سُورَةُ الْإِخْلَاصِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ.
وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الَّتِي فِيهَا أَقْوَالُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ الَّتِي يَذْكُرُ فِيهَا أَقْوَالُهُمْ فِي الْفِقْهِ كَثِيرًا وَالْعُلَمَاءُ الْأَكَابِرُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبِعَةِ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا أَقْوَالُ السَّلَفِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّبَاعِ مِنْ تَصْنِيفِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِيهَا.
وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ مَسَائِلِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ السَّلَفُ جَاهِلِينَ بِهَا وَلَا مُعْرِضِينَ عَنْهَا.
بَلْ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا قَالُوهُ فَهُوَ الْجَاهِلُ بِالْحَقِّ فِيهَا وَبِأَقْوَالِ السَّلَفِ وَبِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالصَّوَابُ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ النِّزَاعِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَقَوْلُهُمْ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ.
وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَمُفْتِي الْأَنَامِ: تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ فُتْيَا صُورَتُهَا: مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ: " إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ " فَكَيْفَ ذَلِكَ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا وَكَثْرَةِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ؟ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ بَيَانًا مَبْسُوطًا شَافِيًا وَأَفْتُونَا مَأْجُورِينَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ الْأَحَادِيثُ الْمَأْثُورَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَأَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ مِنْ أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ وَأَشْهَرِهَا حَتَّى قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ كالدارقطني: لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِمَّا صَحَّ عَنْهُ فِي فَضْلِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ بِالْأَلْفَاظِ كَقَوْلِهِ: ﴿ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ} وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ قَرَأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
مَرَّةً فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَمَنْ قَرَأَهَا مَرَّتَيْنِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلْثَيْ الْقُرْآنِ وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ} وَقَوْلِهِ لِلنَّاسِ: ﴿احْتَشِدُوا حَتَّى أَقْرَأَ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَحَشَدُوا حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِمْ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ} . وَأَمَّا تَوْجِيهُ ذَلِكَ: فَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ الْقُرْآنَ بِاعْتِبَارِ مَعَانِيهِ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ: ثُلُثٌ تَوْحِيدٌ وَثُلُثٌ قَصَصٌ وَثُلُثٌ أَمْرٌ وَنَهْيٌ.
و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ هِيَ صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَنَسَبُهُ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَلَامُ إمَّا إنْشَاءٌ وَإِمَّا إخْبَارٌ فَالْإِنْشَاءُ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَالْإِبَاحَةِ وَنَحْوِهَا وَهُوَ الْإِحْكَامُ.
وَالْإِخْبَارُ: إمَّا إخْبَارٌ عَنْ الْخَالِقِ وَإِمَّا إخْبَارٌ عَنْ الْمَخْلُوقِ فَالْإِخْبَارُ عَنْ الْخَالِقِ هُوَ التَّوْحِيدُ وَمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْمَخْلُوقِ هُوَ الْقَصَصُ وَهُوَ الْخَبَرُ عَمَّا كَانَ وَعَمَّا يَكُونُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْخَبَرُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ وَمَنْ كَذَّبَهُمْ وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
قَالُوا: فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَكُونُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ ثُلُثُ مَعَانِي الْقُرْآنِ.
بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَإِذَا كَانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ مَعَ قِلَّةِ حُرُوفِهَا كَانَ
لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْقُرْآنِ.
فَيُقَالُ فِي جَوَابِ ذَلِكَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ﴾ وَعَدْلُ الشَّيْءِ - بِالْفَتْحِ - يُقَالُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ فَجَعَلَ الصِّيَامَ عَدْلَ كَفَّارَةٍ وَهُمَا جِنْسَانِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الثَّوَابَ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَإِنَّ كُلَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْعَبْدُ وَيَلْتَذُّ بِهِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَنْكُوحٍ وَمَشْمُومٍ هُوَ مِنْ الثَّوَابِ وَأَعْلَاهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا كَانَتْ أَحْوَالُ الدُّنْيَا لِاخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا كُلِّهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يَعْدِلُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الصُّورَةِ كَمَا أَنَّ أَلْفَ دِينَارٍ تَعْدِلُ مِنْ الْفِضَّةِ وَالطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا ثُمَّ مَنْ مَلَكَ الذَّهَبَ فَقَدْ مَلَكَ مَا يَعْدِلُ مِقْدَارَ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْمَالِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ وَقَعَتْ فِي الْقَدْرِ لَا فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ فَكَذَلِكَ ثَوَابُ: ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَإِنْ كَانَ يَعْدِلُ ثَوَابَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ فِي الْقَدْرِ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَأَمَّا سَائِرُ الْقُرْآنِ فَفِيهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعِبَادُ فَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ مُحْتَاجِينَ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ وَمُنْتَفِعِينَ بِهِ مَنْفَعَةً لَا تُغْنِي عَنْهَا هَذِهِ السُّورَةُ وَإِنْ كَانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ.
فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ: وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ هَلْ يَتَفَاضَلُ فِي
نَفْسِهِ فَيَكُونُ بَعْضُهُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ؟ وَهَذَا فِيهِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَتَفَاضَلُ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ قَالُوا: وَصِفَةُ اللَّهِ لَا تَتَفَاضَلُ.
لَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ فَإِنَّ الْقَدِيمَ لَا يَتَفَاضَلُ كَذَلِكَ قَالَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ قَالُوا فَخَيْرٍ إنَّمَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ الْآيَةِ مِثْلَ نَفْعِ الْعِبَادِ وَثَوَابِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ؛ فَإِنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْفَاتِحَةِ: أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا الْقُرْآنِ مِثْلُهَا﴾ فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهَا مِثْلٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مُتَمَاثِلٌ؟ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّهُ قَالَ لأبي بْنِ كَعْبٍ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؛ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ ليهنك الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ} فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا بَيَّنَ أَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَالْكَلَامُ يَشْرُفُ بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ خَبَرًا أَوْ أَمْرًا فَالْخَبَرُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْمُخْبِرِ وَبِشَرَفِ الْمَخْبَرِ عَنْهُ وَالْأَمْرُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْآمِرُ وَبِشَرَفِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَالْقُرْآنُ وَإِنْ كَانَ
كُلُّهُ مُشْتَرِكًا فَإِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ لَكِنَّ مِنْهُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَمِنْهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ وَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ فِيهِ بِالْإِيمَانِ وَنَهَاهُمْ فِيهِ عَنْ الشِّرْكِ وَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ بِكِتَابَةِ الدَّيْنِ وَنَهَاهُمْ فِيهِ عَنْ الرِّبَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ: ك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَعْظَمُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ: ك ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وَمَا أَمَرَ فِيهِ بِالْإِيمَانِ.
وَمَا نَهَى فِيهِ عَنْ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِمَّا أَمَرَ فِيهِ بِكِتَابَةِ الدَّيْنِ وَنَهَى فِيهِ عَنْ الرِّبَا وَلِهَذَا كَانَ كَلَامُ الْعَبْدِ مُشْتَرِكًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ وَهُوَ كَلَامٌ لِمُتَكَلِّمِ وَاحِدٍ ثُمَّ إنَّهُ يَتَفَاضَلُ بِحَسَبِ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ فَكَلَامُ الْعَبْدِ الَّذِي يَذْكُرُ بِهِ رَبَّهُ وَيَأْمُرُ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى فِيهِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَفْضَلُ مِنْ كَلَامِهِ الَّذِي يَذْكُرُ فِيهِ خَلْقَهُ وَيَأْمُرُ فِيهِ بِمُبَاحِ أَوْ مَحْظُورٍ وَإِنَّمَا غَلِطَ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ إلَى إحْدَى جِهَتَيْ الْكَلَامِ وَهِيَ جِهَةُ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَأَعْرَضَ عَنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ جِهَةُ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ وَكِلَاهُمَا لِلْكَلَامِ بِهِ تَعَلُّقٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّفَاضُلُ وَالتَّمَاثُلُ.
قَالُوا: وَمَنْ أَعَادَ التَّفَاضُلَ إلَى مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ أَوْ قِلَّتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَعَلَ عَمَلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَثَوَابُ أَحَدِهِمَا أَضْعَافُ ثَوَابِ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ الْعَمَلَيْنِ فِي أَنْفُسِهِمَا لَمْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِمَزِيَّةِ بَلْ كَدِرْهَمِ وَدِرْهَمٍ تَصَدَّقَ بِهِمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَمَكَانٍ
وَاحِدٍ عَلَى اثْنَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَنِيَّتُهُ بِهِمَا وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِفَضِيلَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ ثَوَابُ أَحَدِهِمَا أَضْعَافَ ثَوَابِ الْآخَرِ بَلْ تَفَاضُلُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دَلِيلٌ عَلَى تَفَاضُلِ الْأَعْمَالِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
وَهَذَا الْكَلَامُ مُتَّصِلٌ بِالْكَلَامِ فِي اشْتِمَالِ الْأَعْمَالِ عَلَى صِفَاتٍ بِهَا كَانَتْ صَالِحَةً حَسَنَةً وَبِهَا كَانَتْ فَاسِدَةً قَبِيحَةً.
وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: صِفَاتُ اللَّهِ لَا تَتَفَاضَلُ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مَوْرِدُ النِّزَاعِ وَمَنْ الَّذِي جَعَلَ صِفَتَهُ الَّتِي هِيَ الرَّحْمَةُ لَا تَفْضُلُ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ الْغَضَبُ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ مَوْضُوعٍ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي - وَفِي رِوَايَةٍ - تَسْبِقُ غَضَبِي﴾ وَصِفَةُ الْمَوْصُوفِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ تَتَفَاضَلُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَعْضَ الصِّفَاتِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَأَدْخَلَ فِي كُلِّ الْمَوْصُوفِ بِهَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اتِّصَافَ الْعَبْدِ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالرَّحْمَةِ أَفْضَلُ مِنْ اتِّصَافِهِ بِضِدِّ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِضِدِّ ذَلِكَ وَلَا يُوصَفُ إلَّا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُدْعَى بِهَا فَلَا يُدْعَى إلَّا بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَأَسْمَاؤُهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِصِفَاتِهِ وَبَعْضُ أَسْمَائِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ
وَأُدْخِلَ فِي كَمَالِ الْمَوْصُوفِ بِهَا؛ وَلِهَذَا فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: ﴿أَسْأَلُك بِاسْمِك الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ الْكَبِيرِ الْأَكْبَرِ﴾ وَ ﴿لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى﴾ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ فَتَفَاضُلُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنْ الْأُمُورِ الْبَيِّنَاتِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الصِّفَةَ الْوَاحِدَةَ قَدْ تَتَفَاضَلُ فَالْأَمْرُ بِمَأْمُورِ يَكُونُ أَكْمَلَ مِنْ الْأَمْرِ بِمَأْمُورِ آخَرَ وَالرِّضَا عَنْ النَّبِيِّينَ أَعْظَمُ مِنْ الرِّضَا عَمَّنْ دُونَهُمْ وَالرَّحْمَةُ لَهُمْ أَكْمَلُ مِنْ الرَّحْمَةِ لِغَيْرِهِمْ وَتَكْلِيمُ اللَّهِ لِبَعْضِ عِبَادِهِ أَكْمَلُ مِنْ تَكْلِيمِهِ لِبَعْضِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ هَذَا الْبَابِ وَكَمَا أَنَّ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ مُتَنَوِّعَةٌ فَهِيَ أَيْضًا مُتَفَاضِلَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ مَعَ الْعَقْلِ وَإِنَّمَا شُبْهَةُ مَنْ مَنَعَ تَفَاضُلَهَا مِنْ جِنْسِ شُبْهَةِ مَنْ مَنَعَ تَعَدُّدَهَا وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ.
كَمَا يَقُولُهُ الْجَهْمِيَّة لَمَّا ادَّعَوْهُ مِنْ التَّرْكِيبِ وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا مَبْسُوطًا فِي مَوْضِعِهِ.
وَسُئِلَ:
عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
هَلْ يَقْرَأُ (سُورَةَ الْإِخْلَاصِ) مَرَّةً أَوْ ثَلَاثًا؟ وَمَا السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَهَا كَمَا فِي الْمُصْحَفِ مَرَّةً وَاحِدَةً هَكَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ؛ لِئَلَّا يُزَادَ عَلَى مَا فِي الْمُصْحَفِ.
وَأَمَّا إذَا قَرَأَهَا وَحْدَهَا أَوْ مَعَ بَعْضِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ إذَا قَرَأَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَدَلَتْ الْقُرْآنَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ.
وَمَنْ يَضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
فَصْلٌ:
فِي تَفْسِيرِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
وَالِاسْمُ " الصَّمَدُ " فِيهِ لِلسَّلَفِ أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ كُلُّهَا صَوَابٌ.
وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّمَدَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ وَالْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ
أَكْثَرِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَالثَّانِي قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَجُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ وَالْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ السَّلَفِ بِأَسَانِيدِهَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدَةِ وَفِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ كَتَبْنَا مِنْ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَتَفْسِيرُ " الصَّمَدِ " بِأَنَّهُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ.
وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ والسدي وقتادة وَبِمَعْنَى ذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ: هُوَ الَّذِي لَا حَشْوَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ الَّذِي لَيْسَتْ لَهُ أَحْشَاءٌ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القرظي وَعِكْرِمَةَ: هُوَ الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَعَنْ مَيْسَرَةَ قَالَ: هُوَ الْمُصْمَتُ.
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأَنَّ الدَّالَ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ مُبْدَلَةٌ مِنْ تَاءٍ والصمت مِنْ هَذَا.
قُلْت: لَا إبْدَالَ فِي هَذَا وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ وَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَجْهَ الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِقَاقِ وَاللُّغَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعْدٍ الصغاني: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِي
عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أبي بْنِ كَعْبٍ: ﴿أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُنْسُبْ لَنَا رَبَّك فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إلَّا سَيَمُوتُ وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إلَّا سَيُورَثُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ} . وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِأَنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ فَهُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا فَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الْوَالِبِيَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: (الصَّمَدُ) السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَهَذَا مَشْهُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ.
وَعَنْ أَبِي إسْحَاقَ الْكُوفِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ.
وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ: الَّذِي لَا يُكَافِئُهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدٌ وَعَنْ السدي أَيْضًا: هُوَ الْمَقْصُودُ إلَيْهِ فِي الرَّغَائِبِ وَالْمُسْتَغَاثِ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أَحَدٍ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا: الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَعَنْ الرَّبِيعِ الَّذِي لَا تَعْتَرِيهِ الْآفَاتُ.
وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ.
وَعَنْ ابْنِ كيسان هُوَ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِصِفَتِهِ أَحَدٌ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الصَّمَدَ السَّيِّدَ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ الَّذِي يَصْمُدُ إلَيْهِ النَّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ وَأُمُورِهِمْ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ هُوَ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ فَقَدْ صَمَدَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ أَيْ قَصَدَ قَصْدَهُ وَقَدْ أَنْشَدُوا فِي هَذَا بَيْتَيْنِ مَشْهُورَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَلَا بَكْرٌ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدٍ ... بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ وَقَالَ الْآخَرُ: عَلَوْته بِحُسَامِي ثُمَّ قُلْت لَهُ ... خُذْهَا حذيف فَأَنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الصَّمَدُ هُوَ السَّيِّدُ الْمَقْصُودُ فِي الْحَوَائِجِ تَقُولُ الْعَرَبُ صمدت فُلَانًا أصمده - بِكَسْرِ الْمِيمِ - وَأَصْمُدُهُ - بِضَمِّ الْمِيمِ - صَمْدًا - بِسُكُونِ الْمِيمِ - إذَا قَصَدْته وَالْمَصْمُودُ صَمَدَ كَالْقَبْضِ بِمَعْنَى الْمَقْبُوضِ وَالنَّقْضُ بِمَعْنَى الْمَنْقُوضِ وَيُقَالُ بَيْتٌ مَصْمُودٌ وَمُصَمَّدٌ إذَا قَصَدَهُ النَّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ قَالَ طرفة: وَأَنْ يَلْتَقِ الْحَيُّ الْجَمِيعُ تُلَاقِنِي ... إلَى ذُرْوَةِ الْبَيْتِ الرَّفِيعِ الْمُصَمَّدِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: صَمَدَهُ يَصْمُدُهُ صَمْدًا إذَا قَصَدَهُ وَالصَّمَدُ بِالتَّحْرِيكِ السَّيِّدُ لِأَنَّهُ يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ وَيُقَالُ بَيْتٌ مُصَمَّدٌ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ مَقْصُودٌ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيَّ: أَصَحُّ الْوُجُوهِ أَنَّهُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَشْهَدُ لَهُ فَإِنَّ أَصْلَ الصَّمَدِ الْقَصْدُ يُقَالُ: اُصْمُدْ صَمْدَ فُلَانٍ أَيْ اقْصِدْ قَصْدَهُ فَالصَّمَدُ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْأُمُورِ وَيُقْصَدُ فِي الْحَوَائِجِ وَقَالَ قتادة: الصَّمَدُ الْبَاقِي بَعْدَ خَلْقِهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُعْمَرٌ: هُوَ الدَّائِمُ وَقَدْ جَعَلَ الْخَطَّابِيَّ وَأَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْأَقْوَالُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ هَذَيْنِ وَاَللَّذَيْنِ تَقَدَّمَا.
وَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ بَقَاءَهُ وَدَوَامَهُ مِنْ تَمَامِ الصَّمَدِيَّةِ.
وَعَنْ مَرَّةٍ الهمداني هُوَ الَّذِي لَا يَبْلَى وَلَا يَفْنَى.
وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: هُوَ الْمُتَعَالِي عَنْ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ.
وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَيْهِ أَثَرٌ فِيمَا أَظْهَرَ يُرِيدُ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ الْأَزَلِيُّ بِلَا ابْتِدَاءٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ ابْنُ عَلِيٍّ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ الْأَوَّلُ بِلَا عَدَدٍ وَالْبَاقِي بِلَا أَمَدٍ وَالْقَائِمُ بِلَا عَمْدٍ.
وَقَالَ أَيْضًا الصَّمَدُ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَلَا تَحْوِيهِ الْأَفْكَارُ وَلَا تَبْلُغُهُ الْأَقْطَارُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارِ.
وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي جَلَّ عَنْ شَبَهِ الْمُصَوِّرِينَ.
وَقِيلَ هُوَ بِمَعْنَى نَفْيِ التجزي وَالتَّأْلِيفِ عَنْ ذَاتِهِ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي أيست الْعُقُولُ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى كَيْفِيَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ قِيلَ هُوَ الَّذِي لَا تُدْرِكُ حَقِيقَةَ نُعُوتِهِ
وَصِفَاتِهِ فَلَا يَتَّسِعُ لَهُ اللِّسَانُ وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ الْبَنَانُ.
وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَمْ يُعْطِ خَلْقَهُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ إلَّا الِاسْمَ وَالصِّفَةَ.
وَعَنْ الْجُنَيْد قَالَ: الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ لِأَعْدَائِهِ سَبِيلًا إلَى مَعْرِفَتِهِ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا حَضَرْنَا مِنْ أَلْفَاظِ السَّلَفِ بِأَسَانِيدِهَا.
فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ: " ثنا أَبِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ نفيع الجرشي ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى يَعْنِي أَبَا خَلَفٍ الْخَزَّازَ ثنا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي تَصْمُدُ إلَيْهِ الْأَشْيَاءُ إذَا نَزَلَ بِهِمْ كُرْبَةٌ أَوْ بَلَاءٌ.
حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَوَاءٍ السدوسي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي يَصْمُدُ الْعِبَادُ إلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ حَدَّثَنَا أَبِي ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ ثنا سُوِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثنا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: الصَّمَدُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا زَوَالَ لَهُ.
حَدَّثَنَا أَبِي ثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا يَزِيدُ بْنُ زريع عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قتادة عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: الصَّمَدُ الْبَاقِي بَعْدَ خَلْقِهِ وَهُوَ قَوْلُ قتادة حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثنا ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ) قَالَ السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ انْتَهَى سُؤْدُدُهُ.
حَدَّثَنَا أَبِي ثنا أَبُو صَالِحٍ ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ) قَالَ: السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ وَالْحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ وَالْعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ وَهُوَ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ صِفَتُهُ لَا تَنْبَغِي لِأَحَدِ إلَّا لَهُ لَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ سُبْحَانَ اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ المذحجي الْقَزْوِينِيّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِي عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ) قَالَ: الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ (الصَّمَدُ) قَالَ: الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ.
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ثنا أَبُو أَحْمَد ثنا مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَطِيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (الصَّمَدُ) الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَحْشَاءٌ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُهُ.
حَدَّثَنَا أَبِي ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرُّومِيُّ ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَائِدُ الْأَعْمَشِ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بريدة عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَا أَعْلَمُهُ إلَّا قَدْ رَفَعَهُ قَالَ: (الصَّمَدُ) الَّذِي لَا جَوْفَ
لَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطِيَّةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ وَالضَّحَّاكُ مِثْلُ ذَلِكَ.
حَدَّثَنَا أَبِي ثَنَا قَبِيصَةَ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الصَّمَدُ الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطهراني ثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ (الصَّمَدُ) قَالَ: (الصَّمَدُ) الَّذِي لَا يُطْعَمُ.
حَدَّثَنَا أَبِي ثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مَرْزُوقٍ ثَنَا هشيم عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (الصَّمَدُ) الَّذِي لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ.
حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو زُرْعَةَ قَالَا ثَنَا أَحْمَد بْنُ مَنِيعٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْسِرٍ - يَعْنِي أَبَا سَعْدٍ الصغاني - ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِي عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أبي بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ) قَالَ: (الصَّمَدُ) الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَلِدُ إلَّا يَمُوتُ وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إلَّا يُورَثُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبَهٌ وَلَا عِدْلٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ثنا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ ثنا أَبُو سَعْدٍ الصغاني.
ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِي عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أبي بْنِ كَعْبٍ: " أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: اُنْسُبْ لَنَا رَبَّك فَأَنْزَلَ اللَّهُ
هَذِهِ السُّورَةَ " حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ثنا الْعَبَّاسُ بْن الْوَلِيدِ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زريع عَنْ سَعِيد عَنْ قتادة ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُكَافِئُهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدٌ.
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الجرشي ثَنَا أَبُو خَلَفٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى ثَنَا دَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿إنَّ الْيَهُودَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وحيي بْنُ أَخْطَبَ وجدي بْن أَخْطُبُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّد صَفُّ لَنَا رَبّك الَّذِي بَعَثَك فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْوَلَدُ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ فَيَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ} وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطبري فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْنُ مَنِيعٍ الْمَرْوَزِي.
وَمَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ الطالقاني فَذَكَرَ مِثْلَ إسْنَادِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أبي بْنِ كَعْبَ ﴿سُؤَال الْمُشْرِكِينَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُنْسُبْ لَنَا رَبّك فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ } . حَدَّثَنَا ابْنُ حميد ثَنَا يَحْيَى ابْنُ وَاضِحٍ ثَنَا الْحُسَيْنُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرْنَا عَنْ صِفَةِ رَبِّك مَا هُوَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ﴾ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا شريح ثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَهُ قَالَ: وَقِيلَ: هُوَ مِنْ سُؤَالِ الْيَهُودِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ حميد ثَنَا سَلَمَةُ ثَنَا ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ
قَالَ: ﴿أَتَى رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَهُ؟ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اُنْتُقِعَ لَوْنُهُ ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَسَكَّنَهُ وَقَالَ اخْفِضْ عَلَيْك جَنَاحَك يَا مُحَمَّدُ وَجَاءَهُ مِنْ اللَّهِ جَوَابٌ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلَى آخِرِهَا فَلَمَّا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لَهُ: صِفْ لَنَا رَبَّك كَيْفَ خَلْقُهُ كَيْفَ عَضُدُهُ؟ كَيْفَ سَاعِدُهُ؟ وَكَيْفَ ذِرَاعُهُ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ الْأَوَّلِ وَسَاوَرَهُمْ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأَوْلَى وَأَتَاهُ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ } . وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ مَعْبَدٍ فِي (كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّة قَالَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ ثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ثَنِيّ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنِيّ ضِرَارٌ عَنْ أَبَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ﴿أَتَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورِ الْحِجَابِ وَآدَمَ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَإِبْلِيسَ مِنْ لَهَبِ النَّارِ وَالسَّمَاءَ مِنْ دُخَانٍ وَالْأَرْضَ مِنْ زَبَدِ الْمَاءِ فَأَخْبِرْنَا عَنْ رَبِّك؟ قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ لَيْسَ لَهُ عُرُوقٌ شَعِبَ إلَيْهَا.
الصَّمَدُ لَيْسَ بِأَجْوَفَ وَلَا يَأْكُلُ
وَلَا يَشْرَبُ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدَ يُنْسَبُ إلَيْهِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ يَعْدِلُ مَكَانَهُ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا} الْحَدِيثَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سابور عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ بِأَجْوَفَ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ (الصَّمَدُ الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ حَدَّثَنَا أَبُو كريب ثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ مَثَلَهُ سَوَاءٌ.
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ ثَنَا الْحَسَنُ ثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مَثَلَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: (الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ابْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: أَرْسَلَنِي مُجَاهِدٌ إلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَسْأَلُهُ عَنْ (الصَّمَدِ فَقَالَ: الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ثَنَا يَحْيَى ثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (الصَّمَدُ الَّذِي لَا يُطْعِمُ الطَّعَامَ وَرَوَاهُ يَعْقُوبُ عَنْ هشيم عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْهُ قَالَ: لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَشْرَبُ الشَّرَابَ.
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ وَزَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ قَالَا: ثَنَا ابْنُ دَاوُد عَنْ الْمُسْتَقِيمِ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: (الصَّمَدُ الَّذِي لَا حَشْوَ
لَهُ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ثَنَا أَبُو مُعَاذٍ ثَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْت الضَّحَّاكَ يَقُولُ: (الصَّمَدُ) الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَرَوَى عَنْ ابْنِ بريدة فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي عُلَيَّة عَنْ أَبِي رَجَاءٍ سَمِعْت عِكْرِمَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ) لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: (الصَّمَدُ) الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَذَكَرَ حَدِيثَ أبي بْنَ كَعْبٍ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَاَلَّذِي فِيهِ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى فِي سُؤْدُدِهِ قَالَ: وَثَنًا أَبُو السَّائِبِ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: (الصَّمَدُ) هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى فِي سُؤْدُدِهِ حَدَّثَنَا أَبُو كريب وَابْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالُوا: ثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ (الصَّمَدُ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى فِي سُؤْدُدِهِ حَدَّثَنَا ابْنُ حميد ثَنَا مهران عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ مِثْلَهُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ) قَالَ السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
قُلْت: الِاشْتِقَاقُ يَشْهَدُ لِلْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ (الصَّمَدَ) الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ السَّيِّدُ وَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ أَدَلُّ؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ أَصْلٌ لِلثَّانِي وَلَفْظُ (الصَّمَدِ) يُقَالُ عَلَى مَا لَا جَوْفَ لَهُ فِي اللُّغَةِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَلَائِكَةُ صَمَدٌ وَالْآدَمِيُّونَ جَوْفٌ وَفِي حَدِيثِ آدَمَ أَنَّ إبْلِيسَ قَالَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجْوَفُ لَيْسَ بِصَمَدِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمُصَمَّدُ لُغَةً فِي الْمُصْمَتِ وَهُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ قَالَ وَالصِّمَادُ عِفَاصُ الْقَارُورَةِ وَقَالَ: الصَّمَدُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ الْغَلِيظُ قَالَ أَبُو النَّجْمِ:
يُغَادِرُ الصَّمَدُ كَظَهْرِ الْأَجْزَل
وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَادَّةِ الْجَمْعُ وَالْقُوَّةُ وَمِنْهُ يُقَالُ يَصْمُدُ الْمَالَ: أَيْ يَجْمَعُهُ وَكَذَلِكَ " السَّيِّدُ " أَصْله سيود اجْتَمَعَتْ يَاءٌ وَوَاوٌ وَسَبَقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ.
كَمَا قِيلَ مَيِّتٌ وَأَصْلُهُ ميوت.
وَالْمَادَّةُ فِي السَّوَادِ وَالسُّؤْدُدِ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ وَاللَّوْنُ الْأَسْوَدُ هُوَ الْجَامِعُ لِلْبَصَرِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قَالَ أَكْثَرُ السَّلَفِ (سَيِّدًا) حَلِيمًا وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ.
وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ.
وأبي الشَّعْثَاءِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ.
وَمُقَاتِلٍ وَقَالَ: أَبُو رَوْقٍ عَنْ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ الْحَسَنُ الْخُلُقِ.
وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ التَّقِيُّ وَلَا يَسُودُ الرَّجُلُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونَ فِي نَفْسِهِ مُجْتَمِعَ الْخُلُقِ ثَابِتًا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَا رَأَيْت بَعْد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَقِيلَ لَهُ: وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ خَيْرًا مِنْهُ وَمَا رَأَيْت بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ.
قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: يَعْنِي بِهِ الْحَلِيمُ أَوْ قَالَ: الْكَرِيمُ وَلِهَذَا قِيلَ: إذَا شِئْت يَوْمًا أَنْ تَسُودَ قَبِيلَةً فَبِالْحِلْمِ سُدْ لَا بِالتَّسَرُّعِ وَالشَّتْمِ وَلِهَذَا فَسَّرَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ السَّيِّدَ بِأَنَّهُ سَيِّدُ قَوْمِهِ فِي الدِّينِ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الشَّرِيفُ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي الْخَيْرِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: السَّيِّدُ هُنَا الرَّئِيسُ وَالْإِمَامُ فِي الْخَيْرِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: هُوَ الْكَرِيمُ عَلَى رَبِّهِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ هُوَ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِعِفَاصِ الْقَارُورَةِ: صِمَادٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْعِفَاصُ جِلْدٌ يُلْبِسُهُ رَأْسَ الْقَارُورَةِ وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ فِي فَمِهِ فَهُوَ الصِّمَامُ وَقَدْ عَفَصْت الْقَارُورَةَ شَدَدْت عَلَيْهَا الْعِفَاصَ.
(قُلْت: وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللُّقَطَةِ: ﴿ثُمَّ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا﴾ وَالْمُرَادُ بِالْعِفَاصِ: مَا يَكُونُ فِيهِ الدَّرَاهِمُ كَالْخِرْقَةِ الَّتِي تُرْبَطُ فِيهَا الدَّرَاهِمُ وَالْوِكَاءُ: مِثْلُ الْخَيْطِ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ وَهَذَا مِنْ جِنْسِ عِفَاصِ الْقَارُورَةِ.
وَلَفْظُ الْعَفْصِ وَالسَّدِّ وَالصَّمَدِ
وَالْجَمْعُ وَالسُّؤْدُدُ مَعَانِيهَا مُتَشَابِهَةٌ فِيهَا الْجَمْعُ وَالْقُوَّةُ وَيُقَالُ طَعَامٌ عَفْصٌ وَفِيهِ عُفُوصَةٌ؛ أَيْ تَقْبِضُ وَمِنْهُ الْعَفْصُ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْحِبْرُ.
وَقَدْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مُوَلَّدٌ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَهَذَا لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ عَفَصٌ يُسَمُّونَهُ بِهَذَا الِاسْمِ لَكِنَّ التَّسْمِيَةَ بِهِ جَارِيَةٌ عَلَى أُصُولِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَكَذَلِكَ تَسْمِيَتُهُمْ لِمَا يَدْخُلُ فِي فَمِهَا صِمَامٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ فِيهَا مَعْنَى الْجَمْعِ وَالسَّدِّ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: صِمَامُ الْقَارُورَةِ سِدَادُهَا وَالْحَجَرُ الْأَصَمُّ الصُّلْبُ الْمُصْمَتُ وَالرَّجُلُ الْأَصَمُّ هُوَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لِانْسِدَادِ سَمْعِهِ وَالرَّجُلُ الصِّمَّةُ الشُّجَاعُ وَالصِّمَّةُ الذَّكَرُ مِنْ الْحَيَّاتِ وَصَمِيمُ الشَّيْءِ خَالِصُهُ حَيْثُ لَمْ يَدْخُلُ إلَيْهِ مَا يُفَرِّقُهُ وَيُضْعِفُهُ يُقَالُ صَمِيمُ الْحَرِّ وَصَمِيمُ الْبَرْدِ وَفُلَانٌ مِنْ صَمِيمِ قَوْمِهِ وَالصَّمْصَامِ: الصَّارِمُ الْقَاطِعُ الَّذِي لَا يَنْثَنِي وَصَمَّمَ فِي السَّيْرِ وَغَيْرِهِ أَيْ مَضَى وَرَجُلٌ صُمٍّ أَيْ غَلِيظٌ.
وَمِنْهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ الصَّوْمُ فَإِنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعَامٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ سَيْرٍ فَهُوَ صَائِمٌ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ فِيهِ اجْتِمَاعٌ وَالصَّائِمُ لَا يَدْخُلُ جَوْفَهُ شَيْءُ وَيُقَالُ صَامَ الْفَرَسُ إذَا قَامَ فِي غَيْرِ اعْتِلَافٍ.
قَالَ النَّابِغَةُ: خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللجما
وَكَذَلِكَ السَّدُّ وَالسَّدَادُ وَالسُّؤْدُدُ وَالسَّوَادُ وَكَذَلِكَ لَفْظُ الصَّمَدِ فِيهِ الْجَمْعُ وَالْجَمْعُ فِيهِ الْقُوَّةُ فَإِنَّ الشَّيْءَ كُلَّمَا اجْتَمَعَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَلَلٌ كَانَ أَقْوَى مِمَّا إذَا كَانَ فِيهِ خُلُوٌّ.
وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْمَكَانِ الْغَلِيظِ الْمُرْتَفِعِ: صَمَدٌ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ وَاجْتِمَاعِ أَجْزَائِهِ وَالرَّجُلُ الصَّمَدُ هُوَ السَّيِّدُ الْمَصْمُودُ؛ أَيْ الْمَقْصُودُ يُقَالُ قَصَدْته وَقَصَدْت لَهُ وَقَصَدْت إلَيْهِ وَكَذَلِكَ هُوَ مَصْمُودٌ وَمَصْمُودٌ لَهُ وَإِلَيْهِ وَالنَّاسُ إنَّمَا يَقْصِدُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ مَنْ يَقُومُ بِهَا.
وَإِنَّمَا يَقُومُ بِهَا مَنْ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ مُجْتَمِعًا قَوِيًّا ثَابِتًا وَهُوَ السَّيِّدُ الْكَرِيمُ بِخِلَافِ مَنْ يَكُونُ هَلُوعًا جَزُوعًا يَتَفَرَّقُ وَيُقْلِقُ وَيَتَمَزَّقُ مِنْ كَثْرَةِ حَوَائِجِهِمْ وَثِقَلِهَا فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِسَيِّدٍ صَمَدٍ يَصْمُدُونَ إلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ.
فَهُمْ إنَّمَا سَمَّوْا السَّيِّدَ مِنْ النَّاسِ صَمَدًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ يَقْصِدُهُ النَّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ فَلَيْسَ مَعْنَى السَّيِّدِ فِي لُغَتِهِمْ مَعْنًى إضَافِيٍّ فَقَطْ - كَلَفْظِ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ - بَلْ هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالسَّيِّدِ؛ لِأَجْلِهِ يَقْصِدُهُ النَّاسُ وَالسَّيِّدُ مِنْ السُّؤْدُدِ وَالسَّوَادِ وَهَذَا مِنْ جِنْسِ السَّدَادِ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُعَاقِبُ بَيْنَ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَالْحَرْفِ الْمُضَاعَفِ.
كَمَا يَقُولُونَ: تَقَضَّى الْبَازِي وَتَقَضَّضَ وَالسَّادُّ هُوَ الَّذِي يَسُدُّ غَيْرَهُ فَلَا يَبْقَى فِيهِ خُلُوٌّ وَمِنْهُ سَدَادُ الْقَارُورَةِ وَسِدَادُ الثَّغْرِ بِالْكَسْرِ فِيهِمَا وَهُوَ مَا يَسُدُّ ذَلِكَ وَمِنْهُ السَّدَادُ بِالْفَتْحِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَمِنْهُ الْقَوْلُ السَّدِيدُ.
قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ قَالُوا قَصْدًا حَقًّا.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَوَابًا.
وَعَنْ قتادة وَمُقَاتِلٍ عَدْلًا.
وَعَنْ السدي مُسْتَقِيمًا وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ السَّدِيدَ هُوَ الْمُطَابِقُ الْمُوَافِقُ فَإِنْ كَانَ خَبَرًا كَانَ صِدْقًا مُطَابِقًا لِمُخْبِرِهِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا كَانَ أَمْرًا بِالْعَدْلِ الَّذِي لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ؛ وَلِهَذَا يُفَسِّرُونَ السَّدَادَ بِالْقَصْدِ وَالْقَصْدَ بِالْعَدْلِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّسْدِيدُ التَّوْفِيقُ لِلسَّدَادِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَالْقَصْدُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَرَجُلٌ مُسَدَّدٌ إذَا كَانَ يَعْمَلُ بِالسَّدَادِ.
وَالْقَصْدُ.
وَالْمُسَدَّدُ الْمُقَوَّمُ وَسَدَّدَ رُمْحَهُ وَأَمْرٌ سَدِيدٌ وَأَسَدُّ أَيْ قَاصِدٌ وَقَدْ اسْتَدَّ الشَّيْءُ اسْتَقَامَ.
قَالَ الشَّاعِرُ: أُعَلِّمُهُ الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ فَلَمَّا اسْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اشْتَدَّ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لَيْسَ بِشَيْءِ وَتَعْبِيرُهُمْ عَنْ السَّدِّ بِالْقَصْدِ يَدُلُّك عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْقَصْدِ فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ وَالْقُوَّةِ وَالْقَصْدُ الْعَدْلُ كَمَا أَنَّهُ السَّدَادُ وَالصَّوَابُ وَهُوَ الْمُطَابِقُ الْمُوَافِقُ الَّذِي لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَهَذَا هُوَ الْجَامِعُ الْمُطَابِقُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أَيْ السَّبِيلُ الْقَصْدُ وَهُوَ السَّبِيلُ الْعَدْلُ: أَيْ إلَيْهِ تَنْتَهِي السَّبِيلُ الْعَادِلَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ أَيْ الْهُدَى إلَيْنَا
هَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي الْآيَتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ . وَمِنْهُ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَوْسَطِ: الصِّدْقُ فَإِنَّ حُرُوفَهُ حُرُوفُ الْقَصْدِ فَمِنْهُ الصِّدْقُ فِي الْحَدِيثِ لِمُطَابَقَتِهِ مُخْبِرَهُ كَمَا قِيلَ فِي السَّدَادِ.
وَالصِّدْقُ بِالْفَتْحِ الصَّلْبُ مِنْ الرِّمَاحِ وَيُقَالُ الْمُسْتَوِي فَهُوَ مُعْتَدِلٌ صَلْبٌ لَيْسَ فِيهِ خَلَلٌ وَلَا عِوَجٌ وَالصُّنْدُوقُ وَاحِدُ الصَّنَادِيقِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ مَا يُوضَعُ فِيهِ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ فِي بَابِ الِاشْتِقَاقِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ هَذَا مُشْتَقٌّ مِنْ هَذَا فَلَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ تَنَاسُبًا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى سَوَاءٌ كَانَ أَهْلُ اللُّغَةِ تَكَلَّمُوا بِهَذَا بَعْدَ هَذَا أَوْ بِهَذَا بَعْدَ هَذَا وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْآخَرِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لَهُ لَفْظًا وَمَعْنًى كَمَا يُقَالُ: هَذَا الْمَاءُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قِيلَ: إنَّ الْفِعْلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ أَوْ الْمَصْدَرَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْفِعْلِ كَانَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحًا وَهَذَا هُوَ الِاشْتِقَاقُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلُ التَّصْرِيفِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّانِي فِي الِاشْتِقَاقِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا لِلْآخَرِ
فَهَذَا إذَا عَنَى بِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا تَكَلَّمَ بِهِ قَبْلَ الْآخَرِ لَمْ يَقُمْ عَلَى هَذَا دَلِيلٌ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ عَنَى بِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْآخَرِ فِي الْعَقْلِ لِكَوْنِ هَذَا مُفْرَدًا وَهَذَا مُرَكَّبًا فَالْفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ وَالِاشْتِقَاقُ الْأَصْغَرُ اتِّفَاقُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحُرُوفِ وَتَرْتِيبِهَا وَالْأَوْسَطُ اتِّفَاقُهُمَا فِي الْحُرُوفِ لَا فِي التَّرْتِيبِ وَالْأَكْبَرُ اتِّفَاقُهُمَا فِي أَعْيَانِ بَعْضِ الْحُرُوفِ وَفِي الْجِنْسِ لَا فِي الْبَاقِي كَاتِّفَاقِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا مِنْ حُرُوفِ الْحَلْقِ إذَا قِيلَ حَزَرَ وَعَزَّرَ وَأَزَرَ فَإِنَّ الْجَمِيعَ فِيهِ مَعْنَى الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ وَقَدْ اشْتَرَكَتْ مَعَ الرَّاءِ وَالزَّايِ وَالْحَاءِ فِي أَنَّ الثَّلَاثَةَ حُرُوفٌ حَلْقِيَّةٌ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا قِيلَ: الصَّمَدُ بِمَعْنَى الْمُصْمَتِ وَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّ الدَّالَ أُخْت التَّاءِ؛ فَإِنَّ الصَّمْتَ السُّكُوتُ وَهُوَ إمْسَاكٌ.
وَإِطْبَاقٌ لِلْفَمِ عَنْ الْكَلَامِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَقَدْ أَصْمَتّه أَنَا وَبَابٌ مُصْمَتٌ قَدْ أُبْهِمَ إغْلَاقُهُ.
وَالْمُصْمَتُ مِنْ الْخَيْلِ الْبَهِيمُ أَيْ لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنٌ آخَرُ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّمَا حُرِّمَ مِنْ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتُ فَالْمُصْمَدُ وَالْمُصْمَتُ مُتَّفِقَانِ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَكْبَرِ وَلَيْسَتْ الدَّالُ مُنْقَلِبَةً عَنْ التَّاءِ بَلْ الدَّالُ أَقْوَى وَالْمُصْمَدُ أَكْمَلُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمُصْمَتِ وَكُلَّمَا قَوِيَ الْحِرَفُ كَانَ مَعْنَاهُ أَقْوَى فَإِنَّ لُغَةَ الرَّبِّ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالتَّنَاسُبِ وَلِهَذَا كَانَ الصَّمْتُ إمْسَاكٌ عَنْ الْكَلَامِ مَعَ
إمْكَانِهِ وَالْإِنْسَانُ أَجْوَفُ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِنْ فِيهِ لَكِنَّهُ قَدْ يَصْمُتُ بِخِلَافِ الصَّمَدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا لَا تَفَرُّقَ فِيهِ كَالصَّمَدِ وَالسَّيِّدِ وَالصَّمَدُ مِنْ الْأَرْضِ وَصِمَادُ الْقَارُورَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَنَاسِبَةِ أَكْمَلُ مِنْ أَلْفَاظِ الصَّمَدِ فَإِنَّ فِيهِ الصَّادَ وَالْمِيمَ وَالدَّالَ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ لَهَا مَزِيَّةَ عَلَى مَا يُنَاسِبُهَا مِنْ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْحُرُوفِ أَكْمَلَ.
وَمِمَّا يُنَاسِبُ هَذِهِ الْمَعَانِي مَعْنَى " الصَّبْرِ " فَإِنَّ الصَّبْرَ فِيهِ جَمْعٌ وَإِمْسَاكٌ وَلِهَذَا قِيلَ: الصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ الْجَزَعِ يُقَالُ صَبَرَ وَصَبَّرْته أَنَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ وَكَذَلِكَ مَعْنَى السَّيِّدِ الصَّمَدُ خِلَافُ مَعْنَى الْجَزُوعِ الْمُنَوَّعِ وَمِنْهُ الصُّبْرَةُ مِنْ الطَّعَامِ فَإِنَّهَا مُجْتَمِعَةٌ مُكَوَّمَةٌ والصبارة الْحِجَارَةُ وَصَبْرُ الشَّيْءِ غِلَظُهُ وَضِدُّهُ الْجَزَعُ وَفِيهِ مَعْنَى التَّقَطُّعِ وَالتَّفَرُّقِ يُقَالُ جَزَعَ لَهُ جِزْعَةً مِنْ الْمَالِ أَيْ قَطَعَ لَهُ قِطْعَةً وَالْجُزَيْعَةُ: الْقِطْعَةُ مِنْ الْغَنَمِ واجتزعت مِنْ الشَّجَرِ عُودًا أَيْ اقْتَطَعْته واكتسرته وَجَزَعْت الْوَادِيَ إذَا قَطَعْته عَرْضًا وَالْجَزْعُ مُنْعَطَف الْوَادِي وَمِنْهُ الْجَزْعُ وَهُوَ الْخَرَزُ الْيَمَانِيُّ الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ وَكَذَلِكَ جَزَّعَ الْبُسْرَ تَجْزِيعًا إذَا أَرْطَبَ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثَاهُ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ مُصْمَتٌ لِلَّوْنِ الْوَاحِدِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَفِي هَذَا مِنْ التَّفَرُّقِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ {إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ
جَزُوعًا} ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْهَلَعُ أَفْحَشُ الْجَزَعِ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ أَشَدُّ الْحِرْصِ وَأَسْوَأُ الْجَزَعِ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿شَرُّ مَا فِي الْمَرْءِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ﴾ وَنَاقَةٌ هَلُوعٌ إذَا كَانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ خَفِيفَةً وَذِئْبٌ هَلِعٌ بُلَعٌ وَالْهَلِعُ مِنْ الْحِرْصِ وَالْبُلَعُ مِنْ الِابْتِلَاعِ وَلِهَذَا كَانَ كَلَامُ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِهِ يَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْمَعَانِي فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُوَ الَّذِي إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْحَرِيصُ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: شَحِيحًا.
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: ضَجُورًا.
وَعَنْ جَعْفَرٍ: حَرِيصًا وَعَنْ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ: بَخِيلًا وَعَنْ مُجَاهِدٍ: شَرِهًا وَعَنْ الضَّحَّاكِ أَيْضًا: الْهَلُوعُ الَّذِي لَا يَشْبَعُ وَعَنْ مُقَاتِلٍ: ضَيِّقُ الْقَلْبِ وَعَنْ عَطَاءٍ: عَجُولًا وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا تُنَافِي الثَّبَاتَ وَالْقُوَّةَ وَالِاجْتِمَاعَ وَالْإِمْسَاكَ وَالصَّبْرَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهَا تَنْصَدِعُ فَيَمُوتُونَ فَإِنَّهُ كَمَا قِيلَ: فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَدْ انْصَدَعَ قَلْبُهُ وَقَدْ تَفَرَّقَ قَلْبِي وَقَدْ تَشَتَّتَ قَلْبِي وَقَدْ تَقَسَّمَ قَلْبِي وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْخَوْفِ: قَدْ فَرَّقَ قَلْبَهُ وَيُقَالُ: بِإِزَاءِ ذَلِكَ هُوَ ثَابِتُ الْقَلْبِ مُجْتَمَعُ الْقَلْبِ مَجْمُوعُ الْقَلْبِ.
فَصْلٌ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فَأَدْخَلَ اللَّامَ فِي الصَّمَدِ وَلَمْ يُدْخِلْهَا فِي أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَا يُسَمَّى أَحَدًا فِي الْإِثْبَاتِ مُفْرِدًا غَيْرَ مُضَافٍ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى؛ بِخِلَافِ النَّفْيِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ: كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: هَلْ عِنْدَك أَحَدٌ؟ وَإِنْ جَاءَنِي أَحَدٌ مِنْ جِهَتِك أَكْرَمْته وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْعَدَدِ الْمُطْلَقِ يُقَالُ: أَحَدٌ اثْنَانِ.
وَيُقَالُ: أَحَدٌ عَشْرٌ.
وَفِي أَوَّلِ الْأَيَّامِ يُقَالُ: يَوْمُ الْأَحَدِ.
فَإِنَّ فِيهِ - عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ - ابْتَدَأَ اللَّهُ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
وَمَا بَيْنَهُمَا.
كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فَإِنَّ الْقُرْآنَ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: أَنَّ آخِرَ الْمَخْلُوقَاتِ كَانَ آدَمَ خُلِقَ يَوْم الْجُمُعَةِ.
وَإِذَا كَانَ آخِرُ الْخَلْقِ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ كَانَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِأَنَّهَا سِتَّةٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ﴾ فَهُوَ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ قَدَحَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى كَعْبٍ وَقَدْ ذَكَرَ تَعْلِيلَهُ البيهقي أَيْضًا وَبَيَّنُوا أَنَّهُ غَلَطٌ لَيْسَ مِمَّا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مِمَّا أَنْكَرَ الْحُذَّاقُ عَلَى مُسْلِمٍ إخْرَاجَهُ إيَّاهُ كَمَا أَنْكَرُوا عَلَيْهِ إخْرَاجَ أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ جريج والسدي وَالْأَكْثَرُونَ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ.
قَالَ: وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ﴾ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَصَحُّ فَصَحَّحَ هَذَا لِظَنِّهِ صِحَّةَ الْحَدِيثِ إذْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَكِنَّ هَذَا لَهُ نَظَائِرُ رَوَى مُسْلِمٌ أَحَادِيثَ قَدْ عَرَفَ أَنَّهَا غَلَطٌ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا أَسْلَمَ: أُرِيدَ أَنْ أُزَوِّجَك أُمَّ حَبِيبَةَ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ النَّاسِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ إسْلَامِ أَبِي سُفْيَانَ وَلَكِنَّ هَذَا قَلِيلٌ جِدًّا وَمِثْلَ مَا رَوَى فِي بَعْضِ طَرْقِ حَدِيثِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِثَلَاثِ ركوعات وَأَرْبَعٍ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً بِرُكُوعَيْنِ وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجْ الْبُخَارِيُّ إلَّا هَذَا وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا وَالْبُخَارِيُّ سَلِمَ مِنْ مِثْلِ هَذَا؛ فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ
الرِّوَايَاتِ غَلَطٌ ذَكَرَ الرِّوَايَاتِ الْمَحْفُوظَةَ الَّتِي تُبَيِّنُ غَلَطَ الغالط فَإِنَّهُ كَانَ أَعْرَفَ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ وَأَفْقَهَ فِي مَعَانِيهِ مِنْ مُسْلِمٍ وَنَحْوِهِ وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَهَذَا إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَذَكَرَ قَوْلًا ثَالِثًا فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ: أَنَّهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
وَقَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ وَالِابْتِدَاءُ بِيَوْمِ الْأَحَدِ قَوْلُ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَهَذَا النَّقْلُ غَلَطٌ عَلَى أَهْلِ الْإِنْجِيلِ.
كَمَا غَلِطَ مَنْ جَعَلَ الْأَوَّلَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَأَنَّ هَؤُلَاءِ ظَنُّوا أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَجْعَلُ اجْتِمَاعَهَا فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا الْعَالَمَ وَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا اجْتِمَاعُهُمْ فِي آخِرِ يَوْمٍ خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الْعَالَمَ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ لَفْظَ الْأَحَدِ لَمْ يُوصَفْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَعْيَانِ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ.
وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ اللَّهِ فِي النَّفْيِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُ: لَا أَحَدَ فِي الدَّارِ وَلَا تَقُلْ فِيهَا أَحَدٌ.
وَلِهَذَا لَمْ يَجِئْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا فِي غَيْرِ الْمُوجَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} وَفِي الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ﴾ ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ . وَأَمَّا اسْمُ (الصَّمَدِ) فَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ.
كَمَا تَقَدَّمَ.
فَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ صَمَدٌ بَلْ قَالَ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ؛ لَأَنْ يَكُونَ هُوَ الصَّمَدَ دُونَ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ الْمُسْتَوْجِبُ لِغَايَتِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَالْمَخْلُوقُ وَإِنْ كَانَ صَمَدًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الصَّمَدِيَّةِ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّفَرُّقَ وَالتَّجْزِئَةَ وَهُوَ أَيْضًا مُحْتَاجٌ إلَى غَيْرِهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَيْسَ أَحَدٌ.
يَصْمُدُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ وَلَا يَصْمُدُ هُوَ إلَى شَيْءٍ إلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ إلَّا مَا يَقْبَلُ أَنْ يَتَجَزَّأَ وَيَتَفَرَّقَ وَيَتَقَسَّمَ وَيَنْفَصِلَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الصَّمَدُ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ حَقِيقَةُ الصَّمَدِيَّةِ وَكَمَالِهَا لَهُ وَحْدَهُ وَاجِبَةٌ لَازِمَةٌ لَا يُمْكِنُ عَدَمُ صَمَدِيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ كَمَا لَا يُمْكِنُ تَثْنِيَةُ أَحَدِّيَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَهُوَ أَحَدٌ لَا يُمَاثِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَمَا قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ اسْتَعْمَلَهَا هُنَا فِي النَّفْيِ أَيْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ كُفُوًا لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّهُ أَحَدٌ.
{وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ سَيِّدُنَا فَقَالَ:
السَّيِّدُ اللَّهُ} وَدَلَّ قَوْلُهُ.
(الْأَحَدُ، الصَّمَدُ) عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ؛ فَإِنَّ الصَّمَدَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَلَا أَحْشَاءَ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ فَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا قَالَ: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ وَفِي قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُطْعَمَ بِالْفَتْحِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ الْمَلَائِكَةُ وَهُمْ صَمَدٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ فَالْخَالِقُ لَهُمْ جَلَّ جَلَالُهُ أَحَقُّ بِكُلِّ غِنًى وَكَمَالٍ جَعَلَهُ لِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ فَلِهَذَا فَسَّرَ بَعْضُ السَّلَفِ الصَّمَدَ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَالصَّمَدُ الْمُصْمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ عَيْنٌ مِنْ الْأَعْيَانِ فَلَا يَلِدُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَال مِنْ السَّلَفِ: هُوَ الَّذِي لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ وَإِنْ كَانَ يُقَالُ فِي الْكَلَامِ إنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿مَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمَّا سَمِعَ قُرْآنَ مُسَيْلِمَةَ: إنَّ هَذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إلٍّ.
فَخُرُوجُ الْكَلَامِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ هُوَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِهِ فَيَسْمَعُ مِنْهُ وَيَبْلُغُ إلَى غَيْرِهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فِي غَيْرِهِ كَمَا يَقُولُ الْجَهْمِيَّة: لَيْسَ بِمَعْنَى أَنَّ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ الْقَائِمَةِ بِهِ يُفَارِقُهُ وَيَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ
فَإِنَّ هَذَا مُمْتَنِعٌ فِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.
أَنْ تُفَارِقَ الصِّفَةُ مَحِلَّهَا وَتَنْتَقِلَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّهَا فَكَيْفَ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلَّا كَذِبًا﴾ وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ هِيَ قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ وَسُمِعَتْ مِنْهُ لَيْسَ خُرُوجُهَا مِنْ فِيهِ أَنَّ مَا قَامَ بِذَاتِهِ مِنْ الْكَلَامِ فَارَقَ ذَاتَه وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِ فَخُرُوجُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَمِنْ شَأْنِ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ إذَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْعَالِمِ وَالْمُتَكَلِّمِ أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْ مَحَلِّهِ وَلِهَذَا شُبِّهَ بِالنُّورِ الَّذِي يَقْتَبِسُ مِنْهُ كُلُّ أَحَدٍ الضَّوْءَ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَنْقُصْ فَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: الصَّمَدُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ كَلَامٌ صَحِيحٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ شَيْءٌ مِنْهُ.
وَلِهَذَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يَلِدَ وَأَنْ يُولَدَ وَذَلِكَ أَنَّ الْوِلَادَةَ وَالتَّوَلُّدَ وَكُلَّ مَا يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ أَصْلَيْنِ وَمَا كَانَ مِنْ الْمُتَوَلِّدِ عَيْنًا قَائِمَةً بِنَفْسِهَا فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَادَّةٍ تَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا كَانَ عَرَضًا قَائِمًا بِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ فَالْأَوَّلُ نَفَاهُ بِقَوْلِهِ: (أَحَدٌ فَإِنَّ الْأَحَدَ هُوَ الَّذِي لَا كُفُؤَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ لَا صَاحِبَةَ وَالتَّوَلُّدُ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَنَفَى سُبْحَانَهُ الْوَلَدَ بِامْتِنَاعِ لَازِمِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَدُلُّ
عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ وَبِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مَوْلُودٌ لَهُ.
وَالثَّانِي: نَفَاهُ بِكَوْنِهِ سُبْحَانَهُ الصَّمَدَ وَهَذَا الْمُتَوَلَّدُ مِنْ أَصْلَيْنِ يَكُونُ بِجُزْأَيْنِ يَنْفَصِلَانِ مِنْ الْأَصْلَيْنِ كَتَوَلُّدِ الْحَيَوَانِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ بِالْمَنِيِّ الَّذِي يَنْفَصِلُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَهَذَا التَّوَلُّدُ يَفْتَقِرُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ وَإِلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُمَا شَيْءٌ وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ أَحَدٌ فَلَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ يَكُونُ صَاحِبَةً وَنَظِيرًا وَهُوَ صَمَدٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ كَوْنِهِ أَحَدًا وَمَنْ كَوْنِهِ صَمَدًا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ وَالِدًا وَيَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَكَمَا أَنَّ التَّوَالُدَ فِي الْحَيَوَانِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ أَصْلَيْنَ - سَوَاءٌ كَانَ الْأَصْلَانِ مِنْ جِنْسِ الْوَلَدِ وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْمُتَوَالِدُ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ الْمُتَوَلَّدُ - فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالنَّارِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الزَّنْدَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا خَشَبَتَيْنِ أَوْ كَانَا حَجَرًا وَحَدِيدًا: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفَسِّرَيْنِ هُمَا شَجَرَتَانِ يُقَالُ لِإِحْدَاهُمَا: الْمَرْخُ وَالْأُخْرَى الْعِفَارُ.
فَمَنْ أَرَادَ مِنْهُمَا النَّارَ قَطَعَ مِنْهُمَا غُصْنَيْنِ مِثْلَ السِّوَاكَيْنِ وَهُمَا خَضْرَاوَانِ يَقْطُرُ مِنْهُمَا الْمَاءُ فَيُسْحَقُ الْمَرْخُ - وَهُوَ ذَكَرٌ - عَلَى الْعِفَارِ.
- وَهُوَ أُنْثَى - فَتَخْرُجُ مِنْهُمَا النَّارُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقُولُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ وَاسْتَمْجَدَ الْمَرْخُ وَالْعِفَارُ.
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِي كُلِّ شَجَرَةٍ نَارٌ إلَّا الْعُنَّابُ ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ فَذَلِكَ زِنَادُهُمْ.
وَقَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: الزَّنْدُ الْعُودُ الَّذِي يُقْدَحُ بِهِ النَّارُ وَهُوَ الْأَعْلَى.
وَالزَّنْدَةُ السُّفْلَى فِيهَا ثَقْبٌ وَهِيَ الْأُنْثَى فَإِذَا اجْتَمَعَا قِيلَ زَنْدَانِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِهَذَا: إنَّهُمْ يَسْحَقُونَ الثُّقْبَ الَّذِي فِي الْأُنْثَى بِالْأَعْلَى كَمَا يَفْعَلُ ذَكَرُ الْحَيَوَانِ فِي أُنْثَاهُ فَبِذَلِكَ السَّحْقِ وَالْحَكِّ يَخْرُجُ مِنْهُمَا أَجْزَاءُ نَاعِمَةٌ تَنْقَدِحُ مِنْهَا النَّارُ فَتَتَوَلَّدُ النَّارُ مِنْ مَادَّةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَمَا يَتَوَلَّدُ الْوَلَدُ مِنْ مَادَّةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَسَحْقُ الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ وَقَدْحُهَا بِهِ يَقْتَضِي حَرَارَةَ كُلًّا مِنْهُمَا وَيَتَحَلَّلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَادَّةٌ تَنْقَدِحُ مِنْهَا النَّارُ كَمَا أَنَّ إيلَاجَ ذَكَرِ الْحَيَوَانِ فِي أُنْثَاهُ بِقَدْحِ وَحَكِّ فَرْجِهَا بِفَرْجِهِ فَتَقْوَى حَرَارَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيَتَحَلَّلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَادَّةٌ تَمْتَزِجُ بِالْأُخْرَى وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا الْوَلَدُ وَيُقَالُ: عَلِقَتْ النَّارُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَقْدَحُ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ
كَالرَّحِمِ لِلْوَلَدِ وَهُوَ الْحِرَاقُ وَالصُّوفَانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ أَسْرَعَ قَبُولًا لِلنَّارِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا عَلِقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الرَّجُلِ وَقَدْ لَا تَعْلَقُ النَّارُ كَمَا قَدْ لَا تَعْلَقُ الْمَرْأَةُ وَقَدْ لَا تَنْقَدِحُ نَارٌ كَمَا لَا يَنْزِلُ مَنِيٌّ وَالنَّارُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الزِّنَادَيْنِ بَلْ تُوَلَّدُ النَّارُ مِنْهُمَا كَتَوَلُّدِ حَيَوَانٍ مِنْ الْمَاءِ وَالطِّينِ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ نَوْعَانِ مُتَوَالِدٌ كَالْإِنْسَانِ وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا يُخْلَقُ مِنْ أَبَوَيْنِ وَمُتَوَلِّدُ كَاَلَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْ الْفَاكِهَةِ وَالْخَلِّ وَكَالْقَمْلِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْ وَسَخِ جِلْدِ الْإِنْسَانِ وَكَالْفَأْرِ وَالْبَرَاغِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُخْلَقُ مِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ وَالْمَطَرِ وَالنَّارِ الَّتِي تُورَى بِالزِّنَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ هَلْ تَحْدُثُ أَعْيَانُ هَذِهِ الْأَجْسَامِ فَيُقْلَبُ هَذَا الْجِنْسُ إلَى جِنْسٍ آخَرَ.
كَمَا يُقْلَبُ الْمَنِيُّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً أَوْ لَا تَحْدُثُ إلَّا أَعْرَاضٌ وَأَمَّا الْأَعْيَانُ الَّتِي هِيَ الْجَوَاهِرُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ بِغَيْرِ صِفَاتِهَا بِمَا يُحْدِثُهُ فِيهَا مِنْ الْأَكْوَانِ الْأَرْبِعَةِ: الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التجزي كَمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ.
وَإِمَّا مِنْ جَوَاهِرَ لَا نِهَايَةَ لَهَا كَمَا يُحْكَى عَنْ النَّظَّامِ.
فَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَا يُحْدِثُ شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُحْدِثُ الْأَعْرَاضَ الَّتِي هِيَ الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ وَالْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْرَاضِ.
ثُمَّ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ الْجَوَاهِرَ مُحْدَثَةٌ قَالَ: إنَّ اللَّهَ أَحْدَثَهَا ابْتِدَاءً ثُمَّ جَمِيعُ مَا يُحْدِثُهُ إنَّمَا هُوَ إحْدَاثُ أَعْرَاضٍ فِيهَا لَا يُحْدِثُ اللَّهُ بَعْد ذَلِكَ جَوَاهِرَ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ وَمِنْ أَكَابِرِ هَؤُلَاءِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْمُسْلِمِينَ وَيَذْكُرُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا جُمْهُورِ الْأُمَّةِ؛ بَلْ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ حَتَّى مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ يُنْكِرُونَ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ وَتَرَكُّبَ الْأَجْسَامِ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَابْنُ كُلَّابٍ إمَامُ أَتْبَاعِهِ هُوَ مِمَّنْ يُنْكِرُ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ فورك فِي مُصَنَّفِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي مَقَالَاتِ ابْنِ كُلَّابٍ وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ الْخِلَافِ وَهَكَذَا نَفَى الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ قَوْلُ الهشامية والضرارية وَكَثِيرٍ مِنْ الكَرَّامِيَة والنجارية أَيْضًا.
وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ: الْمَشْهُورُ عَنْهُمْ؛ بِأَنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَمَاثِلَةٌ؛ بَلْ وَيَقُولُونَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ: أَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُتَمَاثِلَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْأَعْرَاضِ وَتِلْكَ صِفَاتٌ عَارِضَةٌ لَهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً فَلَا تَنْفِي التَّمَاثُلَ فَإِنَّ حَدَّ الْمِثْلَيْنِ أَنْ يَجُوزَ عَلَى أَحَدِهِمَا مَا يَجُوزُ عَلَى الْآخَرِ وَيَجِبُ لَهُ مَا يَجِبُ لَهُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَمَاثِلَةٌ فَيَجُوزُ