مجموع الفتاوىصفحات 325-364

سُورَةُ الْإِخْلَاصِ

صفحات 325-364
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

إلَّا جِسْمًا فَإِذَا قَالَ الْمُنَازِعُ: أَنَا أَقُولُ فِيمَا نَفَيْتُمُوهُ نَظِيرَ قَوْلِهِمْ فِيمَا أَثْبَتُّمُوهُ انْقَطَعُوا.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّبِّ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ عِنْدَهُمْ هَلْ عُلِمَ بِالْإِجْمَاعِ فَقَطْ أَوْ عُلِمَ بِالْعَقْلِ أَيْضًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
فَمَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ بِالْعَقْلِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَالرَّازِي وَغَيْرِهِمَا لَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يُنَزِّهُونَ بِهِ الرَّبَّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّقَائِصِ هَذَا إذَا لَمْ يَنْفِ إلَّا مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْ اللَّهِ مِثْلُ نَفْيِهِ لِلنَّقَائِصِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا وَيَنْفِي عَنْهُ مُمَاثَلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّهُ كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ الثَّابِتَةِ لَهُ وَهَذَانِ النَّوْعَانِ يَجْمَعَانِ التَّنْزِيهَ الْوَاجِبَ لِلَّهِ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ دَلَّتْ عَلَى النَّوْعَيْنِ.
فَقَوْلُهُ: أَحَدٌ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يَنْفِي الْمُمَاثَلَةَ وَالْمُشَارَكَةَ وَقَوْلُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَالنَّقَائِصُ جِنْسُهَا مَنْفِيٌّ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْمَخْلُوقُ فَهُوَ مِنْ النَّقَائِصِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهَا بِخِلَافِ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ.
وَيُوصَفُ الْعَبْدُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ: مِثْلُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ نَقَائِصَ بَلْ مَا ثَبَتَ لِلَّهِ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلَّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُقَارِبُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُمَاثِلَهُ فِيهِ بَلْ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي

الْجَنَّةِ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ لَا يُمَاثِلُ مَا خَلَقَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الِاسْمِ وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ.
قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأَسْمَاءُ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ لَبَنًا وَخَمْرًا وَعَسَلًا وَمَاءً وَحَرِيرًا وَذَهَبًا وَفِضَّةً وَتِلْكَ الْحَقَائِقُ لَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ.
فَالْخَالِقُ تَعَالَى أَبْعَدُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْمَخْلُوقِ إلَى الْمَخْلُوقِ.
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ نَفْسَهُ عَلِيمًا حَلِيمًا رَءُوفًا رَحِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا عَزِيزًا مَلِكًا جَبَّارًا مُتَكَبِّرًا.
مُؤْمِنًا عَظِيمًا كَرِيمًا غَنِيًّا شَكُورًا.
كَبِيرًا حَفِيظًا شَهِيدًا حَقًّا وَكِيلًا وَلَّيَا وَسَمَّى أَيْضًا بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَسَمَّى الْإِنْسَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَسَمَّى نَبِيَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ مَلِكًا وَبَعْضَهُمْ شَكُورًا وَبَعْضَهُمْ عَظِيمًا وَبَعْضَهُمْ حَلِيمًا وَعَلِيمًا وَسَائِرُ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَسْمَاءِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ مُمَاثِلًا لِلْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ.
وَكَذَلِكَ النِّزَاعُ فِي لَفْظِ التَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ مُتَحَيِّزٌ وَهُوَ فِي جِهَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ وَلَيْسَ فِي جِهَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ فِي جِهَةٍ وَلَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ وَلَفْظُ الْمُتَحَيِّزِ يَتَنَاوَلُ الْجِسْمَ وَالْجَوْهَرَ الْفَرْدَ وَلَفْظُ الْجَوْهَرِ قَدْ يُرَادُ بِهِ

الْمُتَحَيِّزُ وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ.
وَمِنْ الْفَلَاسِفَةِ مَنْ يَدَّعِي إثْبَاتَ جَوَاهِرَ قَائِمَةٍ بِأَنْفُسِهَا غَيْرِ مُتَحَيِّزَةٍ.
وَمُتَأَخِّرُو أَهْلِ الْكَلَامِ كَالشِّهْرِسْتَانِي وَالرَّازِي والآمدي وَنَحْوِهِمْ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُحِيلُ ذَلِكَ وَلِهَذَا كَانَ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَ هَؤُلَاءِ - وَهُوَ إنَّمَا يُثْبِتُ حُدُوثَ الْعَالَمِ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ - يَقُولُ بِتَقْدِيرِ وُجُودِ جَوَاهِرَ عَقْلِيَّةٍ فَلَيْسَ فِي هَذَا الدَّلِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهَا وَلِهَذَا صَارَ طَائِفَةٌ مِمَّنْ خَلَطَ الْكَلَامَ بِالْفَلْسَفَةِ إلَى قَدَمِ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ وَحُدُوثِ الْأَجْسَامِ وَأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِحُدُوثِهَا هُوَ حُدُوثُ تَصَوُّرٍ مِنْ تَصَوُّرَاتِ النَّفْسِ وَبَعْضِ أَعْيَانِ الْمُصَنِّفِينَ كَانَ يَقُولُ بِهَذَا.
وَكَذَلِكَ الأرموي صَاحِبُ " اللُّبَابِ " الَّذِي أَجَابَ عَنْ شُبْهَةِ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى دَوَامِ الْفَاعِلِيَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُدُوثِ مِنْ سَبَبٍ فَأَجَابَ بِالْجَوَابِ الْبَاهِرِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الرَّازِي فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " فَإِنَّهُ أَجَابَ بِهِ وَهُوَ فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " يَخْلِطُ كَلَامَ الْفَلَاسِفَةِ بِكَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ حَائِرٌ وَهَذَا الْجَوَابُ مِنْ أَفْسَدِ الْأَجْوِبَةِ.
فَإِنَّهُ يُقَالُ.
مَا الْمُوجِبُ لِحُدُوثِ تِلْكَ التَّصَوُّرَاتِ دَائِمًا ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ عِنْدَهُمْ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِالْجِسْمِ فَيَمْتَنِعُ وُجُودُ نَفْسٍ بِدُونِ جِسْمٍ.

وَأَيْضًا فَاَلَّذِي عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَأَيْضًا فَمَا تُثْبِتُهُ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ إنَّمَا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ وَأَمَّا أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالُوا انْتِفَاءُ هَذِهِ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَ أَنَّ مَا تَدَّعِي الْفَلَاسِفَةُ إثْبَاتَهُ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْعُقَلُ وَالنَّفْسُ وَالْمَادَّةُ وَالصُّورَةُ فَلَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ مَعْقُولَةٌ فِي الذِّهْنِ يُجَرِّدُهَا الْعَقْلُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ كَمَا يُجَرِّدُ الْعَقْلَ الْكُلِّيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ الْأَصْنَافِ: كالحيوانية الْكُلِّيَّةِ والإنسانية الْكُلِّيَّةِ وَالْكُلِّيَّاتِ إنَّمَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَمَنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْخَارِجِ كُلِّيَّاتٌ وَأَنَّ فِي الْخَارِجِ مَاهِيَّاتٍ كُلِّيَّةً مُقَارِنَةً لِلْأَعْيَانِ غَيْرَ الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَكَذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ كُلِّيَّاتٍ مُجَرَّدَةً عَنْ الْأَعْيَانِ يُسَمُّونَهَا " الْمُثُلَ الأفلاطونية " وَمِنْهُمْ مَنْ يُثْبِتُ دَهْرًا مُجَرَّدًا عَنْ الْمُتَحَرِّكِ وَالْحَرَكَةِ وَيُثْبِتُ خَلَاءً مُجَرَّدًا لَيْسَ هُوَ مُتَحَيِّزًا وَلَا قَائِمًا بِمُتَحَيِّزِ.
وَيُثْبِتُ هَيُولَى مُجَرَّدَةً عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ وَالْهَيُولَى فِي لُغَتِهِمْ بِمَعْنَى الْمَحَلِّ.
يُقَالُ الْفِضَّةُ هَيُولَى الْخَاتَمِ وَالدِّرْهَمِ وَالْخَشَبِ هَيُولَى الْكُرْسِيِّ.
أَيْ هَذَا الْمَحَلُّ الَّذِي تُصْنَعُ فِيهِ هَذِهِ الصُّورَةُ وَهَذِهِ الصُّورَةُ الصِّنَاعِيَّةُ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَيَدَّعُونَ أَنَّ لِلْجِسْمِ هَيُولَى مَحَلَّ

الصُّورَةِ الْجِسْمِيَّةِ غَيْرَ نَفْسِ الْجِسْمِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ وَهَذَا غَلَطٌ.
وَإِنَّمَا هَذَا يُقَدَّرُ فِي النَّفْسِ كَمَا يُقَدَّرُ امْتِدَادُ مُجَرَّدٍ عَنْ كُلِّ مُمْتَدٍّ وَعَدَدٍ مُجَرَّدٍ عَنْ كُلٍّ مَعْدُودٍ وَمِقْدَارٍ مُجَرَّدٍ عَنْ كُلّ مُقَدَّرٍ وَهَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ مُقَدَّرَةٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَقَدْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ مَنْ عَادَتُهُ نَصْرُ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ.
كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَالْجَوَاهِرُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي يُثْبِتُهَا هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بَعْد التَّصَوُّرِ التَّامِّ انْتِفَاؤُهَا فِي الْخَارِجِ.
وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهَذِهِ لَا يَعْرِفُهَا هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ أَتْبَاعَ أَرِسْطُو وَلَا يَذْكُرُونَهَا بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ كَمَا لَا يَعْرِفُونَ النُّبُوَّاتِ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهَا بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ مُتَأَخِّرُوهُمْ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّاتِ وَبَيْنَ الْفَلْسَفَةِ فَلَبَّسُوا وَدَلَّسُوا.
وَكَذَلِكَ الْعِلَّةُ الْأُولَى " الَّتِي يُثْبِتُونَهَا لِهَذَا الْعَالَمِ إنَّمَا أَثْبَتُوا عِلَّةً غائية يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهَا وَتَحْرِيكُهَا لِلْفَلَكِ مِنْ جِنْسِ تَحْرِيكِ الْإِمَامِ الْمُقْتَدَى بِهِ لِلْمُؤْتَمِّ الْمُقْتَدِي إذَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِإِمَامِهِ وَيَقْتَدِيَ بِإِمَامِهِ وَلَفْظُ " الْإِلَهِ " فِي لُغَتِهِمْ يُرَادُ بِهِ الْمَتْبُوعُ الْإِمَامُ الَّذِي يَتَشَبَّهُ بِهِ فَالْفَلَكُ عِنْدَهُمْ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِالْإِلَهِ وَلِهَذَا جَعَلُوا " الْفَلْسَفَةَ الْعُلْيَا " و " الْحِكْمَةَ الْأُولَى " إنَّمَا هِيَ التَّشَبُّهُ بِالْإِلَهِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَكَلَامُ أَرِسْطُو فِي عِلْمِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ فِي " مَقَالَةِ اللَّامِ " الَّتِي هِيَ مُنْتَهَى فَلْسَفَتِهِ

وَفِي غَيْرِهَا كُلُّهُ يَدُورُ عَلَى هَذَا وَتَارَةً يُشَبِّهُ تَحْرِيكَهُ لِلْفَلَكِ بِتَحَرِّيك الْمَعْشُوقِ لِلْعَاشِقِ لَكِنَّ التَّحْرِيكَ هُنَا قَدْ يَكُونُ لِمَحَبَّةِ الْعَاشِقِ ذَاتَ الْمَعْشُوقِ أَوْ لِغَرَضٍ يَنَالُهُ مِنْهُ وَحَرَكَةُ الْفَلَكِ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ يَتَحَرَّكُ لِيَتَشَبَّهَ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى فَهُوَ يُحِبُّهَا أَيْ يُحِبُّ التَّشَبُّهَ بِهَا لَا يُحِبُّ أَنْ يَعْبُدَهَا وَلَا يُحِبَّ شَيْئًا يَحْصُلُ مِنْهَا وَيُشَبِّهُ ذَلِكَ أَرِسْطُو بِحَرَكَةِ النَّوَامِيسِ لِأَتْبَاعِهَا أَيْ أَتْبَاعِ النَّامُوسِ قَائِمُونَ بِمَا فِي النَّامُوسِ وَيَقْتَدُونَ بِهِ وَالنَّامُوسُ عِنْدَهُمْ هِيَ السِّيَاسَةُ الْكُلِّيَّةُ لِلْمَدَائِنِ الَّتِي وَضَعَهَا لَهُمْ ذَوُو الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ لِمَصْلَحَةِ دُنْيَاهُمْ؛ لِئَلَّا يَتَظَالَمُوا وَلَا تَفْسُدَ دُنْيَاهُمْ.
وَمَنْ عَرَفَ النُّبُوَّاتِ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ شَرَائِعَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ جِنْسِ نَوَامِيسِهِمْ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا مَصْلَحَةُ الدُّنْيَا؛ بِوَضْعِ قَانُونِ عدلي؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ النُّبُوَّةَ وَجَعَلُوا النُّبُوَّةَ لَا بُدَّ مِنْهَا لِأَجْلِ وَضْعِ هَذَا النَّامُوسِ وَلَمَّا كَانَتْ الْحِكْمَةُ الْعَمَلِيَّةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الْخِلْقِيَّةُ وَالْمَنْزِلِيَّةُ وَالْمَدَنِيَّةُ: جَعَلُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ هِيَ مِنْ جِنْسِ الْحِكْمَةِ الْخِلْقِيَّةِ وَالْمَنْزِلِيَّةِ وَالْمَدَنِيَّةِ.
فَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ بَلْ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ مِنْ كُفَّارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِكَثِيرِ.
وَأَرِسْطُو الْمُعَلِّمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ إلَى الْغَايَةِ.
لَكِنْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ جَيِّدَةٌ بِالْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وَهَذَا بَحْرُ عِلْمِهِمْ وَلَهُ تَفَرَّغُوا

وَفِيهِ ضَيَّعُوا زَمَانَهُمْ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَحَظُّهُمْ مِنْهَا مَبْخُوسٌ جِدًّا وَأَمَّا مَلَائِكَتُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَكُتُبُهُ وَرُسُلُهُ وَالْمَعَادُ.
فَلَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهِ لَا بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ مُتَأَخِّرُوهُمْ الدَّاخِلُونَ فِي الْمِلَلِ.
وَأَمَّا قُدَمَاءُ الْيُونَانِ فَكَانُوا مُشْرِكِينَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكًا وَسِحْرًا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ وَلِهَذَا عَظُمَتْ عِنَايَتُهُمْ بِعِلْمِ الْهَيْئَةِ وَالْكَوَاكِبِ لِأَجْلِ عِبَادَتِهَا.
وَكَانُوا يَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ وَكَانَ آخِرُ مُلُوكِهِمْ بَطْلَيْمُوس صَاحِبَ " الْمَجِسْطِي " وَلَمَّا دَخَلَتْ الرُّومُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ فَجَاءَ دِينُ الْمَسِيحِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ أَبْطَلَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْكِ.
وَلِهَذَا بَدَّلَ مَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ فَوَضَعَ دِينًا مُرَكَّبًا مِنْ دِينِ الْمُوَحِّدِينَ وَدِينِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ وَيُصَلُّونَ لَهَا وَيَسْجُدُونَ فَجَاءَ قُسْطَنْطِينُ مَلِكُ النَّصَارَى وَمَنْ اتَّبَعَهُ فَابْتَدَعُوا الصَّلَاةَ إلَى الْمَشْرِقِ وَجَعَلُوا السُّجُودَ إلَى الشَّمْسِ بَدَلًا عَنْ السُّجُودِ لَهَا وَكَانَ أُولَئِكَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ الْمُجَسَّدَةَ الَّتِي لَهَا ظِلٌّ فَجَاءَتْ النَّصَارَى وَصَوَّرَتْ تَمَاثِيلَ الْقَدَادِيسَ فِي الْكَنَائِسِ وَجَعَلُوا الصُّوَرَ الْمَرْقُومَةَ فِي الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ بَدَلَ الصُّوَرِ الْمُجَسَّدَةِ الْقَائِمَةِ بِأَنْفُسِهَا الَّتِي لَهَا ظِلٌّ.

وَأَرِسْطُو كَانَ وَزِيرَ الْإِسْكَنْدَرِ بْنِ فيلبس الْمَقْدُونِيِّ - نِسْبَةً إلَى مَقْدُونِيَّةَ - وَهِيَ جَزِيرَةُ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيِّينَ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الْمَشَّائِينَ وَهِيَ الْيَوْمُ خَرَابٌ أَوْ غَمَرَهَا الْمَاءُ وَهُوَ الَّذِي يُؤَرِّخُ لَهُ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ التَّارِيخَ الرُّومِيَّ وَكَانَ قَبْلَ الْمَسِيحِ بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سُنَّةٍ فَيَظُنُّ مَنْ يُعَظِّمُ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةَ أَنَّهُ كَانَ وَزِيرًا لِذِي الْقَرْنَيْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ لِيُعَظِّمَ بِذَلِكَ قَدْرَهُ وَهَذَا جَهْلٌ؛ فَإِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ قَبْلَ هَذَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ جِدًّا وَذُو الْقَرْنَيْنِ بَنَى سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهَذَا الْمَقْدُونِيُّ ذَهَبَ إلَى بِلَادِ فَارِسَ وَلَمْ يَصِلْ إلَى بِلَادِ الصِّينِ؛ فَضْلًا عَنْ السَّدِّ.
وَالْمَلَائِكَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَيْسُوا عَشَرَةً وَلَا تِسْعَةً وَهُمْ عِبَادُ اللَّهِ أَحْيَاءُ نَاطِقُونَ يَنْزِلُونَ إلَى الْأَرْضِ وَيَصْعَدُونَ إلَى السَّمَاءِ.
وَلَا يَفْعَلُونَ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ.
كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وَأَمْثَالُ هَذِهِ النُّصُوصِ.
وَهَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ أَنَّ الْعُقُولَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَأَنَّ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ هُوَ

رَبُّ كُلِّ مَا تَحْتَ هَذَا الْفَلَكِ وَالْعَقْلُ الْأَوَّلُ هُوَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَالْمَلَاحِدَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا مَعَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي عُبَيْدٍ: كَأَصْحَابِ رَسَائِلَ إخْوَانِ الصَّفَا وَغَيْرِهِمْ وَكَمَلَاحِدَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ: مِثْلِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَابْنِ سَبْعِينَ وَغَيْرِهِمَا يَحْتَجُّونَ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ: " ﴿أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ﴾ ". وَفِي كَلَامِ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ فِي " الْكُتُبِ الْمَضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا " وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي هَؤُلَاءِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ وَيُعَبِّرُ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ بِلَفْظِ الْمُلْكِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ الْجِسْمُ وَالنَّفْسُ وَالْعَقْلُ.
فَيَأْخُذُ هَؤُلَاءِ الْعِبَارَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ وَيُودِعُونَهَا مَعَانِيَ هَؤُلَاءِ وَتِلْكَ الْعِبَارَاتُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا سَمِعُوهَا قَبِلُوهَا ثُمَّ إذَا عَرَفُوا الْمَعَانِيَ الَّتِي قَصَدَهَا هَؤُلَاءِ ضَلَّ بِهَا مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّ هَذِهِ مَعَانِي هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَعَانِي الَّتِي عَنَاهَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِخْوَانُهُ الْمُرْسَلُونَ: مِثْلُ مُوسَى وَعِيسَى - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَلِهَذَا ضَلَّ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِسَبَبِ هَذَا الِالْتِبَاسِ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِحَقِيقَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ حَتَّى يَضِلَّ بِهِمْ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّصَوُّفِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِي مُخَالَفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يُحِبُّ اتِّبَاعَهُ مُطْلَقًا وَلَوْ عَرَفَ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا جَاءَ بِهِ لَمْ يَقْبَلْهُ لَكِنْ لِعَدَمِ كَمَالِ عِلْمِهِ بِمَعَانِي مَا أَخْبَرَ

بِهِ الرَّسُولُ وَمَقَاصِدِ هَؤُلَاءِ يَقْبَلُ هَذَا.
لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ مِمَّنْ لَهُ نَصِيبٌ وَافِرٌ فِي الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ وَالزُّهْدِ وَالْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ.
وَرَأَى الطَّالِبُ أَنَّ هَذَا مَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَرْتَبَةِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ إنَّمَا يَعْرِفُونَ الشَّرْعَ الظَّاهِرَ وَفَوْقَ مَرْتَبَةِ الْمُحَدِّثِ الَّذِي غَايَتُهُ أَنْ يَنْقُلَ أَلْفَاظًا لَا يُعْلَمُ مَعَانِيهَا وَكَذَلِكَ الْمُقْرِئِ وَالْمُفَسِّرِ وَرَأَى مَنْ يُعَظِّمُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إمَّا مُوَافِقٌ لَهُمْ وَإِمَّا خَائِفٌ مِنْهُمْ وَرَأَى بُحُوثَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَعَهُمْ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ لَمْ يَأْتُوا بِتَحْقِيقِ يُبَيِّنُ فَسَادَ قَوْلِهِمْ بَلْ تَارَةً يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى أُصُولٍ لَهُمْ تَكُونُ فَاسِدَةً وَتَارَةً يُخَالِفُونَهُمْ فِي أَمْرٍ قَالَتْهُ الْفَلَاسِفَةُ وَيَكُونُ حَقًّا مِثْلَ مَنْ يَرَى كَثِيرًا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ يُخَالِفُهُمْ فِي أُمُورٍ طَبِيعِيَّةٍ وَرِيَاضِيَّةٍ ظَانًّا أَنَّهُ يَنْصُرُ الشَّرْعَ وَيَكُونُ الشَّرْعُ مُوَافِقًا لِمَا عُلِمَ بِالْعَقْلِ.
مِثْلُ اسْتِدَارَةِ الْأَفْلَاكِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بَيْنَ السَّلَفِ خِلَافٌ فِي أَنَّهَا مُسْتَدِيرَةٌ وَالْآثَارُ بِذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَدْ دَلَّا عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ اسْتِحَالَةُ الْأَجْسَامِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ هُوَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ.
إلَى أُمُورٍ أُخَرِ.
لَكِنَّ كَثِيرَا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ لَا خِبْرَةَ لَهُمْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَآثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ؛ بَلْ يَنْصُرُ مَقَالَاتٍ يَظُنُّهَا دِينُ الْمُسْلِمِينَ بَلْ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَكُونُ قَدْ قَالَهَا أَحَدٌ مِنْ

السَّلَفِ؛ بَلْ الثَّابِتُ عَنْ السَّلَفِ مُخَالِفٌ لَهَا " فَلَمَّا وَقَعَ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ تَقْصِيرٌ وَجَهْلٌ كَثِيرٌ بِحَقَائِقِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُمْ فِي الْعَقْلِيَّاتِ تَارَةً يُوَافِقُونَ الْفَلَاسِفَةَ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَارَةً يُخَالِفُونَهُمْ فِي حَقِّهِمْ صَارَتْ الْمُنَاظَرَاتُ بَيْنَهُمْ دُوَلًا.
وَإِنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُونَ أَصَحَّ مُطْلَقًا فِي الْعَقْلِيَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ كَمَا أَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الشَّرْعِيَّاتِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ؛ فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ كَلَامُهُمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ الْعَقْلِيَّةِ كَلَامٌ قَاصِرٌ جِدًّا وَفِيهِ تَخْلِيطٌ كَثِيرٌ وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ جَيِّدًا فِي الْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَفِي كُلِّيَّاتِهَا فَكَلَامُهُمْ فِيهَا فِي الْغَالِبِ جَيِّدٌ.
وَأَمَّا الْغَيْبُ الَّذِي تُخْبِرُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْكُلِّيَّاتُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي تَعُمُّ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا وَتَقْسِيمُ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا قِسْمَةٌ صَحِيحَةٌ فَلَا يَعْرِفُونَهَا أَلْبَتَّةَ: فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِمَّنْ أَحَاطَ بِأَنْوَاعِ الْمَوْجُودَاتِ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إلَّا الْحَسَيَاتِ وَبَعْضَ لَوَازِمِهَا وَهَذَا مَعْرِفَةٌ بِقَلِيلٍ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ جِدًّا فَإِنَّ مَا لَا يَشْهَدُهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ أَعْظَمُ قَدْرًا.
وَصِفَةً مِمَّا يَشْهَدُونَهُ بِكَثِيرِ.
وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا مَا عَرَفْته الْفَلَاسِفَةُ إذَا سَمِعُوا إخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنْ لَا مَوْجُودَ إلَّا مَا عَلِمُوهُ هُمْ وَالْفَلَاسِفَةُ: يَصِيرُونَ حَائِرِينَ مُتَأَوِّلِينَ لِكَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا عَرَفُوهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُمْ بِهَذَا

النَّفْيِ عِلْمٌ؛ فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ لَكِنَّ نَفْيَهُمْ هَذَا كَنَفْيِ الطَّبِيبِ لِلْجِنِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي صِنَاعَةِ الطِّبّ مَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْجِنِّ وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي عِلْمِ الطِّبِّ مَا يَنْفِي وُجُودَ الْجِنِّ وَهَكَذَا تَجِدُ مِنْ عَرَفَ نَوْعًا مِنْ الْعِلْمِ وَامْتَازَ بِهِ عَلَى الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَهُ فَيَبْقَى بِجَهْلِهِ نَافِيًا لِمَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَبَنُو آدَمَ ضَلَالُهُمْ فِيمَا جَحَدُوهُ وَنَفَوْهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَكْثَرُ مِنْ ظِلَالِهِمْ فِيمَا أَثْبَتُوهُ وَصَدَّقُوا بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ وَهَذَا لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْآدَمِيِّينَ صِحَّةُ الْحِسِّ وَالْعَقْلِ فَإِذَا أَثْبَتُوا شَيْئًا وَصَدَّقُوا بِهِ كَانَ حَقًّا.
وَلِهَذَا كَانَ التَّوَاتُرُ مَقْبُولًا مِنْ جَمِيعِ أَجْنَاسِ بَنِي آدَمَ؛ لِأَنَّهُمْ يُخْبِرُونَ عَمَّا شَاهَدُوهُ وَسَمِعُوهُ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَشْتَرِكُ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ فِي الْغَلَطِ فِيهِ وَلَا فِي تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِيهِ فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ كَمَا تُؤْخَذُ الْمَذَاهِبُ وَالْآرَاءُ الَّتِي يَتَلَقَّاهَا الْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْمُتَقَدِّمِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُغْلَطُ فِيهِ عَادَةً عُلِمَ قَطْعًا صِدْقُهُمْ فَإِنَّ الْمُخْبِرَ إمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ وَإِمَّا أَنْ يَغْلَطَ وَكِلَاهُمَا مَأْمُونٌ فِي الْمُتَوَاتِرَاتِ بِخِلَافِ مَا نَفَوْهُ وَكَذَّبُوا بِهِ فَإِنَّ غَالِبَهُمْ أَوْ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَنْفُونَ مَا لَا يَعْلَمُونَ وَيُكَذِّبُونَ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ.
فَصَارَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَنُّوا الْمَوْجُودَاتِ مَا عَرَفَهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ إذَا سَمِعُوا مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ قَالُوا: الْعَرْشُ هُوَ.

الْفَلَكُ التَّاسِعُ وَالْكُرْسِيُّ هُوَ الثَّامِنُ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي " مَسْأَلَةِ الْإِحَاطَةِ " وَبَيَّنَّا جَهْلَ مَنْ قَالَ هَذَا عَقْلًا وَشَرْعًا وَإِذَا سَمِعَهُمْ يَذْكُرُونَ الْمَلَائِكَةَ ظَنَّ أَنَّهُمْ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ الَّتِي يُثْبِتُهَا الْمُتَفَلْسِفَةُ وَالْقُوَى الَّتِي فِي الْأَجْسَامِ وَكَذَلِكَ الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ يَظُنُّ أَنَّهَا أَعْرَاضٌ قَائِمَةٌ بِالنُّفُوسِ حَيْثُ كَانَ هَذَا مَبْلَغَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ يَظُنُّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَنَّ الْغَرَائِبَ فِي هَذَا الْعَالَمِ سَبَبُهَا قُوَّةٌ فَلَكِيَّةٌ أَوْ طَبِيعِيَّةٌ أَوْ نَفْسَانِيَّةٌ وَيَجْعَلُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَابِ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ السِّحْرِ لَكِنَّ السَّاحِرَ قَصْدُهُ الشَّرُّ وَالنَّبِيَّ قَصْدُهُ الْخَيْرُ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْجَهْلِ بِالْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ الْمُحِيطَةِ بِالْمَوْجُودَاتِ وَأَنْوَاعِهَا وَمِنْ الْجَهْلِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَلَا يَعْرِفُونَ مِنْ الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَلَا الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ إلَّا مَا يَعْرِفُهُ الْفَلَاسِفَةُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَزِيَادَاتٌ تَلَقَّوْهَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ أَوْ عَنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ.
فَلِهَذَا صَارَ كَلَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ أَجْوَدَ مِنْ كَلَامِ سَلَفِهِ وَلِهَذَا قَرُبَتْ فَلْسَفَةُ الْيُونَانِ إلَى أَهْلِ الْإِلْحَادِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ لِمَا فِيهَا مِنْ شَوْبِ الْمِلَّةِ وَلِهَذَا دَخَلَ فِيهَا بَنُو عُبَيْدٍ الْمَلَاحِدَةُ فَأَخَذُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئَةَ الْمُشْرِكِينَ الْعَقْلَ وَالنَّفْسَ وَعَنْ الْمَجُوسِ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ وَسَمَّوْهُ هُمْ السَّابِقَ وَالتَّالِيَ وَكَذَلِكَ الْمَلَاحِدَةُ الْمُنْتَسِبُونَ إلَى التَّصَوُّفِ وَالتَّأَلُّهِ: كَابْنِ سَبْعِينَ وَأَمْثَالِهِ سَلَكُوا

مَسْلَكًا جَمَعُوا فِيهِ بِزَعْمِهِمْ بَيْنَ الشَّرْعِ وَالْفَلْسَفَةِ وَهُمْ مَلَاحِدَةٌ لَيْسُوا مِنْ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّمَا ذُكِرُوا هُنَا لِأَنَّ أَهْلَ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ صَارُوا - لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمَا عَلِمَهُ السَّلَفُ وَأَئِمَّةَ السُّنَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَلِمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ الْكَلَامِيَّاتِ الْبَاطِلَةِ - يُدْخِلُ بِسَبَبِهِمْ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ فِي الْإِسْلَامِ أُمُورًا بَاطِلَةً وَيَحْصُلُ بِهِمْ مِنْ الضَّلَالِ وَالْغَيِّ مَا لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لِذِكْرِهِ.
وَلَمَّا أَحْدَثَتْ الْجَهْمِيَّة مِحْنَتَهُمْ وَدَعَوْا النَّاسَ إلَيْهَا وَضُرِّبَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ فِي سُنَّةِ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ كَان

َ مَبْدَأُ حُدُوثِ الْقَرَامِطَةِ الْمَلَاحِدَةِ الْبَاطِنِيَّةِ

مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَصَارَتْ الْبِدَعُ بَابَ الْإِلْحَادِ كَمَا أَنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكُفْرِ وَلِبَسْطِ هَذَا مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: الْكَلَامُ عَلَى لَفْظِ التَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُتَفَلْسِفَةُ صَارَ بَيْنَهُمْ نِزَاعٌ فِي الْمَلَائِكَةِ.
هَلْ هِيَ مُتَحَيِّزَةٌ أَمْ لَا؟ فَمَنْ مَالَ إلَى الْفَلْسَفَةِ وَرَأَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هِيَ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ الَّتِي يُثْبِتُهَا الْفَلَاسِفَةُ وَأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ مُتَحَيِّزَةً قَالَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسَتْ مُتَحَيِّزَةً لَا سِيَّمَا وَطَائِفَةٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ لَمْ تَجْعَلْ عَدَدَهَا عَشَرَةَ عُقُولٍ وَتِسْعَةَ نُفُوسٍ كَمَا

هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْمَشَّائِينَ بَلْ قَالَ: لَا دَلِيلَ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ وَرَأَى النُّبُوَّاتِ قَدْ أَخْبَرَتْ بِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ فَأَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ كَثْرَتَهُمْ بِطَرِيقَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو الْبَرَكَاتِ صَاحِبُ " الْمُعْتَبَرِ " وَالرَّازِي فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " وَغَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ أَوْ كُلَّ مُحْدَثٍ أَوْ كُلَّ مَخْلُوقٍ: فَهُوَ إمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزِ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: كُلُّ مَوْجُودٍ إمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزِ وَيَقُولُونَ: لَا يُعْقَل مَوْجُودٌ إلَّا كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ ثُمَّ الْمُتَفَلْسِفَةُ كَابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ وَالشِّهْرِسْتَانِي وَالرَّازِي وَغَيْرِهِمْ لَمَّا أَرَادُوا إثْبَاتَ مَوْجُودٍ لَيْسَ كَذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ عُمْدَتِهِمْ إثْبَاتَ الْكُلِّيَّاتِ كالإنسانية الْمُشْتَرِكَةِ والحيوانية الْمُشْتَرِكَةِ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ لَا تَكُونُ كُلِّيَّاتٍ إلَّا فِي الذِّهْنِ فَلَمْ يُنَازِعْهُمْ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا نَازَعُوهُمْ فِي إثْبَاتِ مَوْجُودٍ خَارِجَ الذِّهْنِ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ الْإِحْسَاسُ بِهِ بِحَالِ بَلْ لَا يَكُونُ مَعْقُولًا.
وَقَالُوا لَهُمْ: الْمَعْقُولُ مَا كَانَ فِي الْعَقْلِ وَأَمَّا مَا كَانَ مَوْجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُمْكِنَ الْإِحْسَاسُ بِهِ وَإِنْ لَمْ نُحِسَّ نَحْنُ بِهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا لَا نُحِسُّ بِالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحِسَّ بِهِ غَيْرُنَا كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَأَنْ يُحِسَّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَوْ

يُحِسَّ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ فِي الدُّنْيَا كَالْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ رَأَوْا الْمَلَائِكَةَ وَسَمِعُوا كَلَامَهُمْ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ - وَهُوَ أَنْ كُلَّ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ - هِيَ الَّتِي سَلَكَهَا أَئِمَّةُ النُّظَّارِ: كَابْنِ كُلَّابٍ وَغَيْرِهِ وَسَلَكَهَا ابْنُ الزَّاغُونِي وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجُوزُ رُؤْيَتُهُ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُحِسَّ بِسَائِرِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيُّ وَمُوَافِقُوهُ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِمَا فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ بَلْ يَقُولُونَ فَسَادُهَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَكَذَلِكَ نِزَاعُهُمْ فِي رُوحِ الْإِنْسَانِ الَّتِي تُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: هِيَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا لَيْسَتْ عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِ الْبَدَنِ كَالْحَيَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ كَالْهَوَاءِ الْخَارِجِ مِنْهُ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ زَعَمُوا أَنَّهَا عَرَضٌ قَائِمٌ بِالْبَدَنِ أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ لَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلِقَوْلِ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَمُخَالِفٌ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَهَذَا مِمَّا اسْتَطَالَ بِهِ الْفَلَاسِفَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ

وَبِهَذَا نَقُولُ إذَا لَمْ يَعْنِ بِالرُّوحِ النَّفْسَ فَإِنَّهُ قَالَ: الرُّوحُ الْكَائِنُ فِي الْجَسَدِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: الْحَيَاةُ الْقَائِمَةُ بِهِ وَالْآخِرُ النَّفَسُ وَالنَّفَسُ رِيحٌ يَنْبَثُّ بِهِ وَالْمُرَادُ بِالنَّفَسِ مَا يَخْرُجُ بِنَفَسِ التَّنَفُّسِ مِنْ أَجْزَاءِ الْهَوَاءِ الْمُتَحَلِّلِ مِنْ الْمَسَامِّ وَهَذَا قَوْلُ الإسفرائيني وَغَيْرِهِ وَقَالَ ابْنُ فورك: هُوَ مَا يَجْرِي فِي تَجَاوِيفِ الْأَعْضَاءِ وَأَبُو الْمَعَالِي خَالَفَ هَؤُلَاءِ وَأَحْسَنَ فِي مُخَالَفَتِهِمْ فَقَالَ: إنَّ الرُّوحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُشَابَكَةٌ لِلْأَجْسَامِ الْمَحْسُوسَةِ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِحَيَاةِ الْأَجْسَادِ مَا اسْتَمَرَّتْ مُشَابَكَتُهَا لَهَا فَإِذَا فَارَقَتْهَا تَعَقَّبَ الْمَوْتُ الْحَيَاةَ فِي اسْتِمْرَارِ الْعَادَةِ.
وَمَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ: أَنَّ الرُّوحَ عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا تُفَارِقُ الْبَدَنَ وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ لَيْسَتْ هِيَ الْبَدَنَ وَلَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ كَالنَّفَسِ الْمَذْكُورِ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَد مِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ؛ لَكِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى زَعَمُوا أَنَّهَا جِسْمٌ وَأَنَّهَا الْهَوَاءُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مخاريق الْبَدَنِ؛ مُوَافَقَةً لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْبَاقِلَانِي.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ لَمَّا كَانَتْ مِنْ أَضْعَفِ الْأَقْوَالِ تَسَلَّطَ بِهَا عَلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: إنَّهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا غَيْرُ الْبَدَنِ وَأَجْزَائِهِ وَأَعْرَاضِهِ تَنَازَعُوا: هَلْ هِيَ جِسْمٌ مُتَحَيِّزٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ كَتَنَازُعِهِمْ فِي الْمَلَائِكَةِ.
فالمتكلمون مِنْهُمْ يَقُولُونَ: جِسْمٌ والمتفلسفة يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ عَقْلِيٌّ لَيْسَ بِجِسْمِ وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إلَى أَنَّ مَا تُسَمِّيهِ الْمُتَفَلْسِفَةُ جَوَاهِرَ عَقْلِيَّةً لَا تُوجَدُ إلَّا فِي الذِّهْنِ وَأَصْلُ تَسْمِيَتِهِمْ الْمُجَرَّدَاتِ وَالْمُفَارِقَاتِ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُفَارِقُ بَدَنَهُ بِالْمَوْتِ وَتَتَجَرَّدُ عَنْهُ سَمَّوْهَا مُفَارِقَةً مُجَرَّدَةً ثُمَّ أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتُوهُ مِنْ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَسَمَّوْهَا مُفَارِقَاتٍ وَمُجَرَّدَاتٍ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ يُرِيدُونَ بِالْمُفَارِقِ لِلْمَادَّةِ مَا لَا يَكُونُ جِسْمًا وَلَا قَائِمًا بِجِسْمِ لَكِنَّ النَّفْسَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِسْمِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ وَالْعَقْلِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْأَجْسَامِ أَصْلًا وَلَا رَيْبَ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُقَلَاءَ عَلَى إثْبَاتِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَدَنِ وَالرُّوحِ الَّتِي تُفَارِقُ وَالْجُمْهُورُ يُسَمُّونَ ذَلِكَ رُوحًا وَهَذَا جِسْمًا لَكِنَّ لَفْظَ الْجِسْمِ فِي اللُّغَةِ لَيْسَ هُوَ الْجِسْمَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ الْجِسْمُ هُوَ الْجَسَدُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْجِسْمُ الْغَلِيظُ أَوْ غِلَظُهُ وَالرُّوحُ لَيْسَتْ مِثْلَ الْبَدَنِ فِي الْغِلَظِ وَالْكَثَافَةِ وَلِذَلِكَ لَا تُسَمَّى جِسْمًا فَمَنْ جَعَلَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَرْوَاحَ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَيْسَتْ أَجْسَامًا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَقَدْ أَصَابَ فِي ذَلِكَ وَرَبُّ الْعَالَمِينَ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ جِسْمًا فَإِنَّهُ مِنْ الْمَشْهُورِ فِي اللُّغَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ.

وَأَمَّا أَهْلُ الِاصْطِلَاح مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ والمتفلسفة فَيَجْعَلُونَ مُسَمَّى الْجِسْمِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَا أَمْكَنَتْ الْإِشَارَةُ الْحِسِّيَّةُ إلَيْهِ وَمَا قِيلَ إنَّهُ هُنَا وَهُنَاكَ وَمَا قَبِلَ الْأَبْعَادَ الثَّلَاثَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْمُتَحَيِّزُ فِي اصْطِلَاحِ هَؤُلَاءِ هُوَ الْجِسْمُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْجِسْمِ فِي اللُّغَةِ وَأَمَّا الْمُتَحَيِّزُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَوْزُ الْجَمْعُ وَكُلُّ مَنْ ضَمٍّ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا فَقَدْ حَازَهُ حَوْزًا وَحِيَازَةً وَاحْتَازَهُ أَيْضًا وَالْحَوْزُ وَالْحَيِّزُ السُّوقُ اللَّيِّنُ وَقَدْ حَازَ الْإِبِلَ يَحُوزُهَا وَيَحِيزُهَا وَحَوَّزَ الْإِبِلَ سَاقَهَا إلَى الْمَاءِ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: إذَا كَانَتْ الْإِبِلُ بَعِيدَةَ الْمَرْعَى عَنْ الْمَاءِ فَأَوَّلُ لَيْلَةٍ تُوَجِّهُهَا إلَى الْمَاءِ لَيْلَةُ الْحَوْزِ وَتَحَوَّزَتْ الْحَيَّةُ وَتَحَيَّزَتْ تَلَوَّتْ.
يُقَالُ مَا لَك تَتَحَوَّزُ تَحَوُّزَ الْحَيَّةِ وَتَتَحَيَّزُ تَحَيُّزَ الْحَيَّةِ قَالَ سِيبَوَيْهِ هُوَ تَفَعُّلٌ مِنْ حُزْت الشَّيْءَ قَالَ الْقَطَامِيُّ: تَحَيَّزَ مِنِّي خَشْيَةَ أَنْ أُضِيفَهَا كَمَا انْحَازَتْ الْأَفْعَى مَخَافَةَ ضَارِبِ يَقُولُ تَتَنَحَّى عَنِّي هَذِهِ الْعَجُوزُ وَتَتَأَخَّرُ خَشْيَةَ أَنْ أَنْزِلَ عَلَيْهَا ضَيْفًا.

وَالْحَيِّزُ مَا انْضَمَّ إلَى الدَّارِ مِنْ مَرَافِقِهَا وَكُلُّ نَاحِيَةٍ حَيِّزٌ وَأَصْلُهُ مِنْ الْوَاوِ وَالْحَيِّزُ تَخْفِيفُ الْحَيِّزِ مِثْلُ هَيْنٍ وَهَيِّنٌ وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ وَالْجَمْعُ أحياز وَالْحَوْزَةُ النَّاحِيَةُ وَانْحَازَ عَنْهُ انعدل وَانْحَازَ الْقَوْمُ تَرَكُوا مَرْكَزَهُمْ إلَى آخَرَ يُقَالُ لِلْأَوْلِيَاءِ انْحَازُوا عَنْ الْعَدُوِّ وَحَاصُوا وَالْأَعْدَاءُ انْهَزَمُوا وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَتَحَاوَزَ الْفَرِيقَانِ فِي الْحَرْبِ انْحَازَ كُلُّ فَرِيقٍ عَنْ الْآخَرِ.
فَهَذَا الْمَذْكُورُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي هَذَا اللَّفْظِ وَمَادَّتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّحَيُّزَ وَالِانْحِيَازَ وَالتَّحَوُّزَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ عُدُولًا مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ كَوْنِهِ يَحُوزُهُ أَمْرٌ مَوْجُودٌ فَهُمْ يُرَاعُونَ فِي مَعْنَى الْحَوْزِ ذَهَابَهُ مِنْ جِهَةٍ إلَى جِهَةٍ؛ وَلِهَذَا يَقُولُونَ: حُزْت الْمَالَ وَحُزْت الْإِبِلَ وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ نَقْلَهُ مِنْ جِهَةٍ إلَى جِهَةٍ فَالشَّيْءُ الْمُسْتَقِرُّ فِي مَوْضِعِهِ كَالْجَبَلِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَا يُسَمُّونَهُ مُتَحَيِّزًا وَأَعَمُّ مِنْ هَذَا أَنْ يُرَادَ بِالْمُتَحَيِّزِ مَا يُحِيطُ بِهِ حَيِّزٌ مَوْجُودٌ فَيُسَمَّى كُلُّ مَا أَحَاطَ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ وَعَلَى هَذَا فَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مُتَحَيِّزٌ؛ بَلْ مَا فِي الْعَالَمِ مُتَحَيِّزٌ إلَّا سَطْحَ الْعَالَمِ الَّذِي لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ وَكَذَلِكَ الْعَالَمُ جُمْلَةً لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي عَالَمٍ آخَرَ أَحَاطَ بِهِ والمتكلمون يُرِيدُونَ بِالْمُتَحَيِّزِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَالْحَيِّزُ عِنْدَهُمْ أَعَمُّ مِنْ الْمَكَانِ فَالْعَالَمُ كُلُّهُ فِي حَيِّزٍ وَلَيْسَ هُوَ فِي مَكَانٍ

وَالْمُتَحَيِّزُ عِنْدَهُمْ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَنَّهُ يَحُوزُهُ غَيْرُهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ حَيِّزٌ وُجُودِيٌّ بَلْ كُلَّمَا أُشِيرَ إلَيْهِ وَامْتَازَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ مُتَحَيِّزٌ عِنْدَهُمْ.
ثُمَّ هُمْ مُخْتَلِفُونَ بَعْدَ هَذَا فِي الْمُتَحَيِّزِ: هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ أَوْ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ؟ أَوْ هُوَ غَيْرُ مُرَكَّبٍ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا؟ كَمَا تَقَدَّمَ نِزَاعُهُمْ فِي الْجِسْمِ.
فَالْجِسْمُ عِنْدَهُمْ مُتَحَيِّزٌ وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ إلَّا الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهُ وَهَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهُوَ مُرَكَّبٌ أَيْ يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ إلَى جُزْءٍ لَا يَتَجَزَّأُ بَلْ يَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ الْمُتَحَيِّزَاتُ مُتَمَاثِلَةً فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ وَمَنْ كَانَ مَعْنَى الْمُتَحَيِّزِ عِنْدَهُ هَذَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُنَزِّهَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَإِذَا قَالَ: الْمَلَائِكَةُ مُتَحَيِّزُونَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَوْ الرُّوحُ مُتَحَيِّزَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ نَازَعَهُ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ بَلْ لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا يَقُولُ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ مُتَحَيِّزَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَلَا قَالُوا لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ رُوحُ بَنِي آدَمَ الَّتِي تُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّهَا مُتَحَيِّزَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَلَا قَالَ فِيهَا لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ هَذَا التَّحَيُّزِ لِلْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ بِدْعَةً فِي الشَّرْعِ وَبَاطِلًا فِي الْعَقْلِ فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِدْعَةً وَبَاطِلًا فِي رَبِّ

الْعَالِمَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ عَامَّةَ مَا يَقُولُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمَةُ فِي نُفُوسِ بَنِي آدَمَ وَفِي الْمَلَائِكَةِ بَاطِلٌ فَكَيْفَ بِمَا يَقُولُونَهُ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلِهَذَا تُوجَدُ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا مَقَالَاتُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي مَلَائِكَتِهِ وَفِي أَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ وَفِي الْمَعَادِ وَفِي النُّبُوَّاتِ لَيْسَ فِيهَا قَوْلٌ يُطَابِقُ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ وَلَا يَعْرِفُونَ مَا قَالَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
فَلِهَذَا يَغْلِبُ عَلَى فُضَلَائِهِمْ الْحَيْرَةُ فَإِنَّهُمْ إذَا أَنْهَوْا النَّظَرَ لَمْ يَصِلُوا إلَى عِلْمٍ.
لِأَنَّ مَا نَظَرُوا فِيهِ مِنْ كَلَامِ الطَّائِفَتَيْنِ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَاطِلٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي فِي آخِرِ عُمْرِهِ: لَقَدْ تَأَمَّلْت الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ فَمَا رَأَيْتهَا تَشْفِي عَلِيلًا وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا وَرَأَيْت أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي.
وَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ هُوَ مَا بَايَنَ غَيْرَهُ فَانْحَازَ عَنْهُ وَلَيْسَ

مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمُنْفَرِدَةِ وَلَا أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالتَّقْسِيمَ.
فَإِذَا قَالَ: إنَّ الرَّبَّ مُتَحَيِّزٌ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ أَنَّهُ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَقَدْ أَرَادَ مَعْنًى صَحِيحًا لَكِنَّ إطْلَاقَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ بِدْعَةٌ وَفِيهَا تَلْبِيسٌ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ لَيْسَ مَعْنَى الْمُتَحَيِّزِ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَهُ وَلِطَائِفَتِهِ وَفِي الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَصَارَ يَحْتَمِلُ مَعْنًى فَاسِدًا يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهُ وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُطْلِقَ لَفْظًا يَدُلُّ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ وَيُفْهَمَ ذَلِكَ الْغَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ مِنْ غَيْرِ بَيَان مُرَادِهِ؛ بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ الَّذِينَ أَرَادُوا بِالْمُتَحَيِّزِ مَا كَانَ مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَهُوَ مَا كَانَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ إذَا قَالُوا إنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ أَوْ كُلَّ مُحْدَثٍ أَوْ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ: إمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزٍ كَانَ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلَا سَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ فَكَيْفَ إذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: كُلُّ مَوْجُودٍ فَهُوَ إمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزِ وَأَرَادَ بِالْمُتَحَيِّزِ مَا أَرَادَهُ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ قَوْلَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَبْعَدَ عَنْ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْ قَوْلِ أُولَئِكَ وَلِهَذَا طَالَبَهُمْ مُتَأَخِّرُوهُمْ بِالدَّلِيلِ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ.
وَلَيْسَ خَطَأُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِهَةِ مَا أَثْبَتَهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ تِلْكَ قَدْ عُلِمَ بُطْلَانُهَا بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَيْضًا.

وَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ فِي النَّفْسِ النَّاطِقَةِ مِنْ أَنَّهَا لَا يُشَارُ إلَيْهَا وَلَا تُوصَفُ بِحَرَكَةِ وَلَا سُكُونٍ وَلَا صُعُودٍ وَلَا نُزُولٍ وَلَيْسَتْ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ هُوَ أَيْضًا كَلَامٌ أَبْطَلُ مِنْ كَلَامِ أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُقَلَاءِ وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَقُولُ مِنْهُمْ - كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ - إنَّهَا لَا تَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ وَإِنَّمَا تَعْرِفُ الْأُمُورَ الْكُلِّيَّةَ؛ فَإِنَّ هَذَا مُكَابَرَةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّهَا تَعْرِفُ بَدَنَهَا وَتَعْرِفُ كُلَّ مَا تَرَاهُ بِالْبَدَنِ وَتَشُمُّهُ وَتَسْمَعُهُ وَتَذُوقُهُ وَتَقْصِدُهُ وَتَأْمُرُ بِهِ وَتُحِبُّهُ وَتَكْرَهُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَتَصَرَّفُ فِيهِ بِعِلْمِهَا وَعَمَلِهَا فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهَا لَا تَعْرِفُ الْأُمُورَ الْمُعَيَّنَةَ وَإِنَّمَا تَعْرِفُ أُمُورًا كُلِّيَّةً وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ إنَّ تَعَلُّقَهَا بِالْبَدَنِ لَيْسَ إلَّا مُجَرَّدَ تَعَلُّقِ التَّدْبِيرِ وَالتَّصْرِيفِ كَتَدْبِيرِ الْمَلِكِ لِمَمْلَكَتِهِ مِنْ أَفْسَدِ الْكَلَامِ فَإِنَّ الْمَلِكَ يُدَبِّرُ أَمْرَ مَمْلَكَتِهِ فَيَأْمُرُ وَيُنْهِي وَلَكِنْ لَا يَصْرِفُهُمْ هُوَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكُوا هُمْ بِإِرَادَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ وَالْمَلِكُ لَا يَلْتَذُّ بِلَذَّةِ أَحَدِهِمْ وَلَا يَتَأَلَّمُ بِتَأَلُّمِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرُّوحَ وَالْبَدَنَ بَلْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا مِنْ الِاتِّحَادِ والائتلاف مَا لَا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ يُقَاسُ بِهِ وَلَكِنَّ دُخُولَ الرُّوحِ فِيهِ لَيْسَ هُوَ مُمَاثِلًا لِدُخُولِ شَيْءٍ مِنْ الْأَجْسَامِ الْمَشْهُودَةِ فَلَيْسَ دُخُولُهَا فِيهِ كَدُخُولِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَإِنَّ هَذِهِ إنَّمَا تَلَاقِي السَّطْحَ الدَّاخِلَ مِنْ الْأَوْعِيَةِ لَا بُطُونَهَا وَلَا ظُهُورَهَا وَإِنَّمَا يُلَاقِي

الْأَوْعِيَةَ مِنْهَا أَطْرَافَهَا دُونَ أَوْسَاطِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرُّوحَ وَالْبَدَنَ بَلْ الرُّوحُ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ وَكَذَلِكَ دُخُولُهَا فِيهَا لَيْسَ كَدُخُولِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي بَدَنِ الْآكِلِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ مَجَارٍ مَعْرُوفَةٌ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ.
- إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ - وَلَا جَرَيَانُهَا فِي الْبَدَنِ كَجَرَيَانِ الدَّمِ فَإِنَّ الدَّمَ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ.
فَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَا يُذْكَرُ مِنْ النَّظَائِرِ لَا يَكُونُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ؛ بِخِلَافِ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ لَكِنْ هِيَ مَعَ هَذَا فِي الْبَدَنِ قَدْ وَلَجَتْ فِيهِ وَتَخْرُجُ مِنْهُ وَقْتَ الْمَوْتِ وَتُسَلُّ مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَتَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ شَيْئًا فَشَيْئًا لَا تُفَارِقُهُ كَمَا يُفَارِقُ الْمَلِكُ مَدِينَتَهُ الَّتِي يُدَبِّرُهَا وَالنَّاسُ لَمَّا لَمْ يَشْهَدُوا لَهَا نَظِيرًا عَسُرَ عَلَيْهِمْ التَّعْبِيرُ عَنْ حَقِيقَتِهَا وَهَذَا تَنْبِيهٌ لَهُمْ عَلَى أَنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ وَلَا تَصَوَّرُوا كَيْفِيَّتَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَّ مَا يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ صِفَاتِهِ هُوَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ جَلَّ جَلَالُهُ.
فَإِنَّ الرُّوحَ الَّتِي هِيَ بَعْضُ عَبِيدِهِ تُوصَفُ بِأَنَّهَا تَعْرُجُ إذَا نَامَ الْإِنْسَانُ وَتَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَهِيَ مَعَ هَذَا فِي بَدَنِ صَاحِبِهَا لَمْ تُفَارِقْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْإِنْسَانُ فِي نَوْمِهِ يُحِسُّ بِتَصَرُّفَاتِ رُوحِهِ تَصَرُّفَاتٍ تُؤَثِّرُ فِي بَدَنِهِ فَهَذَا الصُّعُودُ الَّذِي تُوصَفُ بِهِ الرُّوحُ لَا يُمَاثِلُ صُعُودَ الْمَشْهُودَاتِ فَإِنَّهَا إذَا صَعِدَتْ إلَى مَكَانٍ فَارَقَتْ الْأَوَّلَ بِالْكُلِّيَّةِ وَحَرَكَتِهَا

إلَى الْعُلُوِّ حَرَكَةَ انْتِقَالٍ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ وَحَرَكَةُ الرَّوْحِ بِعُرُوجِهَا وَسُجُودِهَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ إذَا وَصَفَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ وَأَنَّهُ يَدْنُو عَشِيَّةَ عَرَفَةَ إلَى الْحُجَّاجِ " وَأَنَّهُ كَلَّمَ مُوسَى فِي الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ وَأَنَّهُ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ: لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ تَكُونَ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مِنْ جِنْسِ مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ نُزُولِ هَذِهِ الْأَعْيَانِ الْمَشْهُودَةِ حَتَّى يُقَالَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَفْرِيغَ مَكَانٍ وَشَغْلَ آخَرَ.
فَإِنَّ نُزُولَ الرُّوحِ وَصُعُودَهَا لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ لَهُمْ صُعُودٌ وَنُزُولٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ.
فَلَا يَجُوزُ نَفْيُ مَا أَثْبَتّه اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَلَا يَجُوزُ تَمْثِيلُ ذَلِكَ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ لَا سِيَّمَا مَا لَا نُشَاهِدُهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّ مَا ثَبَتَ لِمَا لَا نُشَاهِدُهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لَيْسَ مُمَاثِلًا لِمَا نُشَاهِدُهُ مِنْهَا فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ عَنْ مُمَاثَلَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ مُمَاثَلَةِ مَخْلُوقٍ لِمَخْلُوقِ وَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَخْلُوقِ الَّذِي لَا يُمَاثِلُهُ مِنْ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَهَذَا الَّذِي نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ أَنَّ مَا يَذْكُرُهُ صَاحِبُ " الْمُحَصِّلِ " وَأَمْثَالُهُ مِنْ تَقْسِيمِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى رَأْيِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ كُلُّهُ تَقْسِيمٌ غَيْرُ حَاصِرٍ وَكُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مُقَصِّرٌ عَنْ سَلَفِهِ.
أَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَلَمْ يَسْلُكُوا مِنْ التَّقْسِيمِ الْمَسْلَكَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَكَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو لَمْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ الْفَلَاسِفَةِ الْأَسَاطِينِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَإِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يَقُولُونَ بِحُدُوثِ هَذَا الْعَالَمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ فَوْقَ هَذَا الْعَالَمِ عَالَمًا آخَرَ يَصِفُونَهُ بِبَعْضِ مَا وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ الْجَنَّةَ وَكَانُوا يُثْبِتُونَ مَعَادَ الْأَبْدَانِ كَمَا يُوجَدُ هَذَا فِي كَلَامِ سُقْرَاطَ وتاليس وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَسَاطِينِ الْفَلَاسِفَةِ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَرِسْطُو.
فَصْلٌ: وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ الْمُحْدَثَةُ الْمُجْمَلَةُ النَّافِيَةُ مِثْلَ لَفْظِ " الْمُرَكَّبِ " و " الْمُؤَلَّفِ " و " الْمُنْقَسِمِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ قَدْ صَارَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ نَفْيَ شَيْءٍ مِمَّا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَبَّرَ بِهَا عَنْ مَقْصُودِهِ فَيَتَوَهَّمُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مُرَادَهُ أَنَّ الْمُرَادَ تَنْزِيهُ الرَّبِّ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَهُوَ إثْبَاتُ أَحَدِّيَّتِهِ وَصَمَدِيَّتِهِ وَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ مَا رَآهُ هُوَ مَنْفِيًّا

وَعَبَّرَ عَنْهُ بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ وَضْعًا لَهُ وَاصْطِلَاحًا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ هُوَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ وَلَا مِنْ لُغَةِ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ ثُمَّ يَجْعَلُ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ مُسَمَّى الْأَحَدِ وَالصَّمَدِ وَالْوَاحِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيَجْعَلُ مَا نَفَاهُ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي أَثْبَتّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ تَمَامِ التَّوْحِيدِ.
وَاسْمُ " التَّوْحِيدِ " اسْمٌ مُعَظَّمٌ جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ " وَنَزَلَتْ بِهِ الْكُتُبُ فَإِذَا جَعَلَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ الَّتِي نَفَاهَا مِنْ التَّوْحِيدِ ظَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مُخَالَفَةَ مُرَادِهِ لِمُرَادِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَقُولُ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَيُسَمِّي طَائِفَتَهُ الْمُوَحِّدِينَ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى نَفْيِ شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ تَوْحِيدًا.
وَطَائِفَتُهُمْ الْمُوَحِّدِينَ وَيُسَمُّونَ عِلْمَهُمْ عِلْمَ التَّوْحِيدِ كَمَا تُسَمِّي الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ نَفْيَ الْقَدَرِ عَدْلًا وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ العدلية وَأَهْلَ الْعَدْلِ وَمِثْلُ هَذِهِ الْبِدَعِ كَثِيرٌ جِدًّا يُعَبَّرُ بِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَنْ مَعَانٍ مُخَالِفَةٍ لِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَكُونُ أَصْحَابُ تِلْكَ الْأَقْوَالِ تَلَقَّوْهَا ابْتِدَاءً عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ عَنْ شُبَهٍ حَصَلَتْ لَهُمْ وَأَئِمَّةٍ لَهُمْ وَجَعَلُوا التَّعْبِيرَ عَنْهَا بِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حُجَّةً لَهُمْ وَعُمْدَةً لَهُمْ لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ مُتَابِعُونَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مُخَالِفُونَ لَهُ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَعْرِفُونَ

أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُخَالِفٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فَلِهَذَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَعْرِفَةُ مَا أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ يَعْرِفُوا لُغَةَ الْقُرْآنِ الَّتِي بِهَا نَزَلَ وَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَانِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّ الرَّسُولَ لَمَّا خَاطَبَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرَّفَهُمْ مَا أَرَادَ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَكَانَتْ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ أَكْمَلَ مِنْ حِفْظِهِمْ لِحُرُوفِهِ وَقَدْ بَلَّغُوا تِلْكَ الْمَعَانِيَ إلَى التَّابِعِينَ أَعْظَمَ مِمَّا بَلَّغُوا حُرُوفَهُ فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْعَامَّةَ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا عُمُومُ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَمَعْنَى الْوَاحِدِ وَالْأَحَدِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ يَعْرِفُونَ مَا أَحَبَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَلَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنُ يَحْفَظُهُ مِنْهُمْ أَهْلُ التَّوَاتُرِ وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ ذِكْرِ وَصْفِ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَحَدٌ وَوَاحِدٌ وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّ إلَهَكُمْ وَاحِدٌ وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابَةُ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ أَصْلُ الدِّينِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا دَعَا الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ الْخَلْقَ وَهُوَ أَوَّلُ

مَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَيْهِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا أَمَرَ رُسُلَهُ أَنْ يَأْمُرُوا النَّاسَ بِهِ وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا دَعَا الْخَلْقَ إلَى أَنْ يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَمَّا أَمَرَ بِالْجِهَادِ بَعْد الْهِجْرَةِ قَالَ: ﴿أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: إنَّك تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ﴾ . فَقَالَ لِمُعَاذِ: لِيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ التَّوْحِيدُ وَمَعَ هَذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا يَهُودًا فَإِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا كَثِيرِينَ بِأَرْضِ الْيَمَنِ وَهَذَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُعَاذًا مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ . وَهَذَا مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أَنَّهُ قَالَ: ﴿الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ﴾ . فَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمَا أَرَادَهُ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ هُوَ أَصْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ ثُمَّ مَعْرِفَةُ مَا قَالَ النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ لِيَنْظُرَ الْمَعَانِيَ الْمُوَافِقَةَ لِلرَّسُولِ وَالْمَعَانِيَ الْمُخَالِفَةَ لَهَا.
وَالْأَلْفَاظُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوجَدُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَنَوْعٌ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَيَعْرِفَ مَعْنَى الْأَوَّلِ وَيَجْعَلُ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْأَصْلَ وَيَعْرِفُ مَا يَعْنِيهِ النَّاسُ بِالثَّانِي وَيُرَدَّ إلَى الْأَوَّلِ.
هَذَا طَرِيقُ أَهْلِ الْهُدَى وَالسُّنَّةِ وَطَرِيقُ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْبِدَعِ بِالْعَكْسِ يَجْعَلُونَ الْأَلْفَاظَ الَّتِي أَحْدَثُوهَا وَمَعَانِيهَا هِيَ الْأَصْلَ وَيَجْعَلُونَ مَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ تَبَعًا لَهُمْ فَيَرُدُّونَهَا بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّحْرِيفِ إلَى مَعَانِيهِمْ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِالْعَقْلِ وَاللُّغَةِ يَعْنُونَ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ مَعْنًى بِعَقْلِهِمْ وَرَأْيِهِمْ ثُمَّ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ بِمَا يُمْكِنُهُمْ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ وَالتَّفْسِيرَاتِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِتَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: أَكْثَرُ مَا يُخْطِئُ النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَالْقِيَاسِ.
وَقَالَ: يَجْتَنِبُ الْمُتَكَلِّمُ فِي الْفِقْهِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْمُجْمَلِ وَالْقِيَاسِ وَهَذِهِ الطَّرِيقُ يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ أَهْلُ الْبِدَعِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ

فَهِيَ طَرِيقُ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ دَخَلَ فِي التَّأْوِيلِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ.
وَأَمَّا حُذَّاقُ الْفَلَاسِفَةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ الْمُرَادَ بِخِطَابِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ أَنْ يُخَيَّلَ إلَى الْجُمْهُورِ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي مَصَالِحَ دُنْيَاهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُطَابِقًا لِلْحَقِّ.
قَالُوا: وَلَيْسَ مَقْصُودُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانَ الْحَقِّ وَتَعْرِيفَهُ بَلْ مَقْصُودُهُ أَنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِمْ مَا يَعْتَقِدُونَهُ.
وَيَجْعَلُونَ خَاصَّةَ النُّبُوَّةِ قُوَّةَ التَّخْيِيلِ.
فَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُبَيِّنْ وَلَمْ يُفَهِّمْ؛ بَلْ وَلَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ.
وَهُمْ مُتَنَازِعُونَ هَلْ كَانَ يَعْلَمُ الْأُمُورَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ يَعْلَمُهَا؛ لَكِنْ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ بَيَانُهَا.
وَهَؤُلَاءِ قَدْ يَجْعَلُونَ الرَّسُولَ أَفْضَلَ مِنْ الْفَيْلَسُوفِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ مَا كَانَ يَعْرِفُهَا أَوْ مَا كَانَ حَاذِقًا فِي مَعْرِفَتِهَا وَإِنَّمَا كَانَ يَعْرِفُ الْأُمُورَ الْعَمَلِيَّةَ وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْفَيْلَسُوفَ أَكْمَلَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَمَلِيَّةَ أَكْمَلُ مِنْ الْعِلْمِيَّةِ فَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ خَبَرَ اللَّهِ وَخَبَرَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا فِيهِ التَّخْيِيلُ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّخْيِيلَ وَلَكِنْ قَصَدَ مَعْنًى يُعْرَفُ بِالتَّأْوِيلِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْل الْكَلَامِ الْجَهْمِيَّة يُوَافِقُ أُولَئِكَ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَبُوحَ بِالْحَقِّ فِي بَابِ التَّوْحِيدِ فَخَاطَبَ الْجُمْهُورَ بِمَا يُخَيَّلُ لَهُمْ كَمَا يَقُولُونَ: إنَّهُ لَوْ قَالَ:

إنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِدَاخِلِ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجِهِ وَلَا يُشَارُ إلَيْهِ وَلَا هُوَ فَوْقَ الْعَالَمِ وَلَا كَذَا وَلَا كَذَا لَنَفَرَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْهُ وَقَالُوا هَذَا لَا يُعْرَفُ قَالُوا فَخَاطَبَهُمْ بِالتَّجْسِيمِ حَتَّى يُثْبِتَ لَهُمْ رَبًّا يَعْبُدُونَهُ وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ التَّجْسِيمَ بَاطِلٌ وَهَذَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَعْيَانِ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَشْهُورِينَ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ مَذْهَبَ الْنُّفَاةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَاحْتَاجُوا أَنْ يَعْتَذِرُوا عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْإِثْبَاتِ كَمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ.
وَتَارَةً يَقُولُونَ.
إنَّمَا عَدَلَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيَانِ الْحَقِّ لِيَجْتَهِدُوا فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفِهِ وَيَجْتَهِدُوا فِي تَأْوِيلِ أَلْفَاظِهِ فَتَعْظُمَ أُجُورُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ اجْتِهَادُهُمْ فِي عَقْلِيَّاتِهِمْ وَتَأْوِيلَاتِهِمْ.
وَلَا يَقُولُونَ إنَّهُ قَصَدَ بِهِ إفْهَامَ الْعَامَّةِ الْبَاطِلَ كَمَا يَقُولُ أُولَئِكَ الْمُتَفَلْسِفَةُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْنُّفَاةِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ حَتَّى ابْنُ عَقِيلٍ وَأَمْثَالُهُ.
وَأَبُو حَامِدٍ وَابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ وَأَمْثَالُهُمَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ.
وَأَبُو حَامِدٍ إنَّمَا ذَمَّ التَّأْوِيلَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَصَنَّفَ " إلْجَامَ الْعَوَامِّ عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ " مُحَافَظَةً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ لِأَنَّهُ رَأَى مَصْلَحَةَ الْجُمْهُورِ لَا تَقُومُ إلَّا بِإِبْقَاءِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ يَرَى مَا ذَكَرَهُ فِي كُتُبِهِ " الْمُضْنُونَ بِهَا " أَنَّ النَّفْيَ هُوَ الثَّابِتُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.

فَلَمْ يَجْعَلُوا مَقْصُودَهُ بِالْخِطَابِ الْبَيَانَ وَالْهُدَى كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ كِتَابَهُ وَنَبِيَّهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وَقَالَ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وَقَالَ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَقَالَ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . وَثُمَّ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ كَثُرَتْ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ يَقُولُونَ: مَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَعَانِيَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ كَآيَاتِ الصِّفَاتِ؛ بَلْ لَازِمُ قَوْلِهِمْ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَلَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهَا وَهَؤُلَاءِ مَسَاكِينُ لَمَّا رَأَوْا الْمَشْهُورَ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ

وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ أَنَّ الْوَقْفَ التَّامَّ عِنْدَ قَوْلِهِ.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ﴾ وَافَقُوا السَّلَفَ وَأَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الْمُوَافَقَةِ؛ لَكِنْ ظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْوِيلِ هُوَ مَعْنَى اللَّفْظِ وَتَفْسِيرِهِ أَوْ هُوَ التَّأْوِيلُ الِاصْطِلَاحِيُّ الَّذِي يَجْرِي فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَهُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ فَهُمْ قَدْ سَمِعُوا كَلَامَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فَصَارَ لَفْظُ التَّأْوِيلِ عِنْدَهُمْ هَذَا مَعْنَاهُ.
وَلَمَّا سَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ﴾ ظَنُّوا أَنَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ فِي الْقُرْآنِ مَعْنَاهُ هُوَ مَعْنَى لَفْظِ التَّأْوِيلِ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَعْنَى هَذِهِ النُّصُوصِ إلَّا اللَّهُ لَا جِبْرِيلُ وَلَا مُحَمَّدٌ وَلَا غَيْرُهُمَا؛ بَلْ كُلٌّ مِنْ الرَّسُولَيْنِ عَلَى قَوْلِهِمْ يَتْلُو أَشْرَفَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَخْبَارِ عَنْ اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى ذَلِكَ أَصْلًا ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَذُمُّونَ وَيُبْطِلُونَ تَأْوِيلَاتِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا جَيِّدٌ؛ لَكِنْ قَدْ يَقُولُونَ تَجْرِي عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إلَّا اللَّهُ فَإِنَّ عَنَوْا بِظَوَاهِرِهَا مَا يَظْهَرُ مِنْهَا مِنْ الْمَعَانِي كَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِمْ إنَّ لَهَا تَأْوِيلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَإِنْ عَنَوْا بِظَوَاهِرِهَا مُجَرَّدَ الْأَلْفَاظِ: كَانَ مَعْنَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَلَهَا بَاطِنٌ يُخَالِفُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَهُوَ التَّأْوِيلُ وَذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
وَفِيهِمْ مَنْ يُرِيدُ بِإِجْرَائِهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا هَذَا الْمَعْنَى وَفِيهِمْ مِنْ

يُرِيدُ الْأَوَّلَ وَعَامَّتُهُمْ يُرِيدُونَ بِالتَّأْوِيلِ الْمَعْنَى الثَّالِثَ وَقَدْ يُرِيدُونَ بِهِ الثَّانِيَ فَإِنَّهُ أَحْيَانًا قَدْ يُفَسَّرُ النَّصُّ بِمَا يُوَافِقُ ظَاهِرَهُ وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّأْوِيلِ الثَّالِثِ فَيَأْبَوْنَ ذَلِكَ وَيَكْرَهُونَ تَدَبُّرَ النُّصُوصِ وَالنَّظَرَ فِي مَعَانِيهَا أَعْنِي النُّصُوصَ الَّتِي يَقُولُونَ إنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَأْوِيلَهَا إلَّا اللَّهُ.
ثُمَّ هُمْ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ بِحَسَبِ عَقَائِدِهِمْ فَإِنْ كَانُوا مِنْ الْقَدَرِيَّةِ قَالُوا: النُّصُوصُ الْمُثْبِتَةُ لِكَوْنِ الْعَبْدِ فَاعِلًا مُحْكَمَةٌ وَالنُّصُوصُ الْمُثْبِتَةُ لِكَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى خَالِقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ أَوْ مُرِيدًا لِكُلِّ مَا وَقَعَ نُصُوصٌ مُتَشَابِهَةٌ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إلَّا اللَّهُ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَتَأَوَّلُهَا فَإِنَّ عَامَّةَ الطَّوَائِفِ مِنْهُمْ مَنْ يَتَأَوَّلُ مَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يَتَأَوَّلُهُ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الصفاتية الْمُثْبِتِينَ لِلصِّفَاتِ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَهَا بِالْعَقْلِ دُونَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ مِثْلَ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخَّرِي الْكُلَّابِيَة كَأَبِي الْمَعَالِي فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِ قَالُوا عَنْ النُّصُوصِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُعْلَمُ عِنْدَهُمْ بِالْعَقْلِ هَذِهِ نُصُوصٌ مُتَشَابِهَةٌ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إلَّا اللَّهُ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَكُونُ لَهُ قَوْلَانِ وَحَالَانِ: تَارَةً يَتَأَوَّلُ وَيُوجِبُ التَّأْوِيلَ أَوْ يُجَوِّزُهُ وَتَارَةً يُحَرِّمُهُ كَمَا يُوجَدُ لِأَبِي الْمَعَالِي وَلِابْنِ عَقِيلٍ وَلِأَمْثَالِهِمَا مِنْ اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ.
وَمَنْ أَثْبَتَ الْعُلُوَّ بِالْعَقْلِ وَجَعَلَهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةِ: كَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَبِي الْحَسَنِ بْن الزَّاغُونِي وَمَنْ وَافَقَهُ وَكَالْقَاضِي أَبِي

يَعْلَى فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ: أَثْبَتُوا الْعُلُوَّ وَجَعَلُوا الِاسْتِوَاءَ مِنْ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ الَّتِي يَقُولُونَ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا إلَّا اللَّهُ " وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الْفَوْقِيَّةَ وَالْعُلُوَّ أَيْضًا مِنْ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ كَقَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَقَوْلِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي أَوَّلِ قَوْلَيْهِ وَابْنِ عَقِيلٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِ وَأَبِي بَكْرٍ البيهقي وَأَبِي الْمَعَالِي وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ أُولَئِكَ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي مَوْضِعِهَا.
(وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَعْتَقِدُ مِنْ الْآرَاءِ مَا يُنَاقِضُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ يَجْعَلُونَ تِلْكَ النُّصُوصَ مِنْ الْمُتَشَابِهِ ثُمَّ إنْ كَانُوا مِمَّنْ يَرَى الْوَقْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ﴾ قَالُوا لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا إلَّا اللَّهُ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَجِبْرِيلُ وَلَا أَحَدٌ عَلِمَ مَعَانِيَ تِلْكَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَإِنْ رَأَوْا أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ جَعَلُوا الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ مَا يُسَمُّونَهُ هُمْ تَأْوِيلًا وَيَقُولُونَ إنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحَقَّ بِخِطَابِهِ لِيَجْتَهِدَ النَّاسُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ بِعُقُولِهِمْ وَأَذْهَانِهِمْ وَيَجْتَهِدُونَ فِي تَخْرِيجِ أَلْفَاظِهِ عَلَى اللُّغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ فَيَجْتَهِدُونَ فِي مَعْرِفَةِ غَرَائِبِ اللُّغَاتِ الَّتِي يَتَمَكَّنُونَ بِهَا مِنْ التَّأْوِيلِ وَهَذَا إنْ قَالُوا إنَّهُ قَصَدَ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مَعْنًى حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ قَالُوا بِقَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ التَّأْوِيلَ.
قَالُوا: لَمْ يَقْصِدْ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا مَا يَفْهَمُهُ الْعَامَّةُ

وَالْجُمْهُورُ وَهُوَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُخَيِّلَ لَهُمْ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ " وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ الْحَقَّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْفِرُونَ عَنْهُ وَلَا يَقْبَلُونَهُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ الْبَاطِنِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ وَفَلَاسِفَتِهِمْ بِالتَّأْوِيلِ فَإِنَّهُ يَتَأَوَّلُ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلَ مِنْ أَمْرِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ثُمَّ يُؤَوِّلُونَ الْعِبَارَاتِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ تَأْوِيلَاتِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ.
وَأَبُو حَامِدٍ فِي " الْإِحْيَاءِ " ذَكَرَ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلِينَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَقَالَ إنَّهُمْ أَسْرَفُوا فِي التَّأْوِيلِ وَأَسْرَفَتْ الْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمُودِ وَذَكَرَ عَنْ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ كَلَامًا لَمْ يَقُلْهُ أَحْمَد فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَا قَالَهُ أَحْمَد وَلَا مَا قَالَهُ غَيْرُهُ.
مِنْ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَقَدْ سُمِعَ مُضَافًا إلَى الْحَنَابِلَةِ مَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ.
وَبَعْضِ الصِّفَاتِ: مِثْلَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْأَصْوَاتَ الْمَسْمُوعَةَ مِنْ الْقُرَّاءِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَإِنَّ الْحُرُوفَ الْمُتَعَاقِبَةَ قَدِيمَةُ الْأَعْيَانِ وَإِنَّهُ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ حَتَّى يَبْقَى بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ فَوْقَهُ وَبَعْضُهَا تَحْتَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ.
فَإِنَّهُ مَا مِنْ طَائِفَةٍ إلَّا وَفِي بَعْضِهِمْ مَنْ يَقُولُ أَقْوَالًا ظَاهِرُهَا الْفَسَادُ وَهِيَ الَّتِي يَحْفَظُهَا مَنْ يَنْفِرُ عَنْهُمْ وَيُشَنِّعُ بِهَا عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ يُنْكِرُهَا وَيَدْفَعُهَا كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي يَقُولُهَا بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَإِنَّ جَمَاهِيرَ هَذِهِ الطَّوَائِفِ

يُنْكِرُهَا وَأَحْمَد وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ مُنْكِرُونَ لَهَا.
وَكَلَامُهُمْ فِي إنْكَارِهَا وَرَدِّهَا كَثِيرٌ جِدًّا لَكِنْ يُوجَدُ فِي أَهْل الْحَدِيثِ مُطْلَقًا مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْغَلَطِ فِي الْإِثْبَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِي أَهْلِ الْكَلَامِ وَيُوجَدُ فِي أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ الْغَلَطِ فِي النَّفْيِ أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا جَاءَ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ النَّفْيِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ أَهْلُ الْكَلَامِ وَالْكَلَامُ الْمَأْخُوذُ عَنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّفْيِ الْمُنَاقِضِ لِصَرَائِحِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ؛ بَلْ وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ أَيْضًا؛ لَكِنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى النَّفْيِ وَقَدْ نَاقَضَهُمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَزَادُوا فِي الْإِثْبَاتِ كالهشامية والكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ لَكِنَّ النَّفْيَ فِي جِنْسِ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ أَكْثَرُ.
وَالْمُنْتَسِبُونَ إلَى السُّنَّةِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ الَّذِينَ جَعَلُوا لَفْظَ التَّأْوِيلِ يَعُمُّ الْقِسْمَيْنِ يَتَمَسَّكُونَ بِمَا يَجِدُونَهُ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمُتَشَابِهِ مِثْلَ قَوْلِ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَلَا كَيْفَ وَلَا مَعْنَى ظَنُّوا أَنَّ مُرَادَهُ.
أَنَّا لَا نَعْرِفُ مَعْنَاهَا.
وَكَلَامُ أَحْمَد صَرِيحٌ بِخِلَافِ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنْكِرُ تَأْوِيلَاتِ الْجَهْمِيَّة وَنَحْوِهِمْ الَّذِينَ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وَصَنَّفَ كِتَابَهُ فِي " الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة " فِيمَا أَنْكَرَتْهُ مِنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَتَأَوَّلَتْهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ

عَلَى غَيْرِ مُرَادِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَهُمْ إذَا تَأَوَّلُوهُ يَقُولُونَ: مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ كَذَا وَالْمُكَيِّفُونَ يُثْبِتُونَ كَيْفِيَّةً.
يَقُولُونَ: إنَّهُمْ عَلِمُوا كَيْفِيَّةَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ.
فَنَفَى أَحْمَد قَوْلَ هَؤُلَاءِ وَقَوْلَ هَؤُلَاءِ: قَوْلَ الْمُكَيِّفَةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا الْكَيْفِيَّةَ وَقَوْلَ الْمُحَرِّفَةِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ مَعْنَاهُ كَذَا وَكَذَا.
وَقَدْ كَتَبْت كَلَامَ أَحْمَد بِأَلْفَاظِهِ - كَمَا ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي كِتَاب السُّنَّةِ وَكَمَا ذَكَرَهُ مَنْ نَقَلَ كَلَامَ أَحْمَد بِإِسْنَادِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي ذَلِكَ - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبَيَّنَ أَنَّ لَفْظَ التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ التَّأْوِيلُ فِي لُغَةِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ تَصْدِيقُ مَا وَعَدَ فِي الْقُرْآنِ وَعَنْ قتادة تَأْوِيلُهُ ثَوَابُهُ وَعَنْ مُجَاهِدٍ جَزَاؤُهُ وَعَنْ السدي عَاقِبَتُهُ وَعَنْ ابْنِ زَيْدٍ حَقِيقَتُهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ تَأْوِيلُهُ مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُمْ مِنْ الْعَذَابِ وَوُرُودِ النَّارِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ ،

جارٍ التحميل