهَا عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
وَلِلصَّحَابَةِ فَهْمٌ فِي الْقُرْآنِ يَخْفَى عَلَى أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا أَنَّ لَهُمْ مَعْرِفَةً بِأُمُورٍ مِنْ السُّنَّةِ وَأَحْوَالُ الرَّسُولِ لَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّهُمْ شَهِدُوا الرَّسُولَ وَالتَّنْزِيلَ وَعَايَنُوا الرَّسُولَ وَعَرَفُوا مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ مِمَّا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى مُرَادِهِمْ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ فَطَلَبُوا الْحُكْمَ مَا اعْتَقَدُوا مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ الْإِجْمَاعَ مُسْتَنَدُ مُعْظَمِ الشَّرِيعَةِ فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِ؛ فَإِنَّهُ لِنَقْصِ مَعْرِفَتِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: إنَّ أَكْثَرَ الْحَوَادِثِ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْقِيَاسِ لِعَدَمِ دَلَالَةِ النُّصُوصِ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّمَا هَذَا قَوْلُ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَدَلَالَتِهِمَا عَلَى الْأَحْكَامِ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّهُ مَا مِنْ مَسْأَلَةٍ إلَّا وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا الصَّحَابَةُ أَوْ فِي نَظِيرِهَا فَإِنَّهُ لَمَّا فُتِحَتْ الْبِلَادُ وَانْتَشَرَ الْإِسْلَامُ حَدَثَتْ جَمِيعُ أَجْنَاسِ الْأَعْمَالِ فَتَكَلَّمُوا فِيهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ بِالرَّأْيِ فِي مَسَائِلَ قَلِيلَةٍ وَالْإِجْمَاعُ لَمْ يَكُنْ يَحْتَجُّ بِهِ عَامَّتُهُمْ وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ؛ إذْ هُمْ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ فَلَا إجْمَاعَ قَبْلَهُمْ لَكِنْ لَمَّا جَاءَ التَّابِعُونَ كَتَبَ عُمَرُ إلَى شريح؛ اقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ

اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِمَا بِهِ قَضَى الصَّالِحُونَ قَبْلَك.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَبِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ.
وَعُمَرُ قَدَّمَ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةَ وَكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ وَعُمَرُ قَدَّمَ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ يُفْتِي بِمَا فِي الْكِتَابِ ثُمَّ بِمَا فِي السُّنَّةِ ثُمَّ بِسُنَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ﴾ وَهَذِهِ الْآثَارُ ثَابِتَةٌ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَهُمْ مِنْ أَشْهَرِ الصَّحَابَةِ بِالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالُوا: يَبْدَأُ الْمُجْتَهِدُ بِأَنْ يَنْظُرَ أَوَّلًا فِي الْإِجْمَاعِ فَإِنْ وَجَدَهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ وَجَدَ نَصًّا خَالَفَهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِنَصٍّ لَمْ يَبْلُغْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ؛ الْإِجْمَاعُ نَسَخَهُ وَالصَّوَابُ طَرِيقَةُ السَّلَفِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا خَالَفَهُ نَصٌّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِجْمَاعِ نَصٌّ مَعْرُوفٌ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّصُّ الْمُحْكَمُ قَدْ ضَيَّعَتْهُ الْأُمَّةُ وَحَفِظَتْ النَّصَّ الْمَنْسُوخَ فَهَذَا لَا يُوجَدُ قَطُّ وَهُوَ نِسْبَةُ الْأُمَّةِ إلَى حِفْظِ مَا نُهِيَتْ عَنْ اتِّبَاعِهِ وَإِضَاعَةِ مَا أُمِرَتْ بِاتِّبَاعِهِ وَهِيَ مَعْصُومَةٌ عَنْ ذَلِكَ وَمَعْرِفَةُ الْإِجْمَاعِ قَدْ تَتَعَذَّرُ كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا فَمَنْ ذَا الَّذِي

يُحِيطُ بِأَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ؟ بِخِلَافِ النُّصُوصِ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهَا مُمْكِنَةٌ مُتَيَسِّرَةٌ.
وَهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَقْضُونَ بِالْكِتَابِ أَوَّلًا لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْكِتَابَ فَلَا يَكُونُ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ مَنْسُوخٌ بِالسُّنَّةِ بَلْ إنْ كَانَ فِيهِ مَنْسُوخٌ كَانَ فِي الْقُرْآنِ نَاسِخُهُ فَلَا يُقَدِّمُ غَيْرَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ ثُمَّ إذَا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ طَلَبَهُ فِي السُّنَّةِ وَلَا يَكُونُ فِي السُّنَّةِ شَيْءٌ مَنْسُوخٌ إلَّا وَالسُّنَّةُ نَسَخَتْهُ لَا يَنْسَخُ السُّنَّةَ إجْمَاعٌ وَلَا غَيْرُهُ؛ وَلَا تُعَارَضُ السُّنَّةُ بِإِجْمَاعِ وَأَكْثَرُ أَلْفَاظِ الْآثَارِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالطَّالِبُ قَدْ لَا يَجِدُ مَطْلُوبَهُ فِي السُّنَّةِ مَعَ أَنَّهُ فِيهَا وَكَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَيَجُوزُ لَهُ إذَا لَمْ يَجِدْهُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ يَطْلُبَهُ فِي السُّنَّةِ وَإِذَا كَانَ فِي السُّنَّةِ لَمْ يَكُنْ مَا فِي السُّنَّةِ مُعَارِضًا لِمَا فِي الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ الصَّحِيحُ لَا يُعَارِضُ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً.
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَصَلَوَاتِهِ عَلَى خَيْرِ بَرِيَّتِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَ كَلَامٍ لَهُ: وَنَحْنُ نَذْكُرُ " قَاعِدَةً جَامِعَةً " فِي هَذَا الْبَابِ لِسَائِرِ الْأُمَّةِ فَنَقُولُ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِنْسَانِ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ تُرَدُّ إلَيْهَا الْجُزْئِيَّاتُ لِيَتَكَلَّمَ بِعِلْمِ وَعَدْلٍ ثُمَّ يَعْرِفُ الْجُزْئِيَّاتِ كَيْفَ وَقَعَتْ؟ * وَإِلَّا فَيَبْقَى فِي كَذِبٍ وَجَهْلٍ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَجَهْلٍ وَظُلْمٍ فِي الْكُلِّيَّاتِ فَيَتَوَلَّدُ فَسَادٌ عَظِيمٌ.
فَنَقُولُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَخْطِئَتِهِمْ وَتَأْثِيمِهِمْ وَعَدَمِ تَأْثِيمِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ أُصُولًا جَامِعَةً نَافِعَةً: الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ هَلْ يُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَعْرِفَ بِاجْتِهَادِهِ الْحَقَّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا نِزَاعٌ؟ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ فَاجْتَهَدَ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فَلَمْ يَصِلْ إلَى الْحَقِّ؛ بَلْ قَالَ: مَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ هُوَ الْحَقُّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: هَلْ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاقَبَ أَمْ لَا؟ هَذَا أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الْأَصْلِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ كُلُّ قَوْلٍ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ النُّظَّارِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ دَلِيلًا يُعْرَفُ بِهِ يَتَمَكَّنُ كُلُّ مَنْ اجْتَهَدَ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ أَوْ فروعية فَإِنَّمَا هُوَ لِتَفْرِيطِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ لَا لِعَجْزِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: أَمَّا الْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ فَعَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ تُعْرَفُ بِهَا فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَفْرِغْ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فَيَأْثَمُ.
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَهُمْ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَالْعِلْمِيَّةِ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ مَسْأَلَةٍ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ مَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ آثِمٌ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ أَصْلِيَّةٍ وَفَرْعِيَّةٍ وَكُلُّ مَنْ سِوَى الْمُصِيبِ فَهُوَ آثِمٌ؛ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ وَالْخَطَأُ وَالْإِثْمُ عِنْدَهُمْ مُتَلَازِمَانِ وَهَذَا قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيَّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَسَائِلَ الْعَمَلِيَّةَ إنْ كَانَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَهُ

آثِمٌ مُخْطِئٌ كَالْعِلْمِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ فِي الْبَاطِنِ وَحُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ.
وَهَؤُلَاءِ وَافَقُوا الْأَوَّلِينَ فِي أَنَّ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَانِ وَإِنَّ كُلَّ مُخْطِئٍ آثِمٌ؛ لَكِنْ خَالَفُوهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ فَقَالُوا: لَيْسَ فِيهَا قَاطِعٌ وَالظَّنُّ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَيْلِ النُّفُوسِ إلَى شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَجَعَلُوا الِاعْتِقَادَاتِ الظَّنِّيَّةَ مِنْ جِنْسِ الْإِرَادَاتِ وَادَّعَوْا أَنَّهُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حُكْمٌ مَطْلُوبٌ بِالِاجْتِهَادِ وَالْإِثْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَمَارَةٌ أَرْجَحُ مِنْ أَمَارَةٍ وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ أَبِي الهذيل الْعَلَّافِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كالجبائي وَابْنِهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَشْهُرُهُمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي الْبَاقِلَانِي وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ ابْنِ الْعَرَبِيِّ؛ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بَسْطًا كَثِيرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ كَأَبِي إسْحَاقَ الإسفراييني وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: هَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فَهُوَ مُصِيبٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ إذْ لَا يَتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا إلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأُمُورِ وَذَلِكَ الَّذِي خَفِيَ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ لَا

فِي حَقِّهِ وَلَا فِي حَقِّ أَمْثَالِهِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُخْطِئًا وَهُوَ الْمُخْطِئُ فِي الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ فَهُوَ آثِمٌ عِنْدَهُمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُسْتَدِلَّ قَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْرِفَ الْحَقَّ وَقَدْ يَعْجَزُ عَنْ ذَلِكَ لَكِنْ إذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ يُعَاقِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ لَا يُعَاقِبُهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرَ لِمَنْ يَشَاءُ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا؛ بَلْ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْجَهْمِيَّة وَالْأَشْعَرِيَّةِ؛ وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ وَأَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ هَؤُلَاءِ: قَدْ عُلِمَ بِالسَّمْعِ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ فَهُوَ فِي النَّارِ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُعَذِّبُهُ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ اجْتَهَدَ وَعَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُخْتَلِفُونَ: فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الفروعيات فَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: لَا عَذَابَ فِيهَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لِأَنَّ الشَّارِعَ عَفَا عَنْ الْخَطَأِ فِيهَا وَعَلِمَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ إثْمٌ عَلَى الْمُخْطِئِ فِيهَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الظَّنِّيَّاتِ مُمْتَنِعٌ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ الْجَهْمِيَّة وَالْأَشْعَرِيَّةِ.
وَأَمَّا الْقَطْعِيَّاتُ فَأَكْثَرُهُمْ يُؤَثِّمُ الْمُخْطِئَ فِيهَا وَيَقُولُ: إنَّ السَّمْعَ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤَثِّمُهُ.
وَالْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ هَذَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُؤَثِّمُ الْمُخْطِئَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ

هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ وَأَنْكَرَ جُمْهُورُ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا الْقَوْلَ وَأَمَّا غَيْرُ هَؤُلَاءِ فَيَقُولُ: هَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ وَالثَّوْرِيِّ ودَاوُد بْنِ عَلِيٍّ؛ وَغَيْرِهِمْ لَا يؤثمون مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الفروعية كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمْ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَابِيَّة وَيُصَحِّحُونَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُمْ.
وَالْكَافِرُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ: أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ وَلَا يُفَسِّقُونَ وَلَا يؤثمون أَحَدًا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْطِئِينَ لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّةٍ قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ وَانْتَقَلَ هَذَا الْقَوْلُ إلَى أَقْوَامٍ تَكَلَّمُوا بِذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ هَذَا الْقَوْلِ وَلَا غَوْرَهُ.
قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ كَمَا أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إجْمَاعٌ بَلْ وَلَا قَالَهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ عَقْلًا؛ فَإِنَّ الْمُفَرِّقِينَ بَيْنَ مَا جَعَلُوهُ مَسَائِلَ

أُصُولٍ وَمَسَائِلَ فُرُوعٍ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ صَحِيحٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بَلْ ذَكَرُوا ثَلَاثَةَ فُرُوقٍ أَوْ أَرْبَعَةً كُلُّهَا بَاطِلَةٌ.
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَسَائِلُ الْأُصُولِ هِيَ الْعِلْمِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالِاعْتِقَادُ فَقَطْ؛ وَمَسَائِلُ الْفُرُوعِ هِيَ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا الْعَمَلُ.
قَالُوا: وَهَذَا فَرْقٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ الْمَسَائِلَ الْعَمَلِيَّةَ فِيهَا مَا يُكَفِّرُ جَاحِدَهُ مِثْلَ: وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَتَحْرِيمِ الزِّنَا وَالرِّبَا وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ.
وَفِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ مَا لَا يَأْثَمُ الْمُتَنَازِعُونَ فِيهِ كَتَنَازُعِ الصَّحَابَةِ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ النُّصُوصِ: هَلْ قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا؟ وَمَا أَرَادَ بِمَعْنَاهُ؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ: هَلْ هِيَ مِنْ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ وَكَتَنَازُعِهِمْ فِي بَعْضِ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: هَلْ أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَذَا وَكَذَا؟ وَكَتَنَازُعِ النَّاسِ فِي دَقِيقِ الْكَلَامِ كَمَسْأَلَةِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَتَمَاثُلِ الْأَجْسَامِ؛ وَبَقَاءِ الْأَعْرَاضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْفِيرٌ وَلَا تَفْسِيقٌ.
قَالُوا: وَالْمَسَائِلُ الْعَمَلِيَّةُ فِيهَا عَمَلٌ وَعِلْمٌ فَإِذَا كَانَ الْخَطَأُ مَغْفُورًا فِيهَا فَاَلَّتِي فِيهَا عِلْمٌ بِلَا عَمَلٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْخَطَأُ فِيهَا مَغْفُورًا.

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ هِيَ مَا كَانَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ؛ وَالْفَرْعِيَّةُ مَا لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ.
قَالَ أُولَئِكَ: وَهَذَا الْفَرْقُ خَطَأٌ أَيْضًا؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عِنْدَ مَنْ عَرَفَهَا وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَعْرِفْهَا وَفِيهَا مَا هُوَ قَطْعِيٌّ بِالْإِجْمَاعِ كَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ وَوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ ثُمَّ لَوْ أَنْكَرَهَا الرَّجُلُ بِجَهْلِ وَتَأْوِيلٍ لَمْ يُكَفَّرْ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ كَمَا أَنَّ جَمَاعَةً اسْتَحَلُّوا شُرْبَ الْخَمْرِ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ مِنْهُمْ قدامة وَرَأَوْا أَنَّهَا حَلَالٌ لَهُمْ؛ وَلَمْ تُكَفِّرْهُمْ الصَّحَابَةُ حَتَّى بَيَّنُوا لَهُمْ خَطَأَهُمْ فَتَابُوا وَرَجَعُوا.
وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِفَةٌ أَكَلُوا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ؛ وَلَمْ يؤثمهم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضْلًا عَنْ تَكْفِيرِهِمْ وَخَطَؤُهُمْ قَطْعِيٌّ.
وَكَذَلِكَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ قَتَلَ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ وَكَانَ خَطَؤُهُ قَطْعِيًّا وَكَذَلِكَ الَّذِينَ وَجَدُوا رَجُلًا فِي غَنَمٍ لَهُ فَقَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ كَانَ خَطَؤُهُمْ قَطْعِيًّا.
وَكَذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَتَلَ بَنِي جذيمة وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ كَانَ مُخْطِئًا قَطْعًا.
وَكَذَلِكَ الَّذِينَ تَيَمَّمُوا إلَى الْآبَاطِ وَعَمَّارٌ الَّذِي تَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ لِلْجَنَابَةِ كَمَا تَمَعَّكَ الدَّابَّةُ بَلْ وَاَلَّذِينَ أَصَابَتْهُمْ جَنَابَةٌ فَلَمْ يَتَيَمَّمُوا وَلَمْ يُصَلُّوا كَانُوا مُخْطِئِينَ قَطْعًا.
وَفِي زَمَانِنَا لَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ فِي بَعْضِ الْأَطْرَافِ وَلَمْ

يَعْلَمُوا بِوُجُوبِ الْحَجِّ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لَمْ يُحَدُّوا عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ نَشَئُوا بِمَكَانٍ جُهِلَ.
وَقَدْ زَنَتْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ امْرَأَةٌ فَلَمَّا أَقَرَّتْ بِهِ قَالَ عُثْمَانُ: إنَّهَا لَتَسْتَهِلُّ بِهِ اسْتِهْلَالَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ حَرَامٌ.
فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِلصَّحَابَةِ أَنَّهَا تَعْرِفُ التَّحْرِيمَ لَمْ يَحُدُّوهَا وَاسْتِحْلَالُ الزِّنَا خَطَأٌ قَطْعًا.
وَالرَّجُلُ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ وَكَذَلِكَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
وَمَنْ اعْتَقَدَ بَقَاءَ الْفَجْرِ فَأَكَلَ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَطْعًا إذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَ الْفَجْرِ؛ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَفِي الْقَضَاءِ نِزَاعٌ وَكَذَلِكَ مَنْ اعْتَقَدَ غُرُوبَ الشَّمْسِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " قَدْ فَعَلْت " وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْخَطَأِ الْقَطْعِيِّ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ أَوْ ظَنِّيَّةٍ.
وَالظَّنِّيُّ مَا لَا يَجْزِمُ بِأَنَّهُ خَطَأٌ إلَّا إذَا كَانَ أَخْطَأَ قَطْعًا قَالُوا: فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُخْطِئَ فِي مَسْأَلَةٍ قَطْعِيَّةٍ أَوْ ظَنِّيَّةٍ يَأْثَمُ فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ الْقَدِيمَ.

قَالُوا: وَأَيْضًا فَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً هُوَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ بِحَسَبِ حَالِ الْمُعْتَقِدِينَ لَيْسَ هُوَ وَصْفًا لِلْقَوْلِ فِي نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقْطَعُ بِأَشْيَاءَ عَلِمَهَا بِالضَّرُورَةِ؛ أَوْ بِالنَّقْلِ الْمَعْلُومِ صِدْقُهُ عِنْدَهُ وَغَيْرُهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ لَا قَطْعًا وَلَا ظَنًّا.
وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ ذَكِيًّا قَوِيَّ الذِّهْنِ سَرِيعَ الْإِدْرَاكِ فَيَعْرِفُ مِنْ الْحَقِّ وَيَقْطَعُ بِهِ مَا لَا يَتَصَوَّرُهُ غَيْرُهُ وَلَا يَعْرِفُهُ لَا عِلْمًا وَلَا ظَنًّا.
فَالْقَطْعُ وَالظَّنُّ يَكُونُ بِحَسَبِ مَا وَصَلَ إلَى الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَبِحَسَبِ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّاسِ يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا وَهَذَا فَكَوْنُ الْمَسْأَلَةِ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً لَيْسَ هُوَ صِفَةً مُلَازِمَةً لِلْقَوْلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ حَتَّى يُقَالَ: كُلُّ مَنْ خَالَفَهُ قَدْ خَالَفَ الْقَطْعِيَّ بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِحَالِ النَّاظِرِ الْمُسْتَدِلِّ الْمُعْتَقِدِ وَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاسُ فَعَلِمَ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَطَّرِدُ وَلَا يَنْعَكِسُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِفَرْقِ ثَالِثٍ وَقَالَ: الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ هِيَ الْمَعْلُومَةُ بِالْعَقْلِ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ اسْتَقَلَّ الْعَقْلُ بِدَرْكِهَا فَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ مُخَالِفُهَا.
وَالْمَسَائِلُ الفروعية هِيَ الْمَعْلُومَةُ بِالشَّرْعِ قَالُوا: فَالْأَوَّلُ كَمَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ؛ وَالثَّانِي كَمَسَائِلِ الشَّفَاعَةِ وَخُرُوجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ النَّارِ.

فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ بِالضِّدِّ أَوْلَى فَإِنَّ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ.
إلَى أَنْ قَالَ: وَحِينَئِذٍ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ فِي الْمَسَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي يُقَالُ: إنَّهَا أُصُولُ الدِّينِ كُفْرًا فَهَؤُلَاءِ السَّالِكُونَ هَذِهِ الطُّرُقَ الْبَاطِلَةَ فِي الْعُقَلِ الْمُبْتَدَعَةِ فِي الشَّرْعِ هُمْ الْكُفَّارُ لَا مَنْ خَالَفَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرًا فَلَا يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا فَثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا فِي حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَلَكِنْ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ أَقْوَالًا يَجْعَلُونَهَا وَاجِبَةً فِي الدِّينِ بَلْ يَجْعَلُونَهَا مِنْ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ كَفِعْلِ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّة وَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَبْتَدِعُونَ قَوْلًا وَلَا يُكَفِّرُونَ مَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُمْ مُسْتَحِلًّا لِدِمَائِهِمْ كَمَا لَمْ تُكَفِّرْ الصَّحَابَةُ الْخَوَارِجَ مَعَ تَكْفِيرِهِمْ لِعُثْمَانِ وَعَلِيٍّ وَمَنْ وَالَاهُمَا وَاسْتِحْلَالِهِمْ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ.
وَكَلَامُ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِالتَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ وَالتَّأْثِيمِ وَنَفْيِهِ وَالتَّكْفِيرِ وَنَفْيِهِ؛ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ كُلَّ مُسْتَدِلٍّ قَادِرًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ

فَيُعَذَّبُ كُلُّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ وَقَوْلُ الْجَهْمِيَّة الْجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا بَلْ اللَّهُ يُعَذِّبُ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ فَيُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ ذَنْبًا قَطُّ وَيُنَعِّمُ مَنْ كَفَرَ وَفَسَقَ وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ الْأَطْفَالَ وَالْمَجَانِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَنْبًا قَطُّ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْزِمُ بِعَذَابِ أَطْفَالِ الْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا يَقَعُ؟ وَهَؤُلَاءِ يُجَوِّزُونَ أَنْ يُغْفَرَ لِأَفْسَقِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا وَيُعَذِّبُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ عَلَى السَّيِّئَةِ الصَّغِيرَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَمْثَالُ الْجِبَالِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا بَلْ بِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ.
وَأَصْلُ الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ إلَى آخِرِ مَا نَقَلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ: أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ إلَّا مَنْ تَرَكَ مَأْمُورًا أَوْ فَعَلَ مَحْظُورًا وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَالْأَئِمَّةِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَقَوْلِ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ الصَّوَابَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.

فَالصَّوَابُ مِنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُ الْجَهْمِيَّة الَّذِي وَافَقُوا فِيهِ السَّلَفَ وَالْجُمْهُورَ وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ طَلَبَ وَاجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فِيهِ بَلْ اسْتِطَاعَةُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتَةٌ.
وَالْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْقُدْرَةِ وَلَمْ يَخُصَّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَى الْكُفَّارِ حَتَّى آمَنُوا وَلَا خَصَّ الْمُطِيعِينَ بِمَا فَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَى الْعُصَاةِ حَتَّى أَطَاعُوا.
وَهَذَا مِنْ أَقْوَالِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ الَّتِي خَالَفُوا بِهَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ السَّلَفِ وَالْعَقْلَ الصَّرِيحَ كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ كُلَّ مُسْتَدِلٍّ فَمَعَهُ قُدْرَةٌ تَامَّةٌ يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاسَ إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمْ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ فَكُلُّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ بَعْضُهُمْ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَعْرِفَةِ جِهَتِهَا وَبَعْضُهُمْ يَعْجَزُ عَنْ ذَلِكَ فَيَغْلَطُ فَيَظُنُّ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ أَنَّهَا جِهَتُهَا وَلَا يَكُونُ مُصِيبًا فِي ذَلِكَ.
لَكِنْ هُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي صِلَاتِهِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا فَعَجْزُهُمْ عَنْ الْعِلْمِ بِهَا كَعَجْزِهِ عَنْ التَّوَجُّهِ إلَيْهَا كَالْمُقَيَّدِ وَالْخَائِفِ؛ وَالْمَحْبُوسِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا.
وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا مَنْ عَصَاهُ بِتَرْكِ

الْمَأْمُورِ أَوْ فِعْلِ الْمَحْظُورِ.
وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي هَذَا وَافَقُوا الْجَمَاعَةَ بِخِلَافِ الْجَهْمِيَّة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: بَلْ يُعَذِّبُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي نَفْيِ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ الْعَقْلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا فِي نَفْيِ الْعَذَابِ مُطْلَقًا إلَّا بَعْدَ إرْسَالِ الرُّسُلِ؛ وَهُمْ يُجَوِّزُونَ التَّعْذِيبَ قَبْلَ إرْسَالِ الرُّسُلِ.
فَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: يُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِ رَسُولًا لِأَنَّهُ فَعَلَ الْقَبَائِحَ الْعَقْلِيَّةَ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: بَلْ يُعَذِّبُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ قَبِيحًا قَطُّ كَالْأَطْفَالِ.
وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ النَّارِ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إنْ أَنْتُمْ إلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ فَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ أَنَّهُ كُلَّمَا أُلْقِيَ فَوْجٌ سَأَلَهُمْ الْخَزَنَةُ: هَلْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ؟ فَيَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ قَدْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ فَلَمْ يَبْقَ فَوْجٌ يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا وَقَدْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ.
وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ أَيْ: هَذَا بِهَذَا السَّبَبِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مَنْ كَانَ غَافِلًا مَا لَمْ يَأْتِهِ

نَذِيرٌ وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ تَنَزَّهَ سُبْحَانَهُ عَنْهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا كَقَوْلِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلَّا وُسْعَهَا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا﴾ وَأَمَرَ بِتَقْوَاهُ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وَقَدْ دَعَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ فَقَالَ: " قَدْ فَعَلْت ". فَدَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ خِلَافًا للجهمية الْمُجْبِرَةِ وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ الْمُخْطِئَ وَالنَّاسِيَ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَالْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إمَامٍ وَحَاكِمٍ وَعَالِمٍ وَنَاظِرٍ وَمُفْتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ: إذَا اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ فَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَلَّفَهُ اللَّهُ إيَّاهُ وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ مُسْتَحِقٌّ

لِلثَّوَابِ إذَا اتَّقَاهُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يُعَاقِبُهُ اللَّهُ أَلْبَتَّةَ خِلَافًا للجهمية الْمُجْبِرَةِ وَهُوَ مُصِيبٌ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ لَكِنْ قَدْ يَعْلَمُ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَقَدْ لَا يَعْلَمُهُ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: كُلُّ مَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ عَلِمَ الْحَقَّ فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَلْ كُلُّ مَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ.
وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ: مَنْ بَلَغَهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَعَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِهِ وَآمَنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ؛ وَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ كَمَا فَعَلَ النَّجَاشِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَمْ تُمْكِنْهُ الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا الْتِزَامُ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَمْنُوعًا مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ: فَهَذَا مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
كَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وَكَمَا كَانَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ بَلْ وَكَمَا كَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَهْلِ مِصْرَ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُمْ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ دَعَاهُمْ إلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ قَالَ تَعَالَى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ . وَكَذَلِكَ النَّجَاشِيُّ هُوَ وَإِنْ كَانَ مَلِكَ النَّصَارَى فِلْم يُطِعْهُ قَوْمُهُ فِي

الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ بَلْ إنَّمَا دَخَلَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا ﴿لَمَّا مَاتَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ خَرَجَ بِالْمُسْلِمِينَ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّهُمْ صُفُوفًا وَصَلَّى عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِهِ يَوْمَ مَاتَ وَقَالَ: إنَّ أَخًا لَكُمْ صَالِحًا مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ مَاتَ﴾ وَكَثِيرٌ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَكْثَرِهَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهَا لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُهَاجِرْ وَلَمْ يُجَاهِدْ وَلَا حَجَّ الْبَيْتَ بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَلَا يَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَا يُؤَدِّ الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَظْهَرُ عِنْدَ قَوْمِهِ فَيُنْكِرُونَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يُمْكِنُهُ مُخَالَفَتَهُمْ.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ وَاَللَّهُ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَبِيِّهِ بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ إذَا جَاءَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ إلَّا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ وَحَذَّرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ.
وَهَذَا مِثْلُ الْحُكْمِ فِي الزِّنَا لِلْمُحْصَنِ بِحَدِّ الرَّجْمِ وَفِي الدِّيَاتِ بِالْعَدْلِ؛ وَالتَّسْوِيَةِ فِي الدِّمَاءِ بَيْنَ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنِ بِالْعَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالنَّجَاشِيُّ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ قَوْمَهُ لَا يُقِرُّونَهُ عَلَى ذَلِكَ وَكَثِيرًا مَا يَتَوَلَّى الرَّجُلُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالتَّتَارِ قَاضِيًا بَلْ وَإِمَامًا وَفِي نَفْسِهِ أُمُورٌ مِنْ الْعَدْلِ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا فَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بَلْ هُنَاكَ مَنْ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا

جارٍ التحميل