ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَمَنْ خَرَجَ عَمَّا أَمَرَهُ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَتَعَبَّدَ بِالْبِدْعَةِ فَلَمْ يُحَقِّقْ شَهَادَةَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا يُحَقِّقُ هَذَيْنِ " الْأَصْلَيْنِ " مَنْ لَمْ يَعْبُدْ إلَّا اللَّهَ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ شَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي بَلَّغَهَا عَنْ اللَّهِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إلَّا هَالِكٌ﴾ " وَقَالَ: " ﴿مَا تَرَكْت مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا قَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ وَلَا مِنْ شَيْءٍ يُبْعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ﴾ " وَقَالَ ﴿ابْنُ مَسْعُودٍ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشَمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ وَهَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ } . فَالْعِبَادَاتُ والزهادات وَالْمَقَالَات والتورعات الْخَارِجَةُ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: الَّذِي أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَسْأَلَهُ هِدَايَتَهُ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ السُّنَّةُ - هِيَ سُبُلُ الشَّيْطَانِ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِنْ الْخَوَارِقِ مَا كَانَ فَلَيْسَ أَحَدُهُمْ بِأَعْظَمَ مِنْ مُقَدَّمِهِمْ الدَّجَّالِ الَّذِي يَقُولُ لِلسَّمَاءِ: أَمْطِرِي فَتُمْطِرُ وَلِلْأَرْضِ أَنْبِتِي فَتُنْبِتُ وَلِلْخَرِبَةِ أَظْهِرِي كُنُوزَك فَتُخْرِجُ مَعَهُ كُنُوزَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَهُوَ مَعَ هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ كَافِرٌ بِاَللَّهِ وَأَوْلِيَاءُ اللَّهِ هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ: {أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ} ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ وَالتَّقْوَى فِعْلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَتَرْكُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَمَنْ تَرَكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَاِتَّخَذَ عِبَادَةً نَهَى اللَّهُ عَنْهَا.
كَيْفَ يَكُونُ مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا﴾ " الْحَدِيثَ.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إلَى اللَّهِ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ.
وَالتَّقَرُّبُ بِالْوَاجِبَاتِ فَقَطْ طَرِيقُ الْمُقْتَصِدِينَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ثُمَّ التَّقَرُّبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّهُ اللَّهُ مِنْ النَّوَافِلِ هُوَ طَرِيقُ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ وَالْمَحْبُوبَاتُ هِيَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ: أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ دُونَ مَا اسْتَحَبَّهُ الرَّجُلُ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ، تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
عَنْ " جَمَاعَةٍ " يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَصْدِ الْكَبَائِرِ: مِنْ الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ شَيْخًا مِنْ الْمَشَايِخِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْخَيْرِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ قَصَدَ مَنْعَ الْمَذْكُورِينَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ لَهُمْ سَمَاعًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَهُوَ بِدُفِّ بِلَا صَلَاصِلَ وَغِنَاءِ الْمُغَنِّي بِشِعْرِ مُبَاحٍ بِغَيْرِ شَبَّابَةٍ فَلَمَّا فَعَلَ هَذَا تَابَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَأَصْبَحَ مَنْ لَا يُصَلِّي وَيَسْرِقُ وَلَا يُزَكِّي يَتَوَرَّعُ عَنْ الشُّبُهَاتِ وَيُؤَدِّي الْمَفْرُوضَاتِ وَيَجْتَنِبُ الْمُحَرَّمَاتِ.
فَهَلْ يُبَاحُ فِعْلُ هَذَا السَّمَاعِ لِهَذَا الشَّيْخِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ؟ مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَعْوَتُهُمْ إلَّا بِهَذَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَصْلُ جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا.
وَأَنَّهُ أَكْمَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ الدِّينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ . وَأَنَّهُ بَشَّرَ بِالسَّعَادَةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَالشَّقَاوَةِ لِمَنْ عَصَاهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ . وَأَمَرَ الْخَلْقَ أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا فِيهِ مِنْ دِينِهِمْ إلَى مَا بَعَثَهُ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَدْعُو إلَى اللَّهِ وَإِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ . وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ الْخَبَائِثَ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ.
وَأَحَلَّ كُلَّ طَيِّبٍ.
وَحَرَّمَ كُلَّ خَبِيثٍ.
وَثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ﴾ " وَثَبَتَ عَنْ ﴿العرباض بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ.
قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إلَيْنَا فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا.
فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ.
فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ﴾ . وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " ﴿مَا تَرَكْت مِنْ شَيْءٍ يُبْعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ﴾ ". وَقَالَ: ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلِهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ﴾ ".
وَشَوَاهِدُ هَذَا " الْأَصْلِ الْعَظِيمِ الْجَامِعِ " مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْكُتُبِ.
" كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ " كَمَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ والبغوي وَغَيْرُهُمَا فَمَنْ اعْتَصَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ وَجُنْدِهِ الْغَالِبِينَ وَكَانَ السَّلَفُ - كَمَالِكِ وَغَيْرِهِ -: يَقُولُونَ السُّنَّةُ كَسَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَمَعْلُومٌ أَنَّمَا يَهْدِي اللَّهُ بِهِ الضَّالِّينَ وَيُرْشِدُ بِهِ الْغَاوِينَ وَيَتُوبُ بِهِ عَلَى الْعَاصِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِلَّا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ لَكَانَ دِينُ الرَّسُولِ نَاقِصًا مُحْتَاجًا تَتِمَّةً.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ.
وَالْأَعْمَالُ الْفَاسِدَةُ نَهَى اللَّهُ عَنْهَا.
وَالْعَمَلُ إذْ اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ فَإِنَّ الشَّارِعَ حَكِيمٌ.
فَإِنْ غَلَبَتْ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَفْسَدَتِهِ شَرَعَهُ وَإِنْ غَلَبَتْ مَفْسَدَتُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ لَمْ يُشَرِّعْهُ؛ بَلْ نَهَى عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} وَلِهَذَا حَرَّمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ.
وَهَكَذَا مَا يَرَاهُ النَّاسُ مِنْ الْأَعْمَالِ مُقَرِّبًا إلَى اللَّهِ وَلَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ضَرَرُهُ أَعْظَمَ مِنْ نَفْعِهِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ نَفْعُهُ أَعْظَمَ غَالِبًا عَلَى ضَرَرِهِ لَمْ يُهْمِلْهُ الشَّارِعُ؛ فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكِيمٌ لَا يُهْمِلُ مَصَالِحَ الدِّينِ وَلَا يُفَوِّتُ الْمُؤْمِنِينَ مَا يُقَرِّبُهُمْ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.
إذَا تَبَيَّنَ هَذَا فَنَقُولُ لِلسَّائِلِ: إنَّ الشَّيْخَ الْمَذْكُورَ قَصَدَ أَنْ يتوب الْمُجْتَمِعِينَ عَلَى الْكَبَائِرِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْبِدْعِيِّ.
يَدُلُّ أَنَّ الشَّيْخَ جَاهِلٌ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي بِهَا تَتُوبُ الْعُصَاةُ أَوْ عَاجِزٌ عَنْهَا فَإِنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يَدْعُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَغْنَاهُمْ اللَّهُ بِهَا عَنْ الطُّرُقِ الْبِدْعِيَّةِ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ فِي الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ مَا يَتُوبُ بِهِ الْعُصَاةُ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ وَالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهُ قَدْ تَابَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ مَنْ لَا يُحْصِيه إلَّا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأُمَمِ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَا ذُكِرَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ الْبِدْعِيِّ؛
بَلْ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ - وَهُمْ خَيْرُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ - تَابُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْبِدْعِيَّةِ.
وَأَمْصَارُ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَاهُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مَمْلُوءَةٌ مِمَّنْ تَابَ إلَى اللَّهِ وَاتَّقَاهُ وَفَعَلَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ لَا بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْبِدْعِيَّةِ.
فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالُ: إنَّ الْعُصَاةَ لَا تُمْكِنُ تَوْبَتُهُمْ إلَّا بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْبِدْعِيَّةِ بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ فِي الشُّيُوخِ مَنْ يَكُونُ جَاهِلًا بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ عَاجِزًا عَنْهَا لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا يُخَاطِبُ بِهِ النَّاسَ وَيُسْمِعُهُمْ إيَّاهُ مِمَّا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَيَعْدِلُ هَذَا الشَّيْخُ عَنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ إلَى الطُّرُقِ الْبِدْعِيَّةِ.
إمَّا مَعَ حُسْنِ الْقَصْدِ.
إنْ كَانَ لَهُ دِينٌ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ التَّرَؤُّسَ عَلَيْهِمْ وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَلَا يَعْدِلُ أَحَدٌ عَنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ إلَى الْبِدْعِيَّةِ إلَّا لِجَهْلِ أَوْ عَجْزٍ أَوْ غَرَضٍ فَاسِدٍ.
وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ سَمَاعَ الْقُرْآنِ هُوَ سَمَاعُ النَّبِيِّينَ وَالْعَارِفِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ تَعَالَى فِي النَّبِيِّينَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى فِي أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ أَهْلِ الْعِلْمِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ . وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ . وَبِهَذَا السَّمَاعِ هَدَى اللَّهُ الْعِبَادَ وَأَصْلَحَ لَهُمْ أَمْرَ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَبِهِ بُعِثَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ.
وَعَلَيْهِ كَانَ يَجْتَمِعُ السَّلَفُ كَمَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ اجْتَمَعُوا أَمَرُوا رَجُلًا مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَأَ وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ لِأَبِي مُوسَى: ذَكِّرْنَا رَبَّنَا فَيَقْرَأُ أَبُو مُوسَى وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ {النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ يَقْرَأُ فَجَعَلَ يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ.
وَقَالَ: لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا
مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد.
وَقَالَ: مَرَرْت بِك الْبَارِحَةَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ فَجَعَلْت أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِك فَقَالَ: لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَسْمَعُنِي لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا} . أَيْ لَحَسَّنْته لَك تَحْسِينًا.
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْك الْقُرْآنَ وَعَلَيْك أُنْزِلَ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي.
قَالَ: فَقَرَأْت عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى وَصَلْت إلَى هَذِهِ الْآيَةِ: {فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ لِي: حَسْبُك فَنَظَرْت إلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ مِنْ الْبُكَاءِ} " وَعَلَى هَذَا السَّمَاعِ كَانَ يَجْتَمِعُ الْقُرُونُ الَّذِينَ أَثْنَى عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: ﴿خَيْرُ الْقُرُونِ الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ﴾ . وَلَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ الْأَوَّلِ سَمَاعٌ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْخَيْرِ إلَّا هَذَا.
لَا بِالْحِجَازِ وَلَا بِالْيَمَنِ وَلَا بِالشَّامِ وَلَا بِمِصْرِ؛ وَالْعِرَاقِ؛ وَخُرَاسَانَ وَالْمَغْرِبِ.
وَإِنَّمَا حَدَثَ السَّمَاعُ الْمُبْتَدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أَهْلَ هَذَا السَّمَاعِ الْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ.
وَذَمَّ الْمُعْرِضِينَ عَنْهُ.
وَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَبَبُ الرَّحْمَةِ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ
قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ . وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ يَأْمُرُ النَّاسَ بِاتِّبَاعِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَيَأْمُرُهُمْ بِسَمَاعِ ذَلِكَ.
وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى السَّمَاعَ لِلْمُسْلِمِينَ: فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ وَبِهَذَا مَدَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ النَّبِيَّ حَيْثُ قَالَ:
وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... إذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنْ الْفَجْرِ سَاطِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إذْ اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ
أَتَى بِالْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّمَا قَالَ وَاقِعُ وَأَحْوَالُ أَهْلِ هَذَا السَّمَاعِ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ وَجِلِ الْقُلُوبِ وَدَمْعِ الْعُيُونِ وَاقْشِعْرَارِ الْجُلُودِ.
وَإِنَّمَا حَدَثَ سَمَاعُ الْأَبْيَاتِ بَعْدَ هَذِهِ الْقُرُونِ فَأَنْكَرَهُ الْأَئِمَّةُ حَتَّى قَالَ: الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَلَّفْت بِبَغْدَادَ شَيْئًا أَحْدَثَتْهُ الزَّنَادِقَةُ يُسَمُّونَهُ التَّغْبِيرَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُرَقِّقُ الْقُلُوبَ يَصُدُّونَ بِهِ النَّاسَ عَنْ الْقُرْآنِ.
وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْهُ فَقَالَ: مُحْدَثٌ فَقِيلَ لَهُ: أَنَجْلِسُ مَعَهُمْ فِيهِ؟ فَقَالَ: لَا يَجْلِسُ مَعَهُمْ.
وَالتَّغْبِيرُ هُوَ الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ عَلَى جُلُودِهِمْ مِنْ أَمْثَلِ أَنْوَاعِ السَّمَاعِ.
وَقَدْ كَرِهَهُ الْأَئِمَّةُ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ وَالْأَئِمَّةُ الْمَشَايِخُ الْكِبَارُ لَمْ يَحْضُرُوا هَذَا السَّمَاعَ الْمُحْدَثَ مِثْلُ الْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِي وَالسَّرِيّ السقطي وَأَمْثَالِهِمْ.
وَلَا أَكَابِرُ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ: مِثْلُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ وَالشَّيْخِ عَدِيٍّ وَالشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ وَالشَّيْخِ أَبِي الْبَيَانِ وَالشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ الحوفي وَالشَّيْخِ عَلِيِّ بْنِ وَهْبٍ وَالشَّيْخِ حَيَاةَ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَطَائِفَةٌ مِنْ الشُّيُوخِ حَضَرُوهُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْهُ.
وَسُئِلَ الْجُنَيْد عَنْهُ فَقَالَ: مَنْ تَكَلَّفَ السَّمَاعَ فُتِنَ بِهِ وَمَنْ صَادَفَهُ السَّمَاعُ اسْتَرَاحَ بِهِ.
فَبَيَّنَ
الْجُنَيْد أَنَّ قَاصِدَ هَذَا السَّمَاعِ صَارَ مَفْتُونًا وَأَمَّا مَنْ سَمِعَ مَا يُنَاسِبُهُ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَلَا بَأْسَ.
فَإِنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَى الِاسْتِمَاعِ دُونَ السَّمَاعِ وَلِهَذَا لَوْ مَرَّ الرَّجُلُ بِقَوْمِ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ مُحَرَّمٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ سَدُّ أُذُنَيْهِ؛ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِعَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ بِسَدِّ أُذُنَيْهِ لَمَّا سَمِعَ زَمَّارَةَ الرَّاعِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِعًا بَلْ سَامِعًا.
وَقَوْلُ السَّائِلِ وَغَيْرِهِ: هَلْ هُوَ حَلَالٌ؟ أَوْ حَرَامٌ؟ لَفْظٌ مُجْمَلٌ فِيهِ تَلْبِيسٌ يَشْتَبِهُ الْحُكْمُ فِيهِ حَتَّى لَا يُحْسِنَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفْتِينَ تَحْرِيرَ الْجَوَابِ فِيهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي السَّمَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ؟ أَوْ غَيْرُ مُحَرَّمٍ؟ بَلْ يَفْعَلُ كَمَا يَفْعَلُ سَائِرَ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِهَا النُّفُوسُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا نَوْعٌ مِنْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ كَسَمَاعِ الْأَعْرَاسِ وَغَيْرِهَا.
مِمَّا يَفْعَلُهُ النَّاسُ لِقَصْدِ اللَّذَّةِ وَاللَّهْوِ لَا لِقَصْدِ الْعِبَادَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَفْعَلَ عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ وَالْعِبَادَةِ وَصَلَاحِ الْقُلُوبِ وَتَجْرِيدِ حُبِّ الْعِبَادِ لِرَبِّهِمْ وَتَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ وَتَطْهِيرِ قُلُوبِهِمْ
وَأَنْ تُحَرَّكَ مِنْ الْقُلُوبِ الْخَشْيَةُ وَالْإِنَابَةُ وَالْحُبُّ وَرِقَّةُ الْقُلُوبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ لَا مِنْ جِنْسِ اللَّعِب وَالْمُلْهِيَاتِ.
فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ سَمَاعِ الْمُتَقَرِّبِينَ وَسَمَاعِ الْمُتَلَعِّبِينَ وَبَيْنَ السَّمَاعِ الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْعَادَاتِ وَبَيْن السَّمَاعِ الَّذِي يُفْعَلُ لِصَلَاحِ الْقُلُوبِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى رَبِّ السَّمَوَاتِ فَإِنَّ هَذَا يُسْأَلُ عَنْهُ: هَلْ هُوَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ؟ وَهَلْ هُوَ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ؟ وَهَلْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَفْعَلُوهُ لِمَا فِيهِ مِنْ رِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وَتَحْرِيكِ وَجْدِهِمْ لِمَحْبُوبِهِمْ وَتَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ وَإِزَالَةِ الْقَسْوَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الَّتِي تُقْصَدُ بِالسَّمَاعِ؟ كَمَا أَنَّ النَّصَارَى يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا السَّمَاعِ فِي كَنَائِسِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ لَا عَلَى وَجْهِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَحَقِيقَةُ السُّؤَالِ: هَلْ يُبَاحُ لِلشَّيْخِ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي هِيَ: إمَّا مُحَرَّمَةٌ؟ أَوْ مَكْرُوهَةٌ؟ أَوْ مُبَاحَةٌ؟ قُرْبَةً وَعِبَادَةً وَطَاعَةً وَطَرِيقَةً إلَى اللَّهِ يَدْعُو بِهَا إلَى اللَّهِ ويتوب الْعَاصِينَ وَيُرْشِدُ بِهِ الْغَاوِينَ وَيَهْدِي بِهِ الضَّالِّينَ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الدِّينَ لَهُ " أَصْلَانِ " فَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَ اللَّهُ وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى عَابَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَشَرَعُوا دِينًا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
وَلَوْ سُئِلَ الْعَالِمُ عَمَّنْ يَعْدُو بَيْنَ جَبَلَيْنِ: هَلْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ كَمَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمروة قَالَ: إنَّ فِعْلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ مُنْكَرٌ يُسْتَتَابُ فَاعِلُهُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَلَوْ سُئِلَ: عَنْ كَشْفِ الرَّأْسِ وَلُبْسِ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ: أَفْتَى بِأَنَّ هَذَا جَائِزٌ فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِحْرَامِ.
كَمَا يُحْرِمُ الْحَاجُّ.
قَالَ: إنَّ هَذَا حَرَامٌ مُنْكَرٌ.
وَلَوْ سُئِلَ: عَمَّنْ يَقُومُ فِي الشَّمْسِ.
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ.
فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ.
قَالَ: هَذَا مُنْكَرٌ كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ.
فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو إسْرَائِيلَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَجْلِسْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ﴾ " فَهَذَا لَوْ فَعَلَهُ لِرَاحَةِ أَوْ غَرَضٍ مُبَاحٍ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ؛ لَكِنْ لَمَّا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ نُهِيَ عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ الرَّجُلُ إلَى بَيْتِهِ مِنْ خَلْفِ الْبَيْتِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَكِنْ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عِبَادَةٌ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ:
كَانَ أَحَدُهُمْ إذَا أَحْرَمَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ سَقْفٍ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِبِرٍّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَمَنْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ كَانَ عَاصِيًا مَذْمُومًا مُبْتَدِعًا وَالْبِدْعَةُ أَحَبُّ إلَى إبْلِيسَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَاصِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَاصٍ فَيَتُوبُ وَالْمُبْتَدِعُ يَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ طَاعَةٌ فَلَا يَتُوبُ.
وَلِهَذَا مَنْ حَضَرَ السَّمَاعَ لِلَّعِبِ وَاللَّهْوِ لَا يَعُدُّهُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ وَلَا يَرْجُو بِهِ الثَّوَابَ وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ عَلَى أَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَتَّخِذُهُ دِينًا وَإِذَا نَهَى عَنْهُ كَانَ كَمَنْ نَهَى عَنْ دِينِهِ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ عَنْ اللَّهِ وَحَرُمَ نَصِيبُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إذَا تَرَكَهُ.
فَهَؤُلَاءِ ضُلَّالٌ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: إنَّ اتِّخَاذَ هَذَا دِينًا وَطَرِيقًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ مُبَاحٌ؛ بَلْ مَنْ جَعَلَ هَذَا دِينًا وَطَرِيقًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ ضَالٌّ مُفْتَرٍ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ نَظَرَ إلَى ظَاهِرِ الْعَمَلِ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى فِعْلِ الْعَامِلِ وَنِيَّتِهِ كَانَ جَاهِلًا مُتَكَلِّمًا فِي الدِّينِ بِلَا عِلْمٍ.
فَالسُّؤَالُ عَنْ مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ: هَلْ مَا يَفْعَلُهُ هَؤُلَاءِ طَرِيقٌ وَقُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا قُرْبَةً وَطَاعَةً وَعِبَادَةً لِلَّهِ فَفَعَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ
وَطَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ وَطَرِيقٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
هَلْ يَحِلُّ لَهُمْ هَذَا الِاعْتِقَادُ؟ وَهَذَا الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ؟ وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْعَالِمِ الْمُتَّبِعِ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا مِنْ الْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ وَأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَرِيقِهِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ هَؤُلَاءِ إلَيْهِ وَلَا أَنَّهُ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ: لَا أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات فَلَيْسَ هُوَ مَحْمُودًا وَلَا حَسَنَةً وَلَا طَاعَةً وَلَا عِبَادَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
فَمَنْ فَعَلَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ فَهُوَ ضَالٌّ مُبْتَدِعٌ وَفِعْلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ بِلَا رَيْبٍ.
لَا سِيَّمَا كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ هَذَا السَّمَاعَ الْمُحْدَثَ طَرِيقًا يُقَدِّمُونَهُ عَلَى سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَجْدًا وَذَوْقًا.
وَرُبَّمَا قَدَّمُوهُ عَلَيْهِ اعْتِقَادًا فَتَجِدُهُمْ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ بِقُلُوبِ لَاهِيَةٍ وَأَلْسُنٍ لَاغِيَةٍ وَحَرَكَاتٍ مُضْطَرِبَةٍ وَأَصْوَاتٍ لَا تُقْبِلُ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ وَلَا تَرْتَاحُ إلَيْهِ نُفُوسُهُمْ فَإِذَا سَمِعُوا " الْمُكَاءَ " وَ " التَّصْدِيَةَ " أَصْغَتْ الْقُلُوبُ وَاتَّصَلَ الْمَحْبُوبُ بِالْمُحِبِّ وَخَشَعَتْ الْأَصْوَاتُ وَسَكَنَتْ الْحَرَكَاتُ فَلَا سَعْلَةَ وَلَا عُطَاسَ وَلَا لَغَطَ وَلَا صِيَاحَ وَإِنْ قَرَءُوا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ سَمِعُوهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّكَلُّفِ وَالسُّخْرَةِ كَمَا لَا يَسْمَعُ الْإِنْسَانُ مَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ
وَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ حَتَّى إذَا مَا سَمِعُوا مِزْمَارَ الشَّيْطَانِ أَحَبُّوا ذَلِكَ وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَعَكَفَتْ أَرْوَاحُهُمْ عَلَيْهِ.
فَهَؤُلَاءِ جُنْدُ الشَّيْطَانِ وَأَعْدَاءُ الرَّحْمَنِ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَحَالُهُمْ أَشْبَهُ بِحَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ الْمُنَافِقِينَ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يُحِبُّ مَا أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُبْغِضُ مَا أَبْغَضَ اللَّهُ تَعَالَى وَيُوَالِي أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَيُعَادِي أَعْدَاءَ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَيُبْغِضُونَ مَا أَحَبَّ اللَّهُ وَيُوَالُونَ أَعْدَاءَ اللَّهِ وَيُعَادُونَ أَوْلِيَاءَهُ؛ وَلِهَذَا يَحْصُلُ لَهُمْ تنزلات شَيْطَانِيَّةٌ بِحَسَبِ مَا فَعَلُوهُ مِنْ مَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ وَكُلَّمَا بَعُدُوا عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَطَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ قَرُبُوا مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجُنْدِ الشَّيْطَانِ.
فِيهِمْ مَنْ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ وَالشَّيْطَانُ طَائِرٌ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْرَعُ الْحَاضِرِينَ وَشَيَاطِينُهُ تَصْرَعُهُمْ وَفِيهِمْ مَنْ يُحْضِرُ طَعَامًا وَإِدَامًا.
وَيَمْلَأُ الْإِبْرِيقَ مِنْ الْهَوَاءِ وَالشَّيَاطِينِ فَعَلَتْ ذَلِكَ.
فَيَحْسَبُ الْجَاهِلُونَ أَنَّ هَذِهِ مِنْ كَرَامَاتِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ جِنْسِ أَحْوَالِ الْكَهَنَةِ وَالسَّحَرَةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الشَّيَاطِينِ وَمَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَحْوَالِ الرَّحْمَانِيَّةِ والنفسانية والشيطانية لَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى " مَسْأَلَةِ السَّمَاعِ " وَذَكَرْنَا كَلَامَ الْمَشَايِخِ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
قَدْ كَتَبْت فِيمَا تَقَدَّمَ: الْكَلَامَ فِي " الْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ " وَأَنَّهَا عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ " فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَكَذَلِكَ " السَّمَاعُ وَالْمُخَاطَبَاتُ وَالْمُحَادَثَاتُ " ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ.
فَإِنَّ " السَّامِعَ " إمَّا أَنْ يَسْمَعَ نَفْسَ الصَّوْتِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ الصَّوْتِيُّ أَوْ غَيْرُ كَلَامِهِ.
كَمَا تَرَى عَيْنُهُ وَإِمَّا أَنْ يَسْمَعَ صَدَى الصَّوْتِ وَرَجْعَهُ كَمَا يَرَى تِمْثَالَهُ فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ فَهَذِهِ رُؤْيَةٌ مُقَيَّدَةٌ وَسَمَاعٌ مُقَيَّدٌ كَمَا يُقَالُ: رَأَيْته فِي الْمِرْآةِ لَكِنَّ السَّمْعَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ.
وَإِمَّا أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ: يَعْنِي كَلَامَهُ فِي أَصْوَاتٍ مَسْمُوعَةٍ كَمَا يَتَمَثَّلُ لَهُ فِي صُورَةٍ فَيَرَاهَا.
مِثْلُ أَنْ يَنْقُرَ بِيَدِهِ نَقَرَاتٍ أَوْ يَضْرِبَ بِيَدِهِ أَوْتَارًا أَوْ يُظْهِرَ أَصْوَاتًا مُنْفَصِلَةً عَنْهُ يُبَيِّنُ فِيهَا مَقْصُودَهُ.
وَكَذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ: إمَّا أَنْ يَسْمَعَ فِي الْمَنَامِ أَوْ فِي الْيَقَظَةِ نَفْسَ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ.
مِثْلُ الْمَلَائِكَةِ مَثَلًا كَمَا يَرَى بِقَلْبِهِ عَيْنَ مَا يُكْشَفُ لَهُ فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ.
وَإِمَّا أَنْ يَسْمَعَ مِثَالَ كَلَامِهِ فِي نَفْسِهِ كَمَا يَرَى مِثَالَهُ فِي نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي يَكُونُ تَعْبِيرُهَا عَيْنَ مَا رُئِيَ وَإِمَّا أَنْ تَتَمَثَّلَ لَهُ الْمَعَانِي فِي صُورَةِ كَلَامٍ مَسْمُوعٍ يَحْتَاجُ إلَى تَعْبِيرٍ.
كَمَا تَتَمَثَّلُ لَهُ الْأَعْيَانُ فِي صُورَةِ أَشْخَاصٍ مَرْئِيَّةٍ تَحْتَاجُ إلَى تَعْبِيرٍ.
وَهَذَا غَالِبُ مَا يُرَى وَيُسْمَعُ فِي الْمَنَامِ.
فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِعَارَةِ وَالْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ.
فَهَذَا هَذَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
فِي الْكَوْنِ يَقَظَةً وَمَنَامًا:
لَمَّا كَانَتْ الرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: رُؤْيَةُ الْعَيْنِ الشَّيْءَ بِلَا وَاسِطَةٍ وَهِيَ الرُّؤْيَةُ الْمُطْلَقَةُ.
مِثْلُ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ " وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ هَلْ الرُّؤْيَةُ انْطِبَاعُ الْمَرْئِيِّ فِي الْعَيْنِ أَوْ لِانْعِكَاسِ شُعَاعِ الْبَصَرِ أَوْ لَا لِوَاحِدِ مِنْهُمَا.
عَلَى أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ.
وَالثَّانِي: رُؤْيَةُ الْمِثَالِ؛ وَهِيَ الرُّؤْيَةُ فِي مَاءٍ وَمِرْآةٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَهِيَ رُؤْيَةٌ مُقَيَّدَةٌ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ لَوْ حَلَفَ لَا رَأَيْت زَيْدًا؛ فَرَأَى صُورَتَهُ فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ وَهَذَا فِي الرُّؤْيَةِ.
كَسَمَاعِ الصَّدَى فِي السَّمْعِ فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَرَى مَا يَمُرُّ وَرَاءَهُ مِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ الَّتِي تُوَاجِهُهُ فَتَنْجَلِي لَهُ فِيهَا حَقَائِقُ مَا وَرَاءَهُ فَمِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا قَدْ يَرَى بَيَانَ الْحَقِيقَةِ وَقَدْ تَتَمَثَّلُ لَهُ الْحَقِيقَةُ بِمِثَالِ يَحْتَاجُ إلَى تَحْقِيقٍ.
كَمَا تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ الْبَشَرِ وَهَكَذَا الْقَلْبُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبْصِرَ فَإِنَّ بَصَرَهُ هُوَ الْبَصَرُ وَعَمَاهُ هُوَ الْعَمَى.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . فَتَارَةً يَرَى الشَّيْءَ نَفْسَهُ إذَا كُشِفَ لَهُ عَنْهُ وَتَارَةً يَرَاهُ مُتَمَثِّلًا فِي قَلْبِهِ الَّذِي هُوَ مِرْآتُهُ وَالْقَلْبُ هُوَ الرَّائِي أَيْضًا.
وَهَذَا يَكُونُ يَقَظَةً وَيَكُونُ مَنَامًا كَالرَّجُلِ يَرَى الشَّيْءَ فِي الْمَنَامِ ثُمَّ يَكُونُ إيَّاهُ فِي الْيَقَظَةِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ.
وَلِلْقَلْبِ " حَالٌ ثَالِثَةٌ " كَمَا لِلْعَيْنِ نَظَرٌ فِي الْمَنَامِ: وَهِيَ الَّتِي تَقَعُ لِغَالِبِ الْخَلْقِ.
أَنْ يَرَى الرُّؤْيَا مَثَلًا مَضْرُوبًا لِلْحَقِيقَةِ لَا يَضْبُطُ رُؤْيَةَ الْحَقِيقَةِ بِنَفْسِهَا وَلَا بِوَاسِطَةِ مِرْآةِ قَلْبِهِ.
وَلَكِنْ يَرَى مَا لَهُ تَعْبِيرٌ فَيَعْتَبِرُ بِهِ وَ " عِبَارَةُ الرُّؤْيَا " هُوَ الْعُبُورُ مِنْ الشَّيْءِ إلَى مِثَالِهِ وَنَظِيرِهِ وَهُوَ
حَقِيقَةُ الْمُقَايَسَةِ وَالِاعْتِبَارِ؛ فَإِنَّ إدْرَاكَ الشَّيْءِ بِالْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ الَّذِي أَلِفَهُ الْإِنْسَانُ وَاعْتَادَهُ أَيْسَرُ مِنْ إدْرَاكِ شَيْءٍ عَلَى الْبَدِيهَةِ مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ مَعْرُوفٍ.
ثُمَّ الْمَرْئِيُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ: فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ وَفِي الْحَالِ الَّتِي قَبْلَهَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ مَثَلًا لِلْحَقِيقَةِ وَوَاسِطَةً لَهَا.
وَالْمَرْئِيُّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: هُوَ عَيْنُ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ لَا مَرْئِيٌّ فِي الْقَلْبِ وَمِنْ الْعَامَّةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ مَنْ يَزْعُمُ: أَنَّ مَا يَسْمَعُهُ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ الْكَلَامِ وَيَرَوْنَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إنَّمَا وُجُودُهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَذَلِكَ مَبْلَغُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ غَايَةُ مَا وَجَدُوهُ وَرَأَوْهُ مِنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِمْ فَظَنُّوا أَنْ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ غَايَةٌ.
وَقَدْ يُعَارِضُهُمْ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مَا يُسْمَعُ وَيُرَى لَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ بَلْ جَمِيعُهُ مِنْ الْخَارِجِ.
وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ؛ بَلْ مِنْهُ مَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ: مِثْلُ مَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ فِي الْمَنَامِ إمَّا مِثَالًا لَا تَعْبِيرَ لَهُ أَوْ لَهُ تَعْبِيرٌ.
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ: مِثْلُ رُؤْيَةِ مَرْيَمَ لِلرَّسُولِ إذْ تَمَثَّلَ لَهَا
بَشَرًا سَوِيًّا وَرُؤْيَةِ الصَّحَابَةِ لِجِبْرِيلَ فِي صُورَةِ الْأَعْرَابِيِّ.
فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ رُؤْيَةَ الْحَقَائِقِ بِالْعَيْنِ تُطَابِقُ لِرُؤْيَاهَا بِالْقَلْبِ كُلٌّ مِنْهُمَا " ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ " إدْرَاكُ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ بِعَيْنِهِ وَإِدْرَاكُهُ بِوَاسِطَةِ تَمَثُّلِهِ فِي مِرْآةٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ وَإِدْرَاكُهُ مُتَمَثِّلًا فِي غَيْرِ صُورَتِهِ إمَّا بَاطِنًا فِي الْقَلْبِ وَإِمَّا ظَاهِرًا فِي الْعَيْنِ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
فَالْقِيَاسُ فِي الْحِسِّيَّاتِ كَالْقِيَاسِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَهَذَا الَّذِي كَتَبْته فِي الْمُكَاشَفَاتِ يَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الْمُخَاطَبَاتِ فَإِنَّ الْبَصَرَ وَالسَّمْعَ يُظْهِرَانِ مَا يَتْلُوهُ.
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَمَّنْ يَقُولُ: إنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ إذَا أَقَامَ السَّمَاعَ يَحْضُرُهُ رِجَالُ الْغَيْبِ وَيَنْشَقُّ السَّقْفُ وَالْحِيطَانُ وَتَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ تَرْقُصُ مَعَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ.
وَفِيهِمْ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْضُرُ مَعَهُمْ.
فَمَاذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الِاعْتِقَادَ؟ وَمَا هِيَ صِفَةُ رِجَالِ الْغَيْبِ؟ وَهَلْ يَكُونُ لِلتَّتَارِ خُفَرَاءُ وَلَهُمْ حَالٌ كَحَالِ خُفَرَاءَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَوْ الْأَنْبِيَاءَ تَحْضُرُ " سَمَاعَ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ " مَحَبَّةً وَرَغْبَةً فِيهِ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ؛ بَلْ إنَّمَا تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ وَهِيَ الَّتِي تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ وَتَنْفُخُ فِيهِمْ.
كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِي وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: يَا رَبِّ اجْعَلْ لِي بَيْتًا.
قَالَ: بَيْتُك الْحَمَّامُ.
قَالَ اجْعَلْ لِي قُرْآنًا.
قَالَ: قُرْآنُك الشِّعْرُ.
قَالَ: يَا رَبِّ اجْعَلْ لِي مُؤَذِّنًا.
قَالَ: مُؤَذِّنُك الْمِزْمَارُ﴾ " وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مُخَاطِبًا لِلشَّيْطَانِ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ
السَّلَفِ بِصَوْتِ الْغِنَاءِ وَهُوَ شَامِلٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْوَاتِ الْمُسْتَفِزَّةِ لِأَصْحَابِهَا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّمَا نَهَيْت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتُ لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ وَصَوْتُ لَطْمِ خُدُودٍ أَوْ شَقِّ جُيُوبٍ وَدُعَاءٍ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كَقَوْلِهِمْ: وَا لَهْفَاه وَا كَبِدَاهُ وَا نَصِيرَاهُ وَقَدْ كُوشِفَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْمُكَاشَفَاتِ بِحُضُورِ الشَّيَاطِينِ فِي مَجَامِعِ السَّمَّاعَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ: ذَاتِ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ وَكَيْفَ يَكُرُّ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَتَوَاجَدُوا الْوَجْدَ الشَّيْطَانِيَّ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ صَارَ يَرْقُصُ فَوْقَ رُءُوسِ الْحَاضِرِينَ وَرَأَى بَعْضُ الْمَشَايِخِ الْمُكَاشِفِينَ أَنَّ شَيْطَانَهُ قَدْ احْتَمَلَهُ حَتَّى رَقَصَ بِهِ فَلَمَّا صَرَخَ بِشَيْطَانِهِ هَرَبَ وَسَقَطَ ذَلِكَ الرَّجُلُ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَهَا أَسْرَارٌ وَحَقَائِقُ لَا يَشْهَدُهَا؛ إلَّا أَهْلُ الْبَصَائِرِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْمَشَاهِدِ الإيقانية؛ وَلَكِنْ مَنْ اتَّبَعَ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَأَعْرَضَ عَنْ سَبِيلِ الْمُبْتَدِعَةِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْهُدَى وَخَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقَائِقَ الْأُمُورِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَلَكَ السَّبِيلَ إلَى مَكَّةَ خَلْفَ الدَّلِيلِ الْهَادِي فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَى مَقْصُودِهِ وَيَجِدُ الزَّادَ وَالْمَاءَ فِي مَوْطِنِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يَحْصُلُ ذَلِكَ وَسَبَبُهُ.
وَمَنْ سَلَكَ خَلْفَ غَيْرِ الدَّلِيلِ
الْهَادِي: كَانَ ضَالًّا عَنْ الطَّرِيقِ.
فَإِمَّا أَنْ يَهْلَكَ وَإِمَّا أَنْ يَشْقَى مُدَّةً ثُمَّ يَعُودُ إلَى الطَّرِيقِ.
وَ " الدَّلِيلُ الْهَادِي " هُوَ الرَّسُولُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلَى النَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَهَادِيًا إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
وَآثَارُ الشَّيْطَانِ تَظْهَرُ فِي أَهْلِ السَّمَاعِ الْجَاهِلِيِّ: مِثْلِ الْإِزْبَادِ وَالْإِرْغَاءِ والصراخات الْمُنْكَرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُضَارِعُ أَهْلَ الصَّرْعِ الَّذِينَ يَصْرَعُهُمْ الشَّيْطَانُ وَلِذَلِكَ يَجِدُونَ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ ثَوَرَانِ مُرَادِ الشَّيْطَانِ بِحَسَبِ الصَّوْتِ: إمَّا وَجْدٌ فِي الْهَوَى الْمَذْمُومِ وَإِمَّا غَضَبٌ وَعُدْوَانٌ عَلَى مَنْ هُوَ مَظْلُومٌ وَإِمَّا لَطْمٌ وَشَقُّ ثِيَابٍ وَصِيَاحٌ كَصِيَاحِ الْمَحْزُونِ الْمَحْرُومِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي تَعْتَرِي أَهْلَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ إذَا سَكِرُوا بِهَا؛ فَإِنَّ السُّكْرَ بِالْأَصْوَاتِ الْمُطْرِبَةِ قَدْ يَصِيرُ مِنْ جِنْسِ السُّكْرِ بِالْأَشْرِبَةِ الْمُطْرِبَةِ فَيَصُدُّهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ وَيَمْنَعُ قُلُوبَهُمْ حَلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَفَهْمَ مَعَانِيهِ وَاتِّبَاعَهُ فَيَصِيرُونَ مُضَارِعِينَ لِلَّذِينَ يَشْتَرُونَ لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَيُوقِعُ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ حَتَّى يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَحْوَالِهِ الْفَاسِدَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ.
كَمَا يَقْتُلُ الْعَائِنُ مَنْ أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ مِنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ هَؤُلَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَوْدُ وَالدِّيَةُ
وَالْقِصَاصُ إذَا عُرِفَ أَنَّهُمْ قُتِلُوا بِالْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ الْفَاسِدَةِ؛ لِأَنَّهُمْ ظَالِمُونَ وَهُمْ إنَّمَا يَغْتَبِطُونَ بِمَا يُنَفِّذُونَهُ مِنْ مُرَادَاتِهِمْ الْمُحَرَّمَةِ.
كَمَا يَغْتَبِطُ الظَّلَمَةُ الْمُسَلَّطُونَ.
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ حَالُ خُفَرَاءِ الْكَافِرِينَ وَالْمُبْتَدِعِينَ وَالظَّالِمِينَ فَإِنَّهُمْ قَدْ يَكُونُ لَهُمْ زُهْدٌ وَعِبَادَةٌ وَهِمَّةٌ كَمَا يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَكَمَا كَانَ لِلْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ.
أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ". وَقَدْ يَكُونُ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَحْوَالٌ بَاطِنَةٌ كَمَا يَكُونُ لَهُمْ مَلَكَةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّ سُلْطَانَ الْبَاطِنِ مَعْنَاهُ السُّلْطَانُ الظَّاهِرُ وَلَا يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
وَمَا فَعَلُوهُ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الظُّلْمِ فَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْعِقَابَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الذَّنْبِ وَبَابُ الْقُدْرَةِ وَالتَّمَكُّنِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا لَيْسَ مُسْتَلْزِمًا لِوِلَايَةِ اللَّه تَعَالَى بَلْ قَدْ يَكُونُ وَلِيُّ اللَّهِ مُتَمَكِّنًا ذَا سُلْطَانٍ وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَضْعَفًا إلَى أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ وَقَدْ يَكُونُ مُسَلَّطًا إلَى أَنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْهُ فَخُفَرَاءُ التَّتَارِ فِي الْبَاطِنِ مِنْ جِنْسِ التَّتَارِ فِي الظَّاهِرِ.
هَؤُلَاءِ فِي الْعِبَادِ بِمَنْزِلَةِ هَؤُلَاءِ فِي الْأَجْنَادِ.
وَأَمَّا الْغَلَبَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُدِيلُ الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تَارَةً كَمَا يُدِيلُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ.
كَمَا كَانَ يَكُونُ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَدُوِّهِمْ لَكِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ . وَإِذَا كَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَكَانَ عَدُوُّهُمْ مُسْتَظْهِرًا عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ؛ إمَّا لِتَفْرِيطِهِمْ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَإِمَّا لِعُدْوَانِهِمْ بِتَعَدِّي الْحُدُودِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ .
وَسُئِلَ:
عَنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَتَعَمَّمْنَ بِالْعَمَائِمِ الْكِبَارِ لَا يَرَيْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَشْمُمْنَ رَائِحَتَهَا.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ﴾ ".
فَأَجَابَ:
قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مِنْ أُمَّتِي لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ: نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ مِثْلُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا.
وَرِجَالٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ﴾ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ فَإِنَّهُ جَاهِلٌ ضَالٌّ عَنْ الشَّرْعِ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الَّتِي تُرْدِعُهُ وَأَمْثَالَهُ مِنْ الْجُهَّالِ الَّذِينَ يَعْتَرِضُونَ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي " الْوَعِيدِ " كَثِيرَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: " {مَنْ قَتَلَ
نَفْسًا مُعَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا} " وَمِثْلُ قَوْلِهِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ: " ﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنْ كِبْرٍ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَكُونُ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا أَفَمِنْ الْكِبْرِ ذَاكَ؟ فَقَالَ: لَا الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ﴾ . وَ " بَطَرُ الْحَقِّ " جَحْدُهُ وَ " غَمْطُ النَّاسِ " احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَفَقِيرٌ مُخْتَالٌ﴾ ". وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ آيَاتِ الْوَعِيدِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وَكَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ وَقَوْلُهُ فِي الْفَرَائِضِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ .
وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ " الْوَعِيدَ " فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مَوْجُودٌ وَلَكِنَّ الْوَعِيدَ الْمَوْجُودَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ التَّائِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أَيْ لِمَنْ تَابَ.
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَالشِّرْكُ لَا يُغْفَرُ وَمَا دُونَ الشِّرْكِ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَفَرَهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَ عَلَيْهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا غَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكَهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ﴾ ﴿وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَدْ جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا؟ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْت تَنْصَبُ؟ أَلَسْت تَحْزَنُ؟ أَلَسْت تُصِيبُك اللأوى؟ فَذَلِكَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ} فَالْمَصَائِبُ فِي الدُّنْيَا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَا الْمُؤْمِنِ مَا بِهِ يُكَفَّرُ وَكَذَلِكَ الْحَسَنَاتُ الَّتِي يَفْعَلُهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ﴾ فَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ
عَبْدَهُ شَيْئًا كَمَا قَالَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ . " فَالْوَعِيدُ " يَنْتَفِي عَنْهُ: إمَّا بِتَوْبَةِ وَإِمَّا بِحَسَنَاتِ يَفْعَلُهَا تُكَافِئُ سَيِّئَاتِهِ وَإِمَّا بِمَصَائِبَ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهَا خَطَايَاهُ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَكَمَا أَنَّ أَحَادِيثَ الْوَعِيدِ تُقَدَّمُ وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ الْوَعْدِ.
فَقَدْ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيَجْحَدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَهَذَا كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الْمُسْتَوْجِبِينَ لِلنَّارِ.
وَهَذِهِ " مَسْأَلَةُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ " مِنْ أَكْبَرِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ بَسَطْنَاهَا فِي مَوَاضِعَ؛ وَلَكِنَّ كَتْبُنَا هُنَا مَا تَسَعُ الْوَرَقَةَ.
وَسُئِلَ:
عَنْ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ.
هَلْ لَهَا حَدٌّ تُعْرَفُ بِهِ؟ وَهَلْ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا سَبْعٌ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ صَحِيحًا؟ أَوْ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَا اتَّفَقَتْ فِيهَا الشَّرَائِعُ - أَعْنِي عَلَى تَحْرِيمِهَا؟ - أَوْ إنَّهَا مَا تَسُدُّ بَابَ الْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ؟ أَوْ إنَّهَا مَا تُذْهِبُ الْأَمْوَالَ وَالْأَبْدَانَ؟ أَوْ إنَّهَا إنَّمَا سُمِّيَتْ كَبَائِرَ بِالنِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ إلَى مَا دُونَهَا؟ أَوْ إنَّهَا لَا تُعْلَمُ أَصْلًا وَأُبْهِمَتْ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ أَوْ يَحْكِي بَعْضُهُمْ أَنَّهَا إلَى التِّسْعِينَ أَقْرَبَ أَوْ كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ كَبِيرَةٌ أَوْ أَنَّهَا مَا رُتِّبَ عَلَيْهَا حَدٌّ.
أَوْ مَا تُوُعِّدَ عَلَيْهَا بِالنَّارِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْثَلُ الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَوْلُ الْمَأْثُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ: أَنَّ الصَّغِيرَةَ مَا دُونُ الْحَدَّيْنِ: حَدُّ الدُّنْيَا وَحَدُّ الْآخِرَةِ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَا لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ ذَنْبٍ خُتِمَ بِلَعْنَةِ أَوْ غَضَبٍ أَوْ نَارٍ فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَمَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: وَلَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا وَلَا وَعِيدٌ فِي
الْآخِرَةِ أَيْ " وَعِيدٌ خَاصٌّ " كَالْوَعِيدِ بِالنَّارِ وَالْغَضَبِ وَاللَّعْنَةِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَعِيدَ الْخَاصَّ فِي الْآخِرَةِ.
كَالْعُقُوبَةِ الْخَاصَّةِ فِي الدُّنْيَا.
فَكَمَا أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي الْعُقُوبَاتِ الْمَشْرُوعَةِ لِلنَّاسِ بَيَّنَ الْعُقُوبَاتِ الْمُقَدَّرَةَ بِالْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَجَلْدِ مِائَةٍ أَوْ ثَمَانِينَ وَبَيَّنَ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُقَدَّرَةٍ: وَهِيَ " التَّعْزِيرُ " فَكَذَلِكَ يُفَرَّقُ فِي الْعُقُوبَاتِ الَّتِي يُعَزِّرُ اللَّهُ بِهَا الْعِبَادَ - فِي غَيْرِ أَمْرِ الْعِبَادِ بِهَا - بَيْنَ الْعُقُوبَاتِ الْمُقَدَّرَةِ: كَالْغَضَبِ وَاللَّعْنَةِ وَالنَّارِ.
وَبَيْنَ الْعُقُوبَاتِ الْمُطْلَقَةِ.
وَهَذَا " الضَّابِطُ " يَسْلَمُ مِنْ الْقَوَادِحِ الْوَارِدَةِ عَلَى غَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي النَّصِّ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ: كَالشِّرْكِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسِّحْرِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ الَّتِي فِيهَا عُقُوبَاتٌ مُقَدَّرَةٌ مَشْرُوعَةٌ وَكَالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلِ الرِّبَا وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ وَأَمْثَالَهَا فِيهَا وَعِيدٌ خَاصٌّ كَمَا قَالَ فِي الْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ . وَقَالَ: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} وَقَالَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . وَكَذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ تُوُعِّدَ صَاحِبُهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَا يَشُمُّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَقِيلَ فِيهِ: مَنْ فَعَلَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَأَنَّ صَاحِبَهُ آثِمٌ.
فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ الْكَبَائِرِ.
كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ﴾ " وَقَوْلُهُ: " ﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا﴾ ". وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا﴾ ". وَقَوْلُهُ: " ﴿لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ". وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ وَكَوْنَهُ لَيْسَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَقُولُهُ الْمُرْجِئَةُ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ خِيَارِنَا؛ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مِنْ خِيَارِهِمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَقُولُهُ الْخَوَارِجُ: إنَّهُ صَارَ كَافِرًا.
وَلَا مَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ: مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ شَيْءٌ بَلْ
هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
فَهَذِهِ كُلُّهَا أَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَلَكِنْ الْمُؤْمِنُ الْمُطْلَقُ فِي بَابِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ بِلَا عِقَابٍ هُوَ الْمُؤَدِّي لِلْفَرَائِضِ الْمُجْتَنِبِ الْمَحَارِمَ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْكَبَائِرَ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ هُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلْعُقُوبَةِ عَلَى تِلْكَ الْكَبِيرَةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَرَادَ بِهِ نَفْيَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ أَوْ نَفْيَ كَمَالِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا نَفْيَ الْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ فَإِنَّ تَرْكَ الْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُوجِبُ الذَّمَّ وَالْوَعِيدَ وَالْفُقَهَاءَ يَقُولُونَ: الْغُسْلُ يَنْقَسِمُ إلَى: كَامِلٍ وَمُجْزِئٍ.
ثُمَّ مَنْ عَدَلَ عَنْ الْغُسْلِ الْكَامِلِ إلَى الْمُجْزِئِ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا.
فَمَنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " نَفْيُ كَمَالِ الْإِيمَانِ " أَنَّهُ نَفْيُ الْكَمَالِ الْمُسْتَحَبِّ فَقَدْ غَلِطَ.
وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ الْمُرْجِئَةِ وَلَكِنْ يَقْتَضِي نَفْيَ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ.
وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي سَائِرِ مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وَمِثْلُ الْحَدِيثِ الْمَأْثُورِ: " ﴿لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ﴾ " وَمِثْلُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {لَا صَلَاةَ إلَّا بِأُمِّ
الْقُرْآنِ} " وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي مُسَمَّى الِاسْمِ إلَّا لِانْتِفَاءِ بَعْضِ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ؛ لَا لِانْتِفَاءِ بَعْضِ مُسْتَحَبَّاتِهِ فَيُفِيدُ هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ وَيَتَفَاضَلُ.
كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿يَخْرُجُ مَنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ﴾ ". وَ (الْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ وَالْجَنَّةِ أَوْ كَوْنَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ كَبِيرَةٍ.
أَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا تَنْفِي هَذَا الِاسْمَ وَالْحُكْمَ عَنْ صَاحِبِهَا بِمُجَرَّدِهَا.
فَيُعْرَفُ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ لَا يَكُونُ لِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ وَلَا لِفِعْلِ صَغِيرَةٍ بَلْ لِفِعْلِ كَبِيرَةٍ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا الضَّابِطَ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ تِلْكَ الضَّوَابِطِ الْمَذْكُورَةِ لِوُجُوهِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْمَأْثُورُ عَنْ السَّلَفِ بِخِلَافِ تِلْكَ الضَّوَابِطِ؛ فَإِنَّهَا لَا تُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ وَإِنَّمَا قَالَهَا بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ أَوْ التَّصَوُّفِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ: إنَّهَا إلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى السَّبْعِ فَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَاحِدًا وَاحِدًا.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ فَقَدْ وَعَدَ مُجْتَنِبَ الْكَبَائِرِ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَاسْتِحْقَاقِ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ.
وَكُلُّ مَنْ وُعِدَ بِغَضَبِ اللَّهِ أَوْ لَعْنَتِهِ أَوْ نَارٍ أَوْ حِرْمَانِ جَنَّةٍ أَوْ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْوَعْدِ فَلَا يَكُونُ مِنْ مُجْتَنِبِي الْكَبَائِرِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَحَقَّ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَمْ تَكُنْ سَيِّئَاتُهُ مُكَفَّرَةً عَنْهُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَهُ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الضَّابِطَ مَرْجِعُهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الذُّنُوبِ؛ فَهُوَ حَدٌّ يُتَلَقَّى مِنْ خِطَابِ الشَّارِعِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَيْسَ مُتَلَقًّى مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ بَلْ هُوَ قَوْلُ رَأْيِ الْقَائِلِ وَذَوْقِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَالرَّأْيُ وَالذَّوْقُ بِدُونِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا يَجُوزُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا الضَّابِطَ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِهِ بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ وَأَمَّا تِلْكَ الْأُمُورُ فَلَا يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِهَا بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا اتَّفَقَتْ فِيهِ الشَّرَائِعُ وَاخْتَلَفَتْ لَا يُعْلَمُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُ عَالَمٍ بِتِلْكَ الشَّرَائِعِ عَلَى وَجْهِهَا وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا.
وَكَذَلِكَ " مَا يَسُدُّ بَابَ الْمَعْرِفَةِ " هُوَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ يَسُدُّ بَابَ الْمَعْرِفَةِ عَنْ زَيْدٍ مَا لَا يَسُدُّ عَنْ عَمْرٍو وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مَحْدُودٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ تِلْكَ الْأَقْوَالَ فَاسِدَةٌ.
فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَا اتَّفَقَتْ الشَّرَائِعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ دُونَ مَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ.
يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْحَبَّةُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَمِنْ السَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْكِذْبَةِ الْوَاحِدَةِ وَبَعْضِ الْإِسَاءَاتِ الْخَفِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ.
وَأَنْ يَكُونَ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ؛ إذْ الْجِهَادُ لَمْ يَجِبْ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ وَكَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّزَوُّجُ بِالْمُحَرَّمَاتِ بِالرَّضَاعَةِ وَالصَّهْرِ وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ تَتَّفِقْ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ.
وَكَذَلِكَ إمْسَاكُ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَوَطْئِهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
مَعَ اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّهَا مَا تَسُدُّ بَابَ الْمَعْرِفَةِ أَوْ ذَهَابَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ؛ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَلِيلُ مِنْ الْغَضَبِ وَالْخِيَانَةِ كَبِيرَةً.
وَأَنْ يَكُونَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا سُمِّيَتْ كَبَائِرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهَا وَأَنَّ مَا عَصَى اللَّهَ
بِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ الذُّنُوبُ فِي نَفْسِهَا تَنْقَسِمُ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ.
وَهَذَا خِلَافُ الْقُرْآنِ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلَّا أَحْصَاهَا﴾ وَقَالَ: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ.
وَمَنْ قَالَ: هِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ فَهُوَ قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا مُبْهَمَةٌ أَوْ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ.
فَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا.
وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مَا تَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ قَدْ يُقَالُ: إنَّ فِيهِ تَقْصِيرًا إذْ الْوَعِيدُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّارِ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهَا وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ كُلَّ وَعِيدٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَلْزِمَ الْوَعِيدَ بِالنَّارِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا كُلُّ ذَنْبٍ فِيهِ وَعِيدٌ فَهَذَا يَنْدَرِجُ فِيمَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ؛ فَإِنَّ كُلَّ ذَنْبٍ فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا فَفِيهِ وَعِيدٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَإِنَّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فِيهَا وَعِيدٌ.
كَمَنْ قَالَ: إنَّ الْكَبِيرَةَ مَا فِيهَا وَعِيدٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.