كِتَابُ الصِّيَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَقَالَ: إنَّهُ الْخَضِرُ كَمَا أَنَّ الرَّافِضَةَ تَرَى شَخْصًا تَظُنُّ أَنَّهُ الْإِمَامُ الْمُنْتَظَرُ الْمَعْصُومُ أَوْ تَدَّعِي ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ - وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ الْخَضِرُ - مَنْ أَحَالَك عَلَى غَائِبٍ فَمَا أَنْصَفَك.
وَمَا أَلْقَى هَذَا عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ إلَّا الشَّيْطَانُ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا إنْ قَصَدَ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ " الْقُطْبُ الْغَوْثُ الْفَرْدُ الْجَامِعُ " أَنَّهُ رَجُلٌ يَكُونُ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ فَهَذَا مُمْكِنٌ لَكِنْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَانِ اثْنَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الْفَضْلِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَلَا يُجْزَمُ بِأَلَا يَكُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ أَفْضَلُ النَّاسِ إلَّا وَاحِدًا وَقَدْ تَكُونُ جَمَاعَةٌ بَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَتِلْكَ الْوُجُوهُ إمَّا مُتَقَارِبَةٌ وَإِمَّا مُتَسَاوِيَةٌ.
ثُمَّ إذَا كَانَ فِي الزَّمَانِ رَجُلٌ هُوَ أَفْضَلُ أَهْلِ الزَّمَانِ فَتَسْمِيَتُهُ " بِالْقُطْبِ الْغَوْثِ الْجَامِعِ " بِدْعَةٌ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وَلَا تَكَلَّمَ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَظُنُّونَ فِي بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ أَفْضَلُ أَوْ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ وَلَا يُطْلِقُونَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ؛ لَا سِيَّمَا أَنَّ مِنْ الْمُنْتَحِلِينَ لِهَذَا الِاسْمِ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ أَوَّلَ الْأَقْطَابِ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ثُمَّ يَتَسَلَّلُ الْأَمْرُ إلَى مَا دُونَهُ إلَى بَعْضِ مَشَايِخِ
الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لَا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا عَلَى مَذْهَبِ الرَّافِضَةِ.
فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟ وَالْحَسَنُ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ قَارَبَ سِنَّ التَّمْيِيزِ وَالِاحْتِلَامِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ مِنْ الشُّيُوخِ الْمُنْتَحِلِينَ لِهَذَا: أَنَّ " الْقُطْبَ الْفَرْدَ الْغَوْثَ الْجَامِعَ " يَنْطَبِقُ عِلْمُهُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتُهُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَعْلَمُ مَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ اللَّهُ.
وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَذَلِكَ وَأَنَّ هَذَا انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى الْحَسَنِ وَتَسَلْسَلَ إلَى شَيْخِهِ.
فَبَيَّنْت أَنَّ هَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ وَأَنَّ دَعْوَى هَذَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ كُفْرٌ دَعْ مَا سِوَاهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ الْآيَةُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ نُطِيعَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَّبِعَهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وَأَمَرَنَا أَنْ نُعَزِّرَهُ وَنُوَقِّرَهُ وَنَنْصُرَهُ وَجَعَلَ لَهُ مِنْ الْحُقُوقِ مَا بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولُهُ حَتَّى أَوْجَبَ عَلَيْنَا أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَأَهْلِينَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ: لَا يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ نَفْسِك - قَالَ: فَلَأَنْتَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي قَالَ: الْآنَ يَا عُمَرُ﴾ وَقَالَ: " {ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُجِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ
يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ} . وَقَدْ بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ حُقُوقَهُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لَهُ وَحُقُوقَ رُسُلِهِ وَحُقُوقَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْخَشْيَةُ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فَالْإِيتَاءُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَالرَّغْبَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ لِأَنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَّا الحسب فَهُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ يَكْفِيك اللَّهُ وَيَكْفِي مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ هَؤُلَاءِ " الزَّائِرِينَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ " كَقَبْرِ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ فَيَأْتُونَ إلَى الضَّرِيحِ وَيُقَبِّلُونَهُ وَالْقُوَّامُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْ مَنْ جَاءَ يَأْتُونَهُ وَيَجِيئُونَ بِهِ إلَى الضَّرِيحِ فَيُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَهُمْ عَلَيْهِ.
فَهَلْ هَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَسُولُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ ثَوَابٌ وَأَجْرٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُوَ مِنْ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ أُنَاسٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ الدِّينِ وَيَفْعَلُونَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يُنْهَوْا عَنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَهَلْ اسْتَحَبَّ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ فِي الْقُوَّامِ أَوْ غَيْرِهِمْ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَوْ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ يُقِرُّ عَلَيْهِ لِأَجْلِ جُعْلٍ يَأْخُذُهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهَلْ يُثَابُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَى مَنْعِ هَؤُلَاءِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ فَهَلْ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَصْرِفَ عَنْ الْوِلَايَةِ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ وَالْكَسْبُ الَّذِي يَكْسِبُهُ النَّاسُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ هَلْ هُوَ كَسْبٌ طَيِّبٌ أَوْ خَبِيثٌ؟ وَهَلْ يَسْتَحِقُّونَ مِثْلَ هَذَا الْكَسْبِ.
أَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَيُصْرَفُ فِي
مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ إلَى جَانِبِ " مَسْجِدِ الْخَلِيلِ " السَّمَاعُ الَّذِي يُسَمُّونَهُ " النَّوْبَةُ الْخَلِيلِيَّةُ " وَيُقَامُ عِنْدَ ذَلِكَ سَمَاعٌ يَجْتَمِعُونَ لَهُ - الْفُقَرَاءُ وَغَيْرُهُمْ وَفِيهِ الشَّبَّابَةُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي يُصَفِّرُ بِالشَّبَّابَةِ مُؤْذِنًا بِالْمَكَانِ الْمَذْكُورِ هَلْ يَفْسُقُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا لَمْ يَنْتَهِ يَصْرِفُهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْقُلَ هَذِهِ النَّوْبَةَ الْمَذْكُورَةَ إلَى مَكَانٍ لَا يُمْكِنُ الرَّقْصُ فِيهِ لِضِيقِ الْمَكَانِ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ وَلَا رَسُولَهُ وَلَا أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِتَقْبِيلِ شَيْءٍ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَلَا التَّمَسُّحِ بِهِ لَا قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَبْرِ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَبْرِ غَيْرِهِمَا؛ بَلْ وَلَا بِالتَّقْبِيلِ وَالِاسْتِلَامِ لِصَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ مِنْ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ بَلْ إنَّمَا يُسْتَلَمُ الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَّانِ فَقَطْ؛ اتِّبَاعًا لِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَلِمْ إلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ " وَلَمْ يُقَبِّلْ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّامِيَّيْنِ لَا يُسْتَلَمَانِ وَلَا يُقَبَّلَانِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْيَمَانِيَّيْنِ يُسْتَلَمَانِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى تَقْبِيلِ الْأَسْوَدِ.
وَتَنَازَعُوا فِي تَقْبِيلِ الْيَمَانِيِّ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ.
قِيلَ:
يُقَبَّلُ.
وَقِيلَ: يُسْتَلَمُ وَتُقَبَّلُ الْيَدُ.
وَقِيلَ يُسْتَلَمُ وَلَا تُقَبَّلُ الْيَدُ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَلَمَهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ وَلَمْ يُقَبِّلْ يَدَهُ لَمَّا اسْتَلَمَهُ وَلَا أَجْرَ وَلَا ثَوَابَ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ؛ فَإِنَّ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ إمَّا وَاجِبَةٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبَّةٌ.
فَإِذَا كَانَ الِاسْتِلَامُ وَالتَّقْبِيلُ لِهَذِهِ الْأَجْسَامِ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ وَلَا ثَوَابٌ وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ وَيُثَابُ فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ مُخْطِئٌ كَاَلَّذِي يَعْتَقِدُ: أَنَّهُ يُؤْجَرُ وَيُثَابُ إذَا سَجَدَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ: وَاَلَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُؤْجَرُ وَيُثَابُ إذَا دَعَاهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَاَلَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُؤْجَرُ وَيُثَابُ إذَا صَوَّرَ صُوَرَهُمْ - كَمَا يَفْعَلُ النَّصَارَى - وَدَعَا تِلْكَ الصُّوَرَ وَسَجَدَ لَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً بَلْ هِيَ إمَّا كُفْرٌ وَإِمَّا جَهْلٌ وَضَلَالٌ.
وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا مِنْ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا مِنْ الدِّينِ وَفَعَلَهُ وَجَبَ أَنْ يُنْهَى عَنْهُ وَلَمْ يَسْتَحِبَّ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ.
وَمَنْ أَمَرَ النَّاسَ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رَغَّبَهُمْ فِيهِ أَوْ أَعَانَهُمْ عَلَيْهِ
مِنْ الْقُوَّامِ أَوْ غَيْرِ الْقُوَّامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ وَمَنْعُهُ مِنْهُ.
وَيُثَابُ وَلِيُّ الْأَمْرِ عَلَى مَنْعِ هَؤُلَاءِ وَمَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا يَرْدَعُهُ.
وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْقِيَامَةِ وَلَا يُتْرَكُ مَنْ يَأْمُرُ النَّاسَ بِمَا لَيْسَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْكَسْبُ الَّذِي يَكْسِبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ خَبِيثٌ مِنْ جِنْسِ كَسْبِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَأْخُذُونَ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا وَمِنْ جِنْسِ كَسْبِ سَدَنَةِ الْأَصْنَامِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالشِّرْكِ وَيَأْخُذُونَ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ جُمْلَةِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ وَدَوَاعِيهِ وَأَجْزَائِهِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ﴾ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ﴾ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا؛ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ: " ﴿إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ﴾ وَفِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ
تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ} . وَالْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يُسَافِرُونَ إلَى " قَبْرِ الْخَلِيلِ " وَلَا غَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَلَا سَافَرُوا إلَى زِيَارَةِ " جَبَلِ طُورِ سَيْنَاءَ وَهُوَ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ وَالْوَادِي الْمُقَدَّسُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَكَلَّمَ عَلَيْهِ كَلِيمَهُ مُوسَى بَلْ وَلَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ يَزُورُونَ " جَبَلَ حِرَاءَ " الَّذِي نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَلَمْ يَكُونُوا يَزُورُونَ بِمَكَّةَ غَيْرَ الْمَشَاعِرِ - كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ - فِي الْحَجِّ.
وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْصِدُ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ؛ لَا قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَبْرِ الْخَلِيلِ وَلَا غَيْرِهِمَا.
وَلِهَذَا ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ كَمَالِكِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا بِدْعَةٌ " بَلْ كَانُوا إذَا أَتَوْا إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: كَانَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ - ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
وَمَنْ اكْتَسَبَ مَالًا خَبِيثًا: مِثْلُ هَذَا الَّذِي يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبِدَعِ
وَيَأْخُذُ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّ وُلَاةَ الْأُمُورِ يَأْخُذُونَهُ مِنْ هَذَا الَّذِي أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَصَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَيَصْرِفُونَهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَيُؤْخَذُ الْمَالُ الَّذِي أُنْفِقَ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ فَيُنْفَقُ فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ.
" وَأَمَّا السَّمَاعُ " الَّذِي يُسَمُّونَهُ: نَوْبَةَ الْخَلِيلِ فَبِدْعَةٌ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا وَلَمْ يَكُنْ الْخَلِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَا الصَّحَابَةُ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَادَ فَعَلُوا عِنْدَ الْخَلِيلِ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَلَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ بَلْ هَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ إحْدَاثِ النَّصَارَى؛ فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ نَقَبُوا حُجْرَةَ الْخَلِيلِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَسْدُودَةً لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ إلَيْهَا.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ إحْدَاثِ بَعْضِ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ هُنَاكَ رَقْصٌ وَلَا شَبَّابَةٌ وَلَا مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى حُضُورِ ذَلِكَ مِنْ مُؤَذِّنٍ وَغَيْرِهِ قَدَحَ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ حُكْمِ قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ أَرْبَعَةٍ - مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ " قَبْرُ الفندلاوي " مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ و " قَبْرُ الْبُرْهَانِ البلخي " مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ و " قَبْرُ الشَّيْخِ نَصْرٍ المقدسي " مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
و " قَبْرُ الشَّيْخِ أَبِي الْفَرَجِ " مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؟ وَمَنْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ قُبُورِهِمْ وَدَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ؟ وَقَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ يُوصِيهِ: إذَا نَزَلَ بِك حَادِثٌ أَوْ أَمْرٌ تَخَافُهُ اسْتَوْحِنِي يَنْكَشِفُ عَنْك مَا تَجِدُهُ مِنْ الشِّدَّةِ: حَيًّا كُنْت أَوْ مَيِّتًا؟ وَمَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَاسْتَقْبَلَ جِهَةَ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الجيلاني وَسَلَّمَ عَلَيْهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ يَخْطُو مَعَ كُلِّ تَسْلِيمَةٍ خَطْوَةً إلَى قَبْرِهِ قُضِيَتْ حَاجَتُهُ أَوْ كَانَ فِي سَمَاعٍ فَإِنَّهُ يَطِيبُ وَيَكْثُرُ التَّوَاجُدُ وَقَوْلُ الْفُقَرَاءِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ إلَى الْفُقَرَاءِ بِتَجَلِّيهِ عَلَيْهِمْ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ مَدِّ السِّمَاطِ وَعِنْدَ قِيَامِهِمْ فِي الِاسْتِغْفَارِ أَوْ الْمُجَارَاةِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَعِنْدَ السَّمَاعِ؟ وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُتَعَبِّدِينَ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ قَبْرِ زَكَرِيَّا وَقَبْرِ هُودٍ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا وَالْمَوْقِفِ بَيْنَ شَرْقِيِّ رِوَاقِ الْجَامِعِ بِبَابِ الطَّهَارَةِ بِدِمَشْقَ
وَالدُّعَاءِ عِنْدَ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ وَمَنْ أَلْصَقَ ظَهْرَهُ الْمَوْجُوعَ بِالْعَمُودِ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ الشُّهَدَاءِ بِبَابِ الصَّغِيرِ.
فَهَلْ لِلدُّعَاءِ خُصُوصِيَّةُ قَبُولٍ أَوْ سُرْعَةُ إجَابَةٍ بِوَقْتِ مَخْصُوصٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ: عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَغِيثَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ بِنَبِيِّ مُرْسَلٍ أَوْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَوْ بِكَلَامِهِ تَعَالَى أَوْ بِالْكَعْبَةِ أَوْ بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ بِاحْتِيَاطِ قَافٍ أَوْ بِدُعَاءِ أُمِّ دَاوُد أَوْ الْخَضِرِ؟ ؟ . وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي السُّؤَالِ بِحَقِّ فُلَانٍ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ بِجَاهِ الْمُقَرَّبِينَ بِأَقْرَبَ الْخَلْقِ أَوْ يُقْسِمَ بِأَفْعَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ؟ وَهَلْ يَجُوزُ تَعْظِيمُ مَكَانٍ فِيهِ خَلُوقٌ وَزَعْفَرَانٌ وَسَرْجٌ؛ لِكَوْنِهِ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ عِنْدَهُ أَوْ يَجُوزُ تَعْظِيمُ شَجَرَةٍ يُوجَدُ فِيهَا خِرَقٌ مُعَلَّقَةٌ وَيُقَالُ: هَذِهِ مُبَارَكَةٌ يَجْتَمِعُ إلَيْهَا الرِّجَالُ الْأَوْلِيَاءُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ تَعْظِيمُ جَبَلٍ أَوْ زِيَارَتُهُ أَوْ زِيَارَةُ مَا فِيهِ مِنْ الْمَشَاهِدِ وَالْآثَارِ وَالدُّعَاءُ فِيهَا وَالصَّلَاةُ كَمَغَارَةِ الدَّمِ وَكَهْفِ آدَمَ وَالْآثَارِ.
وَمَغَارَةِ الْجُوعِ وَقَبْرِ شيث وَهَابِيلَ وَنُوحٍ وَإِلْيَاسَ وحزقيل وشيبال الرَّاعِي وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ بِجِبِلَّةِ وَعُشِّ الْغُرَابِ بِبَعْلَبَكَّ وَمَغَارَةِ الْأَرْبَعِينَ وَحَمَّامِ طبرية وَزِيَارَةُ عَسْقَلَانَ وَمَسْجِدِ صَالِحٍ بعكا - وَهُوَ مَشْهُورٌ بِالْحُرُمَاتِ وَالتَّعْظِيمِ وَالزِّيَارَاتِ؟ .
وَهَلْ يَجُوزُ تَحَرِّي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقُبُورِ وَأَنْ تُقَبَّلَ أَوْ يُوقَدَ عِنْدَهَا الْقَنَادِيلُ وَالسُّرُجُ؟ وَهَلْ يَحْصُلُ لِلْأَمْوَاتِ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْ الْأَحْيَاءِ مَنْفَعَةٌ أَوْ مَضَرَّةٌ؟ وَهَلْ الدُّعَاءُ عِنْدَ " الْقَدَمِ النَّبَوِيِّ " بِدَارِ الْحَدِيثِ الأشرفية بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهِ وَقَدَمِ مُوسَى وَمَهْدِ عِيسَى " وَمَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَرَأْسِ الْحُسَيْنِ وصهيب الرُّومِيِّ وَبِلَالٍ الْحَبَشِيِّ وَأُوَيْسٍ القرني وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - كُلَّهُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ وَالْقُرَى وَالسَّوَاحِلِ وَالْجِبَالِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ؟ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: الدُّعَاءُ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ بُرْجِ " بَابِ كيسان " بَيْنَ بَابَيْ الصَّغِيرِ وَالشَّرْقِيِّ مُسْتَدْبِرًا لَهُ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ دَاخِلِ بَابِ الْفَرَّادِينَ؟ فَهَلْ ثَبَتَ شَيْءٌ فِي إجَابَةِ الْأَدْعِيَةِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَغَاثَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يَقُولَ: يَا جَاهَ مُحَمَّدٍ أَوْ يَا لَسِتِّ نَفِيسَةَ أَوْ يَا سَيِّدِي أَحْمَد أَوْ إذَا عَثَرَ أَحَدٌ وَتَعَسَّرَ أَوْ قَفَزَ مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ يَقُولُ: يال عَلِيٍّ أَوْ يال الشَّيْخِ فُلَانٍ: أَمْ لَا؟ وَهَلْ تَجُوزُ النُّذُورُ لِلْأَنْبِيَاءِ أَوْ لِلْمَشَايِخِ: مِثْلُ الشَّيْخِ جاكير أَوْ أَبِي الْوَفَاءِ أَوْ نُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ أَوْ غَيْرِهِمْ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ هَلْ تَجُوزُ النُّذُورُ لِقُبُورِ أَحَدٍ مِنْ آلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمُدْرِكِهِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَمَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَالْعَجَمِ وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْهِنْدِ وَالْمَغْرِبِ وَجَمِيعِ الْأَرْضِ وَجَبَلِ قَانٍ وَغَيْرِهَا أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ الْمَشَايِخِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَهُوَ مِنْ جِنْسِ قَوْلِ غَيْرِهِ: قَبْرُ فُلَانٍ هُوَ التِّرْيَاقُ الْمُجَرَّبُ وَمِنْ جِنْسِ مَا يَقُولُهُ أَمْثَالُ هَذَا الْقَائِلِ: مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قَبْرِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ.
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ بَعْضِ الْقُبُورِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْقَبْرُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ قَبْرُ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّالِحِينَ وَقَدْ يَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ الْقَبْرِ إلَى ذَلِكَ كَذِبًا أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ: مِثْلُ أَكْثَرِ مَا يُذْكَرُ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا وَالرَّجُلِ لَيْسَ بِصَالِحِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ مَوْجُودَةٌ فِيمَنْ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قَبْرٍ بِعَيْنِهِ وَأَنَّهُ اُسْتُجِيبَ لَهُ الدُّعَاءُ عِنْدَهُ وَالْحَالُ أَنَّ ذَاكَ إمَّا قَبْرُ مَعْرُوفٍ بِالْفِسْقِ وَالِابْتِدَاعِ وَإِمَّا قَبْرُ كَافِرٍ كَمَا رَأَيْنَا مَنْ دَعَا فَكُشِفَ لَهُ حَالُ الْقُبُورِ فَبُهِتَ لِذَلِكَ وَرَأَيْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنْوَاعًا.
وَأَصْلُ هَذَا: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَوْلٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ؛ كَمَالِكِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ
بْنِ رَاهَوَيْه وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَلَا مَشَايِخِهِمْ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ: كالْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ؟ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَأَمْثَالِهِمْ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَا مُطْلَقًا وَلَا مُعَيَّنًا.
وَلَا فِيهِمْ مَنْ قَالَ: إنَّ دُعَاءَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَلَا إنَّ الصَّلَاةَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهَا.
وَلَا فِيهِمْ مَنْ كَانَ يَتَحَرَّى الدُّعَاءَ وَلَا الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْقُبُورِ؛ بَلْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَسَيِّدُهُمْ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ قَبْرٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ قَبْرُ نَبِيٍّ غَيْرَ قَبْرِهِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي قَبْرِ الْخَلِيلِ وَغَيْرِهِ - وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ زِيَارَتِهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ لِمَا فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ.
" ﴿مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ﴾ وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالدَّارَقُطْنِي عَنْهُ: " ﴿مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْته وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا أُبْلِغْته﴾ وَفِي إسْنَادِهِ لَيِّنٌ.
لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ ثَابِتَةٌ؛ فَإِنَّ إبْلَاغَ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ مِنْ الْبُعْدِ قَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
كَمَا فِي السُّنَنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " {أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمْعَةِ
فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ.
قَالُوا: كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْك وَقَدْ أَرَمْت؟ أَيْ بَلِيتَ.
فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ} وَفِي النَّسَائِي وَغَيْرِهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ﴾ . وَمَعَ هَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَرَّى الدُّعَاءَ مُتَوَجِّهًا إلَى قَبْرِهِ بَلْ نَصُّوا عَلَى نَقِيضِ ذَلِكَ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْعُو مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ.
وَتَنَازَعُوا فِي السَّلَامِ عَلَيْهِ.
فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ كَمَالِكِ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقَبْرِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَظُنُّهُ مَنْقُولًا عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: بَلْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ بَلْ نَصَّ أَئِمَّةُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوقَفُ عِنْدَهُ لِلدُّعَاءِ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ فِي " كِتَابِ الْمَبْسُوطِ " وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يَقِفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُوَ؛ وَلَكِنْ يُسَلِّمُ وَيَمْضِي.
وَقَالَ أَيْضًا فِي " الْمَبْسُوطِ " لَا بَأْسَ لِمَنْ قَدِمَ مَنْ سَفَرٍ أَوْ خَرَجَ إلَى سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَلِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَقْدَمُونَ مِنْ سَفَرٍ وَلَا يُرِيدُونَهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَرُبَّمَا وَقَفُوا فِي الْجُمْعَة أَوْ فِي الْيَوْمِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ أَوْ
أَكْثَرَ عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ بِبَلْدَتِنَا وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَصَدْرِهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ إلَّا مَنْ جَاءَ مَنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْت أَهْلَ الْمَدِينَةِ إذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَوْ دَخَلُوهَا أَتَوْا الْقَبْرَ وَسَلَّمُوا.
قَالَ: وَذَلِكَ دَأْبِي.
فَهَذَا مَالِكٌ وَهُوَ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ - أَيْ زَمَنِ تَابِعِ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّذِينَ كَانَ أَهْلُهَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ أَعْلَمَ النَّاسِ بِمَا يُشْرَعُ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُونَ الْوُقُوفَ لِلدُّعَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ.
وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الدُّعَاءُ لَهُ وَلِصَاحِبَيْهِ وَهُوَ الْمَشْرُوعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ كُلَّ وَقْتٍ.
بَلْ عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ إرَادَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحِيَّةٌ لَهُ وَالْمُحَيَّا لَا يُقْصَدُ بَيْتُهُ كُلَّ وَقْتٍ لِتَحِيَّتِهِ؛ بِخِلَافِ الْقَادِمَيْنِ مِنْ السَّفَرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَهْبٍ: إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقِفُ وَجْهَهُ إلَى الْقَبْرِ؛ لَا إلَى الْقِبْلَةِ وَيَدْنُو وَيُسَلِّمُ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ بِيَدِهِ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ: زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: كَرَاهَةُ مَالِكٍ لَهُ لِإِضَافَتِهِ إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ: " {اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلُ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ
اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ} يَنْهَى عَنْ إضَافَةِ هَذَا اللَّفْظِ إلَى الْقَبْرِ وَالتَّشَبُّهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ؛ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ وَحَسْمًا لِلْبَابِ.
قُلْت: وَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ الْمَرْوِيَّةُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ بَلْ مَوْضُوعَةٌ.
لَمْ يَرْوِ الْأَئِمَّةُ وَلَا أَهْلُ السُّنَنِ الْمُتَّبَعَةِ - كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِي وَنَحْوِهِمَا فِيهَا شَيْئًا وَلَكِنْ جَاءَ لَفْظُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ: مِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ.
أَلَّا فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ﴾ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: " ﴿السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِين نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَة﴾ . وَلَكِنْ صَارَ لَفْظُ " زِيَارَةِ الْقُبُورِ " فِي عُرْفِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَتَنَاوَلُ " الزِّيَارَةَ الْبِدْعِيَّةَ وَالزِّيَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ " وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَهَا إلَّا بِالْمَعْنَى الْبِدْعِيِّ؛ لَا الشَّرْعِيِّ؛ فَلِهَذَا كُرِهَ هَذَا الْإِطْلَاقُ.
فَأَمَّا " الزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ " فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ: يُقْصَدُ بِهَا الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ كَمَا يُقْصَدُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فَلَمَّا نَهَى عَنْ
الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالْقِيَامِ عَلَى قُبُورِهِمْ: دَلَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْخِطَابِ وَعِلَّةِ الْحُكْمِ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْقِيَامُ عَلَى قَبْرِهِ بَعْدَ الدَّفْنِ هُوَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ يُرَادُ بِهِ الدُّعَاءُ لَهُ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَاسْتَحَبَّهُ السَّلَفُ عِنْدَ زِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَأَمَّا " الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ " فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ وَالذَّرِيعَةِ إلَيْهِ كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِنْدَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ: " ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا﴾ وَقَالَ: " ﴿إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ﴾ وَقَالَ: " ﴿إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءُ وَاَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ﴾ وَقَالَ: " ﴿لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ﴾ فَإِذَا كَانَ قَدْ لَعَنَ مَنْ يَتَّخِذُ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ تَحَرِّيهَا لِلدُّعَاءِ مُسْتَحَبًّا لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الدُّعَاءُ يُسْتَحَبُّ فِيهِ الصَّلَاةُ لِأَنَّ الدُّعَاءَ عَقِبَ الصَّلَاةِ أجوب.
وَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَكَانٌ يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَهُ.
وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ كَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ
بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ بِالْقَبْرِ لَا بِمُجَرَّدِ نَجَاسَتِهِ كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ؛ وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يَأْمُرُونَ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ وَتَعْفِيَةِ مَا يُفْتَتَنُ بِهِ مِنْهَا كَمَا أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِتَعْفِيَةِ قَبْرِ دَانْيَالَ لَمَّا ظَهَرَ بتستر فَإِنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِ أَبُو مُوسَى يَذْكُرُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قَبْرُ دَانْيَالَ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَسْقُونَ بِهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْفِرَ بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا ثُمَّ يَدْفِنُهُ بِاللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا وَيُعْفِيهِ لِئَلَّا يَفْتَتِنَ بِهِ النَّاسُ.
وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْد السَّلَفِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الموصلي فِي " مُسْنَدِهِ " وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ المقدسي فِي " مُخْتَارِهِ " عَنْ ﴿عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمَعْرُوفِ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ - أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُ فَيَدْعُو فِيهَا فَنَهَاهُ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَمَا كُنْتُمْ﴾ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ﴾ وَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنِي سُهَيْلُ بْنُ أَبِي سُهَيْلٍ قَالَ: رَآنِي الْحَسَنُ بْنُ
الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ الْقَبْرِ فَنَادَانِي وَهُوَ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ يَتَعَشَّى فَقَالَ: هَلُمَّ إلَى الْعَشَاءِ فَقُلْت: لَا أُرِيدُهُ فَقَالَ: مَالِي رَأَيْتُك عِنْدَ الْقَبْرِ فَقُلْت: سَلَّمْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: إذَا دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَسَلِّمْ ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " ﴿لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ؛ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ مَا أَنْتُمْ وَمَنْ بِالْأَنْدَلُسِ إلَّا سَوَاءٌ﴾ . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْمَشْرُوعَ فِي قَبْرِ سَيِّدِ وَلَدٍ آدَمَ وَخَيْرِ الْخَلْقِ وَأَكْرَمِهِمْ عَلَى اللَّهِ فَكَيْفَ يُقَالُ فِي قَبْرِ غَيْرِهِ وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا نَزَلَتْ بِهِمْ الشَّدَائِدُ - كَحَالِهِمْ فِي الْجَدْبِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَعِنْدَ الْقِتَالِ وَالِاسْتِنْصَارِ - يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَغِيثُونَهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ وَلَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ.
فَتَوَسَّلُوا بِالْعَبَّاسِ كَمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَهَكَذَا تَوَسَّلُوا بِدُعَاءِ الْعَبَّاسِ وَشَفَاعَتِهِ وَلَمْ يَقْصِدُوا الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَقْسَمُوا عَلَى اللَّهِ بِشَيْءِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ تَوَسَّلُوا إلَيْهِ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الْوَسَائِلِ وَهِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَدُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا يَتَوَسَّلُ الْعَبْدُ إلَى اللَّهِ بِالْإِيمَانِ بِنَبِيِّهِ وَبِمَحَبَّتِهِ وَمُوَالَاتِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالسَّلَامِ وَكَمَا يَتَوَسَّلُونَ فِي حَيَاتِهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ كَذَلِكَ يَتَوَسَّلُ الْخَلْقُ فِي الْآخِرَةِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ.
وَيَتَوَسَّلُ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ: بِدُعَائِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ﴾ . وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ الْقُبُورِ لَوْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ غَيْرِهَا وَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وأجوب: لَكَانَ السَّلَفُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ مِنْ الْخَلَفِ " وَكَانُوا أَسْرَعَ إلَيْهِ.
فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَأَسْبَقَ إلَى طَاعَتِهِ وَرِضَاهُ وَلَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وَمَا تَرَكَ شَيْئًا يُقَرِّبُ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثَ أُمَّتَهُ بِهِ وَلَا شَيْئًا يُبْعِدُ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنْهُ وَقَدْ تَرَكَ أُمَّتَهُ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَنْزَوِي عَنْهَا بَعْدَهُ إلَّا هَالِكٌ.
فَكَيْفَ وَقَدْ نَهَى عَنْ هَذَا الْجِنْسِ وَحَسَمَ مَادَّتَهُ بِلَعْنِهِ وَنَهْيِهِ عَنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ؟ فَنَهَى عَنْ الصَّلَاةِ لِلَّهِ مُسْتَقْبِلًا لَهَا وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي لَا يَعْبُدُ الْمَوْتَى وَلَا يَدْعُوهُمْ كَمَا نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهَا
وَقْتُ سُجُودِ الْمُشْرِكِينَ لِلشَّمْسِ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي لَا يَسْجُدُ إلَّا لِلَّهِ؛ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ.
فَكَيْفَ إذَا تَحَقَّقَتْ الْمَفْسَدَةُ بِأَنْ صَارَ الْعَبْدُ يَدْعُو الْمَيِّتَ وَيَدْعُو بِهِ كَمَا إذَا تَحَقَّقَتْ الْمَفْسَدَةُ بِالسُّجُودِ لِلشَّمْسِ وَقْتَ الطُّلُوعِ وَوَقْتَ الْغُرُوبِ.
وَقَدْ كَانَ أَصْلُ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ تَعْظِيمِ الْقُبُورِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قَالَ السَّلَفُ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: كَانَ هَؤُلَاءِ قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ ثُمَّ عَبَدُوهُمْ.
ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ بِمَقَابِرَ " بَابِ الصَّغِيرِ " مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ الْأَرْبَعَةِ فَكَيْفَ يُعَيَّنُ هَؤُلَاءِ لِلدُّعَاءِ عِنْدَ قُبُورِهِمْ دُونَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ ثُمَّ إنَّ لِكُلِّ شَيْخٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَنَحْوِهِمْ مَنْ يُحِبُّهُ وَيُعَظِّمُهُ بِالدُّعَاءِ دُونَ الشَّيْخِ الْآخَرِ فَهَلْ أَمَرَ اللَّهُ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ وَاحِدٍ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُشْرِكُونَ بِهِمْ؟ الَّذِينَ ضَاهَوْا الَّذِينَ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
فَصْلٌ:
وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ قَوْلِهِ: إذَا نَزَلَ بِك حَادِثٌ أَوْ أَمْرٌ تَخَافُهُ فَاسْتَوْحِنِي فَيُكْشَفُ مَا بِك مِنْ الشِّدَّةِ حَيًّا كُنْت أَوْ مَيِّتًا.
فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ كَذِبًا مِنْ النَّاقِلِ أَوْ خَطَأً مِنْ الْقَائِلِ؛ فَإِنَّهُ نَقْلٌ لَا يُعْرَفُ صِدْقُهُ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَمَنْ تَرَكَ النَّقْلَ الْمُصَدَّقَ عَنْ الْقَائِلِ الْمَعْصُومِ وَاتَّبَعَ نَقْلًا غَيْرَ مُصَدَّقٍ عَنْ قَائِلٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِمِثْلِ هَذَا " وَلَا رُسُلُهُ أَمَرُوا بِذَلِكَ؛ بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: ارْغَبْ إلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْعُزَيْرَ وَالْمَسِيحَ وَالْمَلَائِكَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ لِأَحَدِ مِنْ أَصْحَابِهِ: إذَا
نَزَلَ بِك حَادِثٌ فَاسْتَوْحِنِي؛ بَلْ قَالَ لِابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُوصِيهِ: " ﴿احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَك تَعَرَّفَ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْك فِي الشِّدَّةِ إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ﴾ . وَمَا يَرْوِيهِ بَعْضُ الْعَامَّةِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ . فَهُوَ حَدِيثٌ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الدِّينِ؛ فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ فَضِيلَةٌ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِكُلِّ فَضِيلَةٍ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
وَإِنْ كَانَ مَنْفَعَةٌ لِلْحَيِّ بِالْمَيِّتِ فَأَصْحَابُهُ أَحَقُّ النَّاسِ انْتِفَاعًا بِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا.
فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا مِنْ الضَّلَالِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا.
وَلَيْسَ هُوَ بِنَبِيِّ يَجِبُ اتِّبَاعُ قَوْلِهِ وَلَا مَعْصُومٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ .
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: مَنْ قَرَأَ " آيَةَ الْكُرْسِيِّ " وَاسْتَقْبَلَ جِهَةَ الشَّيْخِ
عَبْدِ الْقَادِرِ الجيلاني - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَخَطَا سَبْعَ خُطُوَاتٍ يَخْطُو مَعَ كُلِّ تَسْلِيمَةٍ خَطْوَةً إلَى قَبْرِهِ قُضِيَتْ حَاجَتُهُ أَوْ كَانَ فِي سَمَاعٍ فَإِنَّهُ يَطِيبُ وَيَكْثُرُ تَوَاجُدُهُ.
فَهَذَا أَمْرٌ الْقُرْبَةُ فِيهِ شِرْكٌ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ الْقَادِرِ لَمْ يَقُلْ هَذَا وَلَا أَمَرَ بِهِ وَمَنْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْهُ فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُحْدِثُ مِثْلَ هَذِهِ الْبِدَعِ أَهْلُ الْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ: الْمُشْبِهُونَ لِلنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الرَّافِضَةِ الْغَالِيَةِ فِي الْأَئِمَّةِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ الْغُلَاةِ فِي الْمَشَايِخِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا﴾ فَإِذَا نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ فِي الصَّلَاةِ لِلَّهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ وَالدُّعَاءُ لِغَيْرِ اللَّهِ مَعَ بُعْدِ الدَّارِ وَهَلْ هَذَا إلَّا مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى بِعِيسَى وَأُمِّهِ وَأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ فِي اتِّخَاذِهِمْ إيَّاهُمْ أَرْبَابًا وَآلِهَةً يَدْعُونَهُمْ وَيَسْتَغِيثُونَهُم فِي مَطَالِبِهِمْ وَيَسْأَلُونَهُمْ وَيَسْأَلُونَ بِهِمْ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ: مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إلَى الْفُقَرَاءِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: عِنْدَ الْأَكْلِ وَالْمُنَاصَحَةِ وَالسَّمَاعِ.
فَهَذَا الْقَوْلُ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْأَكْلِ؛ فَإِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ بِإِيثَارِ
وَعِنْدَ الْمُجَارَاةِ فِي الْعِلْمِ.
لِأَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْمُنَاصَحَةَ وَعِنْدَ السَّمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ لِلَّهِ.
أَوْ كَلَامًا يُشْبِهُ هَذَا.
وَالْأَصْلُ الْجَامِعُ فِي هَذَا أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ - وَهُوَ مَا كَانَ لِلَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ - فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ وَيَنْظُرُ إلَيْهِ فِيهِ نَظَرَ مَحَبَّةٍ.
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الْخَالِصُ الصَّوَابُ.
فَالْخَالِصُ مَا كَانَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ مَا كَانَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَاكَلَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهَا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يَشْتَمِلُ عَلَى خَيْرٍ وَشَرٍّ وَحَقٍّ وَبَاطِلٍ وَمَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ وَحُكْمُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ.
فَصْلٌ:
وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ تَحَرِّي الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ مَا يُقَالُ: إنَّهُ قَبْرُ نَبِيٍّ أَوْ قَبْرُ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ إلْصَاقُ بَدَنِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ بِالْقَبْرِ أَوْ بِمَا يُجَاوِرُ الْقَبْرَ مِنْ عُودٍ وَغَيْرِهِ.
كَمَنْ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ فِي قِبْلِيِّ شَرْقِيِّ جَامِعِ دِمَشْقَ عِنْدَ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ قَبْرُ هُودٍ - وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ قَبْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - أَوْ عِنْدَ الْمِثَالِ الْخَشَبِ الَّذِي يُقَالُ تَحْتَهُ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَنَحْوَ ذَلِكَ: فَهُوَ مُخْطِئٌ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ
الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ بِهَذِهِ الْأَمْكِنَةِ لَيْسَ مَزِيَّةً عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَلَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ بَلْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ كَمَا نَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ وَدَوَاعِيهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا دُعَاءَ الْقَبْرِ وَالدُّعَاءَ بِهِ فَكَيْفَ إذَا قَصَدُوا ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُهُ: هَلْ لِلدُّعَاءِ خُصُوصِيَّةُ قَبُولٍ أَوْ سُرْعَةُ إجَابَةٍ: بِوَقْتِ مُعَيَّنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ: عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ؟ فَلَا رَيْبَ أَنَّ الدُّعَاءَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ أجوب مِنْهُ فِي بَعْضٍ.
فَالدُّعَاءُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أجوب الْأَوْقَاتِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرُ وَفِي رِوَايَةٍ نِصْفُ اللَّيْلِ - فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ﴾ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: " ﴿أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ﴾ وَالدُّعَاءِ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ وَعِنْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ وَعِنْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ وَفِي حَالِ السُّجُودِ وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ
الْأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالدُّعَاءُ بِالْمَشَاعِرِ كَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالْمُلْتَزَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَشَاعِرَ مَكَّةَ وَالدُّعَاءُ بِالْمَسَاجِدِ مُطْلَقًا.
وَكُلَّمَا فُضِّلَ الْمَسْجِدُ كَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ فِيهِ أَفْضَلَ.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِأَجْلِ كَوْنِ الْمَكَانِ فِيهِ قَبْرُ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا: إنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ هَذَا مِمَّا ابْتَدَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُضَاهَاةً لِلنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
فَأَصْلُهُ مِنْ دِينِ الْمُشْرِكِينَ؛ لَا مِنْ دِينِ عِبَادِ اللَّهِ الْمُخْلِصِينَ؛ كَاِتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ؛ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَلَكِنْ ابْتَدَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ؛ مُضَاهَاةً لِمَنْ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَغِيثَ إلَى اللَّهِ فِي الدُّعَاءِ بِنَبِيِّ مُرْسَلٍ أَوْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَوْ بِكَلَامِهِ تَعَالَى أَوْ بِالْكَعْبَةِ أَوْ بِالدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ بِاحْتِيَاطِ قَافٍ أَوْ بِدُعَاءِ أُمِّ دَاوُد أَوْ الْخَضِرِ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى اللَّهِ فِي السُّؤَالِ بِحَقِّ فُلَانٍ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ بِجَاهِ الْمُقَرَّبِينَ
بِأَقْرَبِ الْخَلْقِ أَوْ يُقْسِمَ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ؟ فَيُقَالُ: هَذَا السُّؤَالُ فِيهِ فُصُولٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
فَأَمَّا الْأَدْعِيَةُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا السُّنَّةُ فَفِيهَا سُؤَالُ اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَالِاسْتِعَاذَةُ بِكَلَامِهِ كَمَا فِي الْأَدْعِيَةِ الَّتِي فِي السُّنَنِ: مِثْلُ قَوْلِهِ: " ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ اللَّهُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ﴾ وَمِثْلُ قَوْلِهِ: " ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِأَنَّك أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدُ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَمِثْلُ الدُّعَاءِ الَّذِي فِي الْمُسْنَدِ: " ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك سَمَّيْت بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْته فِي كِتَابِك أَوْ عَلَّمْته أَحَدًا مَنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك﴾ . وَأَمَّا الْأَدْعِيَةُ الَّتِي يَدْعُو بِهَا بَعْضُ الْعَامَّةِ وَيَكْتُبُهَا بَاعَةُ الحروز مِنْ الطرقية الَّتِي فِيهَا: أَسْأَلُك بِاحْتِيَاطِ قَاف وَهُوَ يُوفِ الْمُخَافِ وَالطُّورِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ.
وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ.
فَلَا يُؤْثَرُ مِنْهَا شَيْءٌ؛ لَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عَنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُقْسِمَ بِهَذِهِ بِحَالِ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ﴾ وَقَالَ " ﴿مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ﴾ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُقْسِمَ بِالْمَخْلُوقَاتِ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
﴿إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ لَمَّا قَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الربيع؟ لَا وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الربيع﴾ وَكَمَا قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ: أَقْسَمْت عَلَيْك أَيْ رَبِّ؛ إلَّا فَعَلْت كَذَا وَكَذَا " وَكِلَاهُمَا كَانَ مِمَّنْ يَبَرُّ اللَّهُ قَسَمَهُ.
وَالْعَبْدُ يَسْأَلُ رَبَّهُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تَقْتَضِي مَطْلُوبَهُ وَهِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الَّتِي وَعَدَ الثَّوَابَ عَلَيْهَا.
وَدُعَاءُ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَعَدَ إجَابَتَهُمْ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَوَسَّلُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِنَبِيِّهِ ثُمَّ بِعَمِّهِ وَغَيْرِ عَمِّهِ مِنْ صَالِحِيهِمْ: يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ.
فَتَوَسَّلُوا بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْعَبَّاسِ كَمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ وَهُوَ تَوَسُّلُهُمْ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ: " ﴿أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَتَوَجَّهُ بِك إلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي لِيَقْضِيَهَا اللَّهُمَّ: فَشَفِّعْهُ فِيَّ﴾ فَهَذَا طَلَبَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْبَلَ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ لَهُ فِي تَوَجُّهِهِ بِنَبِيِّهِ إلَى اللَّهِ هُوَ كَتَوَسُّلِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ بِهِ إلَى اللَّهِ فَإِنَّ
هَذَا التَّوَجُّهَ وَالتَّوَسُّلَ هُوَ تَوَجُّهٌ وَتَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: أَسْأَلُك أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْك بِحَقِّ مَلَائِكَتِك أَوْ بِحَقِّ أَنْبِيَائِك أَوْ بِنَبِيِّك فُلَانٍ أَوْ بِرَسُولِك فُلَانٍ أَوْ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ أَوْ بِزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ أَوْ بِالطُّورِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الدُّعَاءِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابِهِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ بَلْ قَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ - كَأَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقِ وَلَا يَصِحُّ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ وَإِنْ سَأَلَهُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ وَوَسِيلَةٌ إلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ.
أَمَّا إذَا سَأَلَ اللَّهَ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَبِدُعَاءِ نَبِيِّهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ فَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ سَبَبٌ لِلْإِثَابَةِ وَالدُّعَاءُ سَبَبٌ لِلْإِجَابَةِ فَسُؤَالُهُ بِذَلِكَ سُؤَالٌ بِمَا هُوَ سَبَبٌ لِنَيْلِ الْمَطْلُوبِ وَهَذَا مَعْنَى مَا يُرْوَى فِي دُعَاءِ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ: " ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا﴾ وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْغَارِ الَّذِينَ دَعَوْا اللَّهَ بِأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ.
فَالتَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ بِالنَّبِيِّينَ هُوَ التَّوَسُّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِمْ وَبِطَاعَتِهِمْ كَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ أَوْ بِدُعَائِهِمْ وَشَفَاعَتِهِمْ.
وَأَمَّا نَفْسُ ذَوَاتِهِمْ فَلَيْسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي حُصُولَ مَطْلُوبِ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ الْجَاهُ الْعَظِيمُ وَالْمَنْزِلَةُ الْعَالِيَةُ بِسَبَبِ إكْرَامِ اللَّهِ لَهُمْ وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ
فِي ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي إجَابَةَ دُعَاءِ غَيْرِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ مِنْهُ إلَيْهِمْ كَالْإِيمَانِ بِهِمْ وَالطَّاعَةِ لَهُمْ أَوْ بِسَبَبِ مِنْهُمْ إلَيْهِ: كَدُعَائِهِمْ لَهُ وَشَفَاعَتِهِمْ فِيهِ.
فَهَذَانِ الشَّيْئَانِ يُتَوَسَّلُ بِهِمَا.
وَأَمَّا الْإِقْسَامُ بِالْمَخْلُوقِ فَلَا.
وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: " ﴿إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ حَدِيثٌ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ يَجُوزُ تَعْظِيمُ مَكَانٍ فِيهِ خَلُوقٌ وَزَعْفَرَانٌ؛ لِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُئِيَ عِنْدَهُ.
فَيُقَالُ: بَلْ تَعْظِيمُ مِثْلِ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَاِتِّخَاذُهَا مَسَاجِدَ وَمَزَارَاتٍ لِأَجْلِ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِيهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ فِي السَّفَرِ فَرَأَى قَوْمًا يَبْتَدِرُونَ مَكَانًا فَقَالَ: مَا هَذَا فَقَالُوا: مَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: وَمَكَانٌ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَتَّخِذُوا آثَارَ أَنْبِيَائِكُمْ مَسَاجِدَ مَنْ أَدْرَكَتْهُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ وَهَذَا قَالَهُ عُمَرُ بِمَحْضَرِ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي أَسْفَارِهِ
فِي مَوَاضِعَ وَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَهُ فِي الْمَنَامِ فِي مَوَاضِعَ وَمَا اتَّخَذَ السَّلَفُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَسْجِدًا وَلَا مَزَارًا.
وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَكْثَرُهَا مَسَاجِدَ وَمَزَارَاتٍ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يَرَوْنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَقَدْ جَاءَ إلَى بُيُوتِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ مِرَارًا كَثِيرَةً وَتَخْلِيقُ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ بِالزَّعْفَرَانِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ.
وَأَمَّا مَا يَزِيدُهُ الْكَذَّابُونَ عَلَى ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُرَى فِي الْمَكَانِ أَثَرُ قَدَمٍ فَيُقَالُ: هَذَا قَدَمُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ وَالْأَقْدَامُ الْحِجَارَةُ الَّتِي يَنْقُلُهَا مَنْ يَنْقُلُهَا وَيَقُولُ: إنَّهَا مَوْضِعُ قَدَمِهِ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وَلَوْ كَانَتْ حَقًّا لَسُنَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا ذَلِكَ مَسْجِدًا وَمَزَارًا بَلْ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ أَنْ يُتَّخَذَ مَقَامُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مُصَلًّى إلَّا مَقَامَ إبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالِاسْتِلَامِ وَالتَّقْبِيلِ لِحَجَرِ مِنْ الْحِجَارَةِ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَلَا بِالصَّلَاةِ إلَى بَيْتٍ إلَّا الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ غَيْرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَعَلَ لِلنَّاسِ حَجًّا إلَى غَيْرِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أَوْ صِيَامَ شَهْرٍ مَفْرُوضٍ غَيْرَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
فَصَخْرَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَا يُسَنُّ اسْتِلَامُهَا وَلَا تَقْبِيلُهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لَيْسَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءِ خُصُوصِيَّةٌ عَلَى سَائِرَ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ.
وَالصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْمُسْلِمِينَ
أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَهَا وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا فَتَحَ الْبَلَدَ قَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَيْنَ تَرَى أَنْ أَبْنِي مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: ابْنِهِ خَلْفَ الصَّخْرَةِ.
قَالَ خَالَطَتْك يَهُودِيَّةٌ يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ بَلْ أَبْنِيهِ أَمَامَهَا؛ فَإِنَّ لَنَا صُدُورُ الْمَسَاجِدِ.
فَبَنَى هَذَا الْمُصَلَّى الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ " الْأَقْصَى ". وَلَمْ يَتَمَسَّحْ بِالصَّخْرَةِ وَلَا قَبَّلَهَا وَلَا صَلَّى عِنْدَهَا كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَمَّا قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ قَالَ.
وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُك لَمَا قَبَّلْتُك.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا أَتَى الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَأْتِي الصَّخْرَةَ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ.
وَكَذَلِكَ حُجْرَةُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُجْرَةُ الْخَلِيلِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمَدَافِنِ الَّتِي فِيهَا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ صَالِحٌ: لَا يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُهَا وَلَا التَّمَسُّحُ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا السُّجُودُ لِذَلِكَ فَكُفْرٌ وَكَذَلِكَ خِطَابُهُ بِمِثْلِ مَا يُخَاطَبُ بِهِ الرَّبُّ: مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي أَوْ اُنْصُرْنِي عَلَى عَدُوِّي وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الْأَشْجَارُ وَالْأَحْجَارُ وَالْعُيُونُ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَنْذِرُ لَهَا بَعْضُ الْعَامَّةِ
أَوْ يُعَلِّقُونَ بِهَا خِرَقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ يَأْخُذُونَ وَرَقَهَا يَتَبَرَّكُونَ بِهِ أَوْ يُصَلُّونَ عِنْدَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ وَهُوَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ ﴿كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ شَجَرَةٌ يُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُسَمُّونَهَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ: كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى {اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنَّهَا السُّنَنُ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ: شِبْرًا بِشِبْرِ وَذِرَاعًا بِذِرَاعِ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي الطَّرِيقِ لَفَعَلْتُمُوهُ} . وَقَدْ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ قَوْمًا يَقْصِدُونَ الصَّلَاةَ عِنْدَ " الشَّجَرَةِ " الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهَا بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ الَّتِي بَايَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ تَحْتَهَا فَأَمَرَ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ فَقُطِعَتْ.
وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الدِّينِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ عِبَادَةً فِي بُقْعَةٍ مِنْ هَذِهِ الْبِقَاعِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَذْرًا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْعِبَادَةِ فِيهَا.
فَصْلٌ:
وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بُقْعَةٌ تُقْصَدُ لِعِبَادَةِ
اللَّهِ فِيهَا بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إلَّا مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ وَمَشَاعِرُ الْحَجِّ.
وَأَمَّا الْمَشَاهِدُ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ سَوَاءٌ جُعِلَتْ مَسَاجِدَ أَوْ لَمْ تُجْعَلْ أَوْ الْمَقَامَاتُ الَّتِي تُضَافُ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الصَّالِحِينَ أَوْ الْمَغَارَاتُ وَالْكُهُوفُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ: مِثْلُ " الطُّورِ " الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى وَمِثْلُ " غَارِ حِرَاءَ " الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَنَّثُ فِيهِ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ و " الْغَارِ " الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ وَالْغَارِ الَّذِي بِجَبَلِ قاسيون بِدِمَشْقَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ " مَغَارَةُ الدَّمِ " وَالْمَقَامَانِ اللَّذَانِ بِجَانِبَيْهِ الشَّرْقِيِّ وَالْغَرْبِيِّ: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: " مَقَامُ إبْرَاهِيمَ " وَيُقَالُ لِلْآخَرِ: " مَقَامُ عِيسَى " وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْبِقَاعَ وَالْمَشَاهِدَ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا: فَهَذِهِ لَا يُشْرَعُ السَّفَرُ إلَيْهَا لِزِيَارَتِهَا وَلَوْ نَذَرَ نَاذِرٌ السَّفَرَ إلَيْهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ - وَهُوَ يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِمَا - أَنَّهُ قَالَ " ﴿لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا﴾ . وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحُوا هَذِهِ الْبِلَادَ بِلَادَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا لَا يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْبِقَاعَ وَلَا يَزُورُونَهَا وَلَا يَقْصِدُونَ الصَّلَاةَ وَالدُّعَاءَ فِيهَا.
بَلْ كَانُوا
مُسْتَمْسِكِينَ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّهِمْ: يَعْمُرُونَ الْمَسَاجِدَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلَّا اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ . وَأَمْثَالَ هَذِهِ النُّصُوصِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَسُوقِهِ بِخَمْسِ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُنْهِزُهُ إلَّا الصَّلَاةُ فِيهِ: كَانَتْ خُطْوَتَاهُ إحْدَاهُمَا تَرْفَعُ دَرَجَةً وَالْأُخْرَى تَحُطُّ خَطِيئَةً.
فَإِذَا جَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَإِذَا قَضَى الصَّلَاةَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِهِمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ﴾ . وَقَدْ تَنَازَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيمَنْ سَافَرَ لِزِيَارَةِ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَشَاهِدِ.
وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ قَالُوا: إنَّ هَذَا سَفَرُ مَعْصِيَةٍ وَلَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِيهِ كَمَا لَا يَقْصُرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ: أَنَّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ فِي الْإِسْلَامِ.
بَلْ نَفْسُ قَصْدِ هَذِهِ الْبِقَاعِ لِلصَّلَاةِ فِيهَا وَالدُّعَاءِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ - رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ هَذِهِ الْبِقَاعَ لِلدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ؛ بَلْ لَا يَقْصِدُونَ إلَّا مَسَاجِدَ اللَّهِ بَلْ الْمَسَاجِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لَا يَقْصِدُونَهَا أَيْضًا كَمَسْجِدِ الضِّرَارِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ . بَلْ الْمَسَاجِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَبِنَاؤُهَا مُحَرَّمٌ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ لِمَا اسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ﴾ وَقَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: " ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ﴾ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
وَكَانَتْ " حُجْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَارِجَةً عَنْ مَسْجِدِهِ فَلَمَّا كَانَ فِي إمْرَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
عَامِلِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ - أَنْ يَزِيدَ فِي الْمَسْجِدِ.
فَاشْتَرَى حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَقِبْلَتَهُ فَزَادَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَتْ الْحُجْرَةُ إذْ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ وَبَنَوْهَا مُسَنَّمَةً عَنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ لِئَلَّا يُصَلِّيَ أَحَدٌ إلَيْهَا.
وَكَذَلِكَ " قَبْرُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ " لَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ كَانَ عَلَيْهِ السُّورُ السُّلَيْمَانِيُّ وَلَا يَدْخُلُ إلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عِنْدَهُ بَلْ كَانَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ بِقَرْيَةِ الْخَلِيلِ بِمَسْجِدِ هُنَاكَ وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى أَنْ نُقِبَ ذَلِكَ السُّورُ ثُمَّ جُعِلَ فِيهِ بَابٌ.
وَيُقَالُ: إنَّ النَّصَارَى هُمْ نَقَبُوهُ وَجَعَلُوهُ كَنِيسَةً ثُمَّ لَمَّا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ الْبِلَادَ جُعِلَ ذَلِكَ مَسْجِدًا؛ وَلِهَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ الصَّالِحُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.
هَذَا إذَا كَانَ الْقَبْرُ صَحِيحًا فَكَيْفَ وَعَامَّةُ الْقُبُورِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى الْأَنْبِيَاءِ كَذِبٌ مِثْلُ الْقَبْرِ الَّذِي يُقَالُ إنَّهُ " قَبْرُ نُوحٍ " فَإِنَّهُ كَذِبٌ لَا رَيْبَ فِيهِ وَإِنَّمَا أَظْهَرَهُ الْجُهَّالُ مِنْ مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ وَكَذَلِكَ قَبْرُ غَيْرِهِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا " عَسْقَلَانُ " فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَغْرًا مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ صَالِحُو