سُورَةُ الْكَافِرُونَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَقَوْلُهُ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ نَفْيُ الْعِبَادَةِ مُطْلَقًا لَيْسَ هُوَ نَفْيٌ لِمَا قَدْ يُسَمَّى عِبَادَةً مَعَ التَّقْيِيدِ.
وَالْمُشْرِكُ إذَا كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَعْبُدُ غَيْرَهُ فَيُقَالُ: إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وَغَيْرَهُ أَوْ يَعْبُدُهُ مُشْرِكًا بِهِ.
لَا يُقَالُ: إنَّهُ يَعْبُدُ مُطْلَقًا.
وَالْمُعَطِّلُ الَّذِي لَا يَعْبُدُ شَيْئًا شَرٌّ مِنْهُ.
وَالْعِبَادَةُ الْمُطْلَقَةُ الْمُعْتَدِلَةُ هِيَ الْمَقْبُولَةُ وَعِبَادَةُ الْمُشْرِكِ لَيْسَتْ مَقْبُولَةً.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ الْآيَةَ.
قَالُوا فِيهَا ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ ثُمَّ قَالُوا: ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ . فَهَذَا بَدَلٌ مِنْ الْأَوَّلِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ.
فَإِنَّ النَّكِرَةَ تُبْدَلُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ فَذُكِرَتْ مُعَرَّفَةً وَمَوْصُوفَةً.
كَذَلِكَ قَالُوا ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ فَعَرَّفُوهُ ثُمَّ قَالُوا ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ فَوَصَفُوهُ.
وَالْبَدَلُ فِي حُكْمِ تَكْرِيرِ الْعَامِلِ أَحْيَانًا كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ فَالتَّقْدِيرُ: نَعْبُدُ إلَهَك نَعْبُدُ إلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
فَجَمَعُوا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِأَمْرَيْنِ بِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ إلَهَهُ وَأَنَّهُمْ إنَّمَا يَعْبُدُونَ إلَهًا وَاحِدًا.
فَمَنْ عَبَدَ إلَهَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَابِدًا لِإِلَهِهِ وَإِلَهِ آبَائِهِ.
وَإِنَّمَا يَعْبُدُ إلَهَهُ مَنْ عَبَدَ إلَهًا وَاحِدًا.
وَلَوْ كَانَ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ عَابِدًا لَهُ لَكَانَتْ عِبَادَتُهُ نَوْعَيْنِ عِبَادَةَ إشْرَاكٍ وَعِبَادَةَ إخْلَاصٍ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ
قَوْلُهُ ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ بَدَلًا.
لِأَنَّ هَذَا كُلٌّ مِنْ كُلٍّ لَيْسَ هُوَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.
فَعَلِمَ أَنَّ إلَهَهُ وَإِلَهَ آبَائِهِ لَا يَكُونُ إلَّا إلَهًا وَاحِدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ لَكِنَّهَا حَالٌ لَازِمَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا إلَهًا وَاحِدًا كَقَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا مُصَدِّقًا.
وَمِنْهُ ﴿مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ . فَمَنْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَمَا عَبَدَهُ إلَهًا وَاحِدًا وَمَنْ أَشْرَكَ بِهِ فَمَا عَبَدَهُ.
وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا إلَهًا وَاحِدًا.
فَإِذَا لَمْ يَعْبُدُهُ فِي الْحَالِ اللَّازِمَةِ لَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَالٌ أُخْرَى يَعْبُدُهُ فِيهَا فَمَا عَبَدَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُشْرِكُ يَجْعَلُ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى فَهُوَ يَعْبُدُ فِي حَالٍ لَيْسَ هُوَ فِيهَا الْوَاحِدُ قِيلَ: هَذَا غَلَطٌ مَنْشَؤُهُ أَنَّ لَفْظَ " الْإِلَهِ " يُرَادُ بِهِ الْمُسْتَحِقُّ لِلْإِلَهِيَّةِ وَيُرَادُ بِهِ مَا اتَّخَذَهُ النَّاسُ إلَهًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَهًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ هِيَ أَسْمَاءٌ سَمَّوْهَا هُمْ وَآبَاؤُهُمْ.
فَتِلْكَ لَيْسَتْ فِي نَفْسِهَا آلِهَةً وَإِنَّمَا هِيَ آلِهَةٌ فِي أَنْفُسِ الْعَابِدِينَ.
فَإِلَهِيَّتُهَا أَمْرٌ قَدَّرَهُ الْمُشْرِكُونَ وَجَعَلُوهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا لِلْخَارِجِ كَاَلَّذِي يَجْعَلُ مَنْ لَيْسَ بِعَالَمِ عَالِمًا وَمَنْ لَيْسَ بِحَيِّ حَيًّا وَمَنْ لَيْسَ بِصَادِقِ وَلَا عَدْلٍ صَادِقًا وَعَدْلًا فَيُقَالُ: هَذَا عِنْدَك صَادِقٌ وَعَادِلٌ وَعَالِمٌ وَتِلْكَ اعْتِقَادَاتٌ غَيْرُ مُطَابِقَةٍ وَأَقْوَالٌ كَاذِبَةٌ غَيْرُ لَائِقَةٍ.
وَلِهَذَا يَجْعَلُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِافْتِرَاءِ وَالْكَذِبِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . وَقَالَ الْخَلِيلُ ﴿إنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ . وَقَالَ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ؟ وَإِنَّمَا يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ وَالْخَرْصَ وَهُوَ الْحَزْرُ.
هَذَا صَوَابٌ وَأَنَّ مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ.
وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا نَافِيَةٌ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ كَأَبِي الْفَرَجِ.
وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا قَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَالَ هُودٌ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أَنْتُمْ إلَّا مُفْتَرُونَ﴾ . وَإِذَا كَانَتْ إلَهِيَّةُ مَا سِوَى اللَّهِ أَمْرًا مُخْتَلَقًا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ وَاللِّسَانِ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ.
وَهُوَ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ وَالِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَيْسَ بِمُطَابِقِ.
وَمَا عِنْدَ عَابِدِيهَا مِنْ الْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ لَهَا تَابِعٌ لِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الْبَاطِلِ.
كَمَنْ اعْتَقَدَ فِي شَخْصٍ أَنَّهُ صَادِقٌ فَصَدَّقَهُ فِيمَا يَقُولُ وَبَنَى عَلَى إخْبَارِهِ أَعْمَالًا كَثِيرَةً.
فَلَمَّا تَبَيَّنَ كَذِبُهُ ظَهَرَ فَسَادُ تِلْكَ الْأَعْمَالِ كَأَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ وَالْأُسُودِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ الزَّوَايَا وَالتُّرَّهَاتِ وَمَا يَشْرَعُونَهُ لِأَتْبَاعِهِمْ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ بِخِلَافِ الصَّادِقِ وَالصِّدْقِ.
وَلِهَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ . وَقَالَ فِي كَلِمَةِ الشِّرْكِ ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ . فَلَيْسَ لَهَا أَسَاسٌ ثَابِتٌ وَلَا فَرْعٌ ثَابِتٌ إذْ كَانَتْ بَاطِلَةً كَأَقْوَالِ الْكَاذِبِينَ وَأَعْمَالِهِمْ.
بَلْ هِيَ أَعْظَمُ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ مَعَ الْحُبِّ لَهَا.
وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ الظُّلْمِ.
﴿قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْ الذَّنْبِ أَعْظَمُ.
قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك﴾ ". فَنَفْسُ تَأَلُّهِهِمْ لَهَا وَعِبَادَتِهِمْ إيَّاهَا وَتَعْظِيمِهَا وَحُبِّهَا وَدُعَائِهَا وَاعْتِقَادِهَا آلِهَةً وَالْخَبَرُ عَنْهَا بِأَنَّهَا آلِهَةٌ مَوْجُودٌ كَمَا كَانَ اعْتِقَادُ الْكَذَّابِينَ مَوْجُودًا.
وَأَمَّا نَفْسُ اتِّصَافِهَا بِالْإِلَهِيَّةِ فَمَفْقُودٌ كَاتِّصَافِ مُسَيْلِمَةَ بِالنُّبُوَّةِ.
فَهُنَا حَالَانِ حَالٌ لِلْعَابِدِ وَحَالٌ لِلْمَعْبُودِ.
فَأَمَّا الْعَابِدُونَ فَكُلُّهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِبَادَةٌ وَتَأَلُّهٌ لِمَنْ عَبَدُوهُ.
وَأَمَّا الْمَعْبُودُونَ فَالرَّحْمَنُ لَهُ الْإِلَهِيَّةُ وَمَا سِوَاهُ لَا إلَهِيَّةَ لَهُ بَلْ هُوَ مَيِّتٌ لَا يَمْلِكُ لِعَابِدِيهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ وَهُوَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ﴿سَبِيلًا﴾ بِالتَّقَرُّبِ بِعِبَادَتِهِ وَذِكْرِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهَا {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ
إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} فَأَخْبَرَ عَنْ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا أَنَّهَا تُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.
وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
فَقَوْلُهُ ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ إذَا قِيلَ إنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الْفَاعِلِ الْعَابِدِ أَوْ مِنْ الْمَفْعُولِ الْمَعْبُودِ.
فَالْأَوَّلُ: نَعْبُدُهُ فِي حَالِ كَوْنِنَا مُخْلِصِينَ لَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ.
وَالثَّانِي نَعْبُدُهُ فِي الْحَالِ اللَّازِمَةِ لَهُ وَهُوَ أَنَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ فَنَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ مُعْتَرِفِينَ لَهُ بِأَنَّهُ الْإِلَهُ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ.
فَإِنْ كَانَ التَّقْدِيرُ هَذَا الثَّانِي امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُ عَابِدًا لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْبُدُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَيْسَتْ لَهُ حَالٌ أُخْرَى نَعْبُدُهُ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ التَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ نَعْبُدَهُ فِي حَالٍ أُخْرَى نَتَّخِذُ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى فِي أَنْفُسِنَا.
لَكِنَّ قَوْلَهُ ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا حَالٌ مِنْ الْمَعْبُودِ بِخِلَافِ مَا إذَا قِيلَ: نَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ فَإِنَّ هَذِهِ حَالٌ مِنْ الْفَاعِلِ.
وَلِهَذَا يَأْتِي هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ . فَهَذَا حَالٌ مِنْ الْفَاعِلِ
فَإِنَّهُ يَكُونُ تَارَةً مُخْلِصًا وَتَارَةً مُشْرِكًا.
وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا إلَهًا وَاحِدًا.
وَالْحَالُ وَإِنْ كَانَتْ صِفَةً لِلْمَفْعُولِ فَهِيَ أَيْضًا حَالٌ لِلْفَاعِلِ.
فَإِنَّهُمْ قَالُوا: نَعْبُدُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
فَلَزِمَ أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُ لَيْسَتْ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ.
وَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ . . . ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ هِيَ حَالٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ جَمِيعًا بِالْعَابِدِ وَالْمَعْبُودِ.
فَإِنَّ الْعَامِلَ فِيهَا الْمُتَعَلِّقَ بِهَا الْعِبَادَةُ وَهِيَ فِعْلُ الْعَابِدِ وَاَلَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَفْعُولُ فِي الْعَرَبِيَّةِ هُوَ الْمَعْبُودُ.
كَمَا قِيلَ فِي الْجُمْلَةِ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . قِيلَ: هِيَ وَاوُ الْعَطْفِ وَقِيلَ وَاوُ الْحَالِ أَيْ نَعْبُدُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ.
قَالُوا: وَهِيَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ " نَعْبُدُ " أَوْ مَفْعُولِهِ لِرُجُوعِ الْهَاءِ إلَيْهِ فِي " لَهُ " وَهَذَا التَّرْدِيدُ غَلَطٌ إذْ هِيَ حَالٌ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
فَإِنَّهُمْ إذَا عَبَدُوهُ وَهُمْ مُسْلِمُونَ فَهُمْ مُسْلِمُونَ حَالَ كَوْنِهِمْ عَابِدِينَ وَحَالَ كَوْنِهِ مَعْبُودًا إذْ كَوْنُهُمْ عَابِدِينَ وَكَوْنِهِ مَعْبُودًا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِمُقَارَنَةِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
فَالظَّرْفُ وَالْحَالُ هُنَا كَلِمَةٌ وَلَيْسَتْ مُفْرَدًا وَلِهَذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ.
فَإِنَّ الْمُفْرَدَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظِ صِفَةً لِهَذَا وَهَذَا.
فَإِذَا قُلْت: ضَرَبْت زَيْدًا قَاعِدًا فَالْقُعُودُ حَالٌ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ.
وَإِذَا قُلْت: ضَرَبْته وَالنَّاسُ
قُعُودٌ فَلَيْسَ هَذِهِ الْحَالُ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بَلْ هِيَ مُقَارِنَةٌ لِلضَّرْبِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا كَأَنَّهُ قَالَ: ضَرَبْته فِي زَمَانِ قُعُودِ النَّاسِ.
فَهُوَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْت: ضَرَبْته فِي حَالِ قُعُودِي أَوْ قُعُودِهِ فَهَذَا يَخْتَلِفُ.
وَالْآيَةُ فِيهَا ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ . فَهَذِهِ حَالٌ مِنْ الْمَعْبُودِ بِلَا رَيْبٍ.
فَلَزِمَ أَنَّهُمْ إنَّمَا عَبَدُوهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ إلَهًا وَاحِدًا وَهَذِهِ لَازِمَةٌ لَهُ.
وَإِذَا قِيلَ الْمُرَادُ: فِي حَالِ كَوْنِهِ مَعْبُودًا وَاحِدًا لَا نَتَّخِذُ مَعَهُ مَعْبُودًا آخَرَ فَهَذِهِ حَالٌ لَيْسَتْ لَازِمَةً لَكِنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَابِدِينَ لَا لَهُ.
قِيلَ: هَذَا لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ لَهُ وَلَا وَصْفٌ لَهُ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْإِلَهِيَّةَ.
لَكِنْ فِيهَا وَصْفَهُمْ فَقَطْ.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ ﴿إلَهًا وَاحِدًا﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَإِلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ إلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ جَعَلَ مَعَهُ الْمُشْرِكُونَ آلِهَةً بِالِافْتِرَاءِ وَالْحُبِّ.
فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ.
وَلَوْ أَرَادُوا ذَلِكَ الْمَعْنَى لَقَالُوا: نَعْبُدُهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ ذَكَرُوهُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُمْ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ لَا سِيَّمَا إذَا جُعِلَتْ حَالًا أَيْ نَعْبُدُهُ إلَهًا وَاحِدًا فِي حَالِ إسْلَامِنَا لَهُ.
وَإِسْلَامِهِمْ لَهُ يَتَضَمَّنُ إخْلَاصَ الدِّينِ لَهُ وَخُضُوعَهُمْ وَاسْتِسْلَامَهُمْ لِأَحْكَامِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلِهَذَا قَالَ آمِرًا لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . ثُمَّ قَالَ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ . وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَعَانٍ جَلِيلَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ اسْتِيفَائِهَا.
فَصْلٌ:
وَهَذَا النِّزَاعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ هَلْ هُوَ خِطَابٌ لِجِنْسِ الْكُفَّارِ كَمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ أَوْ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ كَافِرًا كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ يَتَعَلَّقُ بِمُسَمَّى " الْكَافِرِ " وَمُسَمَّى " الْمُؤْمِنِ ".
فَطَائِفَةٌ تَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ وَافَى الْقِيَامَةَ بِالْإِيمَانِ.
فَاسْمُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا.
فَأَمَّا مَنْ آمَنَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَذَاكَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِإِيمَانِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْأَشْعَرِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.
وَهَكَذَا يُقَالُ: الْكَافِرُ مَنْ مَاتَ كَافِرًا.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ حُبَّ اللَّهِ وَبُغْضَهُ وَرِضَاهُ وَسَخَطَهُ وَوِلَايَتَهُ وَعَدَاوَتَهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَافَاةِ فَقَطْ.
فَاَللَّهُ يُحِبُّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا.
وَيَرْضَى عَنْهُ وَيُوَالِيهِ بِحُبِّ قَدِيمٍ وَمُوَالَاةٍ قَدِيمَةٍ.
وَيَقُولُونَ: إنَّ عُمَرَ حَالَ كُفْرِهِ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ مَعْرُوفٌ عَنْ ابْنِ كِلَابٍ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَأَكْثَرُ الطَّوَائِفِ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذَا فَيَقُولُونَ: بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ عَدُوًّا لِلَّهِ ثُمَّ يَصِيرُ وَلِيًّا لِلَّهِ وَيَكُونُ اللَّهُ يُبْغِضُهُ ثُمَّ يُحِبُّهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَالْعَامَّةِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ والكَرَّامِيَة وَالْحَنَفِيَّةِ قَاطِبَةً وَقُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ.
وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ الْقُرْآنُ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ . وَقَوْلُهُ {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} فَوَصَفَهُمْ بِكُفْرِ بَعْدَ إيمَانٍ وَإِيمَانٍ بَعْدَ كُفْرٍ.
وَأَخْبَرَ عَنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَأَنَّهُمْ إنْ انْتَهَوْا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ.
وَقَالَ ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ وَقَالَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: تَقُولُ الْأَنْبِيَاءُ: " ﴿إنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ.
وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ﴾ ". وَفِي دُعَاءِ الْحَجَّاجِ عِنْدَ الْمُلْتَزِمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: " فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا وَإِلَّا فَمِنْ الْآنَ فَارْضَ عَنِّي ". وَبَعْضُهُمْ حَذَفَ " فَارْضَ عَنِّي فَظَنَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ " فَمِنْ الْآنِ " أَنَّهُ مِنْ " الْمَنِّ ". وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ كَمَا فِي تَمَامِ الْكَلَامِ وَإِلَّا فَمِنْ الْآنَ فَارْضَ عَنِّي.
فَبَيَّنَ أَنَّهُ يَزْدَادُ رِضًا وَأَنَّهُ يَرْضَى فِي وَقْتٍ مَحْدُودٍ.
وَشَوَاهِدُ هَذَا كَثِيرَةٌ.
وَهُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ.
فَصْلٌ:
وَنَظِيرُ الْقَوْلِ فِي ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ الْقَوْلَانِ فِي قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فَإِنَّ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَيْنِ.
أَحَدَهُمَا: أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَنْ يَمُوتُ كَافِرًا.
وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ مُقَاتِلٍ كَمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ . وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ الضَّحَّاكِ.
قَالَا: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَأَبِي جَهْلٍ وَأَبِي طَالِبٍ وَأَبِي لَهَبٍ مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمْ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ وَخَمْسَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.
وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَ هَذَا الْقَوْلِ كَالثَّعْلَبِيِّ والبغوي وَابْنِ الْجَوْزِيِّ.
قَالَ البغوي: هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَقْوَامٍ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشَّقَاوَةِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ قَالَ شَيْخُنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: وَهَذِهِ الْآيَةُ وَرَدَتْ بِلَفْظِ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ بِهَا الْخُصُوصُ لِأَنَّهَا آذَنَتْ بِأَنَّ الْكُفَّارَ حِينَ إنْذَارِهِمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَقَدْ آمَنُ كَثِيرٌ مِنْ الْكُفَّارِ عِنْدَ إنْذَارِهِمْ.
وَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا فِي الْعُمُومِ لَكَانَ خَبَرُ اللَّهِ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ فَلِذَلِكَ وَجَبَ نَقْلُهَا إلَى الْخُصُوصِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْآيَةَ عَلَى مُقْتَضَاهَا وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّ الْإِنْذَارَ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَافِرِ مَا دَامَ كَافِرًا لَا يَنْفَعُهُ الْإِنْذَارُ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْآيَاتِ أَنَّهَا غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْإِيمَانِ.
وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .
فَالْآيَاتُ أُفُقِيَّةٌ وَأَرْضِيَّةٌ وَقُرْآنِيَّةٌ وَهِيَ أَدِلَّةُ الْعِلْمِ.
وَالْإِنْذَارُ يَقْتَضِي الْخَوْفَ.
فَالْآيَاتُ لِمَنْ إذَا عَرَفَ الْحَقَّ عَمِلَ بِهِ فَهَذَا تَنْفَعُهُ الْحِكْمَةُ.
وَالْإِنْذَارُ لِمَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ وَلَهُ هَوًى يَصُدُّهُ فَيُنْذَرُ بِالْعَذَابِ الَّذِي يَدْعُوهُ إلَى مُخَالَفَةِ هَوَاهُ وَهُوَ خَوْفُ الْعَذَابِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ.
وَآخَرُ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَدَلِ فَيُجَادِلُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَقَالَ ﴿إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ ﴿إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ . فَالْمُرَادُ أَنَّ الْكَافِرَ مَا دَامَ كَافِرًا لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ سَوَاءٌ أُنْذِرَ أَمْ لَمْ يُنْذَرْ وَلَا يُؤْمِنُ مَا دَامَ كَذَلِكَ.
لِأَنَّ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ مَوَانِعَ تَصُدُّ عَنْ الْفَهْمِ وَالْقَبُولِ.
وَهَكَذَا حَالُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ " إنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ". وَقِيلَ ذَلِكَ لِمَنْ سَبَقَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ أَوْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُؤْمِنُونَ إلَّا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ وَقْتَ
رُؤْيَةِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ كَإِيمَانِ فِرْعَوْنَ الْمَذْكُورِ قَبْلَهَا.
وَمُوسَى قَدْ دَعَا عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ . وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ سُبْحَانَهُ الْكُفَّارَ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الْآيَةَ.
فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ قَدْ يُؤْمِنُوا إذَا شَاءَ.
وَآيَةُ الْبَقَرَةِ مُطْلَقَةٌ عَامَّةٌ.
فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ أَرْبَعَ آيَاتٍ فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَآيَتَيْنِ فِي صِفَةِ الْكَافِرِينَ وَبِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً فِي الْمُنَافِقِينَ.
فَبَيَّنَ حَالَ الْكَافِرِ الْمُصِرِّ عَلَى كُفْرِهِ أَنَّ الْإِنْذَارَ لَا يَنْفَعُهُ لِلْحُجُبِ الَّتِي عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ.
وَلَيْسَ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ فَيَسْمَعُ وَيَقْبَلُ.
وَلَكِنْ هُوَ حِينَ يَكُونُ كَافِرًا لَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ.
وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ: لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْقَدَ لَهُ الذِّمَّةُ وَلَا يَكُونُ قَطُّ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ مَا دَامَ حَرْبِيًّا.
فَالْكُفَّارُ مَا دَامُوا كُفَّارًا هُمْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ.
لَهُمْ مَوَانِعُ تَمْنَعُهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا أَنَّ لِلْمُنَافِقِينَ مَوَانِعَ تَمْنَعُهُمْ مَا دَامُوا كَذَلِكَ وَإِنْ أُنْذِرُوا.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فَهَذَا مِثْلُ كُلِّ كَافِرٍ مَا دَامَ كَافِرًا.
وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ يَسْمَعُونَ إذَا زَالَ الْغِطَاءُ الَّذِي عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ وَهُوَ الْكُفْرُ.
فَمَا دَامُوا هَذِهِ حَالُهُمْ فَهُمْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ تَغَيُّرَ الْحَالِ مُمْكِنٌ كَمَا قَالَ ﴿إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وَكَمَا هُوَ الْوَاقِعُ.
وَمِثْلُ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بِدُعَائِهِ وَإِنْذَارِهِ وَبَيَانِهِ يَحْصُلُ الْهُدَى وَلَوْ كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ وَأَنَّ الدَّاعِيَ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا نَاصِحًا مُخْلِصًا فَقَدْ لَا يَسْتَجِيبُ الْمَدْعُوُّ لَا لِنَقْصِ فِي الدُّعَاءِ لَكِنْ لِفَسَادِ فِي الْمَدْعُوِّ.
وَهَذَا لِأَنَّ حُصُولَ الْمَطْلُوبِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فِعْلِ الْفَاعِلِ وَقَبُولِ الْقَابِلِ كَالسَّيْفِ الْقَاطِعِ يُؤَثِّرُ بِشَرْطِ قَبُولِ الْمَحَلِّ فِيهِ لَا يَقْطَعُ الْحِجَارَةَ وَالْحَدِيدَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَالنَّفْخُ يُؤَثِّرُ إذَا كَانَ هُنَاكَ قَابِلٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي الرَّمَادِ.
وَالدُّعَاءُ وَالتَّعْلِيمُ وَالْإِرْشَادُ.
وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لَهُ فَاعِلٌ وَهُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعِلْمِ وَالْهُدَى وَالنِّذَارَةِ وَلَهُ قَابِلٌ وَهُوَ الْمُسْتَمِعُ.
فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَمِعُ قَابِلًا حَصَلَ الْإِنْذَارُ التَّامُّ وَالتَّعْلِيمُ التَّامُّ وَالْهُدَى التَّامُّ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا قِيلَ: عَلَّمْته فَلَمْ يَتَعَلَّمْ وَهَدَيْته فَلَمْ يَهْتَدِ وَخَاطَبْته فَلَمْ يُصْغِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَقَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ هُوَ مِنْ هَذَا.
إنَّمَا يَهْتَدِي مَنْ يَقْبَلُ الِاهْتِدَاءَ وَهُمْ الْمُتَّقُونَ لَا كُلَّ أَحَدٍ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَّقِينَ قَبْلَ اهْتِدَائِهِمْ بَلْ قَدْ يَكُونُوا كُفَّارًا.
لَكِنْ إنَّمَا يَهْتَدِي بِهِ مِنْ كَانَ مُتَّقِيًا.
فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ اهْتَدَى بِالْقُرْآنِ.
وَالْعِلْمُ وَالْإِنْذَارُ إنَّمَا يَكُونُ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْقُرْآنُ.
وَهَكَذَا قَوْلُهُ ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ الْإِنْذَارَ التَّامَّ فَإِنَّ الْحَيَّ يَقْبَلُهُ.
وَلِهَذَا قَالَ ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فَهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا الْإِنْذَارَ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ . وَعَكْسُهُ قَوْلُهُ ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ أَيْ كُلُّ مَنْ ضَلَّ بِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ.
فَهُوَ ذَمٌّ لِمَنْ يَضِلُّ بِهِ فَإِنَّهُ فَاسِقٌ.
لَيْسَ أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا تَأَوَّلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْخَوَارِجِ وَسَمَّاهُمْ " فَاسِقِينَ " لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا بِالْقُرْآنِ.
فَمَنْ ضَلَّ بِالْقُرْآنِ فَهُوَ فَاسِقٌ.
فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَالتَّقْدِيرُ: مَنْ خَتَمَ عَلَى قَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ غِشَاوَةً فَسَوَاءٌ عَلَيْك أَنْذَرْته أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُ هُوَ لَا يُؤْمِنُ أَيْ مَا دَامَ كَذَلِكَ.
وَلَكِنْ هَذَا قَدْ يَزُولُ وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُك " الْمُتَوَكِّلَ " لَسْت بِفَظِّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سخاب فِي الْأَسْوَاقِ.
وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ.
وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ فَأَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا.
وَقَدْ قَالَ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يُؤْمِنُونَ.
ثُمَّ قَالَ ﴿إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ فَهَذَا هُوَ الْإِنْذَارُ التَّامُّ وَهُوَ الْإِنْذَارُ الَّذِي يَقْبَلُهُ الْمُنْذِرُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هُوَ أَصْلُ الْإِنْذَارِ كَمَا يُقَالُ فِي الْبَلِيدِ وَالْمَشْغُولِ الذِّهْنِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ: سَوَاءٌ عَلَيْك أَعْلَمْته أَمْ لَمْ تُعْلِمْهُ لَا يَتَعَلَّمُ وَلَا يَقْبَلُ الْهُدَى وَيُقَالُ فِي الذَّكِيِّ الْفَارِغِ: إنَّمَا يَتَعَلَّمُ مِثْلُ هَذَا.
ثُمَّ الْمَشْغُولُ قَدْ يَتَفَرَّغُ.
وَقَدْ يَصْلُحُ ذِهْنٌ بَعْدَ فَسَادِهِ وَيَفْسُدُ بَعْدَ صَلَاحِهِ لِفَسَادِ قَلْبِهِ وَصَلَاحِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَكْثَرُ تَفْسِيرِ السَّلَفِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي
مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَإِنْ قَالُوا: إنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا جَاءَنَا قَبْلَك ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ إنَّهُمْ قَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذِكْرِك وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمِيثَاقِ فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَك وَبِمَا عِنْدَهُمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرُك.
فَكَيْفَ يَسْمَعُونَ مِنْك إنْذَارًا وَتَحْذِيرًا؟ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ الْإِنْذَارَ لِكُفْرِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ وَمَا جَاءَهُمْ مِنْ الْحَقِّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنْهُمْ خَلْقًا تَابُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَآمَنُوا.
وَرُوِيَ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: آيَتَانِ فِي قَادَةِ الْأَحْزَابِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . قَالَ: هُمْ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ . (قُلْت: جَعَلَهُمْ قَادَةَ الْأَحْزَابِ لِكَوْنِهِمْ أَضَلُّوا الْأَتْبَاعَ فَأَحَلُّوهُمْ دَارَ الْبَوَارِ.
وَالْأَحْزَابُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ قَدْ أَسْلَمَ عَامَّةُ قَادَتِهَا وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ مِثْلُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي سُفْيَان.
وَهَؤُلَاءِ أَسْلَمَ مِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ وَهُمْ الطُّلَقَاءُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَالْحِزْبُ الْآخَرُ غطفان وَقَدْ أَسْلَمُوا أَيْضًا.
وَالْآيَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَتَنَاوَلَ كُفَّارَ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فَإِنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وَإِنْ تَنَاوَلَتْ مَعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ.
فَهِيَ تَعُمُّ كُلَّ كَافِرٍ.
وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ يَخُصُّهَا بِبَعْضِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
وَابْنُ السَّائِبِ يَقُولُ: هِيَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ مِنْهُمْ حيي بْنُ أَخْطَبَ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ.
وَأَبُو الْعَالِيَةِ يَقُولُ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَادَةِ الْأَحْزَابِ.
وَالْآيَةُ تَعُمُّ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ وَغَيْرُهُمْ كَمَا أَنَّ آيَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ الْمَوْجُودِينَ وَقْتَ النُّزُولِ وَهِيَ تَعُمُّهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ وَقَوْلَهُ ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ . وَكُلُّ هَذَا فِيهِ بَيَانُ أَنَّ مُجَرَّدَ دُعَائِك وَتَبْلِيغِك وَحِرْصِك عَلَى هُدَاهُمْ لَيْسَ مُوجِبُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا شَاءَ اللَّهُ هُدَاهُمْ فَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لِلْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {إنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ
لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} فَفِيهِ تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَّنَتْ الْآيَةُ لَهُ أَنَّ تَبْلِيغَك وَإِنْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَفِيهِ مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ.
ف ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ وَقَدْ قَالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . فَفِيهِ تَقْرِيرُ التَّوْحِيدِ وَتَقْرِيرُ مَقْصُودِ الرِّسَالَةِ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عَمَّنْ لَا يُؤْمِنُ فَقَالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ . وَقَالَ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ " ثُمَّ قَالَ ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . فَخَصَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي تِلْكَ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ . وَهُمْ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ أَيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ مَا قَالَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَكَتَبَهُ وَقَدَّرَهُ.
فَجَعَلَ الْمُوجَبَ هُوَ التَّقْدِيرُ السَّابِقُ وَهُوَ قَوْلُهُ.
وَالْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ خَبَرًا مُجَرَّدًا بِمَا سَيَكُونُ وَقَدْ يَكُونُ قَوْلًا يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ كَالْيَمِينِ الْمُتَضَمِّنَة لِلْحَضِّ وَالْمَنْعِ.
فَقَدْ ذَكَرَ فِي مَوَاضِعَ تَقَدُّمَ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
فَهُوَ خَبَرٌ عَمَّا قَالَهُ أَوْ قَالَهُ وَكَتَبَهُ.
وَهُوَ التَّقْدِيرُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ قَدَّرَ مَا يَفْعَلُهُ وَعَلِمَهُ وَكَتَبَهُ كَمَا تَظَاهَرَتْ النُّصُوصُ بِأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
وَالْقَدَرُ تَضَمَّنَ عِلْمَهُ بِمَا سَيَكُونُ وَمَشِيئَتَهُ لِوُجُودِ مَا قَدَّرَهُ وَعَلِمَ أَنْ سَيَخْلُقُهُ.
وَالْقَوْلُ قَدْ يَكُونُ خَبَرًا وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الطَّلَبِ الْحَضِّ وَالْمَنْعِ بِالْقَسَمِ وَإِمَّا لِكِتَابَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَوْلِهِ " ﴿يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا﴾ ".
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْكُفَّارِ.
وَهُوَ الْوَعِيدُ الْمُتَضَمِّنُ الْجَزَاءَ عَلَى الْأَعْمَالِ كَمَا قَالَ تَعَالَى لإبليس ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .
وَقَوْلُهُ ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أَيْ إنَّ عَذَابَهُمْ لَهُ أَجَلٌ مُسَمًّى إمَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِمَّا فِي الدُّنْيَا كَيَوْمِ بَدْرٍ وَإِمَّا عَقِبَ الْمَوْتِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ.
فَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّك إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَكَانَ الْعَذَابُ لِزَامًا أَيْ لَازِمًا لَهُمْ.
فَإِنَّ الْمُقْتَضِي لَهُ قَائِمٌ تَامٌّ وَهُوَ كُفْرُهُمْ.
وَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ.
فَإِنَّ اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ إذْ كَانَ أُولَئِكَ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ وَإِنَّمَا هُمْ طَائِفَةٌ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ وَهُمْ لَا يَتَمَيَّزُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِإِنْذَارِ الْجَمِيعِ وَفِيهِمْ مَنْ يُؤْمِنُ وَمَنْ لَا يُؤْمِنُ.
فَذَكَرَ اللَّفْظَ الْعَامَّ؛ وَإِرَادَةُ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ الْخَاصِّ.
وَذَكَرَ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ قَطُّ وَلَا فِيهِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ.
وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى يُصَانُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.
وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْمَوَانِعِ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْإِنْذَارَ سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِسَبَبِ يُوجِبُ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ قَبُولُ الْإِنْذَارِ بِسَبَبِ الْمَوَانِعِ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَوَانِعَ قَدْ تَزُولُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً لِكُلِّ كَافِرٍ.
وَإِذَا كَانَ الْمَانِعُ مَا سَبَقَ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ فَقَدْ لَا يَزُولُ أَبَدًا كَمَا قَالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ . وَقَدْ يَذْكُرُ هَذَا وَهَذَا.
وَأَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْمَوَانِعِ الَّتِي فِيهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا سَبَقَ مِنْ الْقَوْلِ فَهَذِهِ الْمَوَانِعُ يُرْجَى زَوَالُهَا وَيُمْكِنُ مَا لَمْ يَذْكُرْ مَعَهَا مَا يَقْتَضِي امْتِنَاعَ تَغَيُّرِ حَالِهِمْ وَحُصُولِ الْهُدَى.
فَصْلٌ:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ . جَاءَ الْخِطَابُ فِيهَا بـ " مَا " وَلَمْ يَجِئْ بـ " مَنْ " فَقِيلَ: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ " لَا أَعْبُدُ مَنْ تَعْبُدُونَ " لِأَنَّ " مَنْ " لِمَنْ يَعْلَمُ وَالْأَصْنَامُ لَا تَعْلَمُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإِنَّ مَعْبُودَ الْمُشْرِكِينَ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَعْلَمُ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ تَغْلِبُ صِيغَةُ أُولِي الْعِلْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ . فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِحَالِ مَنْ يَعْلَمُ عَبَّرَ عَنْهُمْ بِعِبَادَتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ الْآيَةَ فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ وَهُوَ لِأُولِي الْعِلْمِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَعْلَمُ فَجَمْعُهُ مُؤَنَّثٌ كَمَا تَقُولُ: الْأَمْوَالُ جَمَعْتهَا وَالْحِجَارَةُ قَذَفَتْهَا.
ف " مَا " هِيَ لِمَا لَا يَعْلَمُ وَلِصِفَاتِ مَنْ يَعْلَمُ.
وَلِهَذَا تَكُونُ لِلْجِنْسِ الْعَامِّ لِأَنَّ شُمُولَ الْجِنْسِ لِمَا تَحْتَهُ هُوَ بِاعْتِبَارِ صِفَاتِهِ كَمَا قَالَ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أَيْ الَّذِي طَابَ وَالطَّيِّبُ مِنْ النِّسَاءِ.
فَلَمَّا قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمَوْصُوفِ بِالطَّيِّبِ وَقَصَدَ هَذِهِ الصِّفَةَ دُونَ مُجَرَّدِ الْعَيْنِ عَبَّرَ بـ " مَا ". وَلَوْ عَبَّرَ بـ " مَنْ " كَانَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ الْعَيْنِ وَالصِّفَةُ لِلتَّعْرِيفِ حَتَّى لَوْ فُقِدَتْ لَكَانَتْ غَيْرَ مَقْصُودَةٍ كَمَا إذَا قُلْت: جَاءَنِي مَنْ يَعْرِفُ وَمَنْ كَانَ أَمْسِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ فَعَلَ كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَالْمَقْصُودُ الْإِخْبَارُ عَنْ عَيْنِهِ وَالصِّلَةُ لِلتَّعْرِيفِ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ قَدْ ذَهَبَتْ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ إنَّهَا اسْمٌ مَوْصُولٌ وَالْمَعْنَى: وَبَانِيهَا وَطَاحِيهَا وَمُسَوِّيهَا وَلَمَّا قَالَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أَخْبَرَ بـ " مَنْ " لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ عَنْ فَلَاحِ عَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ لِلتَّزْكِيَةِ وَالتَّدْسِيَةِ قَدْ ذَهَبَ فِي الدُّنْيَا.
فَالْقَسَمُ هُنَاكَ بِالْمَوْصُوفِ بِحَيْثُ إنَّهُ إنَّمَا أَقْسَمَ بِهَذَا الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةُ
لَازِمَةٌ.
فَإِنَّهُ لَا تُوجَدُ مَبْنِيَّةً إلَّا بِبَانِيهَا وَلَا مطحية إلَّا بِطَاحِيهَا وَلَا مُسَوَّاةً إلَّا بِمُسَوِّيهَا.
وَأَمَّا الْمَرْءُ الْمُزَكِّي نَفْسَهُ وَالْمُدَسِّيهَا فَقَدْ انْقَضَى عَمَلُهُ فِي الدُّنْيَا وَفَلَاحُهُ وَخَيْبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ لَيْسَا مُسْتَلْزِمَيْنِ لِذَلِكَ الْعَمَلِ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُهُ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ . وَلِهَذَا يُسْتَفْهَمُ بِهَا عَنْ صِفَاتِ مَنْ يَعْلَمُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ كَمَا يُسْتَفْهَمُ عَلَى وَجْهٍ بِهَا فِي قَوْلِهِ ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ . وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فَالِاسْتِفْهَامُ عَنْ عَيْنِ الْخَالِقِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآلِهَةِ الَّتِي تُعْبَدُ.
فَإِنَّ الْمُسْتَفْهِمِينَ بِهَا كَانُوا مُقِرِّينَ بِصِفَةِ الْخَالِقِ وَإِنَّمَا طَلَبَ بِالِاسْتِفْهَامِ تَعْيِينَهُ وَتَمْيِيزَهُ وَلِتُقَامَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ بِاسْتِحْقَاقِهِ وَحْدَهُ الْعِبَادَةَ.
وَأَمَّا فِرْعَوْنُ فَكَانَ مُنْكِرًا لِلْمَوْصُوفِ الْمُسَمَّى فَاسْتَفْهَمَ بِصِيغَةِ " مَا " لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِ طَالِبًا لِتَعْيِينِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ الْجَوَابُ فِي هَذَا الِاسْتِفْهَامِ بِقَوْلِ مُوسَى ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وَبِقَوْلِهِ ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فَأَجَابَ أَيْضًا بِالصِّفَةِ.
وَهُنَاكَ قَالَ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فَكَانَ الْجَوَابُ بِالِاسْمِ الْمُمَيِّزِ لِلْمُسَمَّى عَنْ غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ إلَى تَمَامِ الْآيَاتِ.
فَقَوْلُهُ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ يَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْ كُلِّ مَوْصُوفٍ بِأَنَّهُ مَعْبُودُهُمْ.
لِأَنَّ كُلَّ مَا عَبَدَهُ الْكَافِرُ وَجَبَتْ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ كَافِرًا لَا يَكُونُ مَعْبُودُهُ الْإِلَهَ الَّذِي يَعْبُدُهُ الْمُؤْمِنُ.
إذْ لَوْ كَانَ هُوَ مَعْبُودَهُ لَكَانَ مُؤْمِنًا لَا كَافِرًا.
وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أُمُورًا.
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ بَرَاءَتَهُ مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ إذَا عَبَدُوا اللَّهَ وَغَيْرَهُ فَمَعْبُودُهُمْ الْمَجْمُوعُ وَهُوَ لَا يَعْبُدُ الْمَجْمُوعَ لَا يَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ.
فَيَعْبُدُهُ عَلَى وَجْهِ إخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ لَا عَلَى وَجْهِ الشِّرْكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ الْخَلِيلِ ﴿إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وَقَوْلُهُ ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ بِأَنْ يُقَالَ: هُنَا نَفْيُ عِبَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي عِبَادَةَ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ.
وَالْخَلِيلُ تَبَرَّأَ مِنْ الْمَجْمُوعِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْبَرَاءَةَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَاسْتَثْنَى.
أَوْ يُقَالُ: الْخَلِيلُ تَبَرَّأَ مِنْ جَمِيعِ الْمَعْبُودِينَ مِنْ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَثْنَى رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَلِهَذَا لَمَّا وَقَعَ مُسْتَثْنًى فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِثْنَاءٍ آخَرَ.
وَأَمَّا هَذِهِ السُّورَةُ فَإِنَّ فِيهَا التَّبَرِّي مِنْ عِبَادَةِ مَا يَعْبُدُونَ لَا مِنْ نَفْسِ مَا يَعْبُدُونَ.
وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ وَمِمَّا يَعْبُدُونَ.
فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بَاطِلٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ: " ﴿أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ كُلُّهُ لِلَّذِي أَشْرَكَ﴾ ". فَعِبَادَةُ الْمُشْرِكِ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ لَا يُقَالُ: نَصِيبُ اللَّهِ مِنْهَا حَقٌّ وَالْبَاقِي بَاطِلٌ بِخِلَافِ مَعْبُودِهِمْ.
فَإِنَّ اللَّهَ إلَهٌ حَقٌّ وَمَا سِوَاهُ آلِهَةٌ بَاطِلَةٌ.
فَلَمَّا تَبَرَّأَ الْخَلِيلُ مِنْ الْمَعْبُودِينَ احْتَاجَ إلَى اسْتِثْنَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ تَبَرُّؤُهُ مِنْ أَنْ يَعْبُدَ مَا يَعْبُدُونَ فَكَانَ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْعِبَادَةَ تَبَرَّأَ مِنْ عِبَادَةِ الْمَجْمُوعِ الَّذِينَ يَعْبُدُهُمْ الْكَافِرُونَ.
الثَّالِثُ: إنْ كَانَ النَّفْيُ عَنْ الْمَوْصُوفِ بِأَنَّهُ مَعْبُودُهُمْ لَا عَنْ عَيْنِهِ فَهُوَ لَا يَعْبُدُ شَيْئًا مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْبُودُهُمْ.
لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْبُودُهُمْ هُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ فَوَجَبَتْ الْبَرَاءَةُ مِنْ عِبَادَتِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ.
وَلَوْ قَالَ " مَنْ تَعْبُدُونَ " لَكَانَ يُقَالُ: إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ لِأَنَّ النَّفْيَ وَاقِعٌ عَلَى
عَيْنِ الْمَعْبُودِ.
وَلَيْسَ إذَا لَمْ يَعْبُدْ مَا يَعْبُدُونَ مُتَبَرِّئًا مِنْهُ وَمُعَادِيًا لَهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
بَلْ هُوَ تَارِكٌ لِعِبَادَةِ مَا يَعْبُدُونَ.
وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِالْوَجْهِ الرَّابِعِ: وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ نَفَى عَنْهُمْ عِبَادَةَ مَعْبُودِهِ.
فَهُمْ إذَا عَبَدُوا اللَّهَ مُشْرِكِينَ بِهِ لَمْ يَكُونُوا عَابِدِينَ مَعْبُودَهُ.
وَكَذَلِكَ هُوَ إذَا عَبَدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ لَمْ يَكُنْ عَابِدًا مَعْبُودَهُمْ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُمْ لَوْ عَيَّنُوا اللَّهَ بِمَا لَيْسَ هُوَ اللَّهُ وَقَصَدُوا عِبَادَةَ اللَّهَ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ هَذَا هُوَ اللَّهُ كَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ وَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الْمَسِيحَ وَاَلَّذِينَ يَعْبُدُونَ الدَّجَّالَ وَاَلَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَهَوَاهُمْ وَمَنْ عَبَدَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَهُمْ عِنْدَ نُفُوسِهِمْ إنَّمَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ لَكِنَّ هَذَا الْمَعْبُودَ الَّذِي لَهُمْ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ.
فَإِذَا قَالَ ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ كَانَ مُتَبَرِّئًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَعْبُودِينَ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُ الْعَابِدِينَ هُوَ اللَّهُ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُمْ إذَا وَصَفُوا اللَّهَ بِمَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ كَالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَالشَّرِيكِ وَأَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ بَخِيلٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَبَدُوهُ كَذَلِكَ.
فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْمَعْبُودِ الَّذِي لِهَؤُلَاءِ.
فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ اللَّهَ
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿أَلَّا تَرَوْنَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي سَبَّ قُرَيْشٍ؟ يَسُبُّونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ﴾ ". فَهُمْ وَإِنْ قَصَدُوا عَيْنَهُ لَكِنْ لَمَّا وَصَفُوهُ بِأَنَّهُ مُذَمَّمٌ كَانَ سَبُّهُمْ وَاقِعًا عَلَى مَنْ هُوَ مُذَمَّمٌ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَذَاكَ لَيْسَ هُوَ اللَّهَ.
فَالْمُؤْمِنُونَ بُرَآءُ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا وَصَفَ بِهِ الرَّسُولُ رَبَّهُ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَعْبُدْ مَا عَبَدَهُ الرَّسُولُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ.
وَقِسْ عَلَى هَذَا فَلْتَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَتُلَخِّصْ وَتُهَذِّبْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.