ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
بَلْ لَمَّا اعْتَقَدُوا فِيهِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ صَارُوا مُشْرِكِينَ بِهِ وَحَكَمُوا عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِأَحْكَامِ سَلْبِيَّةٍ أَوْ إيجَابِيَّةٍ؛ فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ مَا انْتَفَى عَنْ الْمَعْنَى الْعَامِّ الْمُشْتَرَكِ انْتَفَى عَنْ الْخَاصِّ الْمُمَيَّزِ وَلَيْسَ مَا انْتَفَى عَنْ الْخَاصِّ الْمُمَيَّزِ انْتَفَى عَنْ الْعَامِّ؛ فَمَا نَفَيْته عَنْ الْحَيَوَانِ أَوْ عَنْ النَّبِيِّ: انْتَفَى عَنْ الْإِنْسَانِ وَالرَّسُولِ.
وَلَيْسَ مَا نَفَيْته عَنْ الْإِنْسَانِ أَوْ الرَّسُولِ انْتَفَى عَنْ الْحَيَوَانِ أَوْ النَّبِيِّ.
وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُ: ﴿لَا نَبِيَّ بَعْدِي﴾ يَنْفِي الرَّسُولَ؛ وَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ لِلْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بِصِفَةِ الْعُمُومِ ثَبَتَ لِلْخَاصِّ وَمَا ثَبَتَ لَهُ بِصِفَةِ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَثْبُتَ لِلْخَاصِّ فَإِذَا ثَبَتَ حُكْمٌ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَخَلَ فِيهِ الرَّسُولُ.
وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ لِلنَّبِيِّ مُطْلَقًا: لَمْ يَجِبْ أَنْ يَثْبُتَ لِلرَّسُولِ وَقَدْ تَتَأَلَّفُ مِنْ مَجْمُوعِ الْقَضَايَا السَّلْبِيَّةِ وَالْإِيجَابِيَّةِ: أُمُورٌ لَا تَصْدُقُ إلَّا عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهَا غَيْرُهُ؛ كَمَا إذَا وُصِفَ نَبِيٌّ بِمَجْمُوعِ صِفَاتٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ.
لَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُعْرَفُ انْتِفَاءُ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ إيَّاهُ وَأَمَّا عَيْنُهُ فَلَا يُعْرَفُ بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ فَلَا يَحْصُلُ لِلْعَقْلِ مِنْ الْقِيَاسِ فِي الرَّبِّ إلَّا الْعِلْمُ بِالسَّلْبِ وَالْعَدَمِ؛ إذَا كَانَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا.
وَلِهَذَا جَاءَتْ الْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ فِي الْقُرْآنِ - وَهِيَ الْمَقَايِيسُ الْعَقْلِيَّةُ - دَالَّةً عَلَى النَّفْيِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ؟ الْآيَةَ وَمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ الْآيَاتِ وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ؛ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ الْآيَةَ وَقَوْلِهِ: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ
مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْثَالِ - وَهِيَ الْقِيَاسَاتُ - الَّتِي مَضْمُونُهَا نَفْيُ الْمَلْزُومِ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْقِيَاسِ مِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ فِي جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ: إنَّمَا هِيَ الْمَعَارِفُ السَّلْبِيَّةُ.
ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى مِقْدَارِ مَا يَعْلَمُهُ الْعَقْلُ مِنْ الْقِيَاسِ بَلْ تَعَدَّوْا ذَلِكَ؛ فَنَفَوْا أَشْيَاءَ مُشْبِهَةَ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ مِثْلَ نَفْيِ الصِّفَاتِ النَّبَوِيَّةِ الْخَبَرِيَّةِ: بَلْ وَنَفْيِ الْفَلَاسِفَةِ؛ وَالْمُعْتَزِلَةِ لِلصِّفَاتِ الَّتِي يُثْبِتُهَا مُتَكَلِّمُو أَهْلِ الْإِثْبَاتِ وَيُسَمُّونَهَا الصِّفَاتِ الْعَقْلِيَّةَ؛ لِإِثْبَاتِهِمْ إيَّاهَا بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَنْفِي بِالْقِيَاسِ إلَّا الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ؛ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الْقِيَاسِ؛ مِثْلُ أَنْ يَنْفِيَ الْإِرَادَةَ أَوْ الرَّحْمَةَ أَوْ الْعِلْمَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ مُسَمَّيَاتِ هَذَا الِاسْمِ وَالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْمَخْلُوقِينَ تَلْحَقُهُ صِفَاتٌ لَا تَثْبُتُ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَنْفُونَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكَ الْمُطْلَقَ عَلَى صِفَاتِ الْحَقِّ وَصِفَاتِ الْخَلْقِ - تَبَعًا لِانْتِفَاءِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْخَلْقُ - فَيُعَطِّلُونَ كَمَا أَنَّ أَهْلَ التَّمْثِيلِ يُثْبِتُونَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْخَلْقُ - تَبَعًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ - وَكِلَاهُمَا قِيَاسٌ خَطَأٌ.
فَفِي هَذِهِ الصِّفَاتِ بَلْ وَفِي الذَّوَاتِ ثَلَاثُ اعْتِبَارَاتٍ:
أَحَدُهَا: مَا تَخْتَصُّ بِهِ ذَاتُ الرَّبِّ وَصِفَاتُهُ.
وَالثَّانِي: مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَخْلُوقُ وَصِفَاتُهُ.
وَالثَّالِثُ: الْمَعْنَى الْمُطْلَقُ الْجَامِعُ.
فَاسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ الْجَامِعِ فِي نَفْيِ الْأَوَّلِ خَطَأٌ وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ فِي إثْبَاتِ الثَّانِي وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي إثْبَاتِ الثَّالِثِ فَيَحْتَاجُ إلَى إدْرَاكِ الْعَقْلِ لِثُبُوتِ الْمَعْنَى الْجَامِعِ الْكُلِّيِّ وَهَذَا أَصْلُ الْقِيَاسِ وَالدَّلِيلُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْعَقْلُ بِنَفْسِهِ - أَوْ بِوَاسِطَةِ قِيَاسٍ آخَرَ - ثُبُوتَ هَذَا وَإِلَّا لَمْ يَسْتَقِمْ الْقِيَاسُ.
وَكَذَلِكَ فِي مَعَارِفِهِمْ الثُّبُوتِيَّةِ لَا يَأْتُونَ إلَّا بِمَعَانٍ مُطْلَقَةٍ مُجْمَلَةٍ.
مِثْلَ ثُبُوتِ الْوُجُودِ وَوُجُوبِ الْوُجُودِ أَوْ كَوْنِهِ رَبًّا أَوْ صَانِعًا أَوْ أَوَّلًا أَوْ مَبْدَأً أَوْ قَدِيمًا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ بِهَا خُصُوصُ الرَّبِّ تَعَالَى إذْ الْقِيَاسُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَدَلَّ بِأَنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِبٍ وَبِأَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ: كَانَ مَدْلُولُ هَذَا الْقِيَاسِ أَمْرًا عَامًّا وَقَدْ بَسَطْت هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ الرِّيَاضَةِ وَالتَّجَرُّدِ: فَإِنَّ صَفْوَتَهُمْ الَّذِينَ يَشْتَغِلُونَ بِذِكْرِ بَسِيطٍ مِثْلَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إنْ لَمْ يَغْلُوا فَيَقْتَصِرُوا عَلَى مُجَرَّدِ اللَّهُ اللَّهُ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَأَكْمَلُ.
كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَرُبَّمَا اقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى هُوَ هُوَ.
أَوْ عَلَى قَوْلِهِ: لَا هُوَ إلَّا هُوَ لِأَنَّ هَذَا الذِّكْرَ الْمُبْتَدَعَ الَّذِي هُوَ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ مُطْلَقًا لَيْسَ فِيهِ بِنَفْسِهِ ذِكْرٌ لِلَّهِ إلَّا بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ.
فَقَدْ يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُ صَاحِبِهِ أَنَّهُ لَا وُجُودَ إلَّا هُوَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ بَعْضُهُمْ وَيَقُولُ: لَا هُوَ إلَّا هُوَ أَوْ لَا مَوْجُودَ إلَّا هُوَ وَهَذَا عِنْدَ الِاتِّحَادِيَّةِ
أَجْوَدُ مِنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِأَنَّهُ مُصَرِّحٌ بِحَقِيقَةِ مَذْهَبِهِمْ الْفِرْعَوْنِيِّ القرمطي حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ.
لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ذِكْرُ الْعَابِدِينَ وَاَللَّهُ اللَّهُ ذِكْرُ الْعَارِفِينَ وَهُوَ ذِكْرُ الْمُحَقِّقِينَ وَيَجْعَلُ ذِكْرَهُ يَا مَنْ لَا هُوَ إلَّا هُوَ وَإِذَا قَالَ اللَّهُ اللَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ مُجَرَّدَ ثُبُوتِهِ فَقَدْ يَنْضَمُّ إلَى ذَلِكَ نَفْيُ غَيْرِهِ لَا نَفْيُ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ فَيَقَعُ صَاحِبُهُ فِي وَحْدَةِ الْوُجُودِ وَرُبَّمَا انْتَفَى شُهُودُ الْقَلْبِ لِلسِّوَى إذَا كَانَ فِي مَقَامِ الْفَنَاءِ فَهَذَا قَرِيبٌ أَمَّا اعْتِقَادُ أَنَّ وُجُودَ الْكَائِنَاتِ هِيَ هُوَ فَهَذَا هُوَ الضَّلَالُ.
وَيَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ نَوْعًا مِنْ التَّصْفِيَةِ مِثْلَ تَرْكِ الشَّهَوَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالرِّيَاسَةِ وَالْخَلْوَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الزَّهَادَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْعِبَادَةِ الْمُطْلَقَةِ فَيَصِلُونَ أَيْضًا إلَى تَأَلُّهٍ مُطْلَقٍ وَمَعْرِفَةٍ مُطْلَقَةٍ بِثُبُوتِ الرَّبِّ وَوُجُودِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ مَا يَصِلُ إلَيْهِ أَرْبَابُ الْقِيَاسِ.
ثُمَّ قَدْ تَتَوَارَى هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ وَالْعِلْمُ بِمُلَابَسَةِ الْأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ مِنْ الطَّعَامِ وَالِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ فَإِنَّ سَبَبَهَا إنَّمَا هُوَ ذَلِكَ التَّجَرُّدُ فَإِذَا زَالَ زَالَ؛ وَلِهَذَا قِيلَ كُلُّ حَالٍ أَعْطَاكَهُ الْجُوعُ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِالشِّبَعِ كَمَا قَدْ تَتَوَارَى مَعْرِفَةُ الْأُولَى الْمُطْلَقَةِ بِغَفْلَةِ الْقَلْبِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَايِيسِ النَّظَرِيَّةِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْقِيَاسَ يُفْضِي إلَى مَعْرِفَةٍ بِحَسَبِ مُقْتَضَاهُ وَأَنَّ الرِّيَاضَةَ وَالتَّأَلُّهَ يُفْضِي إلَى مَعْرِفَةٍ بِحَسَبِ مُقْتَضَاهُ لَكِنْ مَعْرِفَةٌ مُطْلَقَةٌ بِسَبَبِ قَدْ يَثْبُتُ وَقَدْ يَزُولُ وَكَثِيرًا مَا يُفْضِي إلَى الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ وَالْإِبَاحَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُجَرِّدُونَ التَّأَلُّهَ عَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ صَالِحِ الْبَشَرِ فَإِذَا احْتَاجُوا إلَيْهَا أَعْرَضُوا عَنْ التَّأَلُّهِ.
فَهُمْ إمَّا آلِهَةٌ عِنْدَ نُفُوسِهِمْ وَإِمَّا زَنَادِقَةٌ أَوْ فُسَّاقٌ وَلِهَذَا حَدَّثَنِي الشَّيْخُ
الصَّالِحُ يُوسُفُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ رَآنِي فِي الْمَنَامِ وَأَنَا أُخَاطِبُهُمْ 1 .
وَالْمَعْرِفَةُ الْحَاصِلَةُ بِذَلِكَ: هِيَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي تُصْلِحُ حَالَ الْعَبْدِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ قَدْ يَحْصُلُ مَعَ صِدْقِ الطَّلَبِ - بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ أَوْ بِوَاسِطَةِ الْوَجْدِ - وُصُولٌ إلَى الرِّسَالَةِ فَيَتَلَقَّى حِينَئِذٍ مِنْ الرِّسَالَةِ مَا يُصْلِحُ حَالَهُ وَيَعْرِفُهُ الْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ وَالْعِلْمَ النَّافِعَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ - وَهِيَ الطَّرِيقُ الشَّرْعِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَوَّلًا - وَقَدْ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فَيَقَعُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ النُّبُوَّةِ اعْتِقَادًا أَوْ حَالًا بِالْإِعْرَاضِ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ؛ فَيَفُوتُهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ - الَّتِي جَاءَ بِهَا الرَّسُولُ - مَا يَضِلُّ بِفَوَاتِهِ فِي الدُّنْيَا عَنْ الْهُدَى وَيَشْقَى بِهِ الشَّقَاءَ الْأَكْبَرَ كَحَالِ الْكَافِرِينَ بِالرَّسُولِ وَإِنْ آمَنُوا بِوُجُودِ الرَّبِّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ فَإِنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُنَافِقُ فِي الرَّسُولِ كَمَا كَفَرَ هَؤُلَاءِ بِهِ ظَاهِرًا وَهَذَا النِّفَاقُ كَثِيرٌ جِدًّا قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
وَقَدْ تَنْعَقِدُ فِي قَلْبِهِ مَقَايِيسُ فَاسِدَةٌ وَمَوَاجِيدُ فَاسِدَةٌ يَحْكُمُ بِمُقْتَضَاهَا فِي الرُّبُوبِيَّةِ أَحْكَامًا فَاسِدَةً مِثْلُ: أَحْكَامِ الْمُنْحَرِفَةِ إلَى صابئية أَوْ يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَالْمُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ انْحَرَفُوا إمَّا إلَى تَعْطِيلٍ لِلصِّفَاتِ وَتَكْذِيبٍ بِهَا.
وَإِمَّا إلَى تَمْثِيلٍ لَهَا وَتَشْبِيهٍ.
وَإِمَّا إلَى اعْتِقَادِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا يَتَمَيَّزُ وَأَنَّ عَيْنَ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
الْوُجُودِ: هُوَ عَيْنُ الْخَالِقِ وَأَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْءٌ آخَرُ؛ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَرَاتِبُ لِلصِّفَاتِ وَأَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ وَالْإِلَهِيَّةَ: مَرَاتِبُ ذِهْنِيَّةٌ شكوكية.
وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ: فَلَيْسَ إلَّا عَيْنُ ذَاتِهِ فَالْمَحْجُوبُونَ يَرَوْنَ الْمَرَاتِبَ والمكاشف مَا تَرَى إلَّا عَيْنُ الْحَقِّ.
وَيَحْسَبُونَ - وَيَحْسَبُ كَثِيرٌ بِسَبَبِهِمْ - أَنَّ هَذَا التَّوْحِيدَ: هُوَ تَوْحِيدُ الصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ وَقَالُوا: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ.
كَمَا يَحْسَبُ الْمُتَكَلِّمُ الزَّائِغُ أَنَّ تَوْحِيدَهُ - الَّذِي هُوَ نَفْيُ الصِّفَاتِ - هُوَ تَوْحِيدُ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَالصِّدِّيقِينَ؛ الَّذِينَ عَرَفُوا اللَّهَ؛ وَلِهَذَا يَقَعُ فِي هَؤُلَاءِ الشِّرْكُ كَثِيرًا؛ حَتَّى يَسْجُدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ؛ كَمَا يَقَعُ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ تَحْرِيمُ الْحَلَالِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ الْمُبَاحَةِ.
فَاقْتَسَمَ الْفَرِيقَانِ: مَا ذَمَّ اللَّهُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الشِّرْكِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ.
. . 1 وَهَكَذَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي هَؤُلَاءِ الْمُشْبِهَةِ لِلنَّصَارَى.
وَظَهَرَ فِي الْآخَرِينَ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَجُحُودِ الْحَقِّ وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ: مَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي هَؤُلَاءِ الْمُشْبِهَةِ لِلْيَهُودِ.
هَذَا فِي غَيْرِ الْغَالِيَةِ مِنْهُمْ وَأَمَّا الْغَالِيَةُ مِنْ الصِّنْفَيْنِ: فَعِنْدَهُمْ أَنَّ مَعْرِفَتَهُمْ وَحَالَهُمْ فَوْقَ مَعْرِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَحَالِهِمْ.
كَمَا يَقُولُ التِّلْمِسَانِيُّ: الْقُرْآنُ يُوَصِّلُ إلَى الْجَنَّةِ وَكَلَامُنَا يُوَصِّلُ إلَى اللَّهِ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
وَكَمَا يَزْعُمُ الْفَارَابِيُّ: أَنَّ الْفَيْلَسُوفَ أَكْمَلُ مِنْ النَّبِيِّ؛ وَإِنَّمَا خَاصَّةُ النَّبِيِّ جَوْدَةُ التَّخْيِيلِ لِلْحَقَائِقِ؛ إلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الزَّنْدَقَةِ وَالْكُفْرِ يَلْتَحِقُونَ فِيهَا بالْإِسْمَاعِيلِيَّة؛ وَالْنُصَيْرِيَّة؛ وَالْقَرَامِطَةِ؛ وَالْبَاطِنِيَّةِ؛ وَيَتَّبِعُونَ فِرْعَوْنَ؛ والنمروذ وَأَمْثَالَهُمَا مِنْ الْكَافِرِينَ بِالنُّبُوَّاتِ أَوْ النُّبُوَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ.
وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَسَبَبُ ذَلِكَ عَدَمُ أَصْلٍ فِي قُلُوبِهِمْ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالرَّسُولِ.
فَإِنَّ هَذَا الْأَصْلَ إنْ لَمْ يَصْحَبْ النَّاظِرَ وَالْمُرِيدَ وَالطَّالِبَ فِي كُلِّ مَقَامٍ.
وَإِلَّا خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا وَحَاجَتُهُ إلَيْهِ كَحَاجَةِ الْبَدَنِ إلَى الْغِذَاءِ أَوْ الْحَيَاةِ إلَى الرُّوحِ.
فَالْإِنْسَانُ بِدُونِ الْحَيَاةِ وَالْغِذَاءِ لَا يَتَقَوَّمُ أَبَدًا وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلَّمَ وَلَا أَنْ يُعَلِّمَ.
كَذَلِكَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنَالَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَلَا الْهِدَايَةَ إلَيْهِ وَبِدُونِ اهْتِدَائِهِ إلَى رَبِّهِ: لَا يَكُونُ إلَّا شَقِيًّا مُعَذَّبًا وَهُوَ حَالُ الْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَعَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ إذَا نَظَرَ وَاسْتَدَلَّ: كَانَ نَظَرُهُ فِي دَلِيلٍ وَبُرْهَانٍ - وَهُوَ ثُبُوتُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ - وَإِذَا تَجَرَّدَ وَتَصَفَّى كَانَ مَعَهُ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَذُوقُهُ بِذَلِكَ وَيَجِدُهُ.
ثُمَّ هَذَا النَّظَرُ وَهَذَا الذَّوْقُ يَجْتَلِبُ لَهُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَالِمِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْمَوَاجِيدِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَالْعِلْمُ وَالْوَجْدُ مُتَلَازِمَانِ.
وَذَلِكَ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ: عَرَفُوا اللَّهَ بِالْوَحْيِ الْمَعْرِفَةَ الَّتِي هِيَ مَعْرِفَةٌ وَعَبَدُوهُ الْعِبَادَةَ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لَهُ بِحَسَبِ مَا مَنَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهُمْ دَرَجَاتٌ فِي ذَلِكَ؛ لَكِنْ عَرَفُوا مِنْ خُصُوصِ الرُّبُوبِيَّةِ مَا لَا يَقُومُ بِهِ
مُجَرَّدُ الْقِيَاسِ النَّظَرِيِّ وَلَا يَنَالُهُ مُجَرَّدُ الذَّوْقِ الْإِرَادِيِّ ثُمَّ أَخْبَرُوا عَنْ ذَلِكَ.
وَلَا بُدَّ فِي الْوَصْفِ وَالْإِخْبَارِ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ الْمُسَمَّى الْمَوْصُوفَ بِالْأَسْمَاءِ وَالْأَوْصَافِ الْمُتَوَاطِئَةِ الَّتِي فِيهَا اشْتِرَاكٌ وَتَمْيِيزٌ عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ بِمَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْإِخْبَارِ وَالْوَصْفِ تَعْرِيفُ الْمُخَاطَبِينَ؛ وَالْمُخَاطَبُونَ لَا يَعْرِفُونَ الْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي هِيَ خُصُوصُ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ.
فَلَوْ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ وَحْدَهُ مُجَرَّدًا لَمْ يَعْرِفُوا شَيْئًا بَلْ رُبَّمَا أَنْكَرُوا ذَلِكَ.
فَإِذَا خُوطِبُوا بِالْمَعَانِي الْمُشْتَرَكَةِ وَأُزِيلَ مَفْسَدَةُ الِاشْتِرَاكِ بِمَا يَقْطَعُ التَّمَاثُلَ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَانُوا أَحَدَ رَجُلَيْنِ: إمَّا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ آمَنَ بِمَعَانِي تِلْكَ الصِّفَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطْلَقِ الجملي وَأَثْبَتَهَا لِلَّهِ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِهِ وَيَخْتَصُّ بِهِ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ؛ فَهَذَا غَايَةُ الْمُمْكِنِ فِي حَالِ هَؤُلَاءِ.
وَإِمَّا رَجُلٌ قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نُورِهِ وَهِدَايَتِهِ الْخَاصَّةِ مَا أَشْهَدَهُ شَيْئًا مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي هِيَ أَعْيَانُ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَيَعْلَمُ ذَلِكَ لَا بِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ وَلَا بِمُجَرَّدِ الْوَجْدِ بَلْ بِشُهُودِ عَلَى مُطَابِقٍ لِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَتَدُلُّهُ عَلَى صِحَّةِ شُهُودِهِ مُوَافَقَتُهُ لِمَا أَنْبَأَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَيَحْصُلُ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِكَمَالِهَا وَإِمَّا وُجُودُ بَعْضِ أَجْزَائِهَا فَلَمْ يَنْقَطِعْ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَحْجُوبًا عَنْ أَنْ يَشْهَدَ مَا شَهِدَهُ النَّبِيُّ فَيُصَدِّقَهُ فِيهِ؛ لِشُهُودِهِ بَعْضَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ وَيَبْقَى مَا شَهِدَهُ مُحَقَّقًا عِنْدَهُ لِثُبُوتِ مَا لَمْ يَشْهَدْهُ وَهَذِهِ حَالُ الصِّدِّيقِينَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَذَلِكَ نَظِيرُ مَنْ وُصِفَ لَهُ مُلْكُ مَدِينَةٍ بِأَنْوَاعِ مِنْ الصِّفَاتِ فَقَدَّمَ حَتَّى رَأَى بَعْضَ شئونه الَّتِي دَلَّتْهُ عَلَى صِدْقِ الْمُخْبِرِ فِيمَا لَمْ يَشْهَدْ.
وَلَسْت أَجْعَلُ مُجَرَّدَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مُصَدِّقَةً؛ فَإِنَّ الْمُخْبِرَ قَدْ يُصَدَّقُ فِي بَعْضٍ وَيُخْطِئُ فِي بَعْضٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ إخْبَارِ الْمُخْبِرِ - أَيْ رَسُولِ اللَّهِ - وَشُهُودِهِ مِنْهُ مَا يُوجِبُ لَهُ امْتِنَاعَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ كَمَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِنْ قُلْت: فَمِنْ أَيْنَ لَهُ ابْتِدَاءُ صِحَّةِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ أَصْلًا يُبْنَى عَلَيْهِ وَيَنْتَقِلُ مَعَهُ إلَى مَا بَعْدَهُ؟ فَأَهْلُ الْقِيَاسِ وَالْوَجْدِ: إنَّمَا تَعِبُوا التَّعَبَ الطَّوِيلَ - فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ - فِي نُفُوسِهِمْ؛ وَلِهَذَا يُسَمِّي الْمُتَكَلِّمُونَ كُلُّ مَا يُقَرِّرُ الرُّبُوبِيَّةَ وَالنُّبُوَّةَ: الْعَقْلِيَّاتِ وَالنَّظَرِيَّاتِ وَيُسَمِّيهَا أُولَئِكَ الذَّوْقِيَّاتِ والوجديات وَرَأَوْا أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَّا بِهِ فَمَعْرِفَتُهُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى ذَلِكَ؛ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ.
فَسَمَّوْا تِلْكَ عَقْلِيَّاتٍ وَالْعَقْلِيَّاتُ لَا تُنَالُ إلَّا بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ.
قُلْت.
جَوَابُ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الْمُعَارَضَةُ بِالْمِثْلِ؛ فَإِنَّ سَالِكَ سَبِيلِ النَّظَرِ الْقِيَاسِيِّ أَوْ الْإِرَادَةِ الذَّوْقِيَّةِ: مِنْ أَيْنَ لَهُ ابْتِدَاءً أَنَّ سُلُوكَ هَذَا الطَّرِيقِ يُحَصِّلُ لَهُ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً لَيْسَ مَعَهُ ابْتِدَاءً إلَّا مُجَرَّدُ إخْبَارِ مُخْبِرٍ بِأَنَّهُ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ فَوَصَلَ أَوْ خَاطِرٌ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ سُلُوكُ هَذَا الطَّرِيقِ: إمَّا مُجَوِّزًا لِلْوُصُولِ أَوْ مُتَحَرِّيًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ سُلُوكًا ابْتِدَاءً بِلَا انْتِهَاءٍ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ؛ بَلْ كُلُّ الْعُلُومِ لَا بُدَّ لِلسَّالِكِ فِيهَا ابْتِدَاءً مِنْ مُصَادَرَاتٍ يَأْخُذُهَا مُسَلَّمَةً إلَى أَنْ تتبرهن فِيمَا بَعْدُ.
إذْ لَوْ كَانَ كُلُّ طَالِبِ الْعِلْمِ حِينَ يَطْلُبُهُ قَدْ نَالَ ذَلِكَ الْعِلْمَ: لَمْ يَكُنْ طَالِبًا لَهُ وَالطَّرِيقُ الَّتِي يَسْلُكُهَا قَدْ يَعْلَمُ أَنَّهَا تُفْضِي بِهِ إلَى الْعِلْمِ.
لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَوَّلِ الْأَوَائِلِ وَدَلِيلِ الْأَدِلَّةِ وَأَصْلِ الْأُصُولِ.
فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حِينَ يَنْظُرُ فِيهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ دَلِيلٌ مُفْضٍ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُعْلَمَ ارْتِبَاطُهُ بِالْمَدْلُولِ فَإِنَّ الدَّلِيلَ إنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ الْمَدْلُولَ: لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا.
وَالْعِلْمُ بِالِاسْتِلْزَامِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْمَلْزُومِ وَاللَّازِمِ فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَدْلُولِ الْمُعَيَّنِ حَتَّى يُعْلَمَ ثُبُوتُ الْمَدْلُولِ الْمُعَيَّنِ وَيُعْلَمَ أَنَّهُ مَلْزُومٌ لَهُ وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ: اسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ؛ وَإِنَّمَا يُفِيدُهُ التَّذْكِيرُ بِهِ لَا ابْتِدَاءُ الْعِلْمِ بِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ ثُبُوتَ شَيْءٍ ثُمَّ يَطْلُبُ الطَّرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ وَمُشَاهَدَةِ ذَاتِهِ؛ إمَّا بِالْحِسِّ؛ وَإِمَّا بِالْقَلْبِ فَيَسْلُكُ طَرِيقًا يَعْلَمُ أَنَّهَا مُوَصِّلَةٌ إلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ تِلْكَ الطَّرِيقَ مُسْتَلْزِمٌ لِذَلِكَ الْمَطْلُوبِ الَّذِي عُلِمَ ثُبُوتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
كَمَنْ طَلَبَ أَنْ يَحُجَّ إلَى الْكَعْبَةِ الَّتِي قَدْ عَلِمَ وُجُودَهَا فَيَسْلُكُ الطَّرِيقَ الَّتِي يَعْلَمُ أَنَّهَا تُفْضِي إلَى الْكَعْبَةِ؛ لِإِخْبَارِ النَّاسِ لَهُ بِذَلِكَ أَوْ يَسْتَدِلُّ بِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَارِفٌ بِتِلْكَ الطَّرِيقِ فَسُلُوكُهُ لِلطَّرِيقِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهَا طَرِيقُ - الْمَقْصُودِ - بِإِخْبَارِ الْوَاصِلِينَ أَوْ سُلُوكُهُ بِدَلِيلِ خِرِّيتٍ - يَهْدِيه فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ - لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ وَثُبُوتِ أَنَّ هَذَا طَرِيقٌ وَدَلِيلٌ.
وَهَكَذَا حَالُ الطَّالِبِينَ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَالْمُرِيدِينَ لَهُ وَالسَّائِرِينَ إلَيْهِ قَدْ عَرَفُوا وُجُودَهُ أَوَّلًا
وَهُمْ يَطْلُبُونَ مَعْرِفَةَ صِفَاتِهِ أَوْ مُشَاهَدَةَ قُلُوبِهِمْ لَهُ فِي الدُّنْيَا.
فَيَسْلُكُونَ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إلَى ذَلِكَ بِالْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ.
فَالْإِيمَانُ: نَظِيرُ سُلُوكِ الرَّجُلِ الطَّرِيقَ الَّتِي وَصَفَهَا لَهُ السَّالِكُونَ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْقُرْآنُ: تَصْدِيقُ الرُّسُلِ فِيمَا تُخْبِرُ بِهِ وَهُوَ نَظِيرُ اتِّبَاعِ الدَّلِيلِ مَنْزِلَةً مَنْزِلَةً وَلَا بُدَّ فِي طَرِيقِ اللَّهِ مِنْهُمَا.
وَأَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ الْعَقْلُ ثُبُوتَهُ أَوَّلًا إذَا سَلَكَ طَرِيقًا يُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِهِ - فَلَا يَسْلُكُهَا ابْتِدَاءً إلَّا بِطَرِيقِ التَّقْلِيدِ وَالْمُصَادَرَةِ - كَسَائِرِ مَبَادِئِ الْعُلُومِ - فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ فِي الطَّرِيقَةِ الْقِيَاسِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ مِنْ تَقْلِيدٍ فِي الْأَوَّلِ - فِي سُلُوكِهِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ طَرِيقٌ وَأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى الْمَطْلُوبِ - أَوْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مَوْجُودٌ.
فَالطَّرِيقَةُ الْإِيمَانِيَّةُ - إذَا فُرِضَ أَنَّهَا كَذَلِكَ - لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِيهَا بَلْ تَكُونُ هِيَ أَحَقَّ؛ لِوُجُوهِ كَثِيرَةٍ.
وَنَذْكُرُ بَعْضَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
بَلْ لَا طَرِيقَ إلَّا هِيَ أَوْ مَا يُفْضِي إلَيْهَا أَوْ يَقْتَرِنُ بِهَا فَهِيَ شَرْطٌ قَطْعًا فِي دَرْكِ الْمَطْلُوبِ وَمَا سِوَاهَا لَيْسَ بِشَرْطِ؛ بَلْ يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ دُونَهُ وَقَدْ يَضُرُّ بِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ فَلَا يَحْصُلُ أَوْ يَحْصُلُ نَقِيضُهُ وَهُوَ الشَّقَاءُ الْأَعْظَمُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَتِلْكَ الطَّرِيقُ مُفْضِيَةٌ قَطْعًا وَلَا فَسَادَ فِيهَا وَمَا سِوَاهَا يَعْتَرِيه الْفَسَادُ كَثِيرًا وَهُوَ لَا يُوَصِّلُ وَحْدَهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الطَّرِيقَةِ الْإِيمَانِيَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ: أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْقِيَاسِيَّةَ وَالرِّيَاضِيَّةَ إذَا سَلَكَهَا الرَّجُلُ وَأَفْضَتْ بِهِ إلَى الْمَعْرِفَةِ - إنْ أَفْضَتْ - عَلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ سَلَكَ طَرِيقًا صَحِيحًا وَأَنَّ مَطْلُوبَهُ قَدْ حَصَلَ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لَا يَعْرِفُ فَأَدْنَى أَحْوَالِ الْإِيمَانِيَّةِ - وَلَا دَنَاءَةَ فِيهَا - أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ.
فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ مُسَلَّمًا وَنَظَرَ فِي مُوجِبِهِ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ: حَصَلَ لَهُ بِأَدْنَى سَعْيٍ مَطْلُوبُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَأَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكَهَا صَحِيحَةٌ فَإِنَّ نَفْسَ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ يُقَرِّرُ عِنْدَهُ عِلْمًا يَقِينِيًّا بِصِحَّةِ ذَلِكَ أَبْلَغُ بِكَثِيرِ مِمَّا ذَكَرَ أَوَّلًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِاَللَّهِ قِسْمَانِ؛ فِطْرِيٌّ وَإِيمَانِيٌّ.
فَالْفِطْرِيُّ: - وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِوُجُودِ الصَّانِعِ - ثَابِتٌ فِي الْفِطْرَةِ.
كَمَا قَرَّرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي مَوَاضِعَ وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَلَا يَحْتَاجُ هَذَا إلَى دَلِيلٍ؛ بَلْ هُوَ أَرْسَخُ الْمَعَارِفِ وَأَثْبَتُ الْعُلُومِ وَأَصْلُ الْأُصُولِ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالرَّسُولِ: فَبِأَدْنَى نَظَرٍ فِيمَا جَاءَ بِهِ أَوْ فِي حَالِهِ أَوْ فِي آيَاتِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ شئونه يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالنُّبُوَّةِ: أَقْوَى بِكَثِيرِ مِمَّا يُحَصِّلُ الْمَطَالِبَ الْقِيَاسِيَّةَ والوجدية فِي الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ؛ ثُمَّ إذَا قَوَّى النَّظَرَ فِي أَحْوَالِهِ: حَصَلَ مِنْ الْيَقِينِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مَا يَكُونُ أَصْلًا رَاسِخًا.
وَبَسْطُ هَذَا مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
إذْ الْمَقْصُودُ هُنَا بَيَانُ خَطَأٍ مِنْ مَسْلَكِ طَرِيقِ الْقِيَاسِ أَوْ الرِّيَاضَةِ دُونَ الْإِيمَانِ ابْتِدَاءً.
وَأَمَّا تَقْرِيرُ طَرِيقَةِ الْإِيمَانِ فَشَأْنُهُ عَظِيمٌ وَأَعْظَمُ مِمَّا كَتَبْته هُنَا.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّا نُخَاطِبُ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَّسِمِينَ بِالْإِيمَانِ الَّذِينَ غَرَضُ أَحَدِهِمْ
مَعْرِفَةُ اللَّهِ الْخَاصَّةُ؛ الَّتِي يَمْتَازُ بِهَا الْعُلَمَاءُ وَالْعَارِفُونَ: عَنْ الْعَامَّةِ؛ فَيَسْلُكُ بَعْضُهُمْ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْقِيَاسِ الْمُبْتَدَعِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَبَعْضُهُمْ: طَرِيقَةَ أَهْلِ الرِّيَاضَةِ وَالْإِرَادَةِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ مُعْرِضًا عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فِي تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ - الْمُبَلِّغِ عَنْ رَبِّهِ الْهَادِي إلَيْهِ الدَّاعِي إلَيْهِ الَّذِي أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ - كَيْفَ يَدَعُونَ الِاسْتِدْلَالَ بِمَا جَاءَ بِهِ وَالِاقْتِدَاءَ بِهِ إلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ؟ الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَيْنِ الْمُنْحَرِفَيْنِ: لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا ثَالِثًا - كَمَا يَذْكُرُهُ رِجَالٌ مِنْ فُضَلَاءِ الْعَالَمِ الغالطين فِي الْقَوَاعِدِ الْكِبَارِ - فَهُمْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَادَّةٍ فَلْسَفِيَّةٍ صابئية: إلَى مَادَّةٍ إرَادِيَّةٍ نَصْرَانِيَّةٍ إلَى مَادَّةٍ كَلَامِيَّةٍ يَهُودِيَّةٍ.
وَأَهْلُ فَلْسَفَتِهِمْ يَوْمًا مَعَ ذَوِي إرَادَتِهِمْ وَيَوْمًا مَعَ ذَوِي كَلَامِهِمْ وَهُمْ مُتَهَوِّكُونَ فِي هَذِهِ الْمُجَارَاةِ.
وَالطَّرِيقَةُ الْإِيمَانِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ الدِّينِيَّةُ السُّنِّيَّةُ الْأَثَرِيَّةُ: لَا يَهْتَدُونَ إلَيْهَا وَلَا يَعْرِفُونَهَا وَلَا يَظُنُّونَ أَنَّهَا طَرِيقَةٌ إلَى مَطْلُوبِهِمْ وَلَا تُفْضِي إلَى مَقْصُودِهِمْ؛ وَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ يَسْلُكُهَا فِي اعْتِقَادِهِمْ أَوْ كَبَتُوا نُفُوسَهُمْ عَنْهَا ظُلْمًا؛ فَلِضَلَالِهِمْ عَنْهَا أَوْ غَوَايَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِهَا أَوْ ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ: أَعْرَضُوا عَنْهَا.
فَإِنْ قُلْت: فَالْقُرْآنُ يَأْمُرُ بِالنَّظَرِ فِي الْآيَاتِ.
قُلْتُ: النَّظَرُ لَا رَيْبَ فِي صِحَّتِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي دَلِيلٍ أَفْضَى إلَى الْعِلْمِ بِالْمَدْلُولِ وَإِذَا كَانَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَفْضَى إلَى الْإِيمَانِ بِهِ.
الَّذِي هُوَ رَأْسُ الْعِبَادَةِ كَمَا أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالْإِرَادَةَ لَا رَيْبَ فِي صِحَّتِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَأَنَّهَا إذَا كَانَتْ عَلَى مِنْهَاجِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَتْ إلَى رِضْوَانِ اللَّهِ؛ لَكِنْ عَلَيْك أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الْآيَاتِ.
وَبَيْنَ الْقِيَاسِ كَمَا قَدْ بَيَّنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِنَّ الْآيَةَ: هِيَ الْعَلَامَةُ.
وَهِيَ مَا تَسْتَلْزِمُ بِنَفْسِهَا لِمَا هِيَ آيَةٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ حَدٍّ أَوْسَطَ يَنْتَظِمُ بِهِ قِيَاسٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ كُلِّيَّةٍ؛ كَالشُّعَاعِ فَإِنَّهُ آيَةُ الشَّمْسِ وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ لِلْمَطَرِ فِي الْأَرْضِ الْقَفْرِ وَالدُّخَانِ لِلنَّارِ وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ فِي النَّفْسِ قِيَاسٌ؛ بَلْ الْعَقْلُ يَعْلَمُ تَلَازُمَهُمَا بِنَفْسِهِ فَيُعْلَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْآيَةِ ثُبُوتُ لَازِمِهَا وَالْعِلْمُ بِالتَّلَازُمِ قَدْ يَكُونُ فِطْرِيًّا وَقَدْ لَا يَكُونُ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ تينك الطَّرِيقَيْنِ لَيْسَتَا بَاطِلًا مَحْضًا؛ بَلْ يُفْضِي كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى حَقٍّ مَا؛ لَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْحَقَّ الْوَاجِبَ وَكَثِيرًا مَا يَقْتَرِنُ مَعَهُ الْبَاطِلُ فَلَا يَحْصُلُ بِكُلِّ مِنْهُمَا بِمُجَرَّدِهِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَلَا اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمِ وَلَا تُحَصِّلَانِ الْمَقْصُودَ الَّذِي فِيهِ سَعَادَةُ الْعَبْدِ مِنْ نَجَاتِهِ وَنَعِيمِهِ بَعْدَ مَبْعَثِ الرَّسُولِ.
أَمَّا الطَّرِيقَةُ النَّظَرِيَّةُ الْقِيَاسِيَّةُ: فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُمْكِنِ عَلَى الْوَاجِبِ أَوْ الْمُحْدَثِ عَلَى الْمُحْدِثِ أَوْ بِالْحَرَكَةِ عَلَى الْمُحَرِّكِ وَذَلِكَ يُعْطِي فَاعِلًا عَظِيمًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
وَكَذَلِكَ الطَّرِيقَةُ الرِّيَاضِيَّةُ الذَّوْقِيَّةُ تُعْطِي انْقِيَادَ الْقَلْبِ وَخُضُوعَهُ إلَى الصَّانِعِ
الْمُطْلَقِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا بُدَّ فِيهَا مَنْ عِلْمٍ اضْطِرَارِيٍّ يَضْطَرُّ الْقَلْبَ إلَيْهِ إذْ الْقَلْبُ لَا يَحْصُلُ لَهُ عِلْمٌ إلَّا مِنْ جِنْسِ الِاضْطِرَارِيِّ ابْتِدَاءً بِتَوَسُّطِ الضَّرُورِيِّ؛ فَإِنَّ النَّظَرَ يُبْنَى عَلَى مُقَدِّمَاتٍ تَنْتَهِي إلَى مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الضَّرُورِيِّ.
إمَّا بِتَوَسُّطِ الْحِسِّ أَوْ مُجَرَّدًا عَنْ الْحِسِّ.
فَالطَّرِيقُ الْقِيَاسِيَّةُ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِتَوَسُّطِ مُقْدِمَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: الْوُجُودُ الْمَعْلُومُ إمَّا مُمْكِنٌ وَإِمَّا وَاجِبٌ وَالْمُمْكِنُ لَا يُوجَدُ إلَّا بِوَاجِبِ.
فَثَبَتَ وُجُودُ الْوَاجِبِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
وَمِثْلُ أَنْ يُقَالَ: الْعَالَمُ مُحْدَثٌ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُ مُحْدَثٌ.
وَالثَّانِي ضَرُورِيٌّ وَالْأَوَّلُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ.
ثُمَّ يُقَالُ: وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَهُ مُحْدِثٌ.
أَوْ يُقَالُ: لَا شَكَّ أَنَّ ثَمَّ وُجُودًا وَهُوَ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا مُحْدَثٌ وَالْمُحْدَثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ فَثَبَتَ وُجُودُ الْقَدِيمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
كَمَا يُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ ثَمَّ وُجُودًا وَهُوَ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ وَالْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ فَثَبَتَ وُجُودُ الْوَاجِبِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
وَقَدْ يُقَالُ: أَيْضًا لَا رَيْبَ أَنَّ ثَمَّ وُجُودًا وَهُوَ إمَّا مَصْنُوعٌ أَوْ غَيْرُ مَصْنُوعٍ أَوْ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ مَفْطُورٌ أَوْ غَيْرُ مَفْطُورٍ وَالْمَصْنُوعُ أَوْ الْمَخْلُوقُ أَوْ الْمَفْطُورُ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ صَانِعٍ وَخَالِقٍ وَفَاطِرٍ.
فَثَبَتَ وُجُودُ مَا لَيْسَ بِمَصْنُوعِ وَلَا مَفْطُورٍ وَلَا مَخْلُوقٍ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ وَمَا يُشْبِهُهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ وَاجِبٍ قَدِيمٍ لَيْسَ بِمَصْنُوعِ؛ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي تَعْيِينِهِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ الدَّهْرِيَّةِ يَقُولُونَ: هَذَا هُوَ الْعَالِمُ أَوْ شَيْءٌ قَائِمٌ بِهِ.
ثُمَّ إنَّ افْتِقَارَ الْمُمْكِنِ إلَى الْوَاجِبِ وَالْمُحْدَثِ إلَى الْقَدِيمِ وَالْمَصْنُوعِ إلَى الصَّانِعِ مُقَدِّمَةٌ ضَرُورِيَّةٌ؛ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ النُّظَّارِ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ وَعَلَى أَنَّ الْمُمْكِنَ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالضَّرُورَةِ فِيهِمَا.
وَالطَّرِيقُ الْعِبَادِيَّةُ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِتَوَسُّطِ الرِّيَاضَةِ وَصَفَاءِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْقَلْبِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ؛ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ الكوراني لِعِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا جَاءَ إلَيْهِ يَطْلُبُ عِلْمَ الْمَعْرِفَةِ - وَقَدْ سَلَكَ الطَّرِيقَةَ الْكَلَامِيَّةَ - فَقَالَ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ وَنَحْنُ نَقُولُ: عَرَّفَنَا نَفْسَهُ فَعَرَفْنَاهُ.
وَكَمَا قَالَ نَجْمُ الدِّينِ الْكُبْرَى لِابْنِ الْخَطِيبِ وَرَفِيقِهِ الْمُعْتَزِلِيِّ وَقَدْ سَأَلَاهُ عَنْ عِلْمِ الْيَقِينِ؟ فَقَالَ: هُوَ وَارِدَاتٌ تَرِدُ عَلَى النُّفُوسِ تَعْجِزُ النُّفُوسُ عَنْ رَدِّهَا فَأَجَابَهُمَا: بِأَنَّ عِلْمَ الْيَقِينِ عِنْدَنَا هُوَ مَوْجُودٌ بِالضَّرُورَةِ لَا بِالنَّظَرِ وَهُوَ جَوَابٌ حَسَنٌ.
فَإِنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ: هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ نَفْسَ الْعَبْدِ لُزُومًا لَا يُمْكِنُهُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ.
فَالْقَائِسُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ ابْتِدَاءً وَإِلَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْنِيَ نَظَرَهُ وَقِيَاسَهُ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ.
ثُمَّ حِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ.
وَلِهَذَا: قَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي: إنَّ جَمِيعَ الْعُلُومِ ضَرُورِيَّةٌ
بِاعْتِبَارَاتِهَا بَعْدَ وُجُودِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ تُحَصِّلُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً؛ لَكِنْ مِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ عِنْدَ تَصَوُّرِ طَرَفَيْ الْقَضِيَّةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ بَعْدَ تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ بَعْدَ النَّظَرِ فِي دَلِيلٍ ذِي مُقَدِّمَتَيْنِ أَوْ مُقَدِّمَاتٍ.
فَقَالَ الشَّيْخُ الْعَارِفُ: نَحْنُ نَجِدُ الْعِلْمَ وَجْدًا ضَرُورِيًّا بِالطَّرِيقِ الَّتِي نَسْلُكُهَا مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِصْلَاحِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ حَامِلُ الْعِلْمِ وَدَاعِيه فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيضُ اللَّهُ الْعِلْمَ عَلَى قَلْبِهِ وَيُنْزِلُهُ عَلَى فُؤَادِهِ؛ وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ الْمُقَارِنِ لِلْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ الْمُقَدِّمَاتُ وَالْآخَرُ بِإِصْلَاحِ طَالِبِ الْعِلْمِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا - وَهُوَ الْقَلْبُ - بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخْطُبُ امْرَأَةً فَتَارَةً تَجَمَّلَ لَهَا وَتَعَرَّضَ حَتَّى رَأَتْهُ فَرَغِبَتْ فِيهِ وَخَطَبَتْهُ وَتَارَةً بِأَنْ أَرْسَلَ إلَيْهَا مَنْ تَأْنَسُ إلَيْهِ وَتُطِيعُهُ فَخَطَبَهَا لَهُ فَأَجَابَتْ فَكَانَ سَعْيُ الْأَوَّلِ وَعَمَلُهُ فِي إصْلَاحِ نَفْسِهِ وَتَعَرُّضُهُ لَهَا حَتَّى تَرْغَبَ وَكَانَ سَعْيُ الثَّانِي فِي تَحْصِيلِ الرَّسُولِ الْمُطَاعِ حَتَّى تُجِيبَ.
وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ يَصِيدُ صَيْدًا.
لَكِنْ مُجَرَّدُ النَّظَرِ وَالْعَمَلِ مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ: لَا يُحَصِّلَانِ إلَّا أَمْرًا مُجْمَلًا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ.
فَإِنَّ ثُبُوتَ الْأَمْرِ الْمُجْمَلِ حَقٌّ؛ فَإِنْ ضَمَّا إلَى ذَلِكَ مَا يُعْلَمُ بِنُورِ الرِّسَالَةِ مِنْ الْأَمْرِ الْمُفَصَّلِ حَصَلَ الْإِيمَانُ النَّافِعُ وَزَالَ مَا يَخَافُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَةِ ذَيْنِك الطَّرِيقَيْنِ.
وَهَذِهِ حَالُ مَنْ تَحَيَّزَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ الْكَلَامِيِّ وَالْعَمَلِ الْعِبَادِيِّ إلَى اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ بِهِ؛ فَقَبِلَ مِنْهُ وَأَخَذَ عَنْهُ
وَإِنْ لَمْ يَضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى ذَلِكَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَإِمَّا أَنْ يَضُمَّ ضِدَّهُ أَوْ لَا يَضُمَّ شَيْئًا؛ فَإِنْ ضَمَّ إلَى ذَلِكَ ضِدَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ: وَقَعَ فِي التَّكْذِيبِ وَهُوَ الْكُفْرُ الْمُرَكَّبُ وَإِنْ لَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ بَقِيَ فِي الْكُفْرِ الْبَسِيطِ سَوَاءٌ كَانَ فِي رَيْبٍ أَوْ فِي إعْرَاضٍ وَغَفْلَةٍ.
فَإِنَّ حَالَ الْكَافِرِ: لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَصَوَّرَ الرِّسَالَةَ أَوْ لَا؛ فَإِنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهَا فَهُوَ فِي غَفْلَةٍ عَنْهَا وَعَدَمِ إيمَانٍ بِهَا.
كَمَا قَالَ: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ وَقَالَ: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ لَكِنَّ الْغَفْلَةَ الْمَحْضَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الرِّسَالَةُ وَالْكُفْرُ الْمُعَذَّبُ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الرِّسَالَةِ.
فَلِهَذَا قَرَنَ التَّكْذِيبَ بِالْغَفْلَةِ وَإِنْ تَصَوَّرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَانْصَرَفَ فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى.
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ وَكَمَا قَالَ: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ وَكَمَا قَالَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ . وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا حَظَّ لَهُ؛ لَا مُصَدِّقَ وَلَا مُكَذِّبَ وَلَا مُحِبَّ وَلَا مُبْغِضَ فَهُوَ فِي رَيْبٍ مِنْهُ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ حَالِ كَثِيرٍ مِنْ الْكُفَّارِ مُنَافِقٍ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ: ﴿إنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وَكَمَا قَالَ مُوسَى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ
وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إلَيْهِ مُرِيبٍ} ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إنْ أَنْتُمْ إلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إنْ نَحْنُ إلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ: عَنْ مُنَاظَرَةِ الْكُفَّارِ لِلرُّسُلِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ أَوَّلًا فَإِنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ اللَّهِ الَّذِي يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ وَفِي النُّبُوَّةِ ثَانِيًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ أَنْتُمْ إلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وَهَذَا بَحْثُ كُفَّارِ الْفَلَاسِفَةِ بِعَيْنِهِ؛ وَإِنْ كَانَ مُكَذِّبًا لَهُ فَهُوَ التَّكْذِيبُ وَالتَّكْذِيبُ أَخَصُّ مِنْ الْكُفْرِ.
فَكُلُّ مُكَذِّبٍ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَلَيْسَ كُلُّ كَافِرٍ مُكَذِّبًا بَلْ قَدْ يَكُونُ مُرْتَابًا إنْ كَانَ نَاظِرًا فِيهِ أَوْ مُعْرِضًا عَنْهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ نَاظِرًا فِيهِ وَقَدْ يَكُونُ غَافِلًا عَنْهُ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ بِحَالِ لَكِنْ عُقُوبَةُ هَذَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى تَبْلِيغِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ.
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فِي أَنْ يُضَمَّ إلَى الْمَعْرِفَةِ الْمُجْمَلَةِ إمَّا تَكْذِيبٌ وَإِمَّا كُفْرٌ بِلَا تَكْذِيبٍ؛ وَاقِعٌ كَثِيرًا فِي سَالِكِي الطَّرِيقَيْنِ النَّظَرِ فِي الْقِيَاسِ الْمُجَرَّدِ وَالْعَمَلِ بِالْعِبَادَةِ الْمُجَرَّدَةِ.
مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النُّظَّارِ أَثْبَتَ وَاجِبَ الْوُجُودِ أَوْ صَانِعَ الْعَالَمِ وَذَهَبُوا فِي تَعْيِينِهِ وَصِفَاتِهِ مَذَاهِبَ يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ تَفْصِيلِهَا - مَعْرُوفَةٌ
فِي كُتُبِ الْمَقَالَاتِ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِنَا - مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ الْمُصَلِّينَ وَمَقَالَاتُ غَيْرِهِمْ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَثْبَتَ أَيْضًا ذَلِكَ إثْبَاتًا مُجْمَلًا وَتَوَهَّمُوا فِيهِ أَنْوَاعًا مِنْ التَّوَهُّمَاتِ الكفرية الَّذِي يَصِفُهَا عَارِفُوهُمْ.
فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَهَّمَهُ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ كَالْإِنْسَانِ الْمُطْلَقِ مَعَ أَعْيَانِهِ وَأَفْرَادِهِ فَإِذَا تَعَيَّنَ الْوُجُودُ لَمْ يَكُنْ إيَّاهُ إذْ الْمُطْلَقُ لَيْسَ هُوَ الْمُعَيَّنُ كَمَا يَقُولُهُ الصَّدْرُ القونوي.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ وُجُودَ الْمُمْكِنَاتِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِهِ الْفَائِضِ عَلَيْهَا كَمَا يَذْكُرُهُ صَاحِبُ الْفُصُوصِ.
وَمِنْهُمْ يَتَوَهَّمُهُ جُمْلَةَ الْوُجُودِ وَكُلُّ مُعَيَّنٍ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْهُ كَالْبَحْرِ مَعَ أَمْوَاجِهِ وَأَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ مَعَ الْإِنْسَانِ.
فَلَيْسَ هُوَ مَا يَخْتَصُّ بِكُلِّ مُعَيَّنٍ؛ لَكِنَّهُ مَجْمُوعُ الْكَائِنَاتِ؛ كَالْعَفِيفِ التِّلْمِسَانِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيِّ البلياني وَيَقُولُونَ: إنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَهُوَ مَرْتَبَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ الْوُجُودِ أَوْ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِهِ بِمَنْزِلَةِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ مَعَهُ وَأَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ مَعَهُ وَأَجْزَاءِ الْهَوَى مَعَ الْهَوَاءِ أَوْ بِمَنْزِلَةِ هَذَا الْإِنْسَانِ وَهَذَا الْحَيَوَانِ مَعَ الْحَيَوَانِ الْمُطْلَقِ وَالْإِنْسَانِ الْمُطْلَقِ.
وَيَقُولُ شَاعِرُهُمْ ابْنُ إسْرَائِيلَ:
وَمَا أَنْتَ غَيْرُ الْكَوْنِ بَلْ أَنْتَ عَيْنُهُ ... وَيَفْهَمُ هَذَا السِّرَّ مَنْ هُوَ ذَائِقُ
وَقَالَ:
وَتَلْتَذُّ إنْ مَرَّتْ عَلَى جَسَدِي يَدِي ... لِأَنِّي فِي التَّحْقِيقِ لَسْت سِوَاكُمْ
وَلِهَذَا: لَيْسَ عِنْدَهُمْ لِلْإِنْسَانِ غَايَةٌ وَرَاءَ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يَنْكَشِفَ الْغِطَاءُ عَنْ نَفْسِهِ فَيَرَى أَنَّ نَفْسَهُ هِيَ الْحَقُّ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَحْجُوبًا عَنْهَا فَلَمَّا شَاهَدَ الْحَقِيقَةَ رَأَى أَنَّهُ هُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ إسْرَائِيلَ:
مَا بَالُ عِيسِك لَا يَقَرُّ قَرَارُهَا ... إلَّامَ ضَلَلِك لَا تَنِي مُنْتَقِلًا
فَلَسَوْفَ تَعْلَمُ أَنَّ سَيْرَك لَمْ يَكُنْ ... إلَّا إلَيْك إذَا بَلَغْت الْمَنْزِلَا
وَكَمَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَيْنُهُ [الْأَشْيَاءُ] *
وَاَللَّهُ يَقُولُ: ﴿إنَّ إلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ وَيَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ وَيَقُولُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ وَيَقُولُ: ﴿إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ التِّلْمِسَانِيُّ وَكَانَ رَاسِخَ الْقِدَمِ فِي هَذِهِ الزَّنْدَقَةِ الَّتِي أَسْمَوْا بِهَا التَّوْحِيدَ وَالْحَقِيقَةَ:
تَوَهَّمْت قِدَمًا أَنَّ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ ... وَأَنَّ حِجَابًا دُونَهَا يَمْنَعُ اللثما
فَلَاحَتْ فَلَا وَاَللَّهِ مَا كَانَ حَجْبُهَا ... سِوَى أَنَّ طَرَفِي كَانَ عَنْ حُبِّهَا أَعْمَى
وَلَهُ شِعْرٌ كَثِيرٌ فِي هَذَا الْفَنِّ:
هِيَ الْجَوْهَرُ الصِّرْفُ الْقَدِيمُ وَإِنْ بَدَا ... لَهَا خُبْثٌ أَتَت بِهِ فَهُوَ حَادِثُ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
حَلَفْت لَهُمْ مَا كَانَ مِنْهَا غَيْرُ ذَاتِهَا ... فَقَالُوا اتَّئِدْ فِيهَا فَإِنَّك حَانِثُ
وَلَهُ:
وَقُلْ لِحَبِيبِك مُتْ وَجْدًا وَذُبْ طَرَبًا ... فِيهَا وَقُلْ لِزَوَالِ الْعَقْلِ لَا تَزُلْ
وَاصْمُتْ إلَى أَنْ تَرَاهَا فِيك نَاطِقَةً ... فَإِنْ وَجَدْت لِسَانًا قَائِلًا فَقُلْ
وَلِهَذَا: يَصِلُونَ إلَى مَقَامٍ لَا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ إيجَابَ الْوَاجِبَاتِ.
وَتَحْرِيمَ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِنَّمَا يَرَوْنَ الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ لِلْمَحْجُوبِينَ عِنْدَهُمْ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ هُوَ حَقِيقَةُ الْكَوْنِ؛ فَمَنْ الْعَابِدُ؟ وَمَنْ الْمَعْبُودُ؟ وَمَنْ الْآمِرُ؟ وَمَنْ الْمَأْمُورُ؟ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْفُتُوحَاتِ فِي أَوَّلِهَا:
الرَّبُّ حَقٌّ وَالْعَبْدُ حَقٌّ ... يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ الْمُكَلَّفُ؟
إنْ قُلْت عَبْدٌ فَذَاكَ مَيْتٌ ... أَوْ قَلَتْ رَبٌّ أَنَّى يُكَلَّفُ؟
وَعِنْدَهُمْ أَنَّ التَّكْلِيفَ هُوَ فِي مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَهُوَ مَرْتَبَةُ الْمُمْتَحِنِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ:
مَا الْأَمْرُ إلَّا نَسَقٌ وَاحِدُ ... مَا فِيهِ مِنْ مَدْحٍ وَلَا ذَمٍّ
وَإِنَّمَا الْعَادَةُ قَدْ خَصَّصَتْ ... وَالطَّبْعُ وَالشَّارِعُ بِالْحُكْمِ
وَمَنْشَأُ هَذَيْنِ عَنْ الصَّابِئَةِ - كَمَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ - فَإِنَّ الصَّابِئَةَ الْخَارِجِينَ عَنْ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ - كَالْمُشْرِكِينَ وَالْمَجُوسِ - مِثْلُ فِرْعَوْنِ مُوسَى ونمرود إبْرَاهِيمَ؛ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْبَشَرِ: مُعْتَرِفُونَ بِالْوُجُودِ الْمُطْلَقِ.
وَلِهَذَا: كَانَ أَفْضَلُ عُلُومِ الْفَلَاسِفَةِ هُوَ عِلْمُ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ أَعْنِي بِهِمْ الْفَلَاسِفَةَ الْمَشَّائِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ " أَرِسْطُو " فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ الْمُعَلِّمُ الْأَوَّلُ الَّذِي صَنَّفَ فِي أَنْوَاعِ التَّعَالِيمِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنْطِقِ وَالْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَكَانِ وَالسَّمَاءِ وَالْعَالَمِ وَالْآثَارِ الْعُلْوِيَّةِ وَصَنَّفَ فِيمَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ - وَهُوَ عِنْدَهُمْ غَايَةُ حِكْمَتِهِمْ وَنِهَايَةُ فَلْسَفَتِهِمْ - وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُسَمِّيه مُتَأَخِّرُو الْفَلَاسِفَةِ - كَابْنِ سِينَا: (الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ) . وَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَلَوَاحِقُهُ مِثْلُ الْكَلَامِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ ثُمَّ فِي تَقْسِيمِ الْمَوْجُودِ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ.
وَقَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ وَعِلَّةٍ وَمَعْلُولٍ وَجَوْهَرٍ وَعَرَضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي أَنْوَاعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَأَحْكَامِهَا.
مِثْلُ: تَقْسِيمِ الْعِلَلِ إلَى الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ وَهَى: الْفَاعِلُ وَالْغَايَةُ اللَّذَانِ هُمَا سَبَبَانِ لِوُجُودِ الشَّيْءِ وَالْمَادَّةُ وَالصُّورَةُ اللَّذَانِ هَمَّا سَبَبَانِ لِحَقِيقَةِ الْمُرَكَّبِ وَتَقْسِيمِ الْأَعْرَاضِ إلَى الْأَجْنَاسِ الْمَقَالِيَّةِ التِّسْعَةِ وَهِيَ: الْكَيْفُ وَالْكَمُّ وَالْوَضْعُ وَالْأَيْنُ وَمَتَى وَالْإِضَافَةُ وَالْمِلْكِ وَأَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ يَنْفَعِلَ؛ أَوْ جَعَلَهَا خَمْسَةً عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ
وَفِي آخِرِ عِلْمِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ حَرْفُ اللَّامِ - كَأَنَّهُ هُوَ الْعِلَّةُ الغائية الَّذِي إلَيْهِ الْحَرَكَةُ؛ كَمَا أَثْبَتَ الْمُعَلِّمُ الْأَوَّلُ وُجُودَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَرَكَةِ - الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ الْمُعَلِّمُ الْأَوَّلُ عَلَى وَاجِبِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ؛ بِكَلَامِ مُخْتَصَرٍ ذَكَرَ فِيهِ قَدْرًا يَسِيرًا مِنْ أَحْكَامِهِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقُولُ فِيهِ ابْنُ سِينَا 1 فَهَذَا مَا عِنْدَ الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ وَالرُّسُلُ: فَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ فِيهَا كَلَامٌ مَعْرُوفٌ؛ لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا.
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَهُمْ لَمَّا ظَهَرَتْ الْمِلَّةُ الْحَنِيفِيَّةُ - الإبْراهِيمِيَّة التَّوْحِيدِيَّةُ - تَارَةً بِنُبُوَّةِ عِيسَى - لَمَّا ظَهَرَتْ النَّصَارَى عَلَى مَمْلَكَةِ الصَّابِئِينَ بِأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالرُّومِ وَغَيْرِهَا - ثُمَّ بِنُبُوَّةِ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ وَأَظْهَرَ اللَّهُ مِنْ نُورِ النُّبُوَّةِ شَمْسًا طَمَسَتْ ضَوْءَ الْكَوَاكِبِ وَعَاشَ السَّلَفُ فِيهَا بُرْهَةً طَوِيلَةٍ ثُمَّ خَفِيَ بَعْضُ نُورِ النُّبُوَّةِ؛ فَعَرَّبَ بَعْضَ كُتُبِ الْأَعَاجِمِ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَالْهِنْدِ فِي أَثْنَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ.
ثُمَّ طُلِبَتْ كُتُبُهُمْ فِي دَوْلَةِ الْمَأْمُونِ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ فَعُرِّبَتْ وَدَرَسَهَا النَّاسُ وَظَهَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ مَا ظَهَرَ وَكَانَ أَكْثَرُ مَا ظَهَرَ مِنْ عُلُومِهِمْ الرِّيَاضِيَّةُ كَالْحِسَابِ وَالْهَيْئَةِ أَوْ الطَّبِيعَةِ كَالطِّبِّ أَوْ الْمَنْطِقِيَّةِ فَأَمَّا الْإِلَهِيَّةُ: فَكَلَامُهُمْ فِيهَا نَزْرٌ وَهُوَ مَعَ نَزَارَتِهِ لَيْسَ غَالِبُهُ عِنْدَهُمْ يَقِينًا؛ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ الْمَوْرُوثَةِ عَنْ خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ مَا مَلَأَ الْعَالَمَ نُورًا وَهُدًى،
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
بَلْ مُتَكَلِّمُوهُمْ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَى الْبِدَعِ عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ بِمَقَايِيسِهِمْ الْمُسْتَخْرَجَةِ أَضْعَافَ أَضْعَافِ أَضْعَافِ مَا عِنْدَ حُذَّاقِ الْمُتَفَلْسِفَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا صَارَ فِيهِمْ مَنْ يَتَحَذَّقُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي عِلْمِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ كالفارابي وَابْنِ سِينَا وَنَحْوِهِمْ وَصَنَّفَ ابْنُ سِينَا كُتُبًا زَادَ فِيهَا بِمُقْتَضَى الْأُصُولِ الْمُشْتَرَكَةِ: أَشْيَاءَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُتَقَدِّمُونَ وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعِلْمُ الْإِلَهِيُّ وَتَكَلَّمَ فِي النُّبُوَّاتِ وَالْكَرَامَاتِ وَمَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ بِكَلَامِ فِيهِ شَرَفٌ وَرِفْعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ: فِيهِ مِنْ الْقُصُورِ وَالتَّقْصِيرِ وَالنِّفَاقِ وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ وَالْكُفْرِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى بَصِيرَةٍ بِالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَإِنَّمَا رَاجَ عَلَى مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْمُتَفَلْسِفَةِ؛ لِأَنَّهُ قَرَّبَ إلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ وَالْوِلَايَةِ بِحَسَبِ أُصُولِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ - لَا بِحَسَبِ الْحَقِّ فِي نَفْسِهِ - بِمَا أَشْرَقَ عَلَى جَهَالَاتِهِمْ مِنْ نُورِ الرِّسَالَةِ وَبُرْهَانِ النُّبُوَّةِ.
كَمَا فَعَلَهُ نسطور النَّصْرَانِيُّ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ الْمَأْمُونِ الَّذِي تُنْسَبُ إلَيْهِ النسطورية فِي التَّثْلِيثِ وَالِاتِّحَادِ؛ لَكِنَّهُ بِمَا أَضَاءَ عَلَيْهِ مِنْ نُورِ الْمُسْلِمِينَ أَزَالَ كَثِيرًا مِنْ فَسَادِ عَقِيدَةِ النَّصْرَانِيِّ وَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا بَقَايَا عَظِيمَةٌ.
وَكَذَلِكَ يَحْيَى بْنُ عَدِيٍّ النَّصْرَانِيُّ لَمَّا تَفَلْسَفَ قَرَّبَ مَذْهَبَ النَّصَارَى فِي التَّثْلِيثِ إلَى أُصُولِ الْفَلَاسِفَةِ فِي الْعَقْلِ وَالْعَاقِلِ وَالْمَعْقُولِ.
وَلِهَذَا الْفَلَاسِفَةُ الْمَحْضَةُ - الْبَاقُونَ عَلَى مَحْضِ كَلَامِ الْمَشَّائِينَ - يَرَوْنَ أَنَّ ابْنَ سِينَا صَانِعَ الْمِلِّيين لَمَّا رَأَوْا مِنْ تَقْرِيبِهِ وَجَهِلُوا فِيمَا قَالُوا وَكَذَّبُوا لَمْ يُصَانِعْ وَلَكِنْ قَالَ - بِمُوجِبِ الْحَقِّ وَبِمُوَافَقَةِ أُصُولِهِمْ الْعَقْلِيَّةِ - مَا قَالَهُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ كَمَا أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ الإلهيين الْمَشَّائِينَ وَغَيْرَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ وَبِبَقَاءِ الرُّوحِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ تَنْفَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَاسِفَةٌ كَثِيرُونَ مِنْ الطَّبِيعِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ بَلْ وَبَيْنَ الإلهيين مِنْ الْفَلَاسِفَةِ خِلَافٌ فِي بَعْضِ ذَلِكَ حَتَّى الْفَارَابِيُّ وَهُوَ عِنْدَهُمْ الْمُعَلِّمُ الثَّانِي يُقَالُ: إنَّهُ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ تَارَةً بِبَقَاءِ الْأَنْفُسِ كُلِّهَا وَتَارَةً بِبَقَاءِ النُّفُوسِ الْعَالِمَةِ دُونَ الْجَاهِلَةِ.
كَمَا قَالَهُ فِي آرَاءِ الْمَدِينَةِ الْفَاضِلَةِ وَتَارَةً كَذَّبَ بِالْأَمْرَيْنِ وَزَعَمَ الضَّالُّ الْكَافِرُ: أَنَّ النُّبُوَّةَ خَاصَّتُهَا جَوْدَةُ تَخْيِيلِ الْحَقَائِقِ الرُّوحَانِيَّةِ وَكَلَامُهُمْ الْمُضْطَرِبُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ لَيْسَ الْغَرَضُ هُنَا ذِكْرُهُ.
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنَّ الْعِلْمَ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ وَالْفَلْسَفَةَ الْأُولَى عِلْمُ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ وَهُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَلَوَاحِقُهُ؛ حَتَّى إنَّ مَنْ لَهُ مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ الْمُسْلِمِينَ - كَابْنِ الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ - يَتَكَلَّمُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الَّذِي هُوَ عِلْمٌ إسْلَامِيٌّ مَحْضٌ؛ فَيَبْنُونَهُ عَلَى تِلْكَ الْأُصُولِ الْفَلْسَفِيَّةِ.
كَقَوْلِ ابْنِ الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ فِي أَوَّلِ أُصُولِ الْفِقْهِ مُوَافَقَةً لِابْنِ سِينَا وَمِنْ قَبْلِهِ: الْعُلُومُ الْجُزْئِيَّةُ لَا تُقَرَّرُ مَبَادِئُهَا فِيهَا؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ الدَّوْرُ فَإِنَّ مَبْدَأَ الْعِلْمِ أُصُولُهُ
وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَهَا.
فَلَوْ عُرِفَتْ أُصُولُهُ بِمَسَائِلِهِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى أُصُولِهِ: لَلَزِمَ الدَّوْرُ بَلْ تُوجِدُ أُصُولُهُ مُسَلَّمَةً وَيُقَدَّرُ فِي عِلْمٍ أَعْلَى مِنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْعِلْمِ إلَّا عَلَى النَّاظِرِ فِي الْوُجُودِ وَلَوَاحِقِهِ وَهَذَا قَالُوهُ فِي مِثْلِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ إنَّ الطَّبِيبَ إنَّمَا هُوَ طَبِيبٌ يَنْظُرُ فِي بَدَنِ الْحَيَوَانِ وَأَخْلَاطِهِ وَأَعْضَائِهِ لِيَحْفَظَهُ صِحَّتَهُ إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَيُعِيدُهَا إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مَفْقُودَةً وَبَدَنُ الْحَيَوَانِ جُزْءٌ مِنْ الْمُوَلِّدَاتِ فِي الْأَرْضِ وَكَذَلِكَ أَخْلَاطُهُ.
فَأَعَمُّ مِنْهُ: النَّظَرُ فِي الْمُوَلِّدَاتِ مِنْ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ؛ الْمَاءُ وَالْهَوَاءُ وَالنَّارُ وَالْأَرْضُ.
وَأَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْجِسْمِ الْمُسْتَحِيلِ ثُمَّ فِي الْجِسْمِ الْمُطْلَقِ فَمَا مِنْ عِلْمٍ يَتَعَلَّقُ بِمَوْضُوعِ بِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ الْعَيْنِيَّةِ أَوْ الْعِلْمِيَّةِ إلَّا وَأَعَمُّ مِنْهُ: مَا يَشْتَرِكُ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ.
فَأَمَّا إدْخَالُ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْعُلُومِ وَأَشْرَفُهَا فِي هَذَا وَجَعْلُهُ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ الْأَعْلَى - عِنْدَهُمْ - النَّاظِرِ فِي الْوُجُودِ وَلَوَاحِقِهِ وَكَذَلِكَ مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ بِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَهَذَا
مَنْشَأُ الضَّلَالِ الْقِيَاسِيِّ.
وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْأَعْلَى وَهُوَ الْأَكْبَرُ وَلِهَذَا: كَانَ شِعَارُ أَكْمَلِ الْمِلَلِ هُوَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَأَذَانِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: {يَا عَدِيُّ: مَا يفرك أَيَفِرُّك أَنْ يُقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ
يَا عَدِيُّ فَهَلْ تَعْلَمُ مِنْ إلَهٍ إلَّا اللَّهُ يَا عَدِيُّ مَا يفرك أيفرك أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ اللَّهِ} وَبِهَذَا: تَبَيَّنَ صَوَابُ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ إنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِقَوْلِنَا: اللَّهُ الْكَبِيرُ مَعَ أَنَّ كَشْفَ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَقَالَ: ﴿ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ فَاَللَّهُ هُوَ الْأَعْلَى وَهُوَ الْأَكْبَرُ} وَالْعِلْمُ مُطَابِقٌ لِلْمَعْلُومِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْرِفَتُهُ وَعِلْمُهُ: أَكْبَرَ الْعُلُومِ وَأَعْلَاهَا.
الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - هُوَ الْحَقُّ الْمَوْجُودُ بِنَفْسِهِ وَسَائِرُ مَا سِوَاهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَهُوَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ مُسَبِّبُ أَسْبَابِهَا فَالْعِلْمُ بِهِ أَصْلٌ لِلْعِلْمِ بِمَا سِوَاهُ وَسَبَبٌ كَمَا أَنَّ ذَاتَه كَذَلِكَ وَالْعِلْمُ بِالسَّبَبِ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْمُسَبِّبِ.
الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ أَنَّ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سِوَاهُ وَهُوَ عِلْمٌ بِالْحَدِّ الْأَوْسَطِ فِي قِيَاسِهِ عَلَى خَلِيقَتِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ عِلْمٌ بِحَقِيقَتِهِ وَلَا بِحَقِيقَةِ مَا سِوَاهُ وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ بِوَصْفِ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ يَكُونُ الْعِلْمُ بِوَصْفِ مُشْتَرِكٍ أَعْلَى مِنْ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَسَائِرِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْوَاعِ وَالْأَعْيَانِ؟ . وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ الذَّاتِ الْمُطْلَقَةِ وَمَا هُوَ كُلٌّ مِنْ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ: هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ وَالذَّاتَ الْمُطْلَقَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ: إمَّا: أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِطْلَاقُ الْخَاصُّ وَهُوَ الَّذِي لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُقَيَّدُ.
كَمَا يُقَالُ: الْمَاءُ الْمُطْلَقُ فَهَذَا لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْعَقْلِ وَالذِّهْنِ كَمَا أَنَّ الْوُجُودَ الْكُلِّيَّ الْعَامَّ وَالذَّاتَ الْكُلِّيَّةَ الْعَامَّةَ؛ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ؛ وَإِنَّمَا يَعْرِضُ لِلْحَقَائِقِ هَذَا الْعُمُومُ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعْقُولَةٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْأَعْيَانِ.
فَكَيْفَ يَكُونُ أَعْلَى الْعُلُومِ وَأَشْرَفُهَا مَعْلُومَهُ هُوَ الْمُثُلُ الذِّهْنِيَّةُ لَا الْحَقَائِقُ الْوُجُودِيَّةُ وَالْمُثُلُ إنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِتِلْكَ وَإِلَّا لَكَانَتْ جَهْلًا لَا عِلْمًا؛ وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِطْلَاقُ الْعَامُّ وَهُوَ مَا لَا يَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ وَهُوَ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ قَيْدٍ حَتَّى عَنْ الْإِطْلَاقِ.
فَالْمُطْلَقُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ.
لَكِنْ لَا يُوجَدُ مُطْلَقًا لَا يُوجَدُ إلَّا مُعَيَّنًا فَإِمَّا مَوْجُودٌ مُطْلَقٌ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ فَلَا وُجُودَ لَهُ وَهُوَ الْمُطْلَقُ الْخَاصُّ فَالْمُطْلَقُ الْعَامُّ لَمَّا كَانَ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُقَيَّدُ صَحَّ أَنْ يُوجَدَ فِي الْخَارِجِ فَإِذَا كَانَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَلَوَاحِقُهُ لَيْسَ بِمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ مُطْلَقًا وَلَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إلَّا مُعَيَّنٌ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى الْعُلُومِ.
إنَّمَا وُجُودُ مَعْلُومِهِ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَلَوْ جَازَ تَرْجِيحُ الْعِلْمِ بِالْمُثُلِ الذِّهْنِيَّةِ عَلَى الْحَقَائِقِ الْخَارِجِيَّةِ: لَجَازَ تَرْجِيحُ الْمُثُلِ عَلَى الْحَقَائِقِ وَلَكَانَ الْعِلْمُ بِالرَّبِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ: أَفْضَلَ مِنْ ذَاتِ الرَّبِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا أَتَوْا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ بَنَوْا أَمْرَهُمْ فِي عُلُومِهِمْ جَمِيعًا عَلَى الْقِيَاسِ وَلَا بُدَّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ وَحَدٍّ أَوْسَطَ يَكُونُ أَعَمَّ مِنْ الْمَوْصُوفِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ الْمُبْتَدَأُ الْمَوْضُوعُ.
وَمَا مِنْ حَدٍّ وَقَضِيَّةٍ إلَّا وَثَمَّ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ: مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ فَأَعَمُّ مِنْهُ الْحَيَوَانُ فَأَعَمُّ مِنْهُ الْجِسْمُ النَّامِي فَأَعَمُّ مِنْهُ الْجِسْمُ السُّفْلِيُّ فَأَعَمُّ مِنْهُ الْجِسْمُ فَأَعَمُّ مِنْهُ الْجَوْهَرُ فَأَعَمُّ مِنْهُ الْمَوْجُودُ سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا ذَاتِيًّا كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ أَوْ وَصْفًا عَرَضِيًّا كَمَا يَقُولُهُ الْحُذَّاقُ.
فَلَوْ قِيلَ أَعْلَى الْعُلُومِ الْقِيَاسِيَّةِ: الْعُلُومُ بِالْمَوْجُودِ وَلَوَاحِقِهِ؛ لِكَوْنِ مَعْلُومِهِ أَعَمَّ الْمَوْضُوعَاتِ: لَكَانَ لَهُ مَسَاغٌ وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُهُمْ.
لَكِنَّ الْعِلْمَ الْقِيَاسِيَّ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَوْجُودَةِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ نَظِيرٌ مُمَاثِلٌ فَيُعْرَفُ أَحَدُ الْمِثْلَيْنِ بِنَفْسِهِ وَالْآخَرُ بِقِيَاسِهِ عَلَى نَظِيرِهِ وَهَذَا الْقَدْرُ مُنْتَفٍ فِي الْعِلْمِ بِاَللَّهِ، لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ وَنَظِيرُهُ، ثُمَّ قَدْ عَارَضَهُمْ الْمُتَكَلِّمُونَ بِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْ الْوُجُودِ وَهُوَ الْمَعْلُومُ وَالْمَذْكُورُ فَقَالُوا: أَعْلَى الْمَعْلُومِ وَأَعَمُّ الْأَسْمَاءِ وَالْحُدُودِ: الْمَعْلُومُ وَالْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَوْجُودُ وَالْمَعْدُومُ بِنَوْعَيْ الْوُجُودِ: وَاجِبُهُ وَمُمْكِنُهُ وَنَوْعَيْ الْمَعْدُومِ مُمْكِنِهِ وَمُمْتَنِعِهِ؛ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَ الْعِلْمُ الْأَعْلَى النَّاظِرُ فِي الْمَعْلُومِ وَلَوَاحِقُهُ وَهَذَا أَعَمُّ وَأَوْسَعُ وَكَوْنُ الشَّيْءِ مَعْلُومًا أَمْرٌ يَعْرِضُ لَهُ؛ لَا صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ؛ وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ مَوْجُودًا إذْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَجِدُهُ الْوَاجِدُ هَذَا مُقْتَضَى الِاسْمِ:
وَإِنْ عَنَى بِهِ بَعْضُهُمْ كَوْنَهُ حَقًّا فِي نَفْسِهِ فَهَذَا لَيْسَ هُوَ حَقِيقَتُهُ الَّتِي هِيَ هُوَ كَمَا قَدْ قُرِّرَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَوْ الْمُتَكَلِّمَةِ أَنَّ حَقِيقَةَ الرَّبِّ هِيَ وُجُودُهُ أَوْ وُجُوبُ وُجُودِهِ أَوْ أَنَّهُمْ عَلِمُوا حَقِيقَتَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ خَطَأً قَبِيحًا وَأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ حَقِيقَةُ سَائِرِ الْكَائِنَاتِ كَوْنُهَا مُمْكِنَةً وَهَؤُلَاءِ بُعَدَاءُ عَنْ اللَّهِ مَحْجُوبُونَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ لَمْ يَعْرِفُوا مِنْهُ إلَّا صِفَةً كُلِّيَّةً مِنْ صِفَاتِهِ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ عَرَفُوا حَقِيقَتَهُ.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّ مَنْ قَالَ الْعِلْمُ الْأَعْلَى هُوَ عِلْمُ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ وَهُوَ النَّاظِرُ فِي الْوُجُودِ وَلَوَاحِقِهِ؛ فَإِنَّمَا حَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَعْلَى فِي ذِهْنِ الطَّالِبِ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى خَلْقِهِ؛ لَا أَنَّهُ أَعْلَى فِي نَفْسِهِ؛ وَلَا أَنَّ مَعْلُومَهُ أَعْلَى وَلَا أَعْلَى عِنْدَ مَنْ عَرَفَ حَقَائِقَ الْمَوْجُودَاتِ وَلَا أَعْلَى عِنْدَ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالْفِطْرَةِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ عَرَفَهُ بِالشِّرْعَةِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ عَرَفَهُ بِالْوِلَايَةِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ عَرَفَهُ بِالْوَحْيِ وَالنُّبُوَّةِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ عَرَفَهُ بِالرِّسَالَةِ فَضْلًا عَمَّنْ عَرَفَهُ بِالْكَلَامِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ عَرَفَهُ بِالرُّؤْيَةِ.
فَلَمَّا كَانَ مُنْتَهَى الْفَلَاسِفَةِ الصابئية وَأَعْلَى عِلْمِهِمْ: هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَكَانَ أَصْلُ التَّجَهُّمِ وَتَعْطِيلِ صِفَاتِ الرَّبِّ إنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ الصَّابِئَةِ وَكَانَ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ فِي الْأَصْلِ جهمية وَأَنَّهُ بِمَا فِيهِمْ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ - الْمُشَارِكَةِ لِلصَّابِئَةِ صَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصَّابِئَةِ نَسَبٌ - صَارَ مَعْبُودُهُمْ وَإِلَهُهُمْ هُوَ
الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ مُضَاهَاةً لِمَا عَلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ تَعْطِيلِ الصَّانِعِ وَإِثْبَاتِ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . وَإِنْ كَانَ الْفَلَاسِفَةُ الْمُسْلِمُونَ لَا يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يُقِرُّونَ بِالرَّبِّ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ الْعَالَمُ؛ لَكِنَّهُمْ بِتَعْظِيمِهِمْ لِلْوُجُودِ الْمُطْلَقِ صَارُوا مُتَّفِقِينَ مُتَقَارِبِينَ وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ النُّصَيْرِ الطوسي الصابئي الْفَيْلَسُوفِ وَكَلَامَ الصَّدْرِ القونوي النَّصْرَانِيِّ الِاتِّحَادِيِّ الْفَيْلَسُوفِ وَكَلَامَ الْإِسْمَاعِيلِيَّة فِي الْبَلَاغِ الْأَكْبَرِ وَالنَّامُوسِ الْأَعْظَمِ - الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْنَا الْفَلَاسِفَةُ لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ إلَّا فِي وَاجِبِ الْوُجُودِ فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِهِ وَنَحْنُ نُنْكِرُهُ - عَرَفَ مَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ.
وَكَذَلِكَ الْمُرَاسَلَةُ الَّتِي بَيْنَ الصَّدْرِ وَالنُّصَيْرِ فِي إثْبَاتِ النُّصَيْرِ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ عَلَى طَرِيقَةِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ وَجَعَلَ الصَّدْرُ ذَلِكَ هُوَ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ لَا الْمُعَيَّنَ وَأَنَّهُ هُوَ اللَّهُ عَلِمَ حَقِيقَةَ مَا قُلْته وَعَلِمَ وَجْهَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ وَأَنَّ النُّصَيْرَ أَقْرَبُ مِنْ حَيْثُ اعْتِرَافُهُ بِالرَّبِّ الصَّانِعِ الْمُتَمَيِّزِ عَنْ الْخَلْقِ لَكِنَّهُ أَكْفَرُ مِنْ جِهَةِ بُعْدِهِ عَنْ النُّبُوَّةِ وَالشَّرَائِعِ وَالْعِبَادَاتِ.
وَأَنَّ الصَّدْرَ أَقْرَبُ مِنْ جِهَةِ تَعْظِيمِهِ لِلْعِبَادَاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالتَّأَلُّهِ عَلَى طَرِيقَةِ النَّصَارَى؛ لَكِنَّهُ أَكْفَرُ مِنْ حَيْثُ أَنَّ مَعْبُودَهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَإِنَّمَا يَعْبُدُ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ
وَلِهَذَا كَانَ الصَّدْرُ أَكْفَرَ قَوْلًا وَأَقَلَّ كُفْرًا فِي عَمَلِهِ وَالنُّصَيْرُ أَكْفَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ كُفْرًا فِي قَوْلِهِ وَكِلَاهُمَا كَافِرٌ فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ؛ وَلِهَذَا: يَظْهَرُ لِلْعُقَلَاءِ مِنْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كَلَامِ الصَّدْرِ أَنَّهُ إفْكٌ وَزُورٌ وَغُرُورٌ مُخَالِفٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ كَمَا يَظْهَرُ لَهُمْ مِنْ أَفْعَالِ النُّصَيْرِ أَنَّهُ مُرُوقٌ وَإِعْرَاضٌ عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ؛ وَلِهَذَا: كَانَ النُّصَيْرُ أَقْرَبَ إلَى الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ مَا هُوَ حَقٌّ كَمَا أَنَّ الصَّدْرَ أَقْرَبُ إلَى الْعُبَّادِ؛ لِأَنَّ فِي فِعَالِهِ مَا هُوَ عِبَادَةٌ.
وَقَالَ:
فَصْلٌ:
وَقَدْ تَفَرَّقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ - الَّذِي هُوَ غَايَةُ مَطَالِبِ الْعِبَادِ - فَطَائِفَةٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ: يَظُنُّونَ أَنَّ كَمَالَ النَّفْسِ فِي مُجَرَّدِ الْعِلْمِ وَيَجْعَلُونَ الْعِلْمَ - الَّذِي بِهِ تَكْمُلُ مَا يَعْرِفُونَهُ هُمْ مِنْ - عِلْمِ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ وَيَجْعَلُونَ الْعِبَادَاتِ رِيَاضَةً لِأَخْلَاقِ النَّفْسِ حَتَّى تَسْتَعِدَّ لِلْعِلْمِ.
فَتَصِيرُ النَّفْسُ عَالَمًا مُعْتَزِلًا مُوَازِيًا لِلْعَالَمِ الْمَوْجُودِ.
وَهَؤُلَاءِ ضَالُّونَ؛ بَلْ كَافِرُونَ مِنْ وُجُوهٍ: - مِنْهَا: أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا الْكَمَالَ مِنْ مُجَرَّدِ الْعِلْمِ كَمَا اعْتَقَدَ جَهْمٌ والصالحي وَالْأَشْعَرِيُّ - فِي الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلَيْهِ - وَأَكْثَرُ أَتْبَاعِهِ: أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ؛ لَكِنَّ الْمُتَفَلْسِفَةَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْجَهْمِيَّة؛ فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة يَجْعَلُونَ الْإِيمَانَ هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَأُولَئِكَ يَجْعَلُونَ كَمَالَ النَّفْسِ: فِي أَنْ تَعْلَمَ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودٌ وَالْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ؛ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ وَالْمُطْلَقُ لَا بِشَرْطِ لَا يُوجَدُ أَيْضًا فِي الْخَارِجِ إلَّا مُعَيَّنًا.
وَإِنْ عَلِمُوا الْوُجُودَ الْكُلِّيَّ الْمُنْقَسِمَ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ فَلَيْسَ لِمَعْلُومِ عِلْمِهِمْ
وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَهَكَذَا مَنْ تَصَوَّفَ وَتَأَلَّهَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَابْنِ سَبْعِينَ وَنَحْوِهِمَا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْجَهْمِيَّة يُقِرُّونَ بِالرُّسُلِ وَبِمَا جَاءُوا بِهِ فَهُمْ فِي الْجُمْلَةِ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ؛ بِخِلَافِ الْمُتَفَلْسِفَةِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَكَمَالُ النَّفْسِ لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْعِلْمِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ فَهَذَا عَمَلُ النَّفْسِ وَإِرَادَتُهَا وَدَالُّ عِلْمِهَا وَمَعْرِفَتِهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي تَكْمُلُ بِهِ النَّفْسُ هُوَ عِلْمُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُ جَهْلٌ لَا عِلْمٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَهُوَ الْعِلْمُ الْأَعْلَى؛ الَّذِي تَكْمُلُ بِهِ النَّفْسُ مَعَ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ لَهُمْ ذَاكَ الْعِلْمُ: سَقَطَتْ عَنْهُمْ وَاجِبَاتُ الشَّرْعِ وَأُبِيحَتْ لَهُمْ مُحَرَّمَاتُهُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَاطِنِيَّةِ مِنْ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَغَيْرِهِمْ؛ مِثْلُ أَبِي يَعْقُوبَ السجستاني صَاحِبِ الْأَقَالِيدِ الملكوتية وَأَتْبَاعِهِ وَطَرِيقَةُ مَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ مَلَاحِدَةِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَهُ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أَنَّك تَعْمَلُ حَتَّى يَحْصُلَ لَك الْعِلْمُ فَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ سَقَطَ عَنْك الْعَمَلُ وَقَدْ قِيلَ للجنيد إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: إنَّهُمْ يُصَلُّونَ مِنْ طَرِيقِ الْبِرِّ إلَى أَنْ تَسْقُطَ عَنْهُمْ الْفَرَائِضُ وَتُبَاحَ لَهُمْ الْمَحَارِمُ - أَوْ نَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ - فَقَالَ: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ: خَيْرٌ مِنْ هَذَا.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكُونُ طَلَبُهُ لِلْمُكَاشَفَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْعِلْمِ: أَعْظَمَ مِنْ طَلَبِهِ لِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُك الْعِصْمَةَ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالْخُطُوَاتِ وَالْإِرَادَاتِ وَالْكَلِمَاتِ؛ مِنْ الشُّكُوكِ؛ وَالظُّنُونِ؛ وَالْإِرَادَةِ؛ وَالْأَوْهَامِ السَّاتِرَةِ لِلْقُلُوبِ عَنْ مُطَالَعَةِ الْغُيُوبِ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْمُكْنَةَ الَّتِي هِيَ الْكَمَالُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُكْنَةِ وَطَائِفَةٌ أُخْرَى: عِنْدَهُمْ أَنَّ الْكَمَالَ فِي الْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْوُجُودِ: نَفَاذُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ إمَّا بِالْمُلْكِ وَالْوِلَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَإِمَّا بِالْبَاطِنِ.
وَتَكُونُ عِبَادَتُهُمْ وَمُجَاهَدَتُهُمْ - لِذَلِكَ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُ فِي الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ فَيَعْبُدُ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ؛ لِتُعِينَهُ الشَّيَاطِينُ عَلَى مَقَاصِدِهِ وَهَؤُلَاءِ أَضَلُّ وَأَجْهَلُ مِنْ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ وَغَايَةُ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ: يَطْلُبُ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ هَذَا؛ وَلِهَذَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يُرَى طَائِرًا وَمِنْهُمْ يُرَى مَاشِيًا وَمِنْهُمْ 1 .
وَفِيهِمْ جُهَّالٌ ضُلَّالٌ.
وَطَائِفَةٌ تَجْعَلُ الْكَمَالَ فِي مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ فَيَدْخُلُونَ فِي أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ مِنْ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ لِيَسْتَعِينُوا بِالشَّيَاطِينِ عَلَى مَا يَطْلُبُونَهُ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْأُمُورِ الْغَائِبَةِ وَعَلَى مَا يَنْفُذُ بِهِ تَصَرُّفُهُمْ فِي الْعَالَمِ.
وَالْحَقُّ الْمُبِينُ: أَنَّ كَمَالَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ عِلْمًا وَعَمَلًا كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
وَهَؤُلَاءِ هُمْ عِبَادُ اللَّهِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ وَحِزْبُ اللَّهِ الْمُفْلِحُونَ وَجُنْدُ اللَّهِ الْغَالِبُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَهُمْ الَّذِينَ زَكُّوا نُفُوسَهُمْ وَكَمَّلُوهَا كَمَّلُوا الْقُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ وَالْقُوَّةَ الْإِرَادِيَّةَ الْعَمَلِيَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وَقَالَ أَيْضًا:
فَصْلٌ:
حَقِيقَة مَذْهَبِ الِاتِّحَادِيَّةِ - كَصَاحِبِ الْفُصُوصِ وَنَحْوِهِ - الَّذِي يَئُولُ إلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَيُصَرِّحُونَ بِهِ فِي مَوَاضِعَ - أَنَّ الْحَقَائِقَ تَتَّبِعُ الْعَقَائِدَ؛ وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ السوفسطائية؛ فَكُلُّ مَنْ قَالَ شَيْئًا أَوْ اعْتَقَدَهُ؛ فَهُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِ هَذَا الْقَائِلِ الْمُعْتَقِدِ؛ وَلِذَا يَجْعَلُونَ الْكَذِبَ حَقًّا وَيَقُولُونَ الْعَارِفُ لَا يَكْذِبُ أَحَدًا فَإِنَّ الْكَذِبَ هُوَ أَيْضًا أَمْرٌ مَوْجُودٌ وَهُوَ حَقٌّ فِي نَفْسِ الْكَاذِبِ؛ فَإِنْ اعْتَقَدَهُ كَانَ حَقًّا فِي اعْتِقَادِهِ وَكَلَامِهِ.
وَلَوْ قَالَ مَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ كَانَ حَقًّا فِي كَلَامِهِ فَقَطْ.
وَلِهَذَا يَأْمُرُ الْمُحَقِّقُ أَنْ تُعْتَقَدَ كُلُّ مَا يَعْتَقِدُهُ الْخَلَائِقُ كَمَا قَالَ:
عَقَدَ الْخَلَائِقُ فِي الْإِلَهِ عقائدا ... وَأَنَا اعْتَقَدْت جَمِيعَ مَا اعْتَقَدُوهُ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاعْتِقَادَاتِ الْمُتَنَاقِضَةَ لَا تَكُونُ مُعْتَقَدَاتُهَا فِي الْخَارِجِ؛ لَكِنْ فِي نَفْسِ الْمُعْتَقَدِ؛ وَلِهَذَا يَأْمُرُونَ بِالتَّصْدِيقِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَالضِّدَّيْنِ وَيَجْعَلُونَ هَذَا مِنْ أُصُولِ طَرِيقِهِمْ وَتَحْقِيقِهِمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّقِيضَيْنِ: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْخَارِجِ؛ لَكِنْ يُمْكِنُ اعْتِقَادُ اجْتِمَاعِهِمَا فَيَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا فِي نَفْسِ الْمُعْتَقِدِ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ كَشْفًا فَكَشْفُهُمْ مُتَنَاقِضٌ فَخَاطَبْت بِذَلِكَ بَعْضَهُمْ فَقَالَ: كِلَاهُمَا
حَقٌّ كَاَلَّذِي كُشِفَ لَهُ أَنَّ الزُّهْرَةَ فَوْقَ عُطَارِدَ وَاَلَّذِي كُشِفَ لَهُ أَنَّهَا تَحْتَ عُطَارِدَ فَقَالَ هِيَ مِنْ كَشْفِ هَذَا فَوْقَ عُطَارِدَ وَفِي كَشْفِ هَذَا تَحْتَ عُطَارِدَ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ؛ فَجَعَلُوا الْحَقَائِقَ الثَّابِتَةَ تَتَّبِعُ الْكَشْفَ وَالِاعْتِقَادَ وَالْقَوْلَ.
[وَلِهَذَا يَقُولُونَ سِرْ حَيْثُ شِئْت فَإِنَّ اللَّهَ ثَمَّ وَقُلْ مَا شِئْت فِيهِ فَإِنَّ الْوَاسِعَ اللَّهُ] * . وَمَضْمُونُ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ: يَقُولُ مَا شَاءَ وَيَعْتَقِدُ مَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَصَادِقٍ وَكَاذِبٍ وَأَنَّهُ لَا يُنْكَرُ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ وَهَكَذَا يَقُولُونَ.
هَذَا مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ وَالْعِلْمِ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ وَالْعَمَلِ فَإِنَّ مُحَقِّقَهُمْ يَقُولُ: مَا عِنْدَنَا حَرَامٌ؛ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَحْجُوبُونَ قَالُوا حَرَامٌ فَقُلْنَا حَرَامٌ عَلَيْكُمْ فَمَا عِنْدَهُمْ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ كَمَا قَالَ الْقَاضِي الَّذِي هُوَ تِلْمِيذُ صَاحِبِ الْفُصُوصِ فِيمَا أَنْشَدَنِيهِ الشَّاهِدُ ابْنُ عَمَدَ الْمُلَقَّب بعرعيه 1 :
مَا الْأَمْرُ إلَّا نَسَقٌ وَاحِدٌ ... مَا فِيهِ مِنْ حَمْدٍ وَلَا ذَمٍّ
وَإِنَّمَا الْعَادَةُ قَدْ خَصَّصَتْ ... وَالطَّبْعُ وَالشَّارِعُ بِالْحُكْمِ
وَحِينَئِذٍ فَمَا يَبْقَى لِلْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ إلَّا مُجَرَّدُ الْقُدْرَةِ؛ وَلِهَذَا هُمْ يَمْشُونَ مَعَ الْكَوْنِ دَائِمًا فَأَيُّ شَيْءٍ وُجِدَ وَكَانَ: كَانَ عِنْدَهُمْ حَقًّا؛ فَالْحَلَالُ مَا وَجَدْته وَحَلَّ بِيَدِك وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمْته وَالْحَقُّ مَا قُلْته كَائِنًا مَا كَانَ وَالْبَاطِلُ مَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ.
وَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ المباحية الْمَلَاحِدَةِ الَّذِينَ يَجْرُونَ مَعَ مَحْضِ الْقَدَرِ.
فَإِنَّ أُولَئِكَ يُعَطِّلُونَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَهَؤُلَاءِ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
عَطَّلُوا أَيْضًا الصَّانِعَ وَالرِّسَالَةَ وَالْحَقَائِقَ كُلَّهَا وَجَعَلُوا الْحَقَائِقَ بِحَسَبِ مَا يُكْشَفُ لِلْإِنْسَانِ وَلَمْ يَجْعَلُوا لِلْحَقَائِقِ فِي أَنْفُسِهَا حَقَائِقَ تَتَحَقَّقُ بِهِ يَكُونُ ثَابِتًا وَبِنَقِيضِهِ مُنْتَفِيًا؛ بَلْ هَذَا عِنْدَهُمْ يُفِيدُهُ الْإِطْلَاقُ: أَلَّا تَقِفَ مَعَ مُعْتَقَدٍ بَلْ تَعْتَقِدُ جَمِيعَ مَا اعْتَقَدَهُ النَّاسُ فَإِنْ كَانَتْ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً فَإِنَّ الْوُجُودَ يَسَعُ هَذَا كُلَّهُ وَوَحْدَةُ الْوُجُودِ تَسَعُ هَذَا كُلَّهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوُجُودَ إنَّمَا يَسَعُ وُجُودَ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ لَا يَسَعُ تَحَقُّقَ الْمُعْتَقَدَاتِ فِي أَنْفُسِهَا وَهَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ الْبَاطِلَ.
وَالْقَوْلَ الْكَاذِبَ: هُوَ مَوْجُودٌ دَاخِلٌ فِي الْوُجُودِ لَكِنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَصِدْقًا فَإِنَّ الْحَقَّ وَالصِّدْقَ إذَا أُطْلِقَ عَلَى الْأَقْوَالِ الْخَبَرِيَّةِ لَا يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدَ وُجُودِهَا؛ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَكُلُّهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ حَقِّهَا وَصِدْقِهَا: هِيَ عِنْدَهُ مُنْقَسِمَةٌ إلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَصِدْقٍ وَكَذِبٍ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا حَقًّا وَصِدْقًا: كَوْنُهَا مُطَابِقَةً لِلْخَبَرِ أَوْ غَيْرَ مُطَابِقَةٍ ثُمَّ قَدْ تَكُونُ مُطَابِقَةً فِي اعْتِقَادِ الْقَائِلِ دُونَ الْخَارِجِ؛ وَهَذَا هُوَ الْخَطَأُ.
وَقَدْ يُسَمَّى كَذِبًا وَقَدْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَبَ مَنْ قَالَهَا إنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّهُ لَجَاهِدٌ﴾ مُجَاهِدٌ وَقَوْلُ عبادة: كَذِبٌ أَبُوكُمْ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَذَبَ نَوْفٌ.