مجموع الفتاوىصفحات 15-54

كِتَابُ الْحُدُودِ

صفحات 15-54
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إنِّي مُحَدِّثُك حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: ﴿مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُ.
وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا؛ فَأَوْقَدَ نَارًا فَقَالَ: اُدْخُلُوهَا.
فَأَرَادَ النَّاسُ أَنْ يَدْخُلُوهَا وَقَالَ الْآخَرُونَ.
إنَّا فَرَرْنَا مِنْهَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا؛ وَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ﴾ .

فَصْلٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ﴾ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾ ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ . فَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَاجِبَةٌ لِأَمْرِ اللَّهِ بِطَاعَتِهِمْ فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ لِلَّهِ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
وَمَنْ كَانَ لَا يُطِيعُهُمْ إلَّا لِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْوِلَايَةِ وَالْمَالِ فَإِنْ أَعْطَوْهُ أَطَاعَهُمْ؛ وَإِنْ

مَنَعُوهُ عَصَاهُمْ: فَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ؛ وَلَا يُزَكِّيهِمْ؛ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ؛ وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاَللَّهِ لِآخِذِهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ غَيْرُ ذَلِكَ وَرَجُلٌ بَايَعَ إمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِدُنْيَا؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَّى؛ وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ﴾ .

وَقَالَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
قَاعِدَةٌ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً؛ ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ مُلْكَهُ - أَوْ الْمُلْكَ - مَنْ يَشَاءُ﴾ لَفْظُ أَبِي دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ وَالْعَوَّامِ ﴿تَكُونُ الْخِلَافَةُ ثَلَاثِينَ عَامًا ثُمَّ يَكُونُ الْمُلْكُ﴾ ﴿تَكُونُ الْخِلَافَةُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا﴾ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ وَالْعَوَّامِ بْنِ حوشب وَغَيْرِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جمهان عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ: كَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ فِي تَقْرِيرِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةِ وَثَبَتَهُ أَحْمَد؛ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ؛ مِنْ

أَجْلِ افْتِرَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ؛ حَتَّى قَالَ أَحْمَد: مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ فِي الْخِلَافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ؛ وَنَهَى عَنْ مُنَاكَحَتِهِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَعُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَامَّةِ.
وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ: كَالرَّافِضَةِ الطَّاعِنِينَ فِي خِلَافَةِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْخَوَارِجِ الطَّاعِنِينَ فِي خِلَافَةِ الصِّهْرَيْنِ الْمُنَافِيَيْنِ: عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَوْ بَعْضِ النَّاصِبَةِ النَّافِينَ لِخِلَافَةِ عَلِيٍّ أَوْ بَعْضِ الْجُهَّالِ مِنْ الْمُتَسَنِّنَةِ الْوَاقِفِينَ فِي خِلَافَتِهِ وَوَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِنْ هِجْرَتِهِ وَإِلَى عَامِ ثَلَاثِينَ سَنَةَ كَانَ إصْلَاحُ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ السَّيِّدِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِنُزُولِهِ عَنْ الْأَمْرِ عَامَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى وَسُمِّيَ " عَامَ الْجَمَاعَةِ " لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى " مُعَاوِيَةَ " وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ﴿سَتَكُونُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ عَضُوضٌ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فِي السُّنَنِ وَهُوَ صَحِيحٌ: ﴿إنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتُ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾ .

وَيَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَنْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ " خُلَفَاءَ " وَإِنْ كَانُوا مُلُوكًا؛ وَلَمْ يَكُونُوا خُلَفَاءَ الْأَنْبِيَاءِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ؛ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ؛ ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ﴾ . فَقَوْلُهُ: " فَتَكْثُرُ " دَلِيلٌ عَلَى مَنْ سِوَى الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ: ﴿فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ؛ وَالرَّاشِدُونَ لَمْ يَخْتَلِفُوا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فِي إعْطَاءِ الْأُمَرَاءِ حَقَّهُمْ؛ مِنْ الْمَالِ وَالْمَغْنَمِ.
وَقَدْ ذَكَرْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ مَصِيرَ الْأَمْرِ إلَى الْمُلُوكِ وَنُوَّابِهِمْ مِنْ الْوُلَاةِ؛ وَالْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ لَيْسَ لِنَقْصِ فِيهِمْ فَقَطْ بَلْ لِنَقْصِ فِي الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ جَمِيعًا؛ فَإِنَّهُ " كَمَا تَكُونُونَ: يُوَلَّى عَلَيْكُمْ " وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ وَقَدْ اسْتَفَاضَ وَتَقَرَّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَا قَدْ أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِمْ وَقَسْمِهِمْ؛ وَالْغَزْوِ مَعَهُمْ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ

مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ فِي الْحَسَنَاتِ الَّتِي لَا يَقُومُ بِهَا إلَّا هُمْ؛ فَإِنَّهُ مِنْ " بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى " وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ تَصْدِيقِهِمْ بِكَذِبِهِمْ وَإِعَانَتِهِمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ مِمَّا هُوَ مِنْ " بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ " وَمَا أَمَرَ بِهِ أَيْضًا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ؛ وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَاتِ اللَّهِ إلَيْهِمْ؛ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ ذَلِكَ جُبْنًا وَلَا بُخْلًا وَلَا خَشْيَةً لَهُمْ وَلَا اشْتِرَاءً لِلثَّمَنِ الْقَلِيلِ بِآيَاتِ اللَّهِ؛ وَلَا يَفْعَلُ أَيْضًا لِلرِّئَاسَةِ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى الْعَامَّةِ وَلَا لِلْحَسَدِ وَلَا لِلْكِبَرِ وَلَا لِلرِّيَاءِ لَهُمْ وَلَا لِلْعَامَّةِ.
وَلَا يُزَالُ الْمُنْكَرُ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ.
بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ بِالسِّلَاحِ؛ وَتُقَامُ الْفِتَنُ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ الَّذِي يَرْبُو عَلَى فَسَادِ مَا يَكُونُ مِنْ ظُلْمِهِمْ؛ بَلْ يُطَاعُ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ وَيُفْعَلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَيُتْرَكُ مَا نَهَى عَنْهُ.
وَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَفْصِيلُهَا يَحْتَاجُ إلَى بَسْطٍ كَثِيرٍ وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ " جِمَاعِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ " الْوَاقِعَةِ بَعْدَ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ: فِي الْإِمَارَةِ وَفِي تَرْكِهَا؛ فَإِنَّهُ مَقَامُ خَطَرٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ خَبَرَهُ بِانْقِضَاءِ " خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ " فِيهِ الذَّمُّ لِلْمَلِكِ وَالْعَيْبِ لَهُ؛ لَا سِيَّمَا وَفِي حَدِيثِ {أَبِي

بَكْرَةَ: أَنَّهُ اسْتَاءَ لِلرُّؤْيَا وَقَالَ: خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ} . ثُمَّ النُّصُوصُ الْمُوجِبَةُ لِنَصْبِ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ وَمَا فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَتَوَلَّوْنَهَا مِنْ الثَّوَابِ: حَمْدٌ لِذَلِكَ وَتَرْغِيبٌ فِيهِ؛ فَيَجِبُ تَخْلِيصُ مَحْمُودِ ذَلِكَ مِنْ مَذْمُومِهِ وَفِي حُكْمِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا وَبَيْنَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا مَلَكًا فَاخْتَرْت أَنْ أَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا﴾ فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ شَوْبُ الْوِلَايَةِ؛ مِنْ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْمُلْكُ: هَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي الْأَصْلِ وَالْخِلَافَةُ مُسْتَحَبَّةٌ؟ أَمْ لَيْسَ بِجَائِزِ إلَّا لِحَاجَةِ مِنْ نَقْصِ عِلْمٍ أَوْ نَقْصِ قُدْرَةٍ بِدُونِهِ؟ فَنَحْتَجُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزِ فِي الْأَصْلِ بَلْ الْوَاجِبُ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا؛ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فَهَذَا أَمْرٌ وَتَحْضِيضٌ عَلَى لُزُومِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ وَأَمْرٌ بِالِاسْتِمْسَاكِ بِهَا وَتَحْذِيرٌ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ الْمُخَالِفَةِ لَهَا وَهَذَا الْأَمْرُ مِنْهُ وَالنَّهْيُ: دَلِيلٌ بَيِّنٌ فِي الْوُجُوبِ.

ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَدُوا بالذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ﴾ فَهَذَانِ أُمِرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أُمِرَ بِلُزُومِ سُنَّتِهِمْ.
وَفِي هَذَا تَخْصِيصٌ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ " أَحَدُهُمَا " أَنَّ " السُّنَّةَ " مَا سَنُّوهُ لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا " الْقُدْوَةُ " فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا فِيمَا فَعَلَاهُ مِمَّا لَمْ يَجْعَلُوهُ سُنَّةً " الثَّانِي " أَنَّ السُّنَّةَ أَضَافَهَا إلَى الْخُلَفَاءِ؛ لَا إلَى كُلٍّ مِنْهُمْ.
فَقَدْ يُقَالُ: أَمَّا ذَلِكَ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ؛ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
وَأَمَّا الْقُدْوَةُ فَعَيْنُ الْقُدْوَةِ بِهَذَا وَبِهَذَا.
وَفِي هَذَا الْوَجْهِ نَظَرٌ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا.
أَنَّ مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ مِنْ الِاجْتِهَادِ الَّذِي سَبَقَهُمَا بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَدَلَّتْ النُّصُوصُ وَمُوَافَقَةُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ عَلَى رُجْحَانِهِ وَكَانَ سَبَبَهُ افْتِرَاقُ الْأُمَّةِ: لَا يُؤْمَرُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فِيهِ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ سَاسَا الْأُمَّةَ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَسَلِمَا مِنْ التَّأْوِيلِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ.
وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَلَّبَ الرَّغْبَةَ وَتَأَوَّلَ فِي الْأَمْوَالِ.
وَعَلِيٌّ غَلَّبَ الرَّهْبَةَ وَتَأَوَّلَ فِي الدِّمَاءِ.
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَمُلَ زُهْدُهُمَا فِي الْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ.
وَعُثْمَانُ كَمُلَ زُهْدُهُ فِي الرِّيَاسَةِ.
وَعَلِيٌّ كَمُلَ زُهْدُهُ فِي الْمَالِ.

وَأَيْضًا فَكَوْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَاءَ لِلْمُلْكِ بَعْدَ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ تَرْكَ بَعْضِ الدِّينِ الْوَاجِبِ.
وَقَدْ يَحْتَجُّ مَنْ يُجَوِّزُ " الْمُلْكَ " بِالنُّصُوصِ الَّتِي مِنْهَا ﴿قَوْلُهُ لِمُعَاوِيَةَ: إنْ مَلَكْت فَأَحْسِنْ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَيُحْتَجُّ بِأَنَّ عُمَرَ أَقَرَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ عَلَى مَا رَآهُ مِنْ أُبَّهَةِ الْمُلْكِ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ فَإِنَّ عُمَرَ قَالَ: لَا آمُرُك وَلَا أَنْهَاك وَيُقَالُ فِي هَذَا: إنَّ عُمَرَ لَمْ يَنْهَهُ؛ لَا أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ ذَكَرَ وَجْهَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَثِقْ عُمَرُ بِالْحَاجَةِ.
فَصَارَ مَحَلَّ اجْتِهَادٍ فِي الْجُمْلَةِ فَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَوَسِّطَانِ: أَنْ يُقَالَ: الْخِلَافَةُ وَاجِبَةٌ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
أَوْ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ قَبُولُهَا مِنْ الْمُلْكِ بِمَا يُيَسِّرُ فِعْلَ الْمَقْصُودِ بِالْوِلَايَةِ وَلَا يُعَسِّرُهُ؛ إذْ مَا يَبْعُدُ الْمَقْصُودُ بِدُونِهِ لَا بُدَّ مِنْ إجَازَتِهِ وَأَمَّا مُلْك فَإِيجَابُهُ أَوْ اسْتِحْبَابُهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ.
وَهُنَا طَرَفَانِ " أَحَدُهُمَا " مَنْ يُوجِبُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ وَزَمَانٍ وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَيَذُمُّ مَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَوْ لِحَاجَةِ كَمَا هُوَ حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَةِ وَطَوَائِفَ مِنْ الْمُتَسَنِّنَةِ وَالْمُتَزَهِّدَةِ.
وَالثَّانِي:

مَنْ يُبِيحُ الْمُلْكَ مُطْلَقًا؛ مِنْ غَيْرِ تَقَيُّدٍ بِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ؛ كَمَا هُوَ فِعْلُ الظَّلَمَةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ وَأَفْرَادِ الْمُرْجِئَةِ.
وَهَذَا تَفْصِيلٌ جَيِّدٌ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ.
و " تَحْقِيقُ الْأَمْرِ " أَنْ يُقَالَ: انْتِقَالُ الْأَمْرِ عَنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ إلَى الْمُلْكِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَجْزِ الْعِبَادِ عَنْ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ أَوْ اجْتِهَادٍ سَائِغٍ أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ عِلْمًا وَعَمَلًا؛ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَجْزِ عِلْمًا أَوْ عَمَلًا كَانَ ذُو الْمُلْكِ مَعْذُورًا فِي ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةً مَعَ الْقُدْرَةِ؛ كَمَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْوَاجِبَاتِ مَعَ الْعَجْزِ كَحَالِ النَّجَاشِيِّ لَمَّا أَسْلَمَ وَعَجَزَ عَنْ إظْهَارِ ذَلِكَ فِي قَوْمِهِ؛ بَلْ حَالُ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ تُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ لَكِنَّ الْمُلْكَ كَانَ جَائِزًا لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ كدَاوُد وَسُلَيْمَانَ وَيُوسُفَ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَقُدِّرَ أَنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَأَنَّ اخْتِيَارَ الْمُلْكِ جَائِزٌ فِي شَرِيعَتِنَا كَجَوَازِهِ فِي غَيْرِ شَرِيعَتِنَا: فَهَذَا التَّقْدِيرُ إذَا فُرِضَ أَنَّهُ حَقٌّ فَلَا إثْمَ عَلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَيْضًا.
وَهَذَا الْوَجْهُ قَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي " الْمُعْتَمَدِ " لَمَّا تَكَلَّمَ فِي تَثْبِيتِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَبَنَى ذَلِكَ عَلَى ظُهُورِ إسْلَامِهِ وَعَدَالَتِهِ وَحُسْنِ سِيرَتِهِ وَأَنَّهُ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ لَمَّا عَقَدَهَا الْحَسَنُ لَهُ وَسُمِّيَ ذَلِكَ " عَامُ الْجَمَاعَةِ " وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: {تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ عَلَى رَأْسِ خَمْسٍ

وَثَلَاثِينَ} قَالَ: قَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ: يَرْوِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَمْرُهُ خَمْسَ سِنِينَ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ فَكَانَ هَذَا عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ": قَالَ ابْنُ الْحَكَمِ: قُلْت لِأَحْمَدَ: مَنْ قَالَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَام لِخَمْسِ وَثَلَاثِينَ﴾ إنَّهَا مِنْ مُهَاجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَقَدْ أَخْبَرَ هَذَا وَمَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصِفُ الْإِسْلَامَ بِسَيْرِ هُوَ بِالْجِنَايَةِ إنَّمَا يَصِفُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِنْ السِّنِينَ.
قَالَ: وَظَاهِرُ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَد أَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ؛ وَأَنَّ خِلَافَةَ مُعَاوِيَةَ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْخَمْسِ وَالثَّلَاثِينَ وَذَكَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَحْمَد عَنْ الْخِلَافَةِ فَقَالَ: كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ لَنَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّ مَا كَانَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ خِلَافَةَ نُبُوَّةٍ.
قُلْت: نُصُوصُ أَحْمَد عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ تَمَّتْ بِعَلِيِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
ثُمَّ عَارَضَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا﴾ قَالَ السَّائِلَ: فَلَمَّا خَصَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ بِثَلَاثِينَ سَنَةً: كَانَ آخِرُهَا آخِرَ أَيَّامِ عَلِيٍّ وَأَنَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُلْكًا: دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِخِلَافَةِ فَأَجَابَ الْقَاضِي: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ " الْخِلَافَةُ " الَّتِي لَا يَشُوبُهَا مُلْكٌ بَعْدَهُ " ثَلَاثُونَ

سَنَةً " وَهَكَذَا كَانَتْ خِلَافَةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ.
وَمُعَاوِيَةُ: قَدْ شَابَهَا الْمُلْكَ؛ وَلَيْسَ هَذَا قَادِحًا فِي خِلَافَتِهِ؛ كَمَا أَنَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ لَمْ يَقْدَحْ فِي نُبُوَّتِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقِيرًا.
قُلْت: فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ شَوْبَ الْخِلَافَةِ بِالْمُلْكِ جَائِزٌ فِي شَرِيعَتِنَا وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْعَدَالَةَ وَإِنْ كَانَتْ الْخِلَافَةُ الْمَحْضَةُ أَفْضَلَ.
وَكُلُّ مَنْ انْتَصَرَ لمعاوية وَجَعَلَهُ مُجْتَهِدًا فِي أُمُورِهِ وَلَمْ يَنْسِبْهُ إلَى مَعْصِيَةٍ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إمَّا جَوَازُ شَوْبِهَا بِالْمُلْكِ أَوْ عَدَمُ اللَّوْمِ عَلَى ذَلِكَ فَيُتَّجَهُ إذَا 1 قَالَ إنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةٌ؛ فَلَوْ قُدِّرَ فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَكَبِيرَةٌ وَإِنْ كَانَ دِينًا؛ أَوْ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مَنْ غَلَبَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتِهِ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَذَا رَحْمَتُهُ بِالْمُلُوكِ الْعَادِلِينَ؛ إذْ هُمْ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ كَالْمُعْتَزِلَةِ: فَيُفَسِّقُونَ مُعَاوِيَةَ لِحَرْبِ عَلِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ كَبِيرَةً وَهِيَ تُوجِبُ التَّفْسِيقَ فَلَا بُدَّ مِنْ مَنْعِ إحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ.
ثُمَّ إذَا سَاغَ هَذَا لِلْمُلُوكِ: سَاغَ لِلْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةً وَهِيَ مَقْدُورَةٌ؛ وَقَدْ تُرِكَتْ: فَتَرْكُ الْوَاجِبِ سَبَبٌ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ.
ثُمَّ هَلْ تَرْكُهَا كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ؟

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

إنْ كَانَ صَغِيرَةً لَمْ يَقْدَحْ فِي الْعَدَالَةِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً فَفِيهِ الْقَوْلَانِ.
لَكِنْ يُقَالُ هُنَا: إذَا كَانَ الْقَائِمُ بِالْمُلْكِ وَالْإِمَارَةِ يَفْعَلُ مِنْ الْحَسَنَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَيَتْرُكُ مِنْ السَّيِّئَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مَا يَزِيدُ بِهِ ثَوَابُهُ عَلَى عُقُوبَةِ مَا يَتْرُكُهُ مِنْ وَاجِبٍ أَوْ يَفْعَلُهُ مِنْ مَحْظُورٍ: فَهَذَا قَدْ تَرَجَّحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ؛ فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ مُقَصِّرًا فِي هَذِهِ الطَّاعَةِ الَّتِي فَعَلَهَا مَعَ سَلَامَتِهِ عَنْ سَيِّئَاتِهِ؛ فَلَهُ " ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ " إمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَاضِلُ مِنْ حَسَنَاتِ الْأَمِيرِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْمُوعِ حَسَنَاتِ هَذَا أَوْ أَقَلَّ.
فَإِنْ كَانَتْ فَاضِلَةً أَكْثَرَ كَانَ أَفْضَلَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ كَانَ مَفْضُولًا وَإِنْ تَسَاوِيًا تَكَافَآ.
هَذَا مُوجَبُ الْعَدْلِ؛ وَمُقْتَضَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَعْتَبِرُ الْمُوَازَنَةَ وَالْمُقَابَلَةَ فِي الْجَزَاءِ؛ وَفِي الْعَدَالَةِ أَيْضًا.
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ بِالْكَبِيرَةِ الْوَاحِدَةِ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ؛ وَلَوْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ: فَلَا يَجِيءُ هَذَا وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَدَالَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ.
وَيَتَفَرَّعُ مِنْ هُنَا " مَسْأَلَةٌ " وَهُوَ مَا إذَا كَانَ لَا يَتَأَتَّى لَهُ فِعْلُ الْحَسَنَةِ الرَّاجِحَةِ إلَّا بِسَيِّئَةٍ دُونَهَا فِي الْعِقَابِ: فَلَهَا صُورَتَانِ:

إحْدَاهُمَا: إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَلِكَ فَهُنَا لَا يَبْقَى سَيِّئَةٌ فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ؛ أَوْ الْمُسْتَحَبُّ إلَّا بِهِ: فَهُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ.
ثُمَّ إنْ كَانَ مَفْسَدَتُهُ دُونَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَحْظُورَةِ الَّتِي تُبِيحُهَا الْحَاجَاتُ كَلُبْسِ الْحَرِيرِ فِي الْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ.
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَسْتَشْعِرُ سُوءَ الْفِعْلِ؛ وَلَا يَنْظُرُ إلَى الْحَاجَةِ الْمُعَارِضَةِ لَهُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ مَا يَرْبُو عَلَى ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَحْظُورُ مُنْدَرِجًا فِي الْمَحْبُوبِ أَوْ يَصِيرُ مُبَاحًا إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ إلَّا مُجَرَّدُ الْحَاجَةِ كَمَا أَنَّ مِنْ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ؛ بَلْ وَالْمَأْمُورِ بِهَا إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا: مَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ تَجْعَلُهَا مُحَرَّمَةً أَوْ مَرْجُوحَةً كَالصِّيَامِ لِلْمَرِيضِ وَكَالطِّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِمَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ هَلَّا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ﴾ . وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُبْنَى جَوَازُ الْعُدُولِ أَحْيَانًا عَنْ بَعْضِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ كَمَا يَجُوزُ تَرْكُ بَعْضِ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ وَارْتِكَابُ بَعْضِ مَحْظُورَاتِهَا لِلضَّرُورَةِ؛ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِ سُنَّتِهِمْ أَوْ وَقَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى بَعْضِ مَا نَهَوْا عَنْهُ؛ بِأَنْ تَكُونَ الْوَاجِبَاتُ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِمَارَةِ لَا تَقُومُ إلَّا بِمَا مَضَرَّتُهُ أَقَلُّ.

وَهَكَذَا " مَسْأَلَةُ التَّرْكِ " كَمَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ إلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ.
" وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ " إذَا كَانَ يُمْكِنُ فِعْلُ الْحَسَنَاتِ بِلَا سَيِّئَةٍ؛ لَكِنْ بِمَشَقَّةِ لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ عَلَيْهَا أَوْ بِكَرَاهَةِ مِنْ طَبْعِهِ بِحَيْثُ لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ إلَى فِعْلِ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ الْكِبَارِ الْمَأْمُورِ بِهَا إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا إنْ لَمْ يَبْذُلْ لِنَفْسِهِ مَا تُحِبُّهُ مِنْ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا الَّتِي إثْمُهَا دُونَ مَنْفَعَةِ الْحَسَنَةِ فَهَذَا الْقِسْمُ وَاقِعٌ كَثِيرًا: فِي أَهْلِ الْإِمَارَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَالْجِهَادِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَلَامِ؛ وَأَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالتَّصَوُّفِ وَفِي الْعَامَّةِ.
مِثْلُ مَنْ لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ إلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْإِمَارَةِ - مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَأَمْنِ السُّبُلِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ وَقِسْمَةِ الْمَالِ - إلَّا بِحُظُوظِ مَنْهِيٍّ عَنْهَا مِنْ الِاسْتِئْثَارِ بِبَعْضِ الْمَالِ؛ وَالرِّيَاسَةِ عَلَى النَّاسِ وَالْمُحَابَاةِ فِي الْقَسْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَكَذَلِكَ فِي الْجِهَادِ: لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ عَلَى الْجِهَادِ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ التَّهَوُّرِ.
وَفِي الْعِلْمِ لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ عَلَى تَحْقِيقِ عِلْمِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الدِّينِ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ.
وَلَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ عَلَى تَحْقِيقِ عِلْمِ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ وَالْمُعَرَّفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الرَّهْبَانِيَّةِ.
فَهَذَا الْقِسْمُ كَثُرَ فِي دُوَلِ الْمُلُوكِ؛ إذْ هُوَ وَاقِعٌ فِيهِمْ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ أُمَرَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ.
أَعْنِي أَهْلَ زَمَانِهِمْ.
وَبِسَبَبِهِ

نَشَأَتْ الْفِتَنُ بَيْنَ الْأُمَّةِ.
فَأَقْوَامٌ نَظَرُوا إلَى مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا؛ فَذَمُّوهُمْ وَأَبْغَضُوهُمْ.
وَأَقْوَامٌ نَظَرُوا إلَى مَا فَعَلُوهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَأَحَبُّوهُمْ.
ثُمَّ الْأَوَّلُونَ رُبَّمَا عَدُّوا حَسَنَاتِهِمْ سَيِّئَاتٍ.
وَالْآخَرُونَ رُبَّمَا جَعَلُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَعَسَّرَ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِي الْإِمَارَةِ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الْمُلْكِ: فَهَلْ يَكُونُ الْمُلْكُ مُبَاحًا كَمَا يُبَاحُ عِنْدَ التَّعَذُّرِ؟ ذَكَرْنَا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنْ أُقِيمَ التَّعَسُّرُ مَقَامَ التَّعَذُّرِ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إثْمًا وَإِنْ لَمْ يَقُمْ كَانَ إثْمًا.
وَأَمَّا مَا لَا تَعَذُّرَ فِيهِ وَلَا تَعَسُّرَ: فَإِنَّ الْخُرُوجَ فِيهِ عَنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى.
" فَالتَّحْقِيقُ " أَنَّ الْحَسَنَاتِ: حَسَنَاتٌ وَالسَّيِّئَاتِ: سَيِّئَاتٌ وَهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا.
وَحُكْمُ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ وَلَا يُؤْمَرُونَ بِهِ.
وَلَا يُجْعَلُ حَظُّ أَنْفُسِهِمْ عُذْرًا لَهُمْ فِي فِعْلِهِمْ؛ إذَا لَمْ تَكُنْ الشَّرِيعَةُ عَذَرَتْهُمْ؛ لَكِنْ يُؤْمَرُونَ بِمَا فَعَلُوهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَيُحَضُّونَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَيُرَغَّبُونَ فِيهِ.
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ إلَّا بِالسَّيِّئَاتِ الْمَرْجُوحَةِ؛ كَمَا يُؤْمَرُ الْأُمَرَاءُ بِالْجِهَادِ؛ وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الظُّلْمِ الَّذِي تَقِلُّ مَفْسَدَتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَصْلَحَةِ الْجِهَادِ.
ثُمَّ إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ إذَا نُهُوا عَنْ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ تَرَكُوا الْحَسَنَاتِ الرَّاجِحَةَ الْوَاجِبَةَ لَمْ يُنْهَوْا عَنْهَا؛ لِمَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا مِنْ مَفْسَدَةِ تَرْكِ الْحَسَنَاتِ الْوَاجِبَةِ؛ إلَّا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَيُفْعَلُ حِينَئِذٍ تَمَامُ الْوَاجِبِ كَمَا كَانَ

عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَعْمِلُ مَنْ فِيهِ فَجُوِّرَ؛ لِرُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ فِي عَمَلِهِ؛ ثُمَّ يُزِيلُ فُجُورَهُ بِقُوَّتِهِ وَعَدْلِهِ.
وَيَكُونُ تَرْكُ النَّهْيِ عَنْهَا حِينَئِذٍ: مِثْلَ تَرْكِ الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ أَوْ بِالسِّلَاحِ إذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَةِ الْمُنْكَرِ.
فَإِذَا كَانَ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا فِي الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لِتَرْكِ الْمَعْرُوفِ الرَّاجِحِ: كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِفِعْلِ الْمُنْكَرِ الرَّاجِحِ كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا صَلَاتَيْنِ كَمَا هُوَ مَأْثُورٌ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَسْلَمَ بَعْضُ الْمُلُوكِ الْمُسَلَّطِينَ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ يَفْعَلُ بَعْضَ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَوْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ.
فَفَرْقٌ بَيْنَ تَرْكِ الْعَالِمِ أَوْ الْأَمِيرِ لِنَهْيِ بَعْضِ النَّاسِ عَنْ الشَّيْءِ إذَا كَانَ فِي النَّهْيِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ وَبَيْنَ إذْنِهِ فِي فِعْلِهِ.
وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ.
فَفِي حَالٍ أُخْرَى يَجِبُ إظْهَارُ النَّهْيِ: إمَّا لِبَيَانِ التَّحْرِيمِ وَاعْتِقَادِهِ وَالْخَوْفِ مِنْ فِعْلِهِ.
أَوْ لِرَجَاءِ التَّرْكِ.
أَوْ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ؛ وَلِهَذَا تَنَوَّعَ حَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَجِهَادِهِ وَعَفْوِهِ؛ وَإِقَامَتِهِ الْحُدُودَ وَغِلْظَتِهِ وَرَحْمَتِهِ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَصْلٌ: قَدْ ذَكَرْت فِيمَا تَقَدَّمَ: الْكَلَامُ عَلَى " الْمُلْكِ ": هَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي شَرِيعَتِنَا وَلَكِنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ مُسْتَحَبَّةٌ وَأَفْضَلُ مِنْهُ؟ أَمْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةٌ؟ وَإِنَّمَا تَجْوِيزٌ تَرْكِهَا إلَى الْمُلْكِ لِلْعُذْرِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ؟ تَكَلَّمْت عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا؛ فَإِنَّ الْمُلْكَ جَائِزٌ؛ كَالْغِنَى يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ تَارَةً وَلِلصَّالِحِينَ أُخْرَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي دَاوُد: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ وَقَالَ عَنْ سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وَقَالَ عَنْ يُوسُفَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةُ أَنْبِيَاءٍ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ آتَاهُمْ الْمُلْكَ وَقَالَ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ فَهَذَا مُلْكٌ لِآلِ إبْرَاهِيمَ وَمُلْكٌ لِآلِ دَاوُد وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ قَالَ: النُّبُوَّةُ فَجَعَلَ النُّبُوَّةَ نَفْسَهَا مُلْكًا.

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مِنْ النُّبُوَّةِ مَا يَكُونُ مُلْكًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: إمَّا أَنْ يَكْذِبَ؛ وَلَا يَتَّبِعَ وَلَا يُطَاعَ: فَهُوَ نَبِيٌّ لَمْ يُؤْتَ مُلْكًا.
وَإِمَّا أَنْ يُطَاعَ.
فَنَفْسُ كَوْنِهِ مُطَاعًا هُوَ مُلْكٌ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِمَا أُمِرَ بِهِ: فَهُوَ عَبْدٌ رَسُولٌ لَيْسَ لَهُ مُلْكٌ.
وَإِنْ كَانَ يَأْمُرُ بِمَا يُرِيدُهُ مُبَاحًا لَهُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَلَكِ كَمَا قِيلَ لِسُلَيْمَانَ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فَهَذَا نَبِيٌّ مَلَكٌ.
فَالْمَلَكُ هُنَا قَسِيمُ الْعَبْدِ الرَّسُولِ كَمَا قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اخْتَرْ إمَّا عَبْدًا رَسُولًا وَإِمَّا نَبِيًّا مَلَكًا﴾ . وَأَمَّا بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ " الطَّاعَةُ وَالِاتِّبَاعُ " فَقِسْمٌ مِنْ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَهَؤُلَاءِ أَكْمَلُ.
وَهُوَ حَالُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ عَبْدًا رَسُولًا.
مُؤَيَّدًا مُطَاعًا مَتْبُوعًا فَأُعْطِيَ فَائِدَةَ كَوْنِهِ مُطَاعًا مَتْبُوعًا لِيَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ اتَّبَعَهُ وَلِيَنْتَفِعَ بِهِ الْخَلْقُ وَيُرْحَمُوا بِهِ.
وَيُرْحَمُ بِهِمْ.
وَلَمْ يَخْتَرْ أَنْ يَكُونَ مَلَكًا لِئَلَّا يُنْقَصَ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ عَنْ نَصِيبِهِ فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ الرَّسُولَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ النَّبِيِّ الْمَلَكِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَمْرُ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: أَفْضَلَ مِنْ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ.
وَيُوسُفَ حَتَّى إنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ طَعَنَ فِي نُبُوَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ كَمَا يَطْعَنُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فِي وِلَايَةِ بَعْضِ أَهْلِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.

وَأَمَّا " الْمُلُوكُ الصَّالِحُونَ " فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ الْآيَةُ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: مَلَكَ الْأَرْضَ مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ فَالْمُؤْمِنَانِ سُلَيْمَانُ وَذُو الْقَرْنَيْنِ.
وَالْكَافِرَانِ بختنصر ونمرود وَسَيَمْلِكُهَا خَامِسٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ . وَأَمَّا " جِنْسُ الْمُلُوكِ " فَكَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ .

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ؛ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَأَكْمَلَ لِأُمَّتِهِ الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ النِّعْمَةَ وَجَعَلَهُ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَّبِعَهَا وَلَا يَتَّبِعْ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ وَجَعَلَ كِتَابَهُ مُهَيْمِنًا عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ وَمُصَدِّقًا لَهَا وَجَعَلَ لَهُ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَشَرَعَ لِأُمَّتِهِ سُنَنَ الْهُدَى؛ وَلَنْ يَقُومَ الدِّينُ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْحَدِيدِ.
كِتَابٌ يَهْدِي بِهِ وَحَدِيدٌ يَنْصُرُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فَالْكِتَابُ بِهِ يَقُومُ الْعِلْمُ وَالدِّينُ.
وَالْمِيزَانُ بِهِ تَقُومُ الْحُقُوقُ فِي الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ والقبوض.
وَالْحَدِيدُ بِهِ تَقُومُ الْحُدُودُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَلِهَذَا كَانَ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ الْكِتَابُ لِلْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ.
وَالْمِيزَانُ لِلْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَأَهْلِ الدِّيوَانِ.
وَالْحَدِيدُ لِلْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ.
وَالْكِتَابُ لَهُ الصَّلَاةُ؛ وَالْحَدِيدُ لَهُ الْجِهَادُ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَكَانَ ﴿النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَك يَشْهَدْ لَك صَلَاةً؛ وَيَنْكَأْ لَك عَدُوًّا﴾ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ﴿رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وَالصَّلَاةُ أَوَّلُ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ؛ وَأَصْلُ أَعْمَالِ الْإِيمَانِ؛ وَلِهَذَا سَمَّاهَا إيمَانًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ أَيْ صَلَاتَكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
هَكَذَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ فَوَصَفَهُمْ بِالْمَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ فَوَصَفَهُمْ بِالشِّدَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَالضَّلَالِ.
وَفِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ فَقِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ﴾ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿لَمَّا سَأَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ " إيمَانٌ بِاَللَّهِ " دَخَلَ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَوَّلِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ وَالِدَانِ.
فَالْأَوَّلُ مُطْلَقٌ وَالثَّانِي مُقَيَّدٌ بِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ.

وَلِهَذَا كَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِرِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ - فِي الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ - أَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ إمَامًا فِي هَذَيْنَ الْأَصْلَيْنِ جَمِيعًا: الصَّلَاةُ وَالْجِهَادُ.
فَاَلَّذِي يَؤُمُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ يَؤُمُّهُمْ فِي الْجِهَادِ وَأَمْرُ الْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ وَاحِدٌ فِي الْمُقَامِ وَالسَّفَرِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى بَلَدٍ: مِثْلَ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي العاص عَلَى الطَّائِفِ.
وَغَيْرِهِمَا: كَانَ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ غَزْوَةٍ؛ كَاسْتِعْمَالِهِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَابْنَهُ أُسَامَةَ وَعَمْرَو بْنَ العاص وَغَيْرَهُمْ: كَانَ أَمِيرُ الْحَرْبِ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ؛ وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمُسْلِمُونَ بِتَقْدِيمِهِ أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ قَدَّمَهُ فِي الْإِمَامَةِ الْعَامَّةِ.
وَكَذَلِكَ كَانَ أُمَرَاءُ " الصِّدِّيقِ " - كيزيد بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ.
وَعَمْرِو بْنِ العاص وَغَيْرِهِمْ - أَمِيرُ الْحَرْبِ هُوَ إمَامُ الصَّلَاةِ.
وَكَانَ نُوَّابَ " عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " كَاسْتِعْمَالِهِ عَلَى الْكُوفَةِ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الْحَرْبِ وَالصَّلَاةِ وَابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَبَيْتِ الْمَالِ وَعُثْمَانَ بْنِ حنيف عَلَى الْخَرَاجِ.
وَمِنْ هُنَا أَخَذَ النَّاسُ وِلَايَةَ الْحَرْبِ وَوِلَايَةَ الْخَرَاجِ وَوِلَايَةَ الْقَضَاءِ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا انْتَشَرَ الْمُؤْمِنُونَ وَغَلَبُوا الْكَافِرِينَ عَلَى الْبِلَادِ وَفَتَحُوهَا وَاحْتَاجُوا إلَى زِيَادَةٍ فِي التَّرْتِيبِ: وَضَعَ

لَهُمْ " الدِّيوَانَ " دِيوَانَ الْخَرَاجِ لِلْمَالِ الْمُسْتَخْرَجِ وَدِيوَانَ الْعَطَاءِ وَالنَّفَقَاتِ لِلْمَالِ الْمَصْرُوفِ وَمَصَّرَ لَهُمْ الْأَمْصَارَ: فَمَصَّرَ الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ وَمَصَّرَ الْفُسْطَاطَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْثِرْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ نَهْرٌ عَظِيمٌ كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنِّيلِ؛ فَجَعَلَ هَذِهِ الْأَمْصَارَ مِمَّا يَلِيهِ.
فَصْلٌ: وَكَانَتْ " مَوَاضِعُ الْأَئِمَّةِ وَمَجَامِعُ الْأُمَّةِ " هِيَ الْمَسَاجِدَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَّسَ مَسْجِدَهُ الْمُبَارَكَ عَلَى التَّقْوَى: فَفِيهِ الصَّلَاةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ؛ وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَالْخُطَبُ.
وَفِيهِ السِّيَاسَةُ وَعَقْدُ الْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ وَتَأْمِيرُ الْأُمَرَاءِ وَتَعْرِيفُ الْعُرَفَاءِ.
وَفِيهِ يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُ لِمَا أَهَمَّهُمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.
وَكَذَلِكَ عُمَّالُهُ فِي: مِثْلِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَبِلَادِ الْيَمَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَكَذَلِكَ عُمَّالُهُ عَلَى الْبَوَادِي؛ فَإِنَّ لَهُمْ مَجْمَعًا فِيهِ يُصَلُّونَ وَفِيهِ يُسَاسُونَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ؛ كُلَّمَا ذَهَبَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَكُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا استرعاهم﴾ .

وَكَانَ " الْخُلَفَاءُ وَالْأُمَرَاءُ " يَسْكُنُونَ فِي بُيُوتِهِمْ كَمَا يَسْكُنُ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ فِي بُيُوتِهِمْ؛ لَكِنَّ مَجْلِسَ الْإِمَامِ الْجَامِعَ هُوَ الْمَسْجِدُ الْجَامِعُ.
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَدْ بَنَى لَهُ بِالْكُوفَةِ قَصْرًا وَقَالَ: أَقْطَعُ عَنِّي النَّاسُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَمَّدَ بْنَ مسلمة وَأَمَرَهُ أَنْ يُحْرِقَهُ فَاشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ حُزْمَة حَطَبٍ وَشَرْطٍ عَلَيْهِ حَمَلَهَا إلَى قَصْرِهِ فَحَرَقَهُ؛ فَإِنَّ عُمْر كُرْه لِلْوَالِي الِاحْتِجَاب عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ وَلَكِنْ بُنِيَتْ قُصُورُ الْأُمَرَاءِ.
فَلَمَّا كَانَتْ إمَارَة مُعَاوِيَة احْتَجَبَ لِمَا خَافَ أَنْ يَغْتَالَ كَمَا اُغْتِيلَ عَلَيَّ وَاُتُّخِذَ الْمَقَاصِير فِي الْمَسَاجِدِ لِيُصَلِّيَ فِيهَا ذُو السُّلْطَانِ وَحَاشِيَته وَاِتَّخَذَ الْمَرَاكِبَ؛ فَاسْتَنَّ بِهِ الْخُلَفَاءُ الْمُلُوك بِذَلِكَ فَصَارُوا مَعَ كَوْنِهِمْ يَتَوَلَّوْنَ الْحَرْبَ وَالصَّلَاةَ بِالنَّاسِ وَيُبَاشِرُونَ الْجُمْعَة وَالْجَمَاعَة وَالْجِهَاد وَإِقَامَة الْحُدُودِ: لَهُمْ قُصُور يَسْكُنُونَ فِيهَا وَيَغْشَاهُمْ رُءُوس النَّاسِ فِيهَا كَمَا كَانَتْ " الْخَضْرَاء " لِبَنِي أُمِّيَّة قَبَلِيّ الْمَسْجِد الْجَامِع وَالْمَسَاجِد يَجْتَمِعُ فِيهَا لِلْعِبَادَاتِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: طَالَ الْأَمَدُ وَتَفَرَّقَتْ الْأُمَّةُ وَتَمَسَّكَ كُلُّ قَوْمٍ بِشُعْبَةِ مِنْ الدِّينِ بِزِيَادَاتِ زَادُوهَا فَأَعْرَضُوا عَنْ شُعْبَةٍ مِنْهُ أُخْرَى.
أَحْدَثَتْ الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ " الْقِلَاعَ وَالْحُصُونَ " وَإِنَّمَا كَانَتْ تُبْنَى الْحُصُونُ وَالْمَعَاقِلُ قَدِيمًا فِي الثُّغُورِ خَشْيَةَ

أَنْ يَدْهَمَهَا الْعَدُوُّ؛ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَنْ يَدْفَعُهُ عَنْهَا وَكَانُوا يُسَمُّونَ الثُّغُورَ الشَّامِيَّةَ " الْعَوَاصِمَ " وَهِيَ قنسرين وَحَلَبُ.
وَأُحْدِثَتْ " الْمَدَارِسُ " لِأَهْلِ الْعِلْمِ.
وَأُحْدِثَتْ " الرُّبُطُ وَالْخَوَانِقُ " لِأَهْلِ التَّعَبُّدِ.
وَأَظُنُّ مَبْدَأَ انْتِشَارِ ذَلِكَ فِي " دَوْلَةِ السَّلَاجِقَةِ ". فَأَوَّلُ مَا بُنِيَتْ الْمَدَارِسُ وَالرِّبَاطَاتُ لِلْمَسَاكِينِ وَوُقِفَتْ عَلَيْهَا وُقُوفٌ تَجْرِي عَلَى أَهْلِهَا فِي وِزَارَةِ " نِظَامِ الْمَلِكِ ". وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الْمَدَارِسِ وَذِكْرُ الرُّبُطِ؛ لَكِنْ مَا أَظُنُّ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهَا لِأَهْلِهَا؛ وَإِنَّمَا كَانَتْ مَسَاكِنَ مُخْتَصَّةً وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ مَعْمَرُ بْنُ زِيَادٍ مِنْ أَصْحَابِ الْوَاحِدِيِّ فِي " أَخْبَارِ الصُّوفِيَّةِ " أَنَّ أَوَّلَ دويرة بُنِيَتْ لَهُمْ فِي الْبَصْرَةِ.
وَأَمَّا " الْمَدَارِسُ " فَقَدْ رَأَيْت لَهَا ذِكْرًا قَبْلَ دَوْلَةِ السَّلَاجِقَةِ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ وَدَوْلَتُهُمْ إنَّمَا كَانَتْ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ وَكَذَلِكَ هَذِهِ " الْقِلَاعُ وَالْحُصُونُ " الَّتِي بِالشَّامِ عَامَّتُهَا مُحْدَثٌ كَمَا بَنَى الْمَلِكُ الْعَادِلُ قَلْعَةَ دِمَشْقَ وبصرى وَحَرَّانَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا كَثِيرِي الْغَزْوِ إلَيْهِمْ وَكَانَ النَّاسُ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ قَدْ ضَعُفُوا عَنْ دِفَاعِ النَّصَارَى عَنْ السَّوَاحِلِ حَتَّى اسْتَعْلَوْا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ ثُغُورِ الشَّامِ السَّاحِلِيَّةِ.

فَصْلٌ: فِي " الْخِلَافَةِ وَالسُّلْطَانِ " وَكَيْفِيَّةِ كَوْنِهِ ظِلَّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يَعُمُّ آدَمَ وَبَنِيهِ؛ لَكِنَّ الِاسْمَ مُتَنَاوِلٌ لِآدَمَ عَيْنًا كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا كَانَ بَيْنَ " دَاوُد وَآدَمَ " مِنْ الْمُنَاسَبَةِ مَا أَحَبَّ بِهِ دَاوُد حِينَ أَرَاهُ ذُرِّيَّتَهُ وَسَأَلَ عَنْ عُمْرِهِ؟ فَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً.
فَوَهَبَهُ مِنْ عُمْرِهِ الَّذِي هُوَ أَلْفُ سَنَةٍ سِتِّينَ سَنَةً.
وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ؛ وَلِهَذَا كِلَاهُمَا اُبْتُلِيَ بِمَا ابْتَلَاهُ بِهِ مِنْ الْخَطِيئَةِ كَمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا

مُنَاسَبَةٌ لِلْأُخْرَى؛ إذْ جِنْسُ الشَّهْوَتَيْنِ وَاحِدٌ وَرَفْعُ دَرَجَتِهِ بِالتَّوْبَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي نَالَ بِهَا مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ وَفَرَحِهِ بِهِ مَا نَالَ وَيُذْكَرُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْبُكَاءِ وَالنَّدَمِ وَالْحُزْنِ مَا يُنَاسِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
" وَالْخَلِيفَةُ " هُوَ مَنْ كَانَ خَلَفًا عَنْ غَيْرِهِ.
فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ.
كَانَ ﴿النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَافَرَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرِ فَقَدْ غَزَا﴾ وَقَالَ: ﴿أَوَكُلَّمَا خَرَجْنَا فِي الْغَزْوِ خَلْفَ أَحَدِهِمْ وَلَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ يَمْنَحُ إحْدَاهُنَّ اللَّبِنَةَ مِنْ اللَّبِنِ لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِأَحَدِ مِنْهُمْ لَأَجْعَلَنَّهُ نَكَالًا﴾ وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ . وَالْمُرَادُ " بِالْخَلِيفَةِ " أَنَّهُ خَلَفَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الْخَلْقِ.
وَالْخَلْفُ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ كَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ خَلَفَهُ عَلَى أُمَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَكَمَا ﴿كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَافَرَ لِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوَةٍ يَسْتَخْلِفُ عَلَى الْمَدِينَةِ مَنْ يَكُونُ خَلِيفَةً لَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً﴾ . فَيَسْتَخْلِفُ تَارَةً ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَتَارَةً غَيْرَهُ ﴿وَاسْتَخْلَفَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ.﴾ وَتُسَمَّى الْأَمْكِنَةُ الَّتِي يَسْتَخْلِفُ فِيهَا الْإِمَامُ " مَخَالِيفَ " مِثْلَ: مَخَالِيفِ الْيَمَنِ وَمَخَالِيفِ أَرْضِ الْحِجَازِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: ﴿حَيْثُ خَرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ إلَى مِخْلَافٍ﴾ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ

فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ - إلَى قَوْله تَعَالَى - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ الْآيَةُ.
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْقَائِلِينَ الغالطين - كَابْنِ عَرَبِيٍّ - أَنَّ " الْخَلِيفَةَ " هُوَ الْخَلِيفَةُ عَنْ اللَّهِ مِثْلَ نَائِبِ اللَّهِ؛ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُسْتَخْلَفًا وَرُبَّمَا فَسَّرُوا " تَعْلِيمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا " الَّتِي جَمَعَ مَعَانِيهَا الْإِنْسَانُ.
وَيُفَسِّرُونَ " خَلْقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ " بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ الْفَلَاسِفَةِ قَوْلَهُمْ: الْإِنْسَانُ هُوَ الْعَالِمُ الصَّغِيرُ.
وَهَذَا قَرِيبٌ.
وَضَمُّوا إلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَالِمُ الْكَبِيرُ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ الكفري فِي وِحْدَةِ الْوُجُودِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ.
فَالْإِنْسَانُ مِنْ بَيْنِ الْمَظَاهِرِ هُوَ الْخَلِيفَةُ الْجَامِعُ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَا يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنْ دَعْوَى الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ الْمُخْرِجَةِ لَهُمْ إلَى الْفِرْعَوْنِيَّةِ والقرمطية وَالْبَاطِنِيَّةِ وَرُبَّمَا جَعَلُوا " الرِّسَالَةَ " مَرْتَبَةً مِنْ الْمَرَاتِبِ وَأَنَّهُمْ أَعْظَمُ مِنْهَا فَيُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ والوحدانية وَالْأُلُوهِيَّةِ؛ وَبِالرِّسَالَةِ وَيَصِيرُونَ فِي الْفِرْعَوْنِيَّةِ.
هَذَا إيمَانُهُمْ.
أَوْ يَخْرُجُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ أَنْ يَصِيرُوا (سُدًى لَا أَمْرَ عَلَيْهِمْ وَلَا نَهْيَ؛ وَلَا إيجَابَ وَلَا تَحْرِيمَ.

وَاَللَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ خَلِيفَةٌ؛ وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ قَالَ: لَسْت بِخَلِيفَةِ اللَّهِ؛ وَلَكِنِّي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبِي ذَلِكَ.
بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَكُونُ خَلِيفَةً لِغَيْرِهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ حَيٌّ شَهِيدٌ مُهَيْمِنٌ قَيُّومٌ رَقِيبٌ حَفِيظٌ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَلَا ظَهِيرٌ وَلَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ.
وَالْخَلِيفَةُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْتَخْلَفِ بِمَوْتِ أَوْ غَيْبَةٍ وَيَكُونُ لِحَاجَةِ الْمُسْتَخْلَفِ إلَى الِاسْتِخْلَافِ.
وَسُمِّيَ " خَلِيفَةً " لِأَنَّهُ خُلِّفَ عَنْ الْغَزْوِ وَهُوَ قَائِمٌ خَلْفَهُ وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهَا؛ فَإِنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ شَهِيدٌ لَا يَمُوتُ وَلَا يَغِيبُ وَهُوَ غَنِيٌّ يَرْزُقُ وَلَا يَرْزُقُ يَرْزُقُ عِبَادَهُ وَيَنْصُرُهُمْ وَيَهْدِيهِمْ وَيُعَافِيهِمْ: بِمَا خَلَقَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَلْقِهِ وَاَلَّتِي هِيَ مُفْتَقِرَةٌ إلَيْهِ كَافْتِقَارِ الْمُسَبَّبَاتِ إلَى أَسْبَابِهَا.
فَاَللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إلَهٌ﴾ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ خَلَفًا مِنْهُ وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا سَمِيَّ لَهُ وَلَا كُفْءَ لَهُ.
فَمَنْ جَعَلَ لَهُ خَلِيفَةً فَهُوَ مُشْرِكٌ بِهِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ ﴿السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يَأْوِي إلَيْهِ كُلُّ ضَعِيفٍ وَمَلْهُوفٍ﴾ وَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّ الظِّلَّ مُفْتَقِرٌ إلَى آوٍ وَهُوَ رَفِيقٌ لَهُ

مُطَابِقٌ لَهُ نَوْعًا مِنْ الْمُطَابَقَةِ وَالْآوِي إلَى الظِّلِّ الْمُكْتَنِفِ بِالْمُظِلِّ صَاحِبُ الظِّلِّ فَالسُّلْطَانُ عَبْدُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ وَفِيهِ مِنْ الْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ وَالْحِفْظِ وَالنُّصْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي السُّؤْدُدِ وَالصَّمَدِيَّةِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْخَلْقِ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ظِلَّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ أَقْوَى الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يُصْلِحُ أُمُورَ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ فَإِذَا صَلَحَ ذُو السُّلْطَانِ صَلَحَتْ أُمُورُ النَّاسِ وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَتْ بِحَسَبِ فَسَادِهِ؛ وَلَا تَفْسُدُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَصَالِحَ؛ إذْ هُوَ ظِلُّ اللَّهِ؛ لَكِنَّ الظِّلَّ تَارَةً يَكُونُ كَامِلًا مَانِعًا مِنْ جَمِيعِ الْأَذَى.
وَتَارَةً لَا يَمْنَعُ إلَّا بَعْضَ الْأَذَى.
وَأَمَّا إذَا عُدِمَ الظِّلُّ فَسَدَ الْأَمْرُ كَعَدَمِ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي بِهَا قِيَامُ الْأُمَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فَصْلٌ: حَكَى أَصْحَابُنَا - كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ - عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ هَلْ ثَبَتَتْ بِاخْتِيَارِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ؟ أَوْ بِالنَّصِّ الْخَفِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَوْ الْبَيِّنِ؟ " أَحَدُهُمَا " بِالِاخْتِيَارِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَالْمُتَكَلِّمِين: كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
و " الثَّانِيَةُ " بِالنَّصِّ الْخَفِيِّ وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
وَبَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُونَ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ.
وَأَمَّا قَوْلُ " الْإِمَامِيَّةِ " إنَّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ عَلَى عَلِيٍّ.
وَقَوْلُ " الزَّيْدِيَّةِ الجارودية " إنَّهَا بِالنَّصِّ الْخَفِيِّ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُ " الراوندية " إنَّهَا بِالنَّصِّ عَلَى الْعَبَّاسِ.
فَهَذِهِ أَقْوَالٌ ظَاهِرَةُ الْفَسَادِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ.
وَإِنَّمَا يَدِينُ بِهَا.
إمَّا جَاهِلٌ وَإِمَّا ظَالِمٌ.
وَكَثِيرٌ مِمَّنْ يَدِينُ بِهَا زِنْدِيقٌ.

وَالتَّحْقِيقُ فِي " خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ " وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَد: أَنَّهَا انْعَقَدَتْ بِاخْتِيَارِ الصَّحَابَةِ وَمُبَايَعَتِهِمْ لَهُ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِوُقُوعِهَا عَلَى سَبِيلِ الْحَمْدِ لَهَا وَالرِّضَى بِهَا؛ وَأَنَّهُ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ دَلَّ الْأُمَّةَ وَأَرْشَدَهُمْ إلَى بَيْعَتِهِ.
فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ: الْخَبَرُ وَالْأَمْرُ وَالْإِرْشَادُ: ثَابِتٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
" فَالْأَوَّلُ " كَقَوْلِهِ: ﴿رَأَيْت كَأَنِّي عَلَى قَلِيبٍ أَنْزِعُ مِنْهَا فَأَتَى ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ.
ذَنُوبًا أَوْ ذنوبين﴾ الْحَدِيثُ وَكَقَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّ مِيزَانًا دُلِّيَ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ.
فَوُزِنْت بِالْأُمَّةِ فَرَجَحْت ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ﴾ الْحَدِيثُ.
وَكَقَوْلِهِ: ﴿اُدْعِي لِي أَبَاك وَأَخَاك حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي ثُمَّ قَالَ: يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ﴾ . فَهَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِينَ: لَا يَعْقِدُونَهَا إلَّا لِأَبِي بَكْرٍ الَّذِي هُمْ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ.
وَكَقَوْلِهِ: ﴿أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ﴾ الْحَدِيثُ وَقَوْلُهُ: ﴿خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا﴾ وَأَمَّا " الْأَمْرُ " فَكَقَوْلِهِ: ﴿اقْتَدَوْا بالذين مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي﴾ ﴿وَقَوْلِهِ: لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ إنْ لَمْ أَجِدْك؟ قَالَ: فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ﴾ ﴿وَقَوْلِهِ لِأَصْحَابِ الصَّدَقَاتِ: إذَا لَمْ تَجِدُوهُ أَعْطُوهَا لِأَبِي بَكْرٍ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

و " الثَّالِثُ " تَقْدِيمُهُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ: ﴿سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَمَزَايَاهُ.
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ الثَّابِتَةُ بِالسُّنَّةِ دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ.
" فَالْأَوَّلُ " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ الْآيَةُ: وَقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ وَالثَّانِي قَوْلُهُ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ الْآيَةُ.
وَالثَّالِثُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَثَبَتَتْ صِحَّةُ خِلَافَتِهِ وَوُجُوبُ طَاعَتِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ إنَّمَا انْعَقَدَتْ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِيَارِ.
كَمَا أَنَّ اللَّهَ إذَا أَمَرَ بِتَوْلِيَةِ شَخْصٍ أَوْ إنْكَاحِهِ.
أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ مَعَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِعَقْدِ الْوِلَايَةِ وَالنِّكَاحِ وَالنُّصُوصُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ بِذَلِكَ الْعَقْدِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ فَالنُّصُوصُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاخْتِيَارِهِ وَالْعَقْدُ لَهُ وَأَنَّ اللَّهَ يَرْضَى ذَلِكَ وَيُحِبُّهُ.
وَأَمَّا حُصُولُ الْمَأْمُورِ بِهِ الْمَحْبُوبِ: فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالِامْتِثَالِ.
فَلَمَّا امْتَثَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ عَقَدُوا لَهُ بِاخْتِيَارِهِمْ وَكَانَ هَذَا أَفْضَلَ فِي حَقِّهِمْ وَأَعْظَمَ فِي دَرَجَتِهِمْ.

وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَصْلٌ: أَهْلُ الْأَهْوَاءِ فِي " قِتَالِ عَلِيٍّ وَمَنْ حَارَبَهُ " عَلَى أَقْوَالٍ: أَمَّا " الْخَوَارِجُ " فَتُكَفِّرُ الطَّائِفَتَانِ الْمُقْتَتِلَانِ جَمِيعًا.
* وَأَمَّا " الرَّافِضَةُ " فَتُكَفِّرُ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا؛ مَعَ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنَعَ مِنْ تَكْفِيرِهِمْ.
وَلَهُمْ فِي قِتَالِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ؛ وَعَائِشَةَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: " أَحَدُهَا " تَفْسِيقُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ؛ لَا بِعَيْنِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِهِ.
و " الثَّانِي " تَفْسِيقُ مَنْ قَاتَلَهُ إلَّا مَنْ تَابَ وَيَقُولُونَ: إنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ تَابُوا وَهَذَا مُقْتَضَى مَا حُكِيَ عَنْ جُمْهُورِهِمْ؛ كَأَبِي الهذيل وَأَصْحَابِهِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِمْ.
وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى تَخْطِئَتِهِ فِي قِتَالِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ؛ دُونَ قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ.
فَفِي الْجُمْلَةِ " أَهْلُ الْبِدَعِ ": مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ وَنَحْوِهِمْ: يَجْعَلُونَ الْقِتَالَ مُوجِبًا لِكُفْرِ أَوْ لِفِسْقِ.

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

وَأَمَّا " أَهْلُ السُّنَّةِ " فَمُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَالَةِ الْقَوْمِ؛ ثُمَّ لَهُمْ فِي التَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ مَذَاهِبُ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ.
" أَحَدُهَا " أَنَّ الْمُصِيبَ عَلِيٌّ فَقَطْ.
و " الثَّانِي " الْجَمِيعُ مُصِيبُونَ.
و " الثَّالِثُ " الْمُصِيبُ وَاحِدٌ؛ لَا بِعَيْنِهِ.
و " الرَّابِعُ " الْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مُطْلَقًا؛ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ هُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ كَمَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ﴾ وَهَذَا فِي حَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَرْبَ الْجَمَلِ فِتْنَةٌ وَأَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ فِيهَا أَوْلَى فَعَلَى هَذَا نُصُوصُ أَحْمَد وَأَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَذَلِكَ الشِّجَارُ بِالْأَلْسِنَةِ وَالْأَيْدِي أَصْلٌ لِمَا جَرَى بَيْنَ الْأُمَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
فَلْيَعْتَبِرْ الْعَاقِلُ بِذَلِكَ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ طَائِفَتَيْنِ مِنْ الْفَلَّاحِينَ اقْتَتَلَتَا فَكَسَرَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى؛ وَانْهَزَمَتْ الْمَكْسُورَةُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ جَمَاعَةٌ: فَهَلْ يُحْكَمُ لِلْمَقْتُولِينَ مِنْ الْمَهْزُومِينَ بِالنَّارِ وَيَكُونُونَ دَاخِلِينَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ﴾ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ الْمُنْهَزِمِ حُكْمَ مَنْ يَقْتُلُ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ؟ أَمْ لَا؟

فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إنْ كَانَ الْمُنْهَزِمُ قَدْ انْهَزَمَ بِنِيَّةِ التَّوْبَةِ عَنْ الْمُقَاتَلَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالنَّارِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ انْهِزَامُهُ عَجْزًا فَقَطْ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى خَصْمِهِ لَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ﴾ فَإِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ فِي النَّارِ لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ فَالْمُنْهَزِم بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ وَالْمَقْتُولُ أَصَابَهُ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَمْ يُصِبْ الْمَهْزُومَ؛ ثُمَّ إذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ مُكَفِّرَةً لِإِثْمِ الْمُقَاتَلَةِ فَلَأَنْ لَا تَكُونَ مُصِيبَةُ الْهَزِيمَةِ مُكَفِّرَةً أَوْلَى؛ بَلْ إثْمُ الْمُنْهَزِمِ الْمُصِرِّ عَلَى الْمُقَاتَلَةِ أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ الْمَقْتُولِ فِي الْمَعْرَكَةِ وَاسْتِحْقَاقُهُ لِلنَّارِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ السَّيِّئُ بِمَوْتِهِ؛ وَهَذَا مُصِرٌّ عَلَى الْخُبْثِ الْعَظِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ مُنْهَزِمَ الْبُغَاةِ يُقْتَلُ إذَا كَانَ لَهُ طَائِفَةٌ يَأْوِي إلَيْهَا فَيُخَافُ عَوْدُهُ؛ بِخِلَافِ الْمُثْخَنِ بِالْجُرْحِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ.
وَسَبَبُهُ أَنَّ هَذَا انْكَفَّ شَرُّهُ وَالْمُنْهَزِمُ لَمْ يَنْكَفْ شَرُّهُ.
وَأَيْضًا فَالْمَقْتُولُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ بِمُصِيبَةِ الْقَتْلِ قَدْ يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ؛ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَمُصِيبَةُ الْهَزِيمَةِ دُونَ مُصِيبَةِ الْقَتْلِ.
فَظَهَرَ أَنَّ الْمَهْزُومَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمَقْتُولِ إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ.
وَمَنْ تَابَ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ " الْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ ": هَلْ هِيَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؟ أَمْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؟ وَهَلْ فَرَّقَتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَحْكَامِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِمَا أَمْ لَا؟ وَإِذَا ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ الْأَئِمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ إلَّا فِي الِاسْمِ؛ وَخَالَفَهُ مُخَالِفٌ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ النهروان: فَهَلْ الْحَقُّ مَعَ الْمُدَّعِي؟ أَوْ مَعَ مُخَالِفِهِ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنْ الْأَئِمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الِاسْمِ.
فَدَعْوَى بَاطِلَةٌ وَمُدَّعِيهَا مُجَازِفٌ فَإِنَّ نَفْيَ الْفَرْقِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ: مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي " قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ " فَإِنَّهُمْ قَدْ يَجْعَلُونَ قِتَالَ أَبِي بَكْرٍ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ وَقِتَالَ عَلِيٍّ الْخَوَارِجَ وَقِتَالَهُ لِأَهْلِ الْجَمَلِ وصفين إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قِتَالِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ.
مِنْ بَابِ " قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ "

ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مِثْلَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَنَحْوَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ؛ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِ وَلَا فِسْقٍ؛ بَلْ مُجْتَهِدُونَ: إمَّا مُصِيبُونَ وَإِمَّا مُخْطِئُونَ.
وَذُنُوبُهُمْ مَغْفُورَةٌ لَهُمْ.
وَيُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْبُغَاةَ لَيْسُوا فُسَّاقًا فَإِذَا جُعِلَ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ سَوَاءً لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْخَوَارِجُ وَسَائِرُ مَنْ يُقَاتِلُهُمْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْبَاقِينَ عَلَى الْعَدَالَةِ سَوَاءً؛ وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ بِفِسْقِ الْبُغَاةِ وَلَكِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ " الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ " وَبَيْنَ " أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين " وَغَيْرِ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين.
مِمَّنْ يُعَدُّ مِنْ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ.
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَعَلَيْهِ نُصُوصُ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ وَأَتْبَاعِهِمْ: مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ﴾ وَهَذَا الْحَدِيث يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ الطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمَارِقِينَ نَوْعٌ ثَالِثٌ لَيْسُوا

جارٍ التحميل