مجموع الفتاوىصفحات 361-20

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 361-20
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

الَّذِي يُشْرِكُ بِهِ وَيَسْتَغِيثُ بِهِ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْهَوَاءِ طَعَامٌ أَوْ نَفَقَةٌ أَوْ سِلَاحٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطْلُبُهُ فَيَظُنُّ ذَلِكَ كَرَامَةً لِشَيْخِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الشَّيَاطِينِ.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي عُبِدَتْ بِهَا الْأَوْثَانُ.
وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ كَمَا قَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَجَرَ لَا يُضِلُّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ إلَّا بِسَبَبِ اقْتَضَى ضَلَالَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا خَلَقَتْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ إنَّمَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهَا شُفَعَاءَ وَوَسَائِطَ لِأَسْبَابِ: مِنْهُمْ مَنْ صَوَّرَهَا عَلَى صُوَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلَهَا تَمَاثِيلَ وَطَلَاسِمَ لِلْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا لِأَجْلِ الْجِنِّ.
وَمِنْهُمْ: مَنْ جَعَلَهَا لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ.
فَالْمَعْبُودُ لَهُمْ فِي قَصْدِهِمْ إنَّمَا هُوَ الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ أَوْ الشَّمْسُ أَوْ الْقَمَرُ.
وَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ: فَهِيَ الَّتِي تَقْصِدُ مِنْ الْإِنْسِ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَتُظْهِرُ لَهُمْ مَا يَدْعُوهُمْ إلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ . وَإِذَا كَانَ الْعَابِدُ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِلُّ عِبَادَةَ الشَّيَاطِينِ أَوْهَمُوهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَدْعُو

الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَالْمَلَائِكَةَ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَابِدُ ظَنَّهُ بِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُحَرِّمُ عِبَادَةَ الْجِنِّ عَرَّفُوهُ أَنَّهُمْ الْجِنُّ.
وَقَدْ يَطْلُبُ الشَّيْطَانُ الْمُتَمَثِّلُ لَهُ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ أَوْ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ الْفَاحِشَةَ أَوْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ أَوْ أَنْ يُقَرِّبَ لَهُمْ الْمَيْتَةَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ بَلْ يَظُنُّونَ أَنَّ مَنْ يُخَاطِبُهُمْ إمَّا مَلَائِكَةٌ وَإِمَّا رِجَالٌ مِنْ الْجِنِّ يُسَمُّونَهُمْ رِجَالَ الْغَيْبِ وَيَظُنُّونَ أَنَّ رِجَالَ الْغَيْبِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ غَائِبُونَ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ وَأُولَئِكَ جِنٌّ تَمَثَّلَتْ بِصُوَرِ الْإِنْسِ أَوْ رُئِيَتْ فِي غَيْرِ صُوَرِ الْإِنْسِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ كَانَ الْإِنْسُ إذَا نَزَلَ أَحَدُهُمْ بِوَادٍ يَخَافُ أَهْلَهُ قَالَ: أَعُوذُ بِعَظِيمِ هَذَا الْوَادِي مِنْ سُفَهَائِهِ وَكَانَتْ الْإِنْسُ تَسْتَعِيذُ بِالْجِنِّ فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِطُغْيَانِ الْجِنِّ وَقَالَتْ: الْإِنْسُ تَسْتَعِيذُ بِنَا وَكَذَلِكَ الرُّقَى؛ وَالْعَزَائِمُ الْأَعْجَمِيَّةُ: هِيَ تَتَضَمَّنُ أَسْمَاءَ رِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ يُدْعَوْنَ؛ وَيُسْتَغَاثُ بِهِمْ وَيُقْسَمُ عَلَيْهِمْ بِمَنْ يُعَظِّمُونَهُ فَتُطِيعُهُمْ الشَّيَاطِينُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ.
وَهَذَا مِنْ جِنْسِ السِّحْرِ وَالشِّرْكِ قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا

يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} . وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ وَتَكُونُ الشَّيَاطِينُ قَدْ حَمَلَتْهُ وَتَذْهَبُ بِهِ إلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ زِنْدِيقًا يَجْحَدُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَسْتَحِلُّ الْمَحَارِمَ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِنَّمَا يَقْتَرِنُ بِهِ أُولَئِكَ الشَّيَاطِينُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ حَتَّى إذَا آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَابَ وَالْتَزَمَ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَارَقَتْهُ تِلْكَ الشَّيَاطِينُ وَذَهَبَتْ تِلْكَ الْأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّةُ مِنْ الإخبارات وَالتَّأْثِيرَاتِ؛ وَأَنَا أَعْرِفُ مِنْ هَؤُلَاءِ عَدَدًا كَثِيرًا بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَأَمَّا الْجَزِيرَةُ وَالْعِرَاقُ وَخُرَاسَانُ وَالرُّومُ فَفِيهَا مِنْ هَذَا الْجِنْسِ أَكْثَرُ مِمَّا بِالشَّامِ وَغَيْرِهَا وَبِلَادُ الْكُفَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ أَعْظَمُ.
وَإِنَّمَا ظَهَرَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّةُ الَّتِي أَسْبَابُهَا الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ بِحَسَبِ ظُهُورِ أَسْبَابِهَا فَحَيْثُ قَوِيَ الْإِيمَانُ وَالتَّوْحِيدُ وَنُورُ الْفُرْقَانِ وَالْإِيمَانِ وَظَهَرَتْ آثَارُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ ضَعُفَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّةُ وَحَيْثُ ظَهَرَ الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ قَوِيَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّةُ وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ هَذَا وَهَذَا الَّذِي تَكُونُ فِيهِ مَادَّةٌ تَمُدُّهُ لِلْإِيمَانِ وَمَادَّةٌ تَمُدُّهُ لِلنِّفَاقِ يَكُونُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْحَالِ وَهَذَا الْحَالِ.
وَالْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ البخشية والطونية وَالْبُدَّى

وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَشُيُوخِهِمْ الَّذِينَ يَكُونُونَ لِلْكُفَّارِ مِنْ التُّرْكِ وَالْهِنْدِ الْجَوَارِ وَغَيْرِهِمْ تَكُونُ الْأَحْوَالُ الشَّيْطَانِيَّةُ فِيهِمْ أَكْثَرَ وَيَصْعَدُ أَحَدُهُمْ فِي الْهَوَاءِ وَيُحَدِّثُهُمْ بِأُمُورِ غَائِبَةٍ وَيَبْقَى الدُّفُّ الَّذِي يُغَنَّى لَهُمْ بِهِ يَمْشِي فِي الْهَوَاءِ وَيَضْرِبُ رَأْسَ أَحَدِهِمْ إذَا خَرَجَ عَنْ طَرِيقِهِمْ وَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا يَضْرِبُ لَهُ وَيَطُوفُ الْإِنَاءُ الَّذِي يَشْرَبُونَ مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَرَوْنَ مَنْ يَحْمِلُهُ وَيَكُونُ أَحَدُهُمْ فِي مَكَانٍ فَمَنْ نَزَلَ مِنْهُمْ عِنْدَهُ ضَيَّفَهُ طَعَامًا يَكْفِيهِمْ وَيَأْتِيهِمْ بِأَلْوَانِ مُخْتَلِفَةٍ.
وَذَلِكَ مِنْ الشَّيَاطِينِ تَأْتِيهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا تَسْرِقُهُ وَتَأْتِي بِهِ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ كَثِيرَةٌ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ مُشْرِكًا أَوْ نَاقِصَ الْإِيمَانِ مِنْ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ وَعِنْدَ التَّتَارِ مِنْ هَذَا أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا الدَّاخِلُونَ فِي الْإِسْلَامِ إذَا لَمْ يُحَقِّقُوا التَّوْحِيدَ وَاتِّبَاعَ الرَّسُولِ بَلْ دَعَوْا الشُّيُوخَ الْغَائِبِينَ وَاسْتَغَاثُوا بِهِمْ فَلَهُمْ مِنْ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ نَصِيبٌ بِحَسَبِ مَا فِيهِمْ مِمَّا يُرْضِي الشَّيْطَانَ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ فِيهِمْ عِبَادَةٌ وَدِينٌ مَعَ نَوْعِ جَهْلٍ يُحْمَلُ أَحَدُهُمْ فَيُوقَفُ بِعَرَفَاتِ مَعَ الْحُجَّاجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْرِمَ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ وَلَا يَبِيتُ بمزدلفة وَلَا يَطُوفُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ عَمَلٌ صَالِحٌ وَكَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ بِهِ.
فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَجِّ لَيْسَ مَشْرُوعًا وَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذَا عِبَادَةٌ وَكَرَامَةٌ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَهُوَ ضَالٌّ جَاهِلٌ.
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ يَفْعَلُ بِهِمْ مِثْلَ هَذَا فَإِنَّهُمْ أَجَلُّ

قَدْرًا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ جَرَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ لِبَعْضِ مَنْ حُمِلَ هُوَ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ مِنْ الإسكندرية إلَى عَرَفَةَ فَرَأَى مَلَائِكَةً تَنْزِلُ وَتَكْتُبُ أَسْمَاءَ الْحُجَّاجِ فَقَالَ: هَلْ كَتَبْتُمُونِي؟ قَالُوا أَنْتَ: لَمْ تَحُجّ كَمَا حَجَّ النَّاسُ أَنْتَ لَمْ تَتْعَبْ وَلَمْ تُحْرِمْ وَلَمْ يَحْصُلْ لَك مِنْ الْحَجِّ الَّذِي يُثَابُ النَّاسُ عَلَيْهِ مَا حَصَلَ لِلْحُجَّاجِ.
وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَدْ طَلَبَ مِنْهُ بَعْضُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَحُجَّ مَعَهُمْ فِي الْهَوَاءِ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا الْحَجُّ لَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْكُمْ لِأَنَّكُمْ لَمْ تَحُجُّوا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَدِينُ الْإِسْلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ وَعَلَى أَنْ يُعْبَدَ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَانِ هُمَا حَقِيقَةُ قَوْلِنَا: " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ". فَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ عِبَادَةً وَاسْتِعَانَةً وَمَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا وَخَوْفًا وَرَجَاءً وَإِجْلَالًا وَإِكْرَامًا.
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ حَقٌّ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَلَا يُعْبَدُ إلَّا اللَّهُ وَلَا يُدْعَى إلَّا اللَّهُ وَلَا يُخَافُ إلَّا اللَّهُ وَلَا يُطَاعُ إلَّا اللَّهُ.
وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَتَحْلِيلَهُ وَتَحْرِيمَهُ فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ؛ وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي تَبْلِيغِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَتَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ؛ وَسَائِرِ مَا بَلَّغَهُ مِنْ كَلَامِهِ.
وَأَمَّا فِي إجَابَةِ الدُّعَاءِ وَكَشْفِ الْبَلَاءِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِغْنَاءِ فَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَيَرَى مَكَانَهُمْ وَيَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى

إنْزَالِ النِّعَمِ وَإِزَالَةِ الضُّرِّ وَالْقَسَمِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ مِنْهُ إلَى أَنْ يُعَرِّفَهُ أَحَدٌ أَحْوَالَ عِبَادِهِ أَوْ يُعِينَهُ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ.
وَالْأَسْبَابُ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ ذَلِكَ هُوَ خَلَقَهَا وَيَسَّرَهَا.
فَهُوَ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ وَهُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.
﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فَأَهْلُ السَّمَوَاتِ يَسْأَلُونَهُ وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَسْأَلُونَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعُ كَلَامِ هَذَا عَنْ سَمْعِ كَلَامِ هَذَا وَلَا يُغْلِطُهُ اخْتِلَافُ أَصْوَاتِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ بَلْ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ عَلَى تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ وَلَا يُبْرِمُهُ إلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ بَلْ يُحِبُّ الْإِلْحَاحَ فِي الدُّعَاءِ.
وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إذَا سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَحْكَامِ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِجَابَتِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِهِمْ.
فَلَمَّا سَأَلُوهُ عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ﴾ فَلَمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ " فَقُلْ " بَلْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ . فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ عِبَادِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ لَمَّا كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَقَالَ: {أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ

فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى صَلَاتِهِ فَلَا يَبْصُقَن قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنْ الْعَرْشِ وَعَنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ هُوَ الْحَامِلُ بِقُدْرَتِهِ الْعَرْشَ وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ.
وَقَدْ جَعَلَ تَعَالَى الْعَالَمَ طَبَقَاتٍ وَلَمْ يَجْعَلْ أَعْلَاهُ مُفْتَقِرًا إلَى أَسْفَلِهِ فَالسَّمَاءُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْهَوَاءِ وَالْهَوَاءُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْأَرْضِ فَالْعَلِيُّ الْأَعْلَى رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الَّذِي وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ وَأَغْنَى وَأَعْلَى مِنْ أَنْ يَفْتَقِرَ إلَى شَيْءٍ بِحَمْلِ أَوْ غَيْرِ حَمْلٍ بَلْ هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ الَّذِي كُلُّ مَا سِوَاهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ بُيِّنَ فِيهِ التَّوْحِيدُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ قَوْلًا وَعَمَلًا فَالتَّوْحِيدُ الْقَوْلِيُّ مِثْلُ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالتَّوْحِيدُ الْعَمَلِيُّ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

يَقْرَأُ بِهَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ كَانَ أَيْضًا يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا﴾ الْآيَةَ.
وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ . فَإِنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ؛ فِيهِمَا دِينُ الْإِسْلَامِ وَفِيهِمَا الْإِيمَانُ الْقَوْلِيُّ وَالْعَمَلِيُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ إلَى آخِرِهَا يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ الْقَوْلِيَّ وَالْإِسْلَامَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ - الْآيَةَ إلَى آخِرِهَا - يَتَضَمَّنُ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ الْعَمَلِيَّ فَأَعْظَمُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ وَهُمَا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
فَهَذَا آخِرُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ الَّذِي أَحْبَبْت إيرَادَهُ هُنَا بِأَلْفَاظِهِ؛ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْمُهِمَّةِ وَالْقَوَاعِدِ النَّافِعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَعَ الِاخْتِصَارِ.
فَإِنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ سِرُّ الْقُرْآنِ وَلُبُّ الْإِيمَانِ وَتَنْوِيعُ الْعِبَارَةِ بِوُجُوهِ الدَّلَالَاتِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ وَأَنْفَعِهَا لِلْعِبَادِ فِي مَصَالِحِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَمَا فِي مَعْنَاهُ؟ . الْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك: فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه؛ لَكِنْ لَا يَقُومُ بِإِسْنَادِهِ حُجَّةٌ؛ وَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعْنَاهُ: أَنَّ حَقَّ السَّائِلِينَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُجِيبَهُمْ وَحَقَّ الْعَابِدِينَ لَهُ أَنْ يُثِيبَهُمْ وَهُوَ كَتَبَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ.
كَمَا قَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ﴾ . فَهَذَا سُؤَالُ اللَّهِ بِمَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَقَوْلِ الْقَائِلِينَ: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ . وَكَدُعَاءِ الثَّلَاثَةِ: الَّذِينَ أَوَوْا إلَى الْغَارِ لَمَّا سَأَلُوهُ بِأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ الَّتِي وَعَدَهُمْ أَنْ يُثِيبَهُمْ عَلَيْهَا.
اهـ.

وَلَمَّا كَانَ الشَّيْخُ فِي قَاعَةِ التَّرْسِيمِ دَخَلَ إلَى عِنْدِهِ ثَلَاثَةُ رُهْبَانٍ مِنْ الصَّعِيدِ فَنَاظَرَهُمْ وَأَقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةَ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَمَا هُمْ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ وَالْمَسِيحُ.
فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ نَعْمَلُ مِثْلَ مَا تَعْمَلُونَ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ بِالسَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِالسَّيِّدَةِ مَرْيَمَ وَقَدْ أَجْمَعْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى أَنَّ الْمَسِيحَ وَمَرْيَمَ أَفْضَلُ مِنْ الْحُسَيْنِ وَمِنْ نَفِيسَةَ وَأَنْتُمْ تَسْتَغِيثُونَ بِالصَّالِحِينَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ وَنَحْنُ كَذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ وَأَيُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْكُمْ وَهَذَا مَا هُوَ دِينُ إبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ لَا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ لَهُ وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ مَلَكًا وَلَا شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا كَوْكَبًا وَلَا نُشْرِكَ مَعَهُ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا صَالِحًا ﴿إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ . وَأَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُ اللَّهِ لَا تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ مِثْلُ إنْزَالِ الْمَطَرِ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ وَالْهُدَى مِنْ الضَّلَالَاتِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ.
وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نُؤْمِنُ بِهِمْ وَنُعَظِّمُهُمْ وَنُوَقِّرُهُمْ وَنَتَّبِعُهُمْ

وَنُصَدِّقُهُمْ فِي جَمِيعِ مَا جَاءُوا بِهِ وَنُطِيعُهُمْ.
كَمَا قَالَ نُوحٌ؛ وَصَالِحٌ وَهُودٌ وَشُعَيْبٌ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ فَجَعَلُوا الْعِبَادَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ وَالطَّاعَةَ لَهُمْ؛ فَإِنَّ طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
فَلَوْ كَفَرَ أَحَدٌ بِنَبِيِّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَآمَنَ بِالْجَمِيعِ مَا يَنْفَعُهُ إيمَانُهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِذَلِكَ النَّبِيِّ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ آمَنَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَكَفَرَ بِكِتَابِ كَانَ كَافِرًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِذَلِكَ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ وَالْيَوْمُ الْآخِرُ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: الدِّينُ الَّذِي ذَكَرْته خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ انْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ.

سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَمَّنْ يَبُوسُ الْأَرْضَ دَائِمًا هَلْ يَأْثَمُ؟ وَعَمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِسَبَبِ أَخْذِ رِزْقٍ وَهُوَ مُكْرَهٌ كَذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: أَمَّا تَقْبِيلُ الْأَرْضِ وَرَفْعُ الرَّأْسِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ السُّجُودُ مِمَّا يُفْعَلُ قُدَّامَ بَعْضِ الشُّيُوخِ وَبَعْضِ الْمُلُوكِ: فَلَا يَجُوزُ؛ بَلْ لَا يَجُوزُ الِانْحِنَاءُ كَالرُّكُوعِ أَيْضًا كَمَا ﴿قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: لَا﴾ ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُعَاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتهمْ فِي الشَّامِ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ.
فَقَالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِمْ لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدِ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ أَجْلِ حَقِّهِ عَلَيْهَا يَا مُعَاذُ إنَّهُ لَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ﴾ . وَأَمَّا فِعْلُ ذَلِكَ تَدَيُّنًا وَتَقَرُّبًا فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ وَمَنْ اعْتَقَدَ مِثْلَ هَذَا قُرْبَةً وَتَدَيُّنًا فَهُوَ ضَالٌّ مُفْتَرٍ بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدِينِ وَلَا قُرْبَةٍ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَأَمَّا إذَا أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ لَأَفْضَى إلَى ضَرْبِهِ

أَوْ حَبْسِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ قَطْعِ رِزْقِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ الْإِكْرَاهَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ يُبِيحُ الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ؛ وَلَكِنْ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكْرَهَهُ بِقَلْبِهِ وَيَحْرِصَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ الصِّدْقَ أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ يُعَافَى بِبَرَكَةِ صِدْقِهِ مِنْ الْأَمْرِ بِذَلِكَ.
وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُبِيحُ إلَّا الْأَقْوَالَ دُونَ الْأَفْعَالِ: وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْوِهِ قَالُوا إنَّمَا التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ.
وَأَمَّا فِعْلُ ذَلِكَ لِأَجْلِ فُضُولِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ فَلَا وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى مَثَلِ ذَلِكَ وَنَوَى بِقَلْبِهِ أَنَّ هَذَا الْخُضُوعَ لِلَّهِ تَعَالَى: كَانَ حَسَنًا مِثْلَ أَنْ يَكْرَهَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَيَنْوِيَ مَعْنًى جَائِزًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الرَّبَّانِيُّ وَالْحَبْرُ النُّورَانِيُّ؛ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ ابْنُ تَيْمِيَّة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ " النُّهُوضِ وَالْقِيَامِ الَّذِي يَعْتَادُهُ النَّاسُ مِنْ الْإِكْرَامِ عِنْدَ قُدُومِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مُعْتَبَرٍ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُتَقَاعِدِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْقَادِمَ يَخْجَلُ أَوْ يَتَأَذَّى بَاطِنًا وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى بُغْضٍ وَعَدَاوَةٍ وَمَقْتٍ وَأَيْضًا الْمُصَادَفَاتُ فِي الْمَحَافِلِ وَغَيْرِهَا وَتَحْرِيكُ الرِّقَابِ إلَى جِهَةِ الْأَرْضِ وَالِانْخِفَاضُ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ يَحْرُمُ؟ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَادَةً وَطَبْعًا لَيْسَ فِيهِ لَهُ قَصْدٌ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَشْرَافِ وَالْعُلَمَاءِ وَفِيمَنْ يُرَى مُطَمْئِنًا بِذَلِكَ دَائِمًا هَلْ يَأْثَمُ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قَالَ سَجَدْت لِلَّهِ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ . فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لَمْ تَكُنْ عَادَةُ السَّلَفِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَنْ يَعْتَادُوا الْقِيَامَ كُلَّمَا يَرَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ؛ بَلْ قَدْ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ

لِذَلِكَ؛ وَلَكِنْ رُبَّمَا قَامُوا لِلْقَادِمِ مِنْ مَغِيبِهِ تَلَقِّيًا لَهُ كَمَا ﴿رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ لِعِكْرِمَةَ﴾ ﴿وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ لَمَّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ﴾ وَكَانَ قَدْ قَدِمَ لِيَحْكُمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ.
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلنَّاسِ: أَنْ يَعْتَادُوا اتِّبَاعَ السَّلَفِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ وَخَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَعْدِلُ أَحَدٌ عَنْ هَدْيِ خَيْرِ الْوَرَى وَهَدْيِ خَيْرِ الْقُرُونِ إلَى مَا هُوَ دُونَهُ.
وَيَنْبَغِي لِلْمُطَاعِ أَنْ لَا يُقِرُّ ذَلِكَ مَعَ أَصْحَابِهِ بِحَيْثُ إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ إلَّا فِي اللِّقَاءِ الْمُعْتَادِ.
وَأَمَّا الْقِيَامُ لِمَنْ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَلَقِّيًا لَهُ فَحَسَنٌ.
وَإِذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ إكْرَامُ الْجَائِي بِالْقِيَامِ وَلَوْ تُرِكَ لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ لِتَرْكِ حَقِّهِ أَوْ قَصْدِ خَفْضِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ الْعَادَةَ الْمُوَافِقَةَ لِلسُّنَّةِ فَالْأَصْلَحُ أَنْ يُقَامَ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِذَاتِ الْبَيْنِ وَإِزَالَةِ التَّبَاغُضِ وَالشَّحْنَاءِ؛ وَأَمَّا مَنْ عَرَفَ عَادَةَ الْقَوْمِ الْمُوَافَقَةَ لِلسُّنَّةِ: فَلَيْسَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ إيذَاءٌ لَهُ وَلَيْسَ هَذَا الْقِيَامُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ﴾ فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْ يَقُومُوا لَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ لَيْسَ هُوَ أَنْ يَقُومُوا لِمَجِيئِهِ إذَا جَاءَ؛ وَلِهَذَا فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يُقَالَ قُمْت إلَيْهِ وَقُمْت لَهُ وَالْقَائِمُ لِلْقَادِمِ سَاوَاهُ فِي الْقِيَامِ بِخِلَافِ الْقَائِمِ لِلْقَاعِدِ.
[وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا

صَلَّوْا قِيَامًا أَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ.
وَقَالَ: لَا تُعَظِّمُونِي كَمَا يُعَظِّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا} ] * وَقَدْ نَهَاهُمْ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ قَاعِدٌ لِئَلَّا يَتَشَبَّهَ بِالْأَعَاجِمِ الَّذِينَ يَقُومُونَ لِعُظَمَائِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ.
وَجِمَاعُ ذَلِكَ كُلِّهِ الَّذِي يُصْلِحُ اتِّبَاعَ عَادَاتِ السَّلَفِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَالِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
فَمَنْ لَمْ يَعْقِدْ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ الْعَادَةُ وَكَانَ فِي تَرْكِ مُعَامَلَتِهِ بِمَا اعْتَادَ مِنْ النَّاسِ مِنْ الِاحْتِرَامِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ: فَإِنَّهُ يَدْفَعُ أَعْظَمَ الفسادين بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا كَمَا يَجِبُ فِعْلُ أَعْظَمِ الصلاحين بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا.

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

فَصْلٌ: وَأَمَّا الِانْحِنَاءُ عِنْدَ التَّحِيَّةِ: فَيُنْهَى عَنْهُ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ الرَّجُلِ يَلْقَى أَخَاهُ يَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: لَا﴾ وَلِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ إلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وَإِنْ كَانَ هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ فِي غَيْرِ شَرِيعَتِنَا كَمَا فِي قِصَّةِ يُوسُفَ: ( ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وَفِي شَرِيعَتِنَا لَا يَصْلُحُ السُّجُودُ إلَّا لِلَّهِ بَلْ قَدْ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَنْ الْقِيَامِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ بَعْضُهَا لِبَعْضِ فَكَيْفَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟ وَكَذَلِكَ مَا هُوَ رُكُوعٌ نَاقِصٌ يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَصْلٌ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُعَبِّدُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ فَيُسَمُّونَ بَعْضَهُمْ عَبْدَ الْكَعْبَةِ كَمَا كَانَ اسْمُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَبَعْضَهُمْ عَبْدَ شَمْسٍ كَمَا كَانَ اسْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاسْمُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَبَعْضَهُمْ عَبْدَ اللَّاتِ وَبَعْضَهُمْ عَبْدَ الْعُزَّى وَبَعْضَهُمْ عَبْدَ مَنَاةَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُضِيفُونَ فِيهِ التَّعْبِيدَ إلَى غَيْرِ اللَّهِ مِنْ شَمْسٍ أَوْ وَثَنٍ أَوْ بَشَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ يُشْرَكُ بِاَللَّهِ.
وَنَظِيرُ تَسْمِيَةِ النَّصَارَى عَبْدَ الْمَسِيحِ.
فَغَيَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَعَبَّدَهُمْ لِلَّهِ وَحْدَهُ فَسَمَّى جَمَاعَاتٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ كَمَا سَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَنَحْوَ هَذَا وَكَمَا سَمَّى أَبَا مُعَاوِيَةَ وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى فَسَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَكَانَ اسْمَ مَوْلَاهُ قَيُّومٌ فَسَمَّاهُ عَبْدَ الْقَيُّومِ.
وَنَحْوَ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ مَا يَقَعُ فِي الْغَالِيَةِ مِنْ الرَّافِضَةِ وَمُشَابِهِيهِمْ الْغَالِينَ فِي الْمَشَايِخِ فَيُقَالُ هَذَا غُلَامُ الشَّيْخِ يُونُسَ أَوْ لِلشَّيْخِ يُونُسَ أَوْ غُلَامُ ابْنِ

الرِّفَاعِيِّ أَوْ الْحَرِيرِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُومُ فِيهِ لِلْبَشَرِ نَوْعُ تَأَلُّهٍ كَمَا قَدْ يَقُومُ فِي نُفُوسِ النَّصَارَى مِنْ الْمَسِيحِ وَفِي نُفُوسِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ آلِهَتِهِمْ رَجَاءً وَخَشْيَةً وَقَدْ يَتُوبُونَ لَهُمْ كَمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتُوبُونَ لِبَعْضِ الْآلِهَةِ وَالنَّصَارَى لِلْمَسِيحِ أَوْ لِبَعْضِ الْقِدِّيسِينَ.
وَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الدِّينُ الْخَالِصُ لِلَّهِ وَحْدَهُ: تَعْبِيدُ الْخَلْقِ لِرَبِّهِمْ كَمَا سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَغَيُّرُ الْأَسْمَاءِ الشِّرْكِيَّةِ إلَى الْأَسْمَاءِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ الكفرية إلَى الْأَسْمَاءِ الْإِيمَانِيَّةِ وَعَامَّةِ مَا سَمَّى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فَإِنَّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ هُمَا أَصْلُ بَقِيَّةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الهروي قَدْ سَمَّى أَهْلَ بَلَدِهِ بِعَامَّةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَكَذَلِكَ أَهْلُ بَيْتِنَا: غَلَبَ عَلَى أَسْمَائِهِمْ التَّعْبِيدُ لِلَّهِ كَعَبْدِ اللَّهِ؛ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ وَعَبْدِ الْغَنِيِّ؛ وَالسَّلَامِ؛ وَالْقَاهِرِ؛ وَاللَّطِيفِ؛ وَالْحَكِيمِ؛ وَالْعَزِيزِ؛ وَالرَّحِيمِ وَالْمُحْسِنِ؛ وَالْأَحَدِ؛ وَالْوَاحِدِ؛ وَالْقَادِرِ؛ وَالْكَرِيمِ؛ وَالْمَلِكِ؛ وَالْحَقِّ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ﴾ وَكَانَ مِنْ شِعَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الْحُرُوبِ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ يَا بَنِي

عُبَيْدِ اللَّهِ كَمَا قَالُوا ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وحنين؛ وَالْفَتْحِ؛ وَالطَّائِفِ؛ فَكَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَشِعَارُ الْخَزْرَجِ يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ وَشِعَارُ الْأَوْسِ يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ * آخِرُ مَا وُجِدَ الْآنَ مِنْ كِتَابِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَةِ، وَيَلِيهِ كِتَابُ تَوْحِيدُ الْرُبُوبِيَةِ

الْجُزْءُ الْثَّانِي كِتَابُ تَوْحِيدُ الْرُبُوبِيَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَدُ ابْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.

قَاعِدَةٌ أَوَّلِيَّةٌ:

أَنَّ أَصْلَ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَمَبْدَأَهُ وَدَلِيلَهُ الْأَوَّلَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا: هُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَعِنْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَحْيُ اللَّهِ إلَيْهِ كَمَا قَالَ

خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ: ﴿أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ: عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا﴾ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ وَقَالَ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ وَقَالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ .

فَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الْغَافِلِينَ.
وَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي خُطْبَةِ عُمَرَ لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَامٌ مَعْنَاهُ - أَنَّ اللَّهَ هَدَى نَبِيَّكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنَ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ.
. . 1 * . وَتَقْرِيرُ الْحُجَّةِ فِي الْقُرْآنِ بِالرُّسُلِ كَثِيرٌ.
كَقَوْلِهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الآية 2 قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ؟ وَقَوْلِهِ: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} ؟ الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الْآيَةَ.
وَلِهَذَا كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُصَنِّفِينَ لِلسُّنَنِ عَلَى الْأَبْوَابِ إذَا جَمَعُوا فِيهَا أَصْنَافَ الْعِلْمِ: ابْتَدَأَهَا بِأَصْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
كَمَا ابْتَدَأَ الْبُخَارِيُّ صَحِيحَهُ بِبَدْءِ الْوَحْيِ وَنُزُولِهِ؛ فَأَخْبَرَ عَنْ صِفَةِ نُزُولِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ عَلَى الرَّسُولِ أَوَّلًا ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِكِتَابِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ ثُمَّ بِكِتَابِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ مَا جَاءَ بِهِ فَرَتَّبَهُ التَّرْتِيبَ الْحَقِيقِيَّ.
وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدارمي صَاحِبُ (الْمُسْنَدِ) : ابْتَدَأَ كِتَابَهُ بِدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ طَرَفًا صَالِحًا.
وَهَذَانِ الرَّجُلَانِ: أَفْضَلُ بِكَثِيرِ مِنْ مُسْلِمٍ؛ وَالتِّرْمِذِي وَنَحْوِهِمَا؛ وَلِهَذَا كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُعَظِّمُ هَذَيْنِ وَنَحْوَهُمَا؛ لِأَنَّهُمْ فُقَهَاءُ فِي الْحَدِيثِ أُصُولًا وَفُرُوعًا.
وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ الْعِلْمِ وَالْهُدَى: هُوَ الْإِيمَانُ بِالرِّسَالَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ: كَانَ ذِكْرُهُ طَرِيقَ الْهِدَايَةِ بِالرِّسَالَةِ - الَّتِي هِيَ الْقُرْآنُ وَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ - كَثِيرًا جِدًّا.
كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ وَقَوْلِهِ: {وَإِنَّكَ

لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ ؟ . فَيَعْلَمُ أَنَّ آيَاتِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ تَمْنَعُ الْكُفْرَ وَهَذَا كَثِيرٌ.
وَكَذَلِكَ ذِكْرُهُ حُصُولَ الْهِدَايَةِ وَالْفَلَاحِ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِلْءَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الْآيَةَ.
ثُمَّ ذَمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاَلَّذِينَ نَافَقُوا وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ . فَحَكَمَ عَلَى النَّوْعِ كُلِّهِ وَالْأُمَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ جَمِيعِهَا بِالْخَسَارَةِ وَالسُّفُولِ إلَى الْغَايَةِ إلَّا الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ.
وَكَذَلِكَ جُعِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ هُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَأَهْلُ النَّارِ هُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ فِيمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْآيَاتِ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِلْمًا شَائِعًا مُتَوَاتِرًا اضْطِرَارِيًّا مِنْ دِينِ الرَّسُولِ عِنْدَ كُلِّ مَنْ بَلَغَتْهُ رِسَالَتُهُ.
وَرَبَطَ السَّعَادَةَ مَعَ إصْلَاحِ الْعَمَلِ بِهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ . وَأَحْبَطَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ بِزَوَالِهِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ وَقَوْلِهِ: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ

فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَذَكَرَ حَالَ جَمِيعِ الْأُمَمِ الْمَهْدِيَّةِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الْآيَةَ.
وَلِهَذَا أَمَرَ أَهْلَ الْعَقْلِ بِتَدَبُّرِهِ وَأَهْلَ السَّمْعِ بِسَمْعِهِ فَدَعَا فِيهِ إلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّفْكِيرِ وَالتَّذَكُّرِ وَالْعَقْلِ وَالْفَهْمِ وَإِلَى الِاسْتِمَاعِ وَالْإِبْصَارِ وَالْإِصْغَاءِ وَالتَّأَثُّرِ بِالْوَجَلِ وَالْبُكَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
وَلَمَّا كَانَ الْإِقْرَارُ بِالصَّانِعِ فِطْرِيًّا - كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ﴾ الْحَدِيثَ - فَإِنَّ الْفِطْرَةَ تَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِاَللَّهِ وَالْإِنَابَةَ إلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ وَيُعْبَدُ وَقَدْ بَسَطْت هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَكَانَ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَةِ: وُصُولَ الْعِبَادِ إلَى مَا خُلِقُوا لَهُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْعِبَادَةُ أَصْلُهَا عِبَادَةُ الْقَلْبِ الْمُسْتَتْبِعِ لِلْجَوَارِحِ فَإِنَّ الْقَلْبَ هُوَ الْمَلِكُ وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ.
وَهُوَ الْمُضْغَةُ الَّذِي إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ.
وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِعِلْمِهِ وَحَالِهِ كَانَ هَذَا الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ: بِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ: هُوَ أَصْلُ الدَّعْوَةِ فِي الْقُرْآنِ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .

وَقَالَ فِي صَدْرِ الْبَقَرَةِ - بَعْدَ أَنْ صَنَّفَ الْخَلْقَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ وَمُنَافِقٌ - فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وَذَكَرَ آلَاءَهُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ نِعْمَتَهُ وَقُدْرَتَهُ ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِتَقْرِيرِهِ النُّبُوَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ . وَالْمُتَكَلِّمُ يَسْتَحْسِنُ مِثْلَ هَذَا التَّأْلِيفِ وَيَسْتَعْظِمُهُ حَيْثُ قُرِّرَتْ الرُّبُوبِيَّةُ ثُمَّ الرِّسَالَةُ وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مُوَافِقٌ لِطَرِيقَتِهِ الْكَلَامِيَّةِ فِي نَظَرِهِ فِي الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّاتِ أَوَّلًا: مِنْ تَقْرِيرِ الرُّبُوبِيَّةِ ثُمَّ تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ تَلَقِّي السَّمْعِيَّاتِ مِنْ النُّبُوَّةِ كَمَا هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ الْكَلَامِيَّةُ لِلْمُعْتَزِلَةِ والكَرَّامِيَة والْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ.
وَمَنْ سَلَكَ هَذِهِ الطَّرِيقَ فِي إثْبَاتِ الصَّانِعِ أَوَّلًا بِنَاءً عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ ثُمَّ إثْبَاتِ صِفَاتِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ - عَلَى مَا بَيْنَهُمْ فِيهِ مِنْ اتِّفَاقٍ وَاخْتِلَافٍ: إمَّا فِي الْمَسَائِلِ وَإِمَّا فِي الدَّلَائِلِ - ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَكَلَّمُونَ فِي السَّمْعِيَّاتِ مِنْ الْمَعَادِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ وَالْإِيمَانِ بِطَرِيقِ مُجْمَلٍ.
وَإِنَّمَا عُمْدَةُ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ وَمُعْظَمُهُ: هُوَ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْعَقْلِيَّاتِ وَهِيَ أُصُولُ دِينِهِمْ.
وَقَدْ بَنَوْهَا عَلَى مَقَايِيسَ تَسْتَلْزِمُ رَدَّ كَثِيرٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ؛ فَلَحِقَهُمْ الذَّمُّ مِنْ جِهَةِ ضَعْفِ الْمَقَايِيسِ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا وَمِنْ جِهَةِ رَدِّهِمْ لِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
وَهُمْ قِسْمَانِ: قِسْمٌ بَنَوْا عَلَى هَذِهِ الْعَقْلِيَّاتِ الْقِيَاسِيَّةِ: الْأُصُولَ الْعِلْمِيَّةَ دُونَ الْعَمَلِيَّةِ كَالْأَشْعَرِيَّةِ،

وَقِسْمٌ بَنَوْا عَلَيْهَا الْأُصُولَ الْعِلْمِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّةَ كَالْمُعْتَزِلَةِ حَتَّى إنَّ هَؤُلَاءِ يَأْخُذُونَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ فِي الْأَفْعَالِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فَمَا حَسُنَ مِنْ اللَّهِ حَسُنَ مِنْ الْعَبْدِ وَمَا قَبُحَ مِنْ الْعَبْدِ قَبُحَ مِنْ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا سَمَّاهُمْ النَّاسُ مُشَبِّهَةَ الْأَفْعَالِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ الْمُتَكَلِّمَةُ الْمَذْمُومُونَ عِنْدَ السَّلَفِ لِكَثْرَةِ بِنَائِهِمْ الدِّينَ عَلَى الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ الْكَلَامِيِّ وَرَدِّهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَالْآخَرُونَ لَمَّا شَارَكُوهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ لَحِقَهُمْ مِنْ الذَّمِّ وَالْعَيْبِ بِقَدْرِ مَا وَافَقُوهُمْ فِيهِ؛ وَهُوَ مُوَافَقَتُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ دَلَائِلِهِمْ؛ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُقَرِّرُونَ بِهَا أُصُولَ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ وَفِي طَائِفَةٍ مِنْ مَسَائِلِهِمْ الَّتِي يُخَالِفُونَ بِهَا السُّنَنَ وَالْآثَارَ وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
وَلَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا تَفْصِيلَ أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّا قَدْ كَتَبْنَا فِيهِ أَشْيَاءَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا أَنَّ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ جَاءَتْ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ - فِي الدَّلَائِلِ وَالْمَسَائِلِ - بِأَكْمَلِ الْمَنَاهِجِ.
وَالْمُتَكَلِّمُ يَظُنُّ أَنَّهُ بِطَرِيقَتِهِ - الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا - قَدْ وَافَقَ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ: تَارَةً فِي إثْبَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَارَةً فِي إثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَتَارَةً فِي إثْبَاتِ النُّبُوَّةِ وَتَارَةً فِي إثْبَاتِ الْمَعَادِ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرِهِ مِثْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْمُتَكَلِّمُ فِي ظَنِّهِ أَنَّ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ تُوَافِقُ طَرِيقَتَهُ مِنْ وُجُوهٍ.

مِنْهَا: أَنَّ إثْبَاتَ الصَّانِعِ فِي الْقُرْآنِ بِنَفْسِ آيَاتِهِ الَّتِي يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمُ بِهَا الْعِلْمَ بِهِ كَاسْتِلْزَامِ الْعِلْمِ بِالشُّعَاعِ: الْعِلْمَ بِالشَّمْسِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى قِيَاسٍ كُلِّيٍّ يُقَالُ فِيهِ: وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ؛ أَوْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ؛ أَوْ كُلُّ حَرَكَةٍ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ عِلَّةٍ غائية أَوْ فَاعِلِيَّةٍ؛ وَمِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى أَنْ يُقَالَ: سَبَبُ الِافْتِقَارِ إلَى الصَّانِعِ هَلْ هُوَ الْحُدُوثُ فَقَطْ - كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ؟ أَوْ الْإِمْكَانُ - كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ؟ حَتَّى يُرَتِّبُونَ عَلَيْهِ أَنَّ الثَّانِيَ حَالٌ بَاقِيَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الصَّانِعِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الصَّحِيحِ دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنِّي قَدْ بَسَطْت هَذَا الْمَوْضِعَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ وَبَيَّنْت مَا هُوَ الْحَقُّ؛ مِنْ أَنَّ نَفْسَ الذَّوَاتِ الْمَخْلُوقَةِ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الصَّانِعِ وَأَنَّ فَقْرَهَا وَحَاجَتَهَا إلَيْهِ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لِهَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ الْمَخْلُوقَةِ كَمَا أَنَّ الْغِنَى وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لِلرَّبِّ الْخَالِقِ وَأَنَّهُ لَا عِلَّةَ لِهَذَا الِافْتِقَارِ غَيْرُ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَعَيْنِ الْآنِيَةِ كَمَا أَنَّهُ لَا عِلَّةَ لِغِنَاهُ غَيْرَ نَفْسِ ذَاتِهِ.
فَلَك أَنْ تَقُولَ: لَا عِلَّةَ لِفَقْرِهَا وَغِنَاهُ؛ إذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَمْرٍ عِلَّةٌ؛ فَكَمَا لَا عِلَّةَ لِوُجُودِهِ وَغِنَاهُ: لَا عِلَّةَ لِعَدَمِهَا إذَا لَمْ يَشَأْ كَوْنَهَا وَلَا لِفَقْرِهَا إلَيْهِ إذَا شَاءَ كَوْنَهَا وَإِنْ شِئْت أَنْ تَقُولَ: عِلَّةُ هَذَا الْفَقْرِ وَهَذَا الْغِنَى: نَفْسُ الذَّاتِ وَعَيْنُ الْحَقِيقَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ فَقْرَ نَفْسِهِ وَحَاجَتَهَا إلَى خَالِقِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ وَالْمُمْكِنُ الَّذِي يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ أَوْ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَالْمُحْدَثُ الْمَسْبُوقُ بِالْعَدَمِ؛ بَلْ قَدْ يَشُكُّ فِي قِدَمِهَا أَوْ يَعْتَقِدُهُ.
وَهُوَ يَعْلَمُ فَقْرَهَا وَحَاجَتَهَا إلَى بَارِئِهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَقْرِ إلَى الصَّانِعِ عِلَّةً إلَّا الْإِمْكَانَ أَوْ

الْحُدُوثَ لَمَا جَازَ الْعِلْمُ بِالْفَقْرِ إلَيْهِ؛ حَتَّى تَعْلَمَ هَذِهِ الْعِلَّةَ؛ إذْ لَا دَلِيلَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْحَاجَةِ إلَى الْمُؤَثِّرِ إلَّا هَذَا.
وَحِينَئِذٍ: فَالْعِلْمُ بِنَفْسِ الذَّوَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ وَالْآنِيَاتِ الْمُضْطَرَّةِ تُوجِبُ الْعِلْمَ بِحَاجَتِهَا إلَى بَارِئِهَا وَفَقْرِهَا إلَيْهِ؛ وَلِهَذَا سَمَّاهَا اللَّهُ آيَاتٍ.
فَهَذَانِ مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْمُؤَثِّرِ الْمُوجِبِ أَوْ الْمُحْدِثِ: لِهَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ مُفْتَقِرٍ إلَى الْمُؤَثِّرِ: الْمُوجِبُ أَوْ الْمُحْدِثُ؛ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ.
وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ؛ لَكِنْ لَيْسَ الطَّرِيقُ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ وَفِيهِ طُولٌ وَعَقَبَاتٌ تُبْعِدُ الْمَقْصُودَ.
أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فَالْعِلْمُ بِفَقْرِهَا غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إمْكَانٍ أَوْ حُدُوثٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنَّ كَوْنَهَا مُفْتَقِرَةً إلَيْهِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِيَاسِ كُلِّيٍّ: مِنْ أَنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِبٍ وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ لِأَنَّهَا آيَةٌ لَهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ دُونَهُ أَوْ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ آيَةٍ لَهُ.
وَالْقَلْبُ بِفِطْرَتِهِ يَعْلَمُ ذَلِكَ؛ وَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِهِ وَصْفُ الْإِمْكَانِ وَالْحُدُوثِ.
وَالنُّكْتَةُ: أَنَّ وَصْفَ الْإِمْكَانِ وَالْحُدُوثِ لَا يَجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ الْقَلْبُ لَا فِي فَقْرِ ذَوَاتِهَا وَلَا فِي أَنَّهَا آيَةٌ لِبَارِيهَا؛ وَإِنْ كَانَا وَصْفَيْنِ ثَابِتَيْنِ.
وَهُمَا أَيْضًا دَلِيلٌ صَحِيحٌ؛ لَكِنَّ أَعْيَانَ الْمُمْكِنَاتِ آيَةٌ لِعَيْنِ خَالِقِهَا الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؛ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ شَرِكَةٌ فِيهِ.

وَأَمَّا قَوْلُنَا كُلُّ مُمْكِنٍ فَلَهُ مُرَجِّحٌ وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَهُ مُحْدِثٌ: فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُحْدِثٍ وَمُرَجِّحٍ وَهُوَ وَصْفٌ كُلِّيٌّ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ؛ وَلِهَذَا الْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْكُلِّيِّ الْمُطْلَقِ فَلَا بُدَّ إذًا مِنْ التَّعْيِينِ.
فَالْقِيَاسُ دَلِيلٌ عَلَى وَصْفِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ كُلِّيَّةٍ.
وَأَيْضًا فَإِذَا اسْتَدَلَّ عَلَى الصَّانِعِ بِوَصْفِ إمْكَانِهَا أَوْ حُدُوثِهَا أَوْ هُمَا جَمِيعًا لَمْ يَفْتَقِرْ ذَلِكَ إلَى قِيَاسٍ كُلِّيٍّ؛ بِأَنْ يُقَالَ: وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ أَوْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ فَضْلًا عَنْ تَقْرِيرِ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَلْ عِلْمُ الْقَلْبِ بِافْتِقَارِ هَذَا الْمُمْكِنِ وَهَذَا الْمُحْدَثِ كَعِلْمِهِ بِافْتِقَارِ هَذَا الْمُمْكِنِ وَهَذَا الْمُحْدَثِ.
فَلَيْسَ الْعِلْمُ بِحُكْمِ الْمُعَيَّنَاتِ مُسْتَفَادًا مِنْ الْعِلْمِ الْكُلِّيِّ الشَّامِلِ لَهَا؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ بِحُكْمِ الْمُعَيَّنِ فِي الْعَقْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ.
كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الْعَشَرَةَ ضِعْفُ الْخَمْسَةِ: لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ عَدَدٍ لَهُ نِصْفِيَّةٌ فَهُوَ ضِعْفُ نِصْفَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُهُ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ؟ قَالَ جُبَيْرُ ابْنُ مُطْعِمٍ: لَمَّا سَمِعْتهَا أَحْسَسْت بِفُؤَادِي قَدْ تَصَدَّعَ.
وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ يَقُولُ أُوجِدُوا مِنْ غَيْرِ مُبْدِعٍ؟ فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ غَيْرِ مُكَوِّنٍ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا نُفُوسَهُمْ وَعِلْمَهُمْ بِحُكْمِ أَنْفُسِهِمْ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ: بِأَنَّ كُلَّ كَائِنٍ مُحْدَثٌ أَوْ كُلَّ مُمْكِنٍ لَا يُوجَدُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِ مُوجِدٍ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ الْعَامَّةُ النَّوْعِيَّةُ صَادِقَةً؛ لَكِنَّ الْعِلْمَ بِتِلْكَ الْمُعَيَّنَةِ الْخَاصَّةِ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ سَابِقًا لَهَا فَلَيْسَ مُتَأَخِّرًا عَنْهَا؛ وَلَا دُونَهَا فِي الْجَلَاءِ.

وَقَدْ بَسَطْت هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَذَكَرْت دَعْوَةَ الْأَنْبِيَاءِ؛ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَنَّهُ جَاءَ بِالطَّرِيقِ الْفِطْرِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ؟ وَقَوْلِ مُوسَى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ بَيَّنَ أَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الذَّوَاتِ آيَةٌ لِلَّهِ؛ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَيْنِك الْمَقَامَيْنِ؛ وَلَمَّا وَبَّخَهُمْ بَيَّنَ حَاجَتَهُمْ إلَى الْخَالِقِ بِنُفُوسِهِمْ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى مُقَدِّمَةٍ كُلِّيَّةٍ: هُمْ فِيهَا وَسَائِرُ أَفْرَادِهَا سَوَاءٌ؛ بَلْ هُمْ أَوْضَحُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى قَرَّرْته مَبْسُوطًا فِي غَيْرِ هَذَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي مُفَارَقَةِ الطَّرِيقَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الْكَلَامِيَّةِ إنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ الَّتِي هِيَ كَمَالُ النُّفُوسِ وَصَلَاحُهَا وَغَايَتُهَا وَنِهَايَتُهَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ بِهِ كَمَا هُوَ غَايَةُ الطَّرِيقَةِ الْكَلَامِيَّةِ فَلَا وَافَقُوا لَا فِي الْوَسَائِلِ وَلَا فِي الْمَقَاصِدِ فَإِنَّ الْوَسِيلَةَ الْقُرْآنِيَّةَ قَدْ أَشَرْنَا إلَى أَنَّهَا فِطْرِيَّةٌ قَرِيبَةٌ مُوَصِّلَةٌ إلَى عَيْنِ الْمَقْصُودِ وَتِلْكَ قِيَاسِيَّةٌ بَعِيدَةٌ؛ وَلَا تُوَصِّلُ إلَّا إلَى نَوْعِ الْمَقْصُودِ لَا إلَى عَيْنِهِ.
وَأَمَّا الْمَقَاصِدُ فَالْقُرْآنُ أَخْبَرَ بِالْعِلْمِ بِهِ وَالْعَمَلِ لَهُ فَجَمَعَ بَيْنَ قُوَّتَيْ الْإِنْسَانِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ: الْحِسِّيَّةِ وَالْحَرَكِيَّةِ الْإِرَادِيَّةِ الْإِدْرَاكِيَّةِ والاعتمادية: الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فَالْعِبَادَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ؛ وَالطَّرِيقَةُ الْكَلَامِيَّةُ؛ إنَّمَا تُفِيدُ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ؛ وَالِاعْتِرَافِ بِوُجُودِهِ

وَهَذَا إذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِ عِبَادَةٍ وَإِنَابَةٍ: كَانَ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهِ؛ وَشَقَاءً لَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ﴾ كإبليس اللَّعِينِ؛ فَإِنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِرَبِّهِ مُقِرٌّ بِوُجُودِهِ؛ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْبُدْهُ كَانَ رَأْسَ الْأَشْقِيَاءِ وَكُلُّ مَنْ شَقِيَ فَبِاتِّبَاعِهِ لَهُ.
كَمَا قَالَ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ . فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْلَأَ جَهَنَّمَ مِنْهُ وَمِنْ أَتْبَاعِهِ مَعَ أَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالرَّبِّ؛ مُقِرٌّ بِوُجُودِهِ وَإِنَّمَا أَبَى وَاسْتَكْبَرَ عَنْ الطَّاعَةِ؛ وَالْعِبَادَةِ؛ وَالْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ مَعَ الْعَمَلِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ وَالْغَايَةِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ الْعِلْمُ بِلَا عَمَلٍ كَالشَّجَرِ بِلَا ثَمَرٍ وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ هُنَا عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ إنَابَتُهُ إلَى اللَّهِ وَخَشْيَتُهُ لَهُ حَتَّى يَكُونَ عَابِدًا لَهُ.
فَالرُّسُلُ وَالْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ: أَمَرَتْ بِهَذَا وَأَوْجَبَتْهُ بَلْ هُوَ رَأْسُ الدَّعْوَةِ وَمَقْصُودُهَا وَأَصْلُهَا وَالطَّرِيقَةُ السَّمَاعِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ الصَّوْتِيَّةُ الْمُنْحَرِفَةُ؛ تُوَافِقُ عَلَى الْمَقْصُودِ الْعَمَلِيِّ؛ لَكِنْ لَا بِعِلْمِ؛ بَلْ بِصَوْتِ مُجَرَّدٍ أَوْ بِشِعْرِ مُهَيِّجٍ؛ أَوْ بِوَصْفِ حُبٍّ مُجْمَلٍ.
فَكَمَا أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْكَلَامِيَّةَ فِيهَا عِلْمٌ نَاقِصٌ بِلَا عَمَلٍ.
فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِيهَا عَمَلٌ نَاقِصٌ بِلَا عِلْمٍ.
وَالطَّرِيقَةُ النَّبَوِيَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ السُّنِّيَّةُ الْجَمَاعِيَّةُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ كَامِلَيْنِ.
فَفَاتِحَةُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ: الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ

النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ} وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَعِبَادَتَهُ وَحْدَهُ فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا رَبَّ إلَّا اللَّهُ؛ فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ أَدَلُّ عَلَى مَقْصُودِ الْعِبَادَةِ لَهُ الَّتِي لَهَا خُلِقَ الْخَلْقُ وَبِهَا أُمِرُوا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِمُعَاذِ: ﴿إنَّك تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ﴾ وَقَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وَقَالَ لِلرُّسُلِ جَمِيعًا: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ ﴿إيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ وَقَالَ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وَقَالَ فِي الْفَاتِحَةِ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَقَالَ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ؟ وَقَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ .

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَدُ ابْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:

فَصْلٌ: فِي تَمْهِيدِ الْأَوَائِلِ وَتَقْرِيرِ الدَّلَائِلِ

وَذَلِكَ بِبَيَانِ وَتَحْرِيرِ أَصْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ - كَمَا قَدْ كَتَبْته أَوَّلًا فِي بَيَانِ أَصْلِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ وَاَلَّذِي أَكْتُبُهُ هُنَا: - بَيَانُ الْفِرَقِ بَيْنَ الْمِنْهَاجِ النَّبَوِيِّ الْإِيمَانِيِّ الْعِلْمِيِّ الصلاحي وَالْمِنْهَاجِ الصَّابِئِ الْفَلْسَفِيِّ وَمَا تَشَعَّبَ عَنْهُ مِنْ الْمِنْهَاجِ الْكَلَامِيِّ وَالْعِبَادِيِّ الْمُخَالِفِ لِسَبِيلِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ دَعَوْا النَّاسَ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَوَّلًا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعِبَادَتُهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ.
فَأَصْلُ عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ: هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَالْعَمَلُ لِلَّهِ؛ وَذَلِكَ فِطْرِيٌّ كَمَا قَدْ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي مَوْضِعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَبَيَّنْت أَنَّ أَصْلَ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ وَأَنَّهُ أَشَدُّ رُسُوخًا فِي النُّفُوسِ مِنْ مَبْدَإِ الْعِلْمِ الرِّيَاضِيِّ كَقَوْلِنَا: إنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَمَبْدَأُ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ.
كَقَوْلِنَا: إنَّ الْجِسْمَ

لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَارِفَ أَسْمَاءٌ قَدْ تُعْرِضُ عَنْهَا أَكْثَرُ الْفِطَرِ وَأَمَّا الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ: فَمَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تُعْرِضَ عَنْهُ فِطْرَةٌ.
وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - لَمَّا كَانَ هُوَ الْأَوَّلَ الَّذِي خَلَقَ الْكَائِنَاتِ وَالْآخِرَ الَّذِي إلَيْهِ تَصِيرُ الْحَادِثَاتُ؛ فَهُوَ الْأَصْلُ الْجَامِعُ؛ فَالْعِلْمُ بِهِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ وَجَامِعُهُ وَذِكْرُهُ أَصْلُ كُلِّ كَلَامٍ وَجَامِعُهُ وَالْعَمَلُ لَهُ أَصْلُ كُلِّ عَمَلٍ وَجَامِعُهُ.
وَلَيْسَ لِلْخَلْقِ صَلَاحٌ إلَّا فِي مَعْرِفَةِ رَبِّهِمْ وَعِبَادَتِهِ.
وَإِذَا حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ: فَمَا سِوَاهُ إمَّا فَضْلٌ نَافِعٌ وَإِمَّا فُضُولٌ غَيْرُ نَافِعَةٍ؛ وَإِمَّا أَمْرٌ مُضِرٌّ.
ثُمَّ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ: تَتَشَعَّبُ أَنْوَاعُ الْعُلُومِ وَمِنْ عِبَادَتِهِ وَقَصْدِهِ: تَتَشَعَّبُ وُجُوهُ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ وَالْقَلْبُ بِعِبَادَتِهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ: مُعْتَصِمٌ مُسْتَمْسِكٌ قَدْ لَجَأَ إلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ وَاعْتَصَمَ بِالدَّلِيلِ الْهَادِي وَالْبُرْهَانِ الْوَثِيقِ فَلَا يَزَالُ إمَّا فِي زِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَإِمَّا فِي السَّلَامَةِ عَنْ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ.
وَبِهَذَا جَاءَتْ النُّصُوصُ الْإِلَهِيَّةُ فِي أَنَّهُ بِالْإِيمَانِ يَخْرُجُ النَّاسُ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ؛ وَضَرَبَ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ - وَهُوَ الْمُقِرُّ بِرَبِّهِ عِلْمًا وَعَمَلًا - بِالْحَيِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالنُّورِ وَالظِّلِّ.
وَضَرَبَ مَثَلَ الْكَافِرِ بِالْمَيِّتِ وَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالظُّلْمَةِ وَالْحَرُورِ.
وَقَالُوا فِي الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ: هُوَ الَّذِي إذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ وَإِذَا غُفِلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَسْوَسَ.

فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ: أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ أَصْلٌ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ كُلِّ كُفْرٍ وَجَهْلٍ وَفِسْقٍ وَظُلْمٍ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ.
وَفِي الدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: يَا دَلِيلَ الْحَيَارَى دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِك الصَّالِحِينَ.
وَلِهَذَا: كَانَ عَامَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُسَمَّى دَلِيلًا وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ أَنْ يُسَمَّى دَلِيلًا؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّالُّ وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ بِحَسَبِ مَا غَلَبَ فِي عُرْفِ اسْتِعْمَالِهِمْ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الدَّالِّ وَالدَّلِيلِ.
وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: - أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّلِيلَ مَعْدُولٌ عَنْ الدَّالِّ وَهُوَ مَا يُؤَكِّدُ فِيهِ صِفَةَ الدَّلَالَةِ فَكُلُّ دَلِيلٍ دَالٌّ وَلَيْسَ كُلُّ دَالٍّ دَلِيلًا وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْآلَاتِ الَّتِي يُفْعَلُ بِهَا فَإِنَّ فَعِيلًا لَيْسَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْآلَاتِ كمفعل ومفعال.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَجْسَامِ أَدِلَّةً: بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَدُلُّ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِهَا كَمَا يُخْبِرُ عَنْهَا بِأَنَّهَا تَهْدِي وَتُرْشِدُ وَتَعْرِفُ وَتَعْلَمُ وَتَقُولُ وَتُجِيبُ وَتَحْكُمُ وَتُفْتِي وَتَقُصُّ وَتَشْهَدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي ذَلِكَ قَصْدٌ وَإِرَادَةٌ وَلَا حِسٌّ وَإِدْرَاكٌ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ.
فَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرْقِ وَالتَّخْصِيصِ: لَا أَصْلَ لَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.

الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّلِيلُ مِنْ أَسْمَاءِ الْآلَاتِ الَّتِي يُفْعَلُ بِهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا رَوَى عَنْهُ نَبِيُّهُ فِي عَبْدِهِ الْمَحْبُوبِ: ﴿فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَعْقِلُ وَبِي يَنْطِقُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَسْعَى﴾ وَالْمُسْلِمُ يَقُولُ: اسْتَعَنْت بِاَللَّهِ وَاعْتَصَمْت بِهِ.
وَإِذَا كَانَ مَا سِوَى اللَّهِ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ: الْأَعْيَانُ وَالصِّفَاتُ يُسْتَدَلُّ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ حَيَّةً أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ بَلْ وَيُسْتَدَلُّ بِالْمَعْدُومِ؛ فَلَأَنْ يُسْتَدَلَّ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ أَوْلَى وَأَحْرَى عَلَى أَنَّ الَّذِي فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: " يَا دَلِيلَ الْحَيَارَى دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِك الصَّالِحِينَ ": يَقْتَضِي أَنَّ تَسْمِيَتَهُ دَلِيلًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ دَالٌّ لِعِبَادِهِ لَا بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ كَمَا قَدْ يُسْتَدَلُّ بِمَا لَا يَقْصِدُ الدَّلَالَةَ وَالْهِدَايَةَ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.
وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْهَادِي وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا الْبُرْهَانُ؛ وَلِهَذَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: عَرَفْت الْأَشْيَاءَ بِرَبِّي وَلَمْ أَعْرِفْ رَبِّي بِالْأَشْيَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الدَّلِيلُ لِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ وَإِنْ كَانَ كُلَّ شَيْءٍ - لِئَلَّا يُعَذِّبَنِي - عَلَيْهِ دَلِيلًا.
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: بِمَاذَا عَرَفْت رَبَّك؟ فَقَالَ: مَنْ طَلَبَ دِينَهُ بِالْقِيَاسِ: لَمْ يَزَلْ دَهْرَهُ فِي الْتِبَاسٍ خَارِجًا عَنْ الْمِنْهَاجِ ظَاعِنًا فِي الِاعْوِجَاجِ: عَرَفْته بِمَا عَرَّفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفْته بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ؛ فَأَخْبَرَ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَلْبِ حَصَلَتْ بِتَعْرِيفِ اللَّهِ وَهُوَ نُورُ الْإِيمَانِ وَأَنَّ وَصْفَ اللِّسَانِ حَصَلَ بِكَلَامِ اللَّهِ وَهُوَ نُورُ الْقُرْآنِ.

وَقَالَ آخَرُ لِلشَّيْخِ: قَالُوا ائْتِنَا بِبَرَاهِينَ فَقُلْت لَهُمْ ... أَنَّى يَقُومُ عَلَى الْبُرْهَانِ بُرْهَانُ؟ وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ لِلْمُتَكَلِّمِ: الْيَقِينُ عِنْدَنَا وَارِدَاتٌ تَرِدُ عَلَى النُّفُوسِ تَعْجِزُ النُّفُوسُ عَنْ رَدِّهَا فَأَجَابَهُ: بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ الكوراني لِلشَّيْخِ الْمُتَكَلِّمِ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ تَعَرَّفَ إلَيْنَا فَعَرَفْنَاهُ: يَعْنِي إنَّهُ تَعَرَّفَ بِنَفْسِهِ وَبِفَضْلِهِ.
مَعَ أَنَّ كَلَامَ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الطَّرِيقَةِ الْعِبَادِيَّةِ وَقَدْ تَكَلَّمْت عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ.
الْحَيُّ.
الْقَيُّومُ الَّذِي هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَمُؤَصِّلُ كُلِّ أَصْلٍ وَمُسَبِّبُ كُلِّ سَبَبٍ وَعِلَّةٍ: هُوَ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ وَالْأَوَّلُ وَالْأَصْلُ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ الْعَبْدُ وَيَفْزَعُ إلَيْهِ وَيَرُدُّ جَمِيعَ الْأَوَاخِرِ إلَيْهِ فِي الْعِلْمِ: كَانَ ذَلِكَ سَبِيلَ الْهُدَى وَطَرِيقَهُ كَمَا أَنَّ الْأَعْمَالَ وَالْحَرَكَاتِ لَمَّا كَانَ اللَّهُ مَصْدَرَهَا وَإِلَيْهِ مَرْجِعُهَا: كَانَ الْمُتَوَكِّلُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ الْقَائِلُ أَنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا.
فَجِمَاعُ الْأَمْرِ: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْهَادِي وَهُوَ النَّصِيرُ ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ . وَكُلُّ عِلْمٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ هِدَايَةٍ وَكُلُّ عَمَلٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قُوَّةٍ.
فَالْوَاجِبُ

أَنْ يَكُونَ هُوَ أَصْلُ كُلِّ هِدَايَةٍ وَعِلْمٍ وَأَصْلَ كُلِّ نُصْرَةٍ وَقُوَّةٍ وَلَا يَسْتَهْدِي الْعَبْدُ إلَّا إيَّاهُ وَلَا يَسْتَنْصِرُ إلَّا إيَّاهُ.
وَالْعَبْدُ لَمَّا كَانَ مَخْلُوقًا مَرْبُوبًا مَفْطُورًا مَصْنُوعًا: عَادَ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ إلَى خَالِقِهِ وَفَاطِرِهِ وَرَبِّهِ وَصَانِعِهِ فَصَارَ ذَلِكَ تَرْتِيبًا مُطَابِقًا لِلْحَقِّ وَتَأْلِيفًا مُوَافِقًا لِلْحَقِيقَةِ؛ إذْ بِنَاءُ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ وَتَقْدِيمُ الْأَصْلِ عَلَى الْفَرْعِ: هُوَ الْحَقُّ فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الصَّحِيحَةُ الْمُوَافِقَةُ لِفِطْرَةِ اللَّهِ وَخِلْقَتِهِ وَلِكِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ 1 أَنَّ ﴿رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَامَ إلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جبرائيل وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ؛ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الْفَلْسَفِيَّةُ الْكَلَامِيَّةُ: فَإِنَّهُمْ ابْتَدَءُوا بِنُفُوسِهِمْ فَجَعَلُوهَا هِيَ الْأَصْلَ الَّذِي يُفَرِّعُونَ عَلَيْهِ وَالْأَسَاسَ الَّذِي يَبْنُونَ عَلَيْهِ فَتَكَلَّمُوا فِي إدْرَاكِهِمْ لِلْعِلْمِ: أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ بِالْحِسِّ وَتَارَةً بِالْعَقْلِ وَتَارَةً بِهِمَا.
وَجَعَلُوا الْعُلُومَ الْحِسِّيَّةَ وَالْبَدِيهِيَّةَ وَنَحْوَهَا: هِيَ الْأَصْلَ الَّذِي لَا يَحْصُلُ عِلْمٌ إلَّا بِهَا.
ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّهُمْ إنَّمَا يُدْرِكُونَ بِذَلِكَ الْأُمُورَ الْقَرِيبَةَ مِنْهُمْ مِنْ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْحِسَابِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ فَجَعَلُوا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ هِيَ الْأُصُولَ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

جارٍ التحميل