كِتَابُ الْطَلَاقِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
فَأَجَابَ:
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يُحَرِّمُ إلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ وَحَدِيثِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ لَمَّا ﴿أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عتبة بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَنْ تُرْضِعَهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ﴾ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا فَيَكُونُ مَا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُحَرِّمْ فَيَحْتَاجُ إلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ.
وَقِيلَ يُحَرِّمُ الثَّلَاثُ فَصَاعِدًا وَهُوَ قَوْلُ " طَائِفَةٍ " مِنْهُمْ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد.
وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحِ: ﴿لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ وَلَا الإملاجة وَلَا الإملاجتان﴾ " قَالُوا: مَفْهُومُهُ أَنَّ الثَّلَاثَ تُحَرِّمُ وَلَمْ يَحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قُرْآنٌ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ وَلَيْسَ هَذَا بِمُتَوَاتِرِ.
فَقَالَ لَهُمْ الْأَوَّلُونَ: مَعَنَا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ مُثْبِتَانِ.
أَحَدُهُمَا يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ حُكْمًا وَكَوْنَهُ قُرْآنًا.
فَمَا ثَبَتَ مِنْ الْحُكْمِ يَثْبُتُ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ.
وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا فَهَذَا لَمْ نُثْبِتْهُ وَلَمْ نَتَصَوَّرْ أَنَّ ذَلِكَ قُرْآنٌ؛ إنَّمَا نُسِخَ رَسْمُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ.
فَقَالَ أُولَئِكَ: هَذَا تَنَاقُضٌ وَقِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ كَقِرَاءَةِ
ابْنِ مَسْعُودٍ: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ.
وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِجَوَابَيْنِ: " أَحَدُهُمَا " أَنَّ هَذَا فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ صَحِيحٌ وَأَيْضًا فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ بَقِيَ قُرْآنٌ لَكِنْ بَقِيَ حُكْمُهُ.
و " الثَّانِي " أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ لَا يَقُولُ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ بَلْ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ بَلْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ إذَا صَحَّ النَّقْلُ بِهَا عَنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ.
و " الْقَوْلُ الثَّانِي " فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ؛ وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أَحْمَد.
وَهَؤُلَاءِ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وَقَالَ اسْمُ " الرَّضَاعَةِ " فِي الْقُرْآنِ مُطْلَقٌ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا تُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَتَقْيِيدُ مُطْلَقِهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ.
فَقَالَ " الْأَوَّلُونَ ": هَذِهِ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَكَوْنُهَا لَمْ تَبْلُغْ بَعْضَ السَّلَفِ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ صِحَّتَهَا.
وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: فَكَمَا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِدَلِيلِ آخَرَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ مُقَيَّدَةٌ بِسِنِّ مَخْصُوصٍ فَكَذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِقَدْرِ مَخْصُوصٍ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ عُلِمَ بِالسُّنَّةِ مِقْدَارُ الْفِدْيَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ خَبَرًا وَاحِدًا؛ بَلْ كَمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ " {أَنَّهُ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا
وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا} وَهُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ.
وَكَذَلِكَ فُسِّرَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَغَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِحَمْلِ قَوْلِهِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ . وَفُسِّرَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أُمُورٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ: مَا هُوَ مُطْلَقٌ مِنْ الْقُرْآنِ.
فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَتُبَيِّنُهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ.
وَالتَّقْيِيدُ " بِالْخَمْسِ " لَهُ أُصُولٌ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ صَدَقَةٌ وَالْأَوْقَاصُ بَيْنَ النَّصْبِ خَمْسٌ أَوْ عَشْرٌ أَوْ خَمْسُ عَشَرَةٍ وَأَنْوَاعُ الْبِرِّ خَمْسٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ وَقَالَ فِي الْكُفْرِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وَأُولُو الْعَزْمِ؛ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ لَيْسَ بِغَرِيبِ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
وَالرَّضَاعُ إذَا حَرَّمَ لِكَوْنِهِ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ فَيَصِيرُ نَبَاتُهُ بِهِ كَنَبَاتِهِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ؛ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَحْرُمْ رَضَاعُ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
وَالرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا كَمَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ مَا دُون نِصَابِ السَّرِقَةِ حَتَّى لَا تُقْطَعَ الْأَيْدِي بِشَيْءِ مِنْ التَّافِهِ؛ وَاعْتِبَارُهُ فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ إذَا كَانَ أَقَلَّ.
وَلَا بُدَّ مِنْ حَدٍّ فَاصِلٍ.
فَهَذَا هُوَ
التَّنْبِيهُ عَلَى مَأْخَذِ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَبَسْطُ الْكَلَامِ فِيهَا يَحْتَاجُ إلَى وَرَقَةٍ أَكْبَرَ مِنْ هَذِهِ؛ وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ مَسَائِلِ النِّزَاعِ.
وَالنِّزَاعُ فِيهَا مِنْ زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَنَازَعُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّابِعُونَ بَعْدَهُمْ.
وَأَمَّا إذَا شُكَّ: هَلْ دَخَلَ اللَّبَنُ فِي جَوْفِ الصَّبِيِّ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ؟ فَهُنَا لَا نَحْكُمُ بِالتَّحْرِيمِ بِلَا رَيْبٍ.
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ حَصَلَ فِي فَمِهِ فَإِنَّ حُصُولَ اللَّبَنِ فِي الْفَمِ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ أُخْتَيْنِ وَلَهُمَا بَنَاتٌ وَبَنِينَ فَإِذَا أَرْضَعَ الْأُخْتَانِ: هَذِهِ بَنَاتَ هَذِهِ وَهَذِهِ بَنَاتَ هَذِهِ: فَهَلْ يَحْرُمْنَ عَلَى الْبَنِينَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ الطِّفْلَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَتْ بِنْتًا لَهَا؛ فَصَارَ جَمِيعُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ إخْوَةً لِهَذِهِ الْمُرْتَضِعَةِ: ذُكُورُهُمْ؛ وَإِنَاثُهُمْ مَنْ وُلِدَ قَبْلَ الرَّضَاعِ؛ وَمَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ.
فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُرْتَضِعَةَ؛ بَلْ يَجُوزُ لِإِخْوَةِ الْمُرْتَضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا بِأَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ الَّذِينَ لَمْ يَرْتَضِعُوا مِنْ أُمِّهِنَّ.
فَالتَّحْرِيمُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُرْتَضِعَةِ؛ لَا عَلَى
إخْوَتِهَا الَّذِينَ لَمْ يَرْتَضِعُوا.
فَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ أُخْتِهِ إذَا كَانَ هُوَ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ أُمِّهَا وَهِيَ لَمْ تَرْضَعْ مِنْ أُمِّهِ.
وَأَمَّا هَذِهِ الْمُرْتَضِعَةُ فَلَا تَتَزَوَّجُ وَاحِدًا مِنْ أَوْلَادِ مَنْ أَرْضَعَتْهَا.
وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْمُرْتَضِعَةَ تَصِيرُ الْمُرْضِعَةُ أُمَّهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَوْلَادُهَا وَتَصِيرُ إخْوَتُهَا وَأَخَوَاتُهَا وَأَخْوَالُهَا وَخَالَاتُهَا وَيَصِيرُ الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ اللَّبَنُ أَبَاهَا وَأَوْلَادُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا إخْوَتَهَا وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ أَعْمَامَهَا وَعَمَّاتِهَا وَيَصِيرُ الْمُرْتَضِعُ وَأَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ أَوْلَادَ الْمُرْضِعَةِ وَالرَّجُلِ الَّذِي دَرَّ اللَّبَنَ بِوَطْئِهِ.
وَأَمَّا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعِ وَأَخَوَاتُهُ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ مِنْ النَّسَبِ فَهُمْ أَجَانِبُ؛ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الرَّضَاعِ شَيْءٌ.
وَهَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ نِزَاعٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ ارْتَضَعَ مَعَ رَجُلٍ وَجَاءَ لِأَحَدِهِمَا بِنْتٌ: فَهَلْ لِلْمُرْتَضِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْبِنْتِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا ارْتَضَعَ الطِّفْلُ مِنْ الْمَرْأَةِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَ ابْنًا لَهَا وَصَارَ جَمِيعُ أَوْلَادِهَا إخْوَتَهُ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ قَبْلَ الرَّضَاعَةِ وَاَلَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ الرَّضَاعَةِ.
وَالرَّضَاعَةُ يَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ الْآخَرِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ أَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ بَنَاتُ خَالَةٍ أُخْتَانِ وَاحِدَةٌ رَضَعَتْ مَعَهُ وَالْأُخْرَى لَمْ تَرْضِعْ مَعَهُ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الَّتِي لَمْ تَرْضِعْ مَعَهُ؟
فَأَجَابَ:
إذَا ارْتَضَعَ مَعَهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَ ابْنًا لَهَا؛ حَرُمَ عَلَيْهِ جَمِيعُ بَنَاتِهَا مِنْ وُلِدَ قَبْلَ الرَّضَاعِ وَمَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَمَتَى ارْتَضَعَتْ الْمَخْطُوبَةُ مِنْ أُمٍّ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَاحِدًا مِنْ بَنِي الْمُرْضِعَةِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَاطِبُ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ أُمِّ الْمَخْطُوبَةِ وَلَا هِيَ رَضَعَتْ مِنْ أُمِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كَانَ إخْوَتُهَا تَرَاضَعَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ امْرَأَةٍ اسْتَأْجَرَتْ لِبِنْتِهَا مُرْضِعَةً يَوْمًا أَوْ شَهْرًا وَمَضَتْ السُّنُونَ وَلِلْمُرْضِعَةِ وَلَدٌ قَبْلَهَا: فَهَلْ يَحِلُّ لَهُمَا الزَّوَاجُ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا أَرْضَعَتْهَا الدَّايَةُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَتْ بِنْتًا لَهَا؛ فَجَمِيعُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ حَرَامٌ عَلَى هَذِهِ الْمُرْضِعَةِ؛ وَإِنْ وُلِدَ قَبْلَ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ وَلَكِنْ إذَا كَانَ لِلْمُرْتَضِعَةِ أَخَوَاتٌ مِنْ النَّسَبِ جَازَ لَهُنَّ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ بِأَخَوَاتِهَا مِنْ الرَّضَاعِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَ امْرَأَةٍ وَقَدْ ارْتَضَعَ طِفْلٌ مِنْ الْأُولَى وَلِلْأَبِ مِنْ الثَّانِيَةِ بِنْتٌ: فَهَلْ لِلْمُرْتَضِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذِهِ الْبِنْتَ؟ وَإِذَا تَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا: فَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ.
فَأَجَابَ:
إذَا ارْتَضَعَ الرَّضَاعَ الْمُحَرِّمَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ هَذِهِ الْبِنْتَ فِي مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لِلْفَحْلِ وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا طِفْلًا وَالْأُخْرَى طِفْلَةً: فَهَلْ يَتَزَوَّجُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ؟ فَقَالَ: لَا.
اللِّقَاحُ وَاحِدٌ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ {عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ قَالَتْ.
قَالَتْ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ وَكَانَتْ قَدْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ فَقَالَتْ: لَا آذَنُ لَك حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ فَسَأَلْته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّهُ عَمُّك فَلْيَلِجْ عَلَيْك يَحْرُمُ
مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ} " وَإِذَا تَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ قَرِينَةٌ لَمْ يَتَرَاضَعْ هُوَ وَأَبُوهَا؛ لَكِنْ لَهُمَا إخْوَةٌ صِغَارٌ تَرَاضَعُوا فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا؟ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَرُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا: فَمَا حُكْمُهُمْ؟ وَمَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ فِيهِمْ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا لَمْ يَرْتَضِعْ هُوَ مِنْ أُمِّهَا وَلَمْ تَرْضِعْ هِيَ مِنْ أُمِّهِ بَلْ إخْوَتُهُ رَضَعُوا مِنْ أُمِّهَا وَإِخْوَتُهَا رَضَعُوا مِنْ أُمِّهِ: كَانَتْ حَلَالًا لَهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ أُخْتِ أَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ.
فَإِنَّ الرَّضَاعَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إلَى الْمُرْتَضِعِ وَذُرِّيَّتِهِ وَإِلَى الْمُرْضِعَةِ وَإِلَى زَوْجِهَا الَّذِي وَطِئَهَا حَتَّى صَارَ لَهَا لَبَنٌ فَتَصِيرُ الْمُرْضِعَةُ امْرَأَتَهُ وَوَلَدُهَا قَبْلَ الرَّضَاعِ وَبَعْدَهُ أَخُو الرَّضِيعِ؛ وَيَصِيرُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَوَلَدُهُ قَبْلَ الرَّضَاعِ وَبَعْدَهُ أَخُو الرَّضِيعِ.
فَأَمَّا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ النَّسَبِ وَأَبَوْهُ مِنْ النَّسَبِ فَهُمْ أَجَانِبُ مِنْ أَبَوَيْهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَإِخْوَتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ انْتِشَارَ الْحُرْمَةِ إلَى الرَّجُلِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ تُسَمَّى " مَسْأَلَةُ الْفَحْلِ " وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ.
وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: لَبَنُ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ.
وَالنُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ: هِيَ تُقَرِّرُ مَذْهَبَ الْجَمَاعَةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ أُخْتَيْنِ شَقِيقَتَيْنِ لِإِحْدَاهُمَا بِنْتَانِ وَلِلْأُخْرَى ذَكَرٌ وَقَدْ ارْتَضَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْبِنْتَيْنِ وَهِيَ الْكَبِيرَةُ مَعَ الْوَلَدِ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِاَلَّتِي لَمْ تَرْضِعْ.
فَأَجَابَ:
إذَا ارْتَضَعَتْ الْوَاحِدَةُ مِنْ أُمِّ الصَّبِيِّ وَلَمْ يَرْتَضِعْ هُوَ مِنْ أُمِّهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا: بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ امْرَأَةٍ أَوْدَعَتْ بِنْتَهَا عِنْدَ امْرَأَةِ أَخِيهَا وَغَابَتْ وَجَاءَتْ فَقَالَتْ: أَرْضَعْتهَا.
فَقَالَتْ: لَا.
وَحَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ وَلَدَ أَخِيهَا كَبُرَ وَكَبُرَتْ بِنْتُهَا الصَّغِيرَةُ وَأُخْتُهَا ارْتَضَعَتْ مَعَ أَخِيهِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَتْ الْبِنْتُ لَمْ تَرْضَعْ مِنْ أُمِّ الْخَاطِبِ وَلَا الْخَاطِبُ ارْتَضَعَ مِنْ أُمِّهَا: جَازَ أَنَّ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَإِنْ كَانَ أَخُوهَا وَأَخَوَاتُهَا مِنْ أُمِّ الْخَاطِبِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ الطِّفْلُ إذَا ارْتَضَعَ مِنْ
امْرَأَةٍ صَارَتْ أُمَّهُ وَزَوْجُهَا صَاحِبُ اللَّبَنِ أَبَاهُ وَصَارَ أَوْلَادُهَا إخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ.
وَأَمَّا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ النَّسَبِ وَأَبُوهُ مِنْ النَّسَبِ وَأُمُّهُ مِنْ النَّسَبِ فَهُمْ أَجَانِبُ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا أَخَوَاتِهِ كَمَا يَجُوزُ مِنْ النَّسَبِ أَنْ تَتَزَوَّجَ أُخْتُ الرَّجُلِ مِنْ أُمِّهِ بِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ.
وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِلَا نِزَاعٍ فِيهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ امْرَأَةٍ ذَاتِ بَعْلٍ وَلَهَا لَبَنٌ عَلَى غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا حَمْلٍ فَأَرْضَعَتْ طِفْلَةً لَهَا دُونَ الْحَوْلَيْنِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ وَهَذِهِ الْمُرْضِعَةُ عَمَّةُ الرَّضِيعَةِ مِنْ النَّسَبِ ثُمَّ أَرَادَ ابْنُ بِنْتِ هَذِهِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَذِهِ الرَّضِيعَةِ: فَهَلْ يَحْرُمُ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا إذَا وَطِئَهَا زَوْجٌ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ثَابَ لَهَا لَبَنٌ: فَهَذَا اللَّبَنُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فَإِذَا ارْتَضَعَتْ طِفْلَةٌ خَمْسَ رَضَعَاتٍ صَارَتْ بِنْتَهَا وَابْنُ بِنْتِهَا ابْنَ أُخْتِهَا وَهِيَ خَالَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ الِارْتِضَاعُ مَعَ طِفْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَأَمَّا أُخْتُهَا مِنْ النَّسَبِ الَّتِي لَمْ تَرْضِعْ فَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا.
وَلَوْ قَدَّرَ أَنَّ هَذَا اللَّبَنَ ثَابَ لِامْرَأَةٍ لَمْ تَتَزَوَّجْ قَطُّ فَهَذَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ قَرِيبَتَهُ فَقَالَ: وَالِدُهَا هِيَ رَضَعَتْ مَعَك وَنَهَاهُ عَنْ التَّزْوِيجِ بِهَا فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ تَزَوَّجَ بِهَا وَكَانَ الْعُدُولُ شَهِدُوا عَلَى وَالِدَتِهَا أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْكَرَتْ وَقَالَتْ: مَا قُلْت هَذَا الْقَوْلَ إلَّا لِغَرَضِ: فَهَلْ يَحِلُّ تَزْوِيجُهَا؟
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَعْرُوفَةً بِالصِّدْقِ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إذَا تَزَوَّجَهَا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ لَمَّا ذَكَرَتْ الْأَمَةُ السَّوْدَاءُ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا﴾ ". وَأَمَّا إذَا شَكَّ فِي صِدْقِهَا أَوْ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ: فَإِنَّهَا تَكُونُ مِنْ الشُّبُهَاتِ: فَاجْتِنَابُهَا أَوْلَى وَلَا يُحْكَمُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا إلَّا بِحُجَّةِ تُوجِبُ ذَلِكَ.
وَإِذَا رَجَعَتْ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ لَمْ تَحْرُمْ الزَّوْجَةُ؛ لَكِنْ إنْ عُرِفَ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ فِي رُجُوعِهَا وَأَنَّهَا رَجَعَتْ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا حَتَّى كَتَمَتْ الشَّهَادَةَ: لَمْ يَحِلَّ التَّزْوِيجُ وَاَللَّه أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ؛ وَوُلِدَ لَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ عَدِيدَةٌ فَلَمَّا كَانَ فِي فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ حَضَرَ مَنْ نَازَعَ الزَّوْجَةَ وَذَكَرَ لِزَوْجِهَا أَنَّ هَذِهِ الزَّوْجَةَ فِي عِصْمَتِك شَرِبَتْ مِنْ لَبَنِ أُمِّك؟
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ وَهُوَ خَبِيرٌ بِمَا ذَكَرَ وَأَخْبَرَ أَنَّهَا رَضَعَتْ مِنْ أُمِّ الزَّوْجِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ: رُجِعَ إلَى قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ؛ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ الرُّجُوعُ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَايَنَ الرَّضَاعَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ عَلَى بِنْتٍ لَهَا؛ وَلَهَا أَخَوَاتٌ أَصْغَرُ مِنْهَا: فَهَلْ يَحْرُمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ صَارَ ابْنًا لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَجَمِيعُ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ وُلِدُوا قَبْلَ الرَّضَاعِ؛ وَاَلَّذِينَ وُلِدُوا بَعْدَهُ: هُمْ إخْوَةٌ لِهَذَا الْمُرْتَضِعِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ أُخْتَيْنِ إحْدَاهُمَا لَهَا ابْنٌ ذَكَرٌ وَالْأُخْرَى لَهَا أُنْثَى فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الذَّكَرِ الْأُنْثَى وَلَمْ تُرْضِعْ أُمُّ الْأُنْثَى الذَّكَرَ ثُمَّ جَاءَتْ هَذِهِ بَنَاتٌ وَهَذِهِ ذُكُورٌ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَخُو الْمُرْتَضِعِ بِالْبِنْتِ الَّتِي ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ أَخِيهِ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ هَلْ يَتَزَوَّجُ أَوْلَادُ هَذِهِ بِأَوْلَادِ هَذِهِ بِسِوَى الْمُرْضِعَيْنِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْأُنْثَى الْمُرْتَضِعَةُ لَا تَتَزَوَّجُ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ؛ لَا مَنْ وُلِدَ لَهَا قَبْلَ الرَّضَاعَةِ وَلَا بَعْدَهَا.
وَأَمَّا إخْوَةُ الْمُرْتَضِعَةِ فَيَتَزَوَّجُونَ مَنْ شَاءُوا مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ.
فَيَتَزَوَّجُ وَاحِدٌ لَمْ يَرْتَضِعْ بِأَوْلَادِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْهُ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِأَحَدِ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ أَرْضَعَتْهُ.
وَإِذَا رَضَعَ طِفْلٌ مِنْ أُمِّ هَذَا؛ أَوْ طِفْلَةٌ مِنْ أَوْلَادِ هَذَا: لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْلَادَ الْأُخْرَى؛ وَيَجُوزُ لِإِخْوَةِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَرَاضِعَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِإِخْوَةِ الْآخَرِ إذَا لَمْ يَرْضَعْ وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ أُمِّ الْآخَرِ؛ وَالتَّحْرِيمُ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُرْتَضِعِ خَاصَّةً؛ دُونَ مَنْ لَمْ يَرْضِعْ مِنْ إخْوَتِهِ؛ لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ رَمِدَ فَغَسَلَ عَيْنَيْهِ بِلَبَنِ زَوْجَتِهِ: فَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ.
إذَا حَصَلَ لَبَنُهَا فِي بَطْنِهِ؟ وَرَجُلٌ يُحِبُّ زَوْجَتَهُ فَلَعِبَ مَعَهَا فَرَضِعَ مِنْ لَبَنِهَا: فَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا غَسَلَ عَيْنَيْهِ بِلَبَنِ امْرَأَتِهِ يَجُوزُ وَلَا تَحْرُمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ لِوَجْهَيْنِ.
" أَحَدُهُمَا " أَنَّهُ كَبِيرٌ.
وَالْكَبِيرُ إذَا ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ امْرَأَتِهِ لَمْ تُنْشَرْ بِذَلِكَ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مُخْتَصٌّ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ تَبَنَّوْهُ قَبْلَ تَحْرِيمِ التَّبَنِّي.
" الثَّانِي " أَنَّ حُصُولَ اللَّبَنِ فِي الْعَيْنِ لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا نِزَاعًا؛ وَلَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي السَّعُوطِ وَهُوَ مَا إذَا دَخَلَ فِي أَنْفِهِ بَعْدَ تَنَازُعِهِمْ فِي الْوُجُورِ وَهُوَ مَا يُطْرَحُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ رَضَاعٍ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوُجُورَ يَحْرُمُ وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ السَّعُوطُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ ارْتِضَاعَهُ لَا يُحَرِّمُ امْرَأَتَهُ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
إذَا ارْتَضَعَ الطِّفْلُ مِنْ امْرَأَةٍ خَمْسَ رَضَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ لَهُ حَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ وَلَدَهَا؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَنْ وُلِدَ لَهَا قَبْلَ الرَّضَاعِ وَبَعْدَهُ؛ وَيَصِيرُ زَوْجُهَا الَّذِي أَحْبَلَهَا دَرَّ لَبَنَهَا أَبَاهُ؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَوْلَادِ ذَلِكَ الرَّجُلِ.
فَإِذَا ارْتَضَعَتْ امْرَأَتُهُ طِفْلًا وَطِفْلَةً كُلَّ وَاحِدٍ خَمْسَ رَضَعَاتٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ؛ بَلْ هُمَا أَخَوَانِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ صَبِيٍّ أَرْضَعَتْهُ كَرَّتَيْنِ ثُمَّ حَمَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَشْرِ سِنِينَ؛ وَجَاءَتْ بِبِنْتٍ وَصَارَ الصَّبِيُّ شَابًّا: فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِتِلْكَ الْبِنْتِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا ارْتَضَعَ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي حَوْلَيْنِ فَقَدْ صَارَ ابْنُهَا؛ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا وَلَدَتْهُ الْمَرْأَةُ: سَوَاءٌ وَلَدَتْهُ قَبْلَ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَهُ: بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ
و " الرَّضْعَةُ " أَنْ يَلْتَقِمَ الثَّدْيَ فَيَشْرَبَ مِنْهُ ثُمَّ يَدَعُهُ: فَهَذِهِ رَضْعَةٌ.
فَإِذَا كَانَ فِي كَرَّةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ جَرَى لَهُ خَمْسُ مَرَّاتٍ فَهَذِهِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ؛ وَإِنْ جَرَى ذَلِكَ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي كَرَّتَيْنِ فَهُوَ أَيْضًا خَمْسُ رَضَعَاتٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّضْعَةِ مَا يَشْرَبُهُ فِي نَوْبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي شُرْبِهِ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تُرْضِعُهُ بِالْغَدَاةِ ثُمَّ بِالْعَشِيِّ وَيَكُونُ فِي كُلِّ نَوْبَةٍ قَدْ أَرْضَعَتْهُ رَضَعَاتٍ كَثِيرَةً.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ الصَّبِيِّ إذَا رَضَعَ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ؛ وَكَذَلِكَ الصَّبِيَّةُ إذَا رَضَعَتْ: مَاذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ وَمَا حَدُّ الرَّضْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ؟ وَهَلْ لِلرَّضَاعَةِ بَعْدَ الْفِطَامِ تَأْثِيرٌ فِي التَّحْرِيمِ؟ وَهَلْ تَبْقَى الْمَرْأَةُ حَرَامٌ عَلَى مَنْ تَعَدَّى سِنِينَ الرَّضَاعَةِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا ارْتَضَعَ الطِّفْلُ أَوْ الطِّفْلَةُ مِنْ امْرَأَةٍ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي الْحَوْلَيْنِ فَقَدْ صَارَ وَلَدَهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ وَصَارَ الرَّجُلُ الَّذِي دَرَّ اللَّبَنَ بِوَطْئِهِ أَبَاهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَإِخْوَةُ الْمَرْأَةِ أَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ أَعْمَامَهُ وَعَمَّاتِهِ.
وَآبَاؤُهَا أَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ؛ وَأَوْلَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا إخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ.
وَكُلُّ هَؤُلَاءِ حَرَامٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ.
وَكَذَلِكَ أَوْلَادُ هَذَا الْمُرْتَضِعِ يَحْرُمُونَ عَلَى أَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ؛ وَإِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ وَأَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ؛
وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ.
وَهَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَيَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنْ جِهَةِ الْأَبَوَيْنِ وَمِنْ جِهَةِ الْوَلَدِ.
وَأَمَّا أَبُو الْمُرْتَضِعِ مِنْ النَّسَبِ وَأُمَّهَاتُهُ وَإِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ مِنْ النَّسَبِ: فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَجَانِبُ مِنْ الْمُرْتَضِعَةِ وَأَقَارِبِهَا: بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ فَيَجُوزُ لِأَخِيهِ مِنْ النَّسَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَه مِنْ الرَّضَاعَةِ وَيَجُوزُ لِجَمِيعِ إخْوَةِ الْمُرْتَضِعِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا بِمَنْ شَاءُوا مِنْ بَنَاتِ الْمُرْضِعَةِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الَّتِي أُرْضِعَتْ مَعَ الطِّفْلِ وَغَيْرُهَا.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَضِعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ؛ لَا بِمَنْ وُلِدَ قَبْلَ الرَّضَاعِ وَلَا مَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَغْلَطُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ فَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ إخْوَةِ الْمُرْتَضِعِ مِنْ النَّسَبِ الَّذِينَ هُمْ أَجَانِبُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ أَوْلَادِ الْمُرْتَضِعَةِ الَّذِينَ إخْوَتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَيَجْعَلُ الْجَمِيعَ نَوْعًا وَاحِدًا؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ يَجُوزُ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا مِنْ هَؤُلَاءِ.
وَأَمَّا الْمُرْتَضِعُ فَلَا يَتَزَوَّجُ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ.
وَلَوْ تَرَاضَعَ طِفْلَانِ فَرَضَعَ هَذَا أُمَّ هَذَا وَرَضَعَتْ هَذِهِ أُمَّ هَذَا وَلَمْ يَرْضَعْ أَحَدٌ مِنْ إخْوَتِهَا مِنْ أُمِّ الْآخَرِ حَرُمَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْلَادَ مُرْضِعَتِهِ سَوَاءٌ وُلِدَ قَبْلَ الرَّضَاعَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى أَخٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ النَّسَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ الْآخَرِ مِنْ الرَّضَاعَةِ.
و " الرَّضَاعَةُ الْمُحَرِّمَةُ بِلَا رَيْبٍ " أَنْ يَرْضَعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَأْخُذَ الثَّدْيَ فَيَشْرَبَ مِنْهُ ثُمَّ يَدَعَهُ ثُمَّ يَأْخُذَهُ فَيَشْرَبَ مَرَّةً ثُمَّ يَدَعَهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ مِثْلَ غَدَائِهِ وَعَشَائِهِ.
وَأَمَّا دُونَ الْخَمْسِ فَلَا يُحَرِّمُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: يُحَرِّمُ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ.
وَقِيلَ لَا يُحَرِّمُ إلَّا ثَلَاثُ رَضَعَاتٍ.
وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ أَحْمَد؛ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَشْهَرُ عَنْهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿كَانَ مِمَّا نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ عَشَرُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ﴾ " " وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ أَيْضًا ﴿أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ امْرَأَةً أَنْ تُرْضِعَ شَخْصًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ؛ لِتَحْرُمَ عَلَيْهِ﴾ . " وَالرَّضَاعُ الْمُحَرِّمُ " مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ؛ فَإِنَّ تَمَامَ الرَّضَاعِ حَوْلَانِ كَامِلَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وَمَا كَانَ بَعْدَ تَمَامِ الرَّضَاعَةِ فَلَيْسَ مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ﴿عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ قُلْت: أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ قَالَ.
يَا عَائِشَةُ اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ؟ إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ﴾ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ﴾ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي: " الثَّدْيِ " أَيْ وَقْتُهُ وَهُوَ الْحَوْلَانِ كَمَا جَاءَ
فِي الْحَدِيثِ ﴿إنَّ ابْنِي إبْرَاهِيمَ مَاتَ فِي الثَّدْيِ﴾ أَيْ وَهُوَ فِي زَمَنِ الرَّضَاعِ.
وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ وَلَا بَعْدَ الْفِطَامِ وَإِنْ كَانَ الْفِطَامُ قَبْلَ تَمَامَ الْحَوْلَيْنِ.
وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّ إرْضَاعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ﴿أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ: إنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْك الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا لَك فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قَالَتْ: إنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ رَجُلٌ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْك﴾ وَفِي رِوَايَةٍ لِمَالِكِ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ: " ﴿أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ﴾ " فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخَذَتْ بِهِ عَائِشَةُ وَأَبَى غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذْنَ بِهِ؛ مَعَ أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ عَنْهُ قَالَ: " ﴿الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ﴾ " لَكِنَّهَا رَأَتْ الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ رَضَاعَةً أَوْ تَغْذِيَةً.
فَمَتَى كَانَ الْمَقْصُودُ الثَّانِي لَمْ يُحَرِّمْ إلَّا مَا كَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ.
وَهَذَا هُوَ إرْضَاعُ عَامَّةِ النَّاسِ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيَجُوزُ إنْ اُحْتِيجَ إلَى جَعْلِهِ ذَا مَحْرَمٍ.
وَقَدْ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهَا.
وَهَذَا قَوْلٌ مُتَوَجِّهٌ.
وَلَبَنُ الْآدَمِيَّاتِ طَاهِرٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَكِنْ شَكَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ.
هُوَ نَجِسٌ.
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ مُنْفَرِدًا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
قِيلَ: يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الْأَمَةِ دُونَ لَبَنِ الْحُرَّةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ امْرَأَتَيْنِ إحْدَاهُمَا لَهَا ابْنٌ وَالْأُخْرَى بِنْتٌ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْبِنْتِ الِابْنَ مِرَارًا ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ؛ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُ ابْنٌ آخَرُ وَلَمْ يَرْضِعْ مِمَّا رَضَعَ: فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ؟ أَمْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ رَضَاعَةِ أَخِيهِ.
الْجَوَابُ:
إذَا أَرَادَ أَخُو الْمُرْتَضِعِ مِنْ النَّسَبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْلَادَ الْمُرْضِعَةِ جَازَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرْتَضِعُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ بِنْتُ عَمٍّ؛ وَوَالِدُ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ قَدْ رَضَعَ بِأُمِّ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَحَدِ إخْوَتِهِ وَذَكَرَتْ أُمُّ الرِّجْلِ الْمَذْكُورِ: أَنَّهُ لَمَّا رَضَعَهَا كَانَ عُمْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَوْلَيْنِ: فَهَلْ لِلرَّجُلِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ؟
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَ الرَّضَاعُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ امْرَأَةٍ أَعْطَتْ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى وَلَدًا؛ وَهُمَا فِي الْحَمَّامِ فَلَمْ تَشْعُرْ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَخَذَتْ الْوَلَدَ إلَّا وَثَدْيُهَا فِي فَمِ الصَّبِيِّ فَانْتَزَعَتْهُ مِنْهُ فِي سَاعَتِهِ وَمَا عَلِمَتْ هَلْ ارْتَضَعَ أَمْ لَا: فَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَذْكُورِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ بَنَاتِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَا يَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَذْكُورِ بِذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْ أَوْلَادِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ أُمَّهُ وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالشَّكِّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ النَّفَقَاتِ وَالْحَضَانَةِ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلَّا وُسْعَهَا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ وَفِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنْ الْأَحْكَامِ بَعْضُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُتَنَازَعٌ فِيهِ.
وَإِذَا تَدَبَّرْت كِتَابَ اللَّهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يُفَصِّلُ النِّزَاعَ بَيَّنَ مَنْ يَحْسُنُ الرَّدُّ إلَيْهِ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ إمَّا لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ فَيُعْذَرَ.
أَوْ لِتَفْرِيطِهِ فَيُلَامَ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا
تَمَامُ الرَّضَاعَةِ
وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غِذَاءٌ مِنْ الْأَغْذِيَةِ.
وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ: الرَّضَاعُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ " الْحَوْلَيْنِ " يَقَعُ عَلَى حَوْلٍ وَبَعْضِ آخَرَ.
وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِهِمْ يُقَالُ: لِفُلَانِ عِشْرُونَ عَامًا إذَا أَكْمَلَ ذَلِكَ.
قَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُمَا: لَمَّا جَازَ أَنْ يَقُولَ: " حَوْلَيْنِ " وَيُرِيدُ أَقَلَّ مِنْهُمَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَتَعَجَّلُ
فِي يَوْمٍ وَبَعْضِ آخَرَ؛ وَتَقُولُ: لَمْ أَرَ فُلَانًا يَوْمَيْنِ.
وَإِنَّمَا تُرِيدُ يَوْمًا وَبَعْضَ آخَرَ.
قَالَ " كَامِلَيْنِ " لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُمَا.
وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فَإِنَّ لَفْظَ " الْعَشَرَةِ " يَقَعُ عَلَى تِسْعَةٍ وَبَعْضِ الْعَاشِرِ.
فَيُقَالُ: أَقَمْت عَشَرَةَ أَيَّامٍ.
وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهَا.
فَقَوْلُهُ هُنَاكَ ﴿كَامِلَةٌ﴾ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ هُنَا ﴿كَامِلَيْنِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: قَالَ ﴿الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مَوْفُورًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ " فَالْكَامِلُ الَّذِي لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ إذْ الْكَمَالُ ضِدُّ النُّقْصَانِ.
وَأَمَّا " الْمُوَفَّرُ " فَقَدْ قَالَ: أَجْرُهُمْ مُوَفَّرًا.
يُقَالُ: الْمُوَفَّرُ.
لِلزَّائِدِ؛ وَيُقَالُ: لَمْ يُكْلَمْ.
أَيْ يُجْرَحْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي " كِتَابِ الزُّهْدِ " عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى وَمَا ذَاكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيَّ وَلَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي سَالِمًا مُوَفَّرًا؛ لَمْ تَكْلِمْهُ الدُّنْيَا وَلَمْ تَكْلِمْهُ نطعة الْهَوَى﴾ وَكَانَ هَذَا تَغْيِيرَ الصِّفَةِ وَذَاكَ نُقْصَانَ الْقَدْرِ وَذَكَرَ " أَبُو الْفَرَجِ " هَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْوَالِدَاتِ؟ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْمُطَلَّقَاتِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْخُصُوصُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ والسدي وَمُقَاتِلٍ فِي آخَرِينَ.
وَالْعُمُومُ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي آخَرِينَ.
قَالَ الْقَاضِي وَلِهَذَا نَقُولُ: لَهَا أَنْ تُؤَجِّرَ نَفْسَهَا لِرِضَاعِ وَلَدِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مَعَ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً.
" قُلْت " الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّهَا أَوْجَبْت لِلْمُرْضِعَاتِ رِزْقَهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ؛ لَا زِيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَهُوَ يَقُولُ: تُؤَجِّرُ نَفْسَهَا
بِأُجْرَةِ غَيْرِ النَّفَقَةِ.
وَالْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ بَلْ إذَا كَانَتْ الْآيَةُ عَامَّةً دَلَّتْ عَلَى أَنَّهَا تُرْضِعُ وَلَدَهَا مَعَ إنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَتَدْخُلُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَغَذَّى بِغِذَاءِ أُمِّهِ وَكَذَلِكَ فِي حَالِ الرَّضَاعِ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ هِيَ نَفَقَةُ الْمُرْتَضِعِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛ فَاَلَّذِينَ خَصُّوهُ بِالْمُطَلَّقَاتِ أَوْجَبُوا نَفَقَةً جَدِيدَةً بِسَبَبِ الرَّضَاعِ كَمَا ذُكِرَ فِي " سُورَةِ الطَّلَاقِ " وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْمُطَلَّقَةِ وقَوْله تَعَالَى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ قَدّ عُلِمَ أَنَّ مَبْدَأَ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ الْوِلَادَةِ وَالْكَمَالَ إلَى نَظِيرِ ذَلِكَ.
فَإِذَا كَانَ مِنْ عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ كَانَ الْكَمَالُ فِي عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ؛ فَإِنَّ الْحَوْلَ الْمُطْلَقَ هُوَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وَهَكَذَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِدَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا أَوَّلُهَا مِنْ حِينِ الْمَوْتِ وَآخِرُهَا إذَا مَضَتْ عَشْرٌ بَعْدَ نَظِيرِهِ؛ فَإِذَا كَانَ فِي مُنْتَصَفِ الْمُحَرَّمِ فَآخِرُهَا خَامِسُ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ وَكَذَلِكَ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى فِي الْبُيُوعِ وَسَائِرِ مَا يُؤَجَّلُ بِالشَّرْعِ وَبِالشَّرْطِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ هُنَا قَوْلَانِ آخَرَانِ ضَعِيفَانِ.
" أَحَدُهُمَا " قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إذَا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ كَانَ جَمِيعُ الشُّهُورِ بِالْعَدَدِ فَيَكُونُ الْحَوْلَانِ ثَلَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَزِيدُ الْمُدَّةُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ.
و " الْقَوْلُ الثَّانِي " قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: مِنْهَا وَاحِدٌ بِالْعَدَدِ وَسَائِرُهَا بِالْأَهِلَّةِ.
وَهَذَا أَقْرَبُ؛ لَكِنْ فِيهِ غَلَطٌ؛ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْمَبْدَأُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ وَقَدْ نَقَصَ الْمُحَرَّمُ كَانَ تَمَامُهُ تَاسِعَهُ فَيَكُونُ التَّكْمِيلُ أَحَدَ عَشَرَ فَيَكُونُ الْمُنْتَهِي حَادِيَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ غَلَطٌ أَيْضًا.
وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْأُمِّ إرْضَاعُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ.
وَهِيَ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ؛ وَلِهَذَا تَأَوَّلَهَا مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَهَذَا الْأَمْرُ انْصَرَفَ إلَى الْآبَاءِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ الِاسْتِرْضَاعَ؛ لَا عَلَى الْوَالِدَاتِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فَلَوْ كَانَ مُتَحَتِّمًا عَلَى الْوَالِدَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ.
فَيُقَالُ: بَلْ الْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى أَنَّ لِلِابْنِ عَلَى الْأُمِّ الْفِعْلَ وَعَلَى الْأَبِ النَّفَقَةَ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا تَعَيَّنَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَالْأَجْنَبِيَّةُ تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا.
وقَوْله تَعَالَى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ إتْمَامَ الرَّضَاعِ وَيَجُوزُ الْفِطَامُ قَبْلَ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَصْلَحَةً وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْصَلُ إلَّا بِرِضَى الْأَبَوَيْنِ فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْإِتْمَامَ وَالْآخَرُ الْفِصَالَ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ لِمَنْ أَرَادَ الْإِتْمَامَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ} وقَوْله تَعَالَى ﴿يُرْضِعْنَ﴾ صِيغَةُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ.
وَالتَّقْدِيرُ وَالْوَالِدَةُ مَأْمُورَةٌ بِإِرْضَاعِهِ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ إذَا أُرِيدَ إتْمَامُ الرَّضَاعَةِ؛ فَإِذَا أَرَادَتْ الْإِتْمَامَ كَانَتْ مَأْمُورَةً بِذَلِكَ وَكَانَ عَلَى الْأَبِ رِزْقُهَا وَكِسْوَتُهَا وَإِنْ أَرَادَ الْأَبُ الْإِتْمَامَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُبَحْ الْفِصَالُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا جَمِيعًا.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ . وَلَفْظَةُ (مَنْ) إمَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا وَيَدْخُلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فَمَنْ أَرَادَ الْإِتْمَامَ أَرْضَعْنَ لَهُ.
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ إنَّمَا هُوَ الْمَوْلُودُ لَهُ وَهُوَ الْمُرْضِعُ لَهُ.
فَالْأُمُّ تَلِدُ لَهُ وَتُرْضِعُ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ . وَالْأُمُّ كَالْأَجِيرِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ.
فَإِنْ أَرَادَ الْأَبُ الْإِتْمَامَ أَرْضَعْنَ لَهُ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يُتِمَّ فَلَهُ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَمَنْطُوقُ الْآيَةِ أَمْرُهُنَّ بِإِرْضَاعِهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْأَبِ وَمَفْهُومُهَا أَيْضًا جَوَازُ الْفَصْلِ بِتَرَاضِيهِمَا.
يَبْقَى إذَا أَرَادَتْ الْأُمُّ دُونَ الْأَبِ مَسْكُوتًا عَنْهُ؛ لَكِنَّ مَفْهُومَ قَوْله تَعَالَى ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ؛ وَلَكِنْ تَنَاوَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فَإِنَّهَا إذَا أَرْضَعَتْ تَمَامَ الْحَوْلِ فَلَهُ أَرْضَعَتْ وَكَفَتْهُ بِذَلِكَ مُؤْنَةَ الطِّفْلِ فَلَوْلَا رَضَاعُهَا لَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يُطْعِمَهُ شَيْئًا آخَرَ.
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَّنَ أَنَّ عَلَى الْأُمِّ الْإِتْمَامَ إذَا أَرَادَ الْأَبُ وَفِي تِلْكَ بَيَّنَ أَنَّ عَلَى الْأَبِ الْأَجْرَ إذَا أَبَتْ الْمَرْأَةُ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: " التَّشَاوُرُ " فِيمَا دُونَ الْحَوْلَيْنِ: إنْ أَرَادَتْ أَنْ تَفْطِمَ وَأَبَى فَلَيْسَ لَهَا وَإِنْ أَرَادَ هُوَ وَلَمْ تُرِدْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَقَعَ ذَلِكَ عَلَى تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ يَقُولُ: غَيْرُ مُسِيئِينَ إلَى أَنْفُسِهِمَا وَلَا رَضِيعِهِمَا.
وقَوْله تَعَالَى ﴿إذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَ إذَا أَسْلَمْتُمْ أَيُّهَا الْآبَاءُ إلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَجْرَ مَا أَرْضَعْنَ قَبْلَ امْتِنَاعِهِنَّ: رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ والسدي.
وَقِيلَ: إذَا أَسْلَمْتُمْ إلَى الظِّئْرِ أَجْرَهَا: بِالْمَعْرُوفِ: رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُقَاتِلٍ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (أَتَيْتُمْ) بِالْقَصْرِ.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: وَعَلَى الْوَالِدِ كَمَا قَالَ ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الَّتِي تَلِدُهُ وَأَمَّا الْأَبُ فَلَمْ يَلِدْهُ؛ بَلْ هُوَ مَوْلُودٌ لَهُ لَكِنْ إذَا قُرِنَ بَيْنَهُمَا قِيلَ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا﴾ فَأَمَّا مَعَ الْإِفْرَادِ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَتُهُ وَالِدًا بَلْ أَبًا.
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْوَلَدَ وُلِدَ لِلْأَبِ؛ لَا لِلْأُمِّ؛ وَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَمْلًا وَأُجْرَةَ رَضَاعِهِ.
وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ فَجَعَلَهُ مَوْهُوبًا لِلْأَبِ.
وَجَعَلَ بَيْتَهُ بَيْتَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ وَإِذَا كَانَ الْأَبُ هُوَ الْمُنْفِقُ عَلَيْهِ جَنِينًا وَرَضِيعًا وَالْمَرْأَةُ وِعَاءٌ: فَالْوَلَدُ زَرْعٌ لِلْأَبِ قَالَ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فَالْمَرْأَةُ هِيَ الْأَرْضُ الْمَزْرُوعَةُ وَالزَّرْعُ فِيهَا لِلْأَبِ وَقَدْ {نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْقِيَ الرَّجُلُ مَاءَهُ
زَرْعَ غَيْرِهِ} " يُرِيدُ بِهِ النَّهْيَ عَنْ وَطْءِ الْحَبَالَى فَإِنَّ مَاءَ الْوَاطِئِ يَزِيدُ فِي الْحَمْلِ كَمَا يَزِيدُ الْمَاءُ فِي الزَّرْعِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الصَّحِيحِ: " ﴿لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ كَيْفَ يُورِثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَكَيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ﴾ ؟ " وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ لِلْأَبِ وَهُوَ زَرْعُهُ كَانَ هَذَا مُطَابِقًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك﴾ " وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ﴾ " فَقَدْ حَصَلَ الْوَلَدُ مِنْ كَسْبِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ؛ فَإِنَّ الزَّرْعَ الَّذِي فِي الْأَرْضِ كَسْبُ الْمُزْدَرِعِ لَهُ الَّذِي بَذَرَهُ وَسَقَاهُ وَأَعْطَى أُجْرَةَ الْأَرْضِ فَإِنَّ الرَّجُلَ أَعْطَى الْمَرْأَةَ مَهْرَهَا وَهُوَ أَجْرُ الْوَطْءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ وَقَدْ فُسِّرَ ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ بِالْوَلَدِ.
فَالْأُمُّ هِيَ الْحَرْثُ وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا زَرْعٌ وَالْأَبُ اسْتَأْجَرَهَا بِالْمَهْرِ كَمَا يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ وَأَنْفَقَ عَلَى الزَّرْعِ بِإِنْفَاقِهِ لَمَّا كَانَتْ حَامِلًا ثُمَّ أَنْفَقَ عَلَى الرَّضِيعِ كَمَا يُنْفِقُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ إذَا كَانَ مَسْتُورًا وَإِذَا بَرَزَ؛ فَالزَّرْعُ هُوَ الْوَلَدُ وَهُوَ مِنْ كَسْبِهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ؛ كَمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَأَنَّ مَالَهُ لِلْأَبِ مُبَاحٌ وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِلِابْنِ فَهُوَ مُبَاحٌ لِلْأَبِ أَنْ يَمْلِكَهُ وَإِلَّا بَقِيَ لِلِابْنِ؛ فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَتَمَلَّكْهُ وَرِثَ عَنْ الِابْنِ.
وَلِلْأَبِ أَيْضًا أَنْ يَسْتَخْدِمَ الْوَلَدَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ.
وَفِي هَذَا وُجُوبُ طَاعَةِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ إذَا كَانَ الْعَمَلُ مُبَاحًا لَا يَضُرُّ بِالِابْنِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَخْدَمَ عَبَدَهُ فِي مَعْصِيَةٍ أَوْ اعْتَدَى عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ فَالِابْنُ أَوْلَى.
وَنَفْعُ الِابْنِ لَهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ الْأَبُ؛ بِخِلَافِ نَفْعِ الْمَمْلُوكِ فَإِنَّهُ لِمَالِكِهِ كَمَا أَنَّ مَالَهُ لَوْ مَاتَ لِمَالِكِهِ لَا لِوَارِثِهِ.
وَدَلَّ مَا ذَكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا كَانَ كَسَقْيِ الزَّرْعِ يَزِيدُ فِيهِ وَيُنَمِّيهِ وَيَبْقَى لَهُ شَرِكَةٌ فِي الْوَلَدِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْبَادُ هَذَا الْوَلَدِ فَلَوْ مَلَكَ أَمَةً حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ وَوَطِئَهَا حَرُمَ اسْتِعْبَادُ هَذَا الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ سَقَاهُ؛ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: كَيْفَ يَسْتَعْبِدُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ.
وَكَيْفَ يُورِثُهُ أَيْ يَجْعَلُهُ مَوْرُوثًا مِنْهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ﴾ . وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ: كَيْفَ يَجْعَلُهُ وَارِثًا.
فَقَدْ غَلِطَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ كَانَتْ أَمَةً لِلْوَاطِئِ وَالْعَبْدُ لَا يُجْعَلُ وَارِثًا إنَّمَا يُجْعَلُ مَوْرُوثًا.
فَأَمَّا إذَا اُسْتُبْرِئَتْ الْمَرْأَةُ عُلِمَ أَنَّهُ لَا زَرْعَ هُنَاكَ.
وَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ عِنْدَ مَنْ لَا يَطَؤُهَا فَفِيهِ نِزَاعٌ وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ لَا زَرْعَ هُنَاكَ وَظُهُورُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ هُنَا أَقْوَى مِنْ بَرَاءَتِهَا مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ بِحَيْضَةِ؛ فَإِنَّ الْحَامِلَ قَدْ يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ الدَّمِ مِثْلُ دَمِ الْحَيْضِ؛ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ حَيْضٌ أَوْ لَا؟ فَالِاسْتِبْرَاءُ لَيْسَ دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ؛ بَلْ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ.
وَالْبَكَارَةُ وَكَوْنُهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِصَبِيِّ أَوْ امْرَأَةٍ أَدَلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ صَادِقًا وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَاسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ وَالْعَجُوزُ وَالْآيِسَةُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ.
وَلِهَذَا اضْطَرَبَ الْقَائِلُونَ هَلْ تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرِ؟ أَوْ شَهْرٍ وَنِصْفٍ؟ أَوْ شَهْرَيْنِ؟ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ؟ وَكُلُّهَا أَقْوَالٌ ضَعِيفَةٌ.
وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمْ يَكُنْ يَسْتَبْرِئُ الْبِكْرَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِالِاسْتِبْرَاءِ إلَّا فِي الْمَسْبِيَّاتِ كَمَا قَالَ فِي سَبَايَا أوطاس: " ﴿لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةِ﴾ " لَمْ يَأْمُرْ كُلَّ مَنْ وَرِثَ أَمَةً أَوْ اشْتَرَاهَا أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِالْحَالِ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ مُلِكَتْ وَكَانَ سَيِّدُهَا يَطَؤُهَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا؛ لَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذَا؛ إذْ لَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا؛ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَحَدٌ أَنْ يَبِيعَ أَمَتَهُ الْحَامِلَ مِنْهُ؛ بَلْ لَا يَبِيعُهَا إذَا وَطِئَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا فَلَا يَحْتَاجُ الْمُشْتَرِي إلَى اسْتِبْرَاءٍ ثَانٍ.
وَلِهَذَا لَمْ يَنْهَ عَنْ وَطْءِ الْحَبَالَى مِنْ السَّادَاتِ إذَا مُلِكَتْ بِبَيْعِ أَوْ هِبَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ يَقَعُ؛ بَلْ هَذِهِ دَخَلَتْ فِي نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنْ يَسْقِيَ الرَّجُلُ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ.﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْآيَةِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَجْرَ هُوَ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُسَمًّى
تَرْجِعَانِ إلَيْهِ.
" وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ " إنَّمَا تُقَدَّرُ بِالْمُسَمَّى إذَا كَانَ هُنَاكَ مُسَمًّى يَرْجِعَانِ إلَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ لَمَّا كَانَ السِّلْعَةُ هِيَ أَوْ مِثْلُهَا بِثَمَنِ مُسَمًّى وَجَبَ ثَمَنُ الْمِثْلِ إذَا أُخِذَتْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَكَمَا قَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قَوَّمَ عَلَيْهِ قِيمَةً عَدْلٌ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ الْعَبْدُ﴾ فَهُنَاكَ أُقِيمَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ وَمِثْلَهُ يُبَاعُ فِي السُّوقِ فَتُعْرَفُ الْقِيمَةُ الَّتِي هِيَ السِّعْرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ الْأَجِيرُ وَالصَّانِعُ كَمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَلِيِّ ﴿أَنْ يُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْ الْبُدْنِ شَيْئًا وَقَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا﴾ " فَإِنَّ الذَّبْحَ وَقِسْمَةَ اللَّحْمِ عَلَى الْمُهْدِي؛ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْجَازِرِ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ يَسْتَحِقُّ نَظِيرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِثْلُهُ إذَا عَمِلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِزَارَةَ مَعْرُوفَةٌ وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصِّنَاعَاتِ: كَالْحِيَاكَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْبِنَاءِ.
وَقَدْ كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَخِيطُ بِالْأُجْرَةِ عَلَى عَهْدِهِ فَيَسْتَحِقُّ هَذَا الْخَيَّاطُ مَا يَسْتَحِقُّهُ نُظَرَاؤُهُ وَكَذَلِكَ أَجِيرُ الْخِدْمَةِ يَسْتَحِقُّ مَا يَسْتَحِقُّهُ نَظِيرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ النَّاسِ.
وَأَمَّا " الْأُمُّ الْمُرْضِعَةُ " فَهِيَ نَظِيرُ سَائِرِ الْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَلَيْسَ لَهُنَّ عَادَةٌ مُقَدَّرَةٌ إلَّا اعْتِبَارُ حَالِ الرَّضَاعِ بِمَا ذُكِرَ وَهِيَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ اسْتَحَقَّتْ نَفَقَتَهَا وَكِسْوَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ نَفَقَةٌ عَلَى الْحَمْلِ.
وَهَذَا أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ .
وَلِلْعُلَمَاءِ هُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: " أَحَدُهَا " أَنَّ هَذِهِ النَّفَقَةَ نَفَقَةُ زَوْجَةٍ مُعْتَدَّةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يُوجِبُ النَّفَقَةَ لِلْبَائِنِ كَمَا يُوجِبُهَا لِلرَّجْعِيَّةِ كَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ؛ وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ؛ وَلَكِنْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ل يس لِكَوْنِهَا حَامِلًا تَأْثِيرٌ فَإِنَّهُمْ يُنْفِقُونَ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا.
" الْقَوْلُ الثَّانِي " أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا نَفَقَةَ زَوْجَةٍ؛ لِأَجْلِ الْحَمْلِ؛ كَأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد.
وَهَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ نَفَقَةَ زَوْجَةٍ فَقَدْ وَجَبَ لِكَوْنِهَا زَوْجَةً لَا لِأَجْلِ الْوَلَدِ.
وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ فَنَفَقَةُ الْوَلَدِ تَجِبُ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجَةِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى سُرِّيَّتِهِ الْحَامِلِ إذَا أَعْتَقَهَا.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: هَلْ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ؟ أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَإِنْ أَرَادُوا لَهَا مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ.
أَيْ لِهَذِهِ الْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ حَمْلِهَا فَلَا فَرْقَ.
وَإِنْ أَرَادُوا - وَهُوَ مُرَادُهُمْ - أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا نَفَقَةُ زَوْجَةٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ: فَهَذَا تَنَاقُضٌ فَإِنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ.
وَنَفَقَةُ الْحَمْلِ تَجِبُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً.
و " الْقَوْلُ الثَّالِثُ " وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ لِلْحَمْلِ؛ وَلَهَا مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ؛ لِكَوْنِهَا حَامِلًا بِوَلَدِهِ؛ فَهِيَ نَفَقَةٌ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أَبَاهُ
لَا عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا زَوْجَةً.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد؛ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَقَالَ هُنَا: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَجَعَلَ أَجْرَ الْإِرْضَاعِ عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَامِلِ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَجْرَ الْإِرْضَاعِ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ لِكَوْنِهِ أَبًا فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْحَامِلِ؛ وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ وَرِزْقَهَا وَكِسْوَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ؛ وَقَدْ جَعَلَ أَجْرَ الْمُرْضِعَةِ كَذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أَيْ وَارِثِ الطِّفْلِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْأَبِ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ نَفَقَةَ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ مِنْ " بَابِ نَفَقَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ "؛ لَا مِنْ " بَابِ نَفَقَةِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ ". وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً بَلْ كَانَتْ حَامِلًا بِوَطْءِ شُبْهَةٍ يَلْحَقهُ نَسَبُهُ أَوْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ وَقَدْ أَعْتَقَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْحَمْلِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْإِرْضَاعِ؛ وَلَوْ كَانَ الْحَمْلُ لِغَيْرِهِ كَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحِ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ إرْثٍ فَالْوَلَدُ هُنَا لِسَيِّدِ الْأَمَةِ فَلَيْسَ عَلَى الْوَاطِئِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ زَوْجًا وَلَوْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ حُرَّةً فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَالنَّسَبُ هَاهُنَا لَاحِقٌ؛ لَكِنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ؛ وَالْوَلَدُ الْحُرُّ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ الْعَبْدِ؛ وَلَا أُجْرَةُ رَضَاعِهِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ يُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى وَلَدِهِ وَسَيِّدُهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي وَلَدِهِ؛ فَإِنَّ وَلَدَهُ: إمَّا حُرٌّ وَإِمَّا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ.
نَعَمْ.
لَوْ كَانَتْ الْحَامِلُ أَمَةً وَالْوَلَدُ حُرٌّ مِثْلَ الْمَغْرُورِ الَّذِي اشْتَرَى أَمَةً فَظَهَرَ أَنَّهَا
مُسْتَحَقَّةٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ أَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً فَظَهَرَ أَنَّهَا أَمَةٌ: فَهُنَا الْوَلَدُ حُرٌّ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً مَمْلُوكَةً لِغَيْرِ الْوَاطِئِ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَطِئَ مَنْ يَعْتَقِدُهَا مَمْلُوكَةً لَهُ أَوْ زَوْجَةً حُرَّةً وَبِهَذَا قَضَتْ الصَّحَابَةُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ بِشِرَاءِ الْوَلَدِ وَهُوَ نَظِيرُهُ.
فَهُنَا الْآنَ يُنْفِقُ عَلَى الْحَامِلِ كَمَا يُنْفِقُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ لَهُ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ وَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَهُ مِنْهَا بِنْتٌ تَرْضَعُ وَقَدْ أَلْزَمُوهُ بِنَفَقَةِ الْعِدَّةِ: فَكَمْ تَكُونُ مُدَّةُ الْعِدَّةِ الَّتِي لَا تَحِيضُ فِيهَا لِأَجْلِ الرَّضَاعَةِ
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فَعِنْدَهُمْ لَا نَفَقَةَ لِلْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيُوجِبُ لَهَا النَّفَقَةَ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
وَإِذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَلَا تَزَالُ فِي الْعِدَّةِ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ.
وَالْمُرْضِعُ يَتَأَخَّرُ حَيْضُهَا فِي الْغَالِبِ.
وَأَمَّا أَجْرُ الرَّضَاعِ فَلَهَا ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ إلَّا عَلَى الْمُوسِرِ؛ فَأَمَّا الْمُعْسِرُ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ امْرَأَةٍ مُزَوَّجَةٍ مُحْتَاجَةٍ.
فَهَلْ تَكُونُ نَفَقَتُهَا وَاجِبَةً عَلَى زَوْجِهَا؟ أَوْ مِنْ صَدَاقِهَا؟
فَأَجَابَ:
الْمُزَوَّجَةُ الْمُحْتَاجَةُ نَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا وَاجِبَةٌ مِنْ غَيْرِ صَدَاقِهَا وَأَمَّا صَدَاقُهَا الْمُؤَخَّرُ فَيَجُوزُ أَنْ تُطَالِبَهُ؛ وَإِنْ أَعْطَاهَا فَحَسَنٌ؛ وَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ حَتَّى يَقَعَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ: بِمَوْتِ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: *
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَلَا تُطَاوِعُهُ فِي أَمْرٍ وَتَطْلُبُ مِنْهُ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَقَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْهِ أُمُورَهُ: فَهَلْ تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً؟
فَأَجَابَ:
إذَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا أَوْ خَرَجَتْ مِنْ دَارِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ: فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ؛ وَكَذَلِكَ إذَا طَلَبَ مِنْهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَهُ فَلَمْ تَفْعَلْ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ فَحَيْثُ كَانَتْ نَاشِزًا عَاصِيَةً لَهُ فِيمَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهَا طَاعَتُهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا كِسْوَةٌ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ إذَا تَحَاكَمَا فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ؛ هَلْ الْقَوْلُ قَوْلُهَا؟ أَمْ قَوْلُ الرَّجُلِ؟ وَهَلْ لِلْحَاكِمِ تَقْدِيرُ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ؟ وَالْمَسْئُولُ بَيَانُ حُكْمِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِدَلَائِلِهِمَا.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُقِيمَةً فِي بَيْتِ زَوْجِهَا مُدَّةً تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَكْتَسِي كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ؛ ثُمَّ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ هِيَ: أَنْتَ مَا أَنْفَقْت عَلَيَّ وَلَا كَسَوْتَنِي؛ بَلْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِك.
وَقَالَ هُوَ: بَلْ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ كَانَتْ مِنِّي.
فَفِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
" أَحَدُهُمَا " الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يُصْدِقَهَا تَعَلُّمَ صِنَاعَةٍ وَتَتَعَلَّمُهَا ثُمَّ يَتَنَازَعَانِ فِيمَنْ عَلِمَهَا فَيَقُولُ هُوَ: أَنَا عَلَّمْتهَا وَتَقُولُ هِيَ: أَنَا تَعَلَّمْتهَا مِنْ غَيْرِهِ.
فَفِيهَا وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عِنْدَهُ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُونَ:
وَجَبَتْ عَلَى طَرِيقَةِ الصِّلَةِ فَتَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَالْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ يَقُولُونَ: وَجَبَتْ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ.
وَلَكِنْ إذَا تَنَازَعَا فِي قَبْضِهَا فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَقْبُوضِ كَمَا لَوْ تَنَازُعًا فِي قَبْضِ الصَّدَاقِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ؛ فَإِذَا كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الرَّجُلَ يُنْفِقُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهِ وَيَكْسُوهَا وَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَسُوغُ غَيْرُهُ لِأَوْجُهِ: " أَحَدُهَا " أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمْ امْرَأَةٌ قُبِلَ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَقْبُولًا فِي ذَلِكَ لَكَانَتْ الْهِمَمُ مُتَوَفِّرَةً عَلَى دَعْوَى النِّسَاءِ وَذَلِكَ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَقِرًّا بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا.
" الثَّانِي " أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الرَّجُلِ إلَّا بِبَيِّنَةِ فَكَانَ يَحْتَاجُ إلَى الْإِشْهَادِ عَلَيْهَا كُلَّمَا أَطْعَمَهَا وَكَسَاهَا وَكَانَ تَرْكُهُ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُ إذَا تَرَكَ الْإِشْهَادَ عَلَى الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ مُسْلِمٌ عَلَى عَهْدِ السَّلَفِ.
" الثَّالِثُ " أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي هَذَا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ كَالْإِشْهَادِ عَلَى الْوَطْءِ؛ فَإِنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ وَهِيَ ثَيِّبٌ لَمْ يُقْبَلْ مُجَرَّدُ قَوْلِهَا فِي عَدَمِ الْوَطْءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ؛ بَلْ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّجُلِ أَوْ يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ الْمَنِيِّ أَوْ يُجَامِعُهَا فِي مَكَانٍ وَقَرِيبٍ مِنْهُمَا مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَطْءِ.
عَلَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ.
فَهُنَا دَعْوَاهَا وَافَقَتْ الْأَصْلَ وَلَمْ تُقْبَلْ لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْإِنْفَاقُ فِي الْبُيُوتِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَلَا يُكَلَّفُ النَّاسُ الْإِشْهَادَ عَلَى إعْطَاءِ النَّفَقَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا بِدْعَةٌ فِي الدِّينِ وَحَرَجٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاتِّبَاعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
" الرَّابِعُ " أَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَنَازِعُون
َ: هَلْ يَجِبُ تَمْلِيكُ النَّفَقَةِ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا شَيْئًا؛ بَلْ يُطْعِمُهَا وَيَكْسُوهَا بِالْمَعْرُوفِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ فِي النِّسَاءِ ﴿: لَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ " كَمَا فِي الْمَمْلُوكِ ﴿وَكِسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَالَ: " ﴿حَقُّهَا أَنْ تُطْعِمَهَا إذْ طَعِمْت وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْت﴾ كَمَا قَالَ فِي الْمَمَالِيكِ: " ﴿إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ.﴾ هَذِهِ عَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ لَا يُعْلَمُ قَطُّ أَنَّ رَجُلًا فَرَضَ لِزَوْجَتِهِ نَفَقَةً؛ بَلْ يُطْعِمُهَا وَيَكْسُوهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا كَمَا لَهُ وِلَايَةُ الْإِنْفَاقِ عَلَى رَقِيقِهِ وَبَهَائِمِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: الزَّوْجُ سَيِّدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
وَقَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: النِّكَاحُ رِقٌّ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمَتَهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ وَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ﴾ " فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ عَانِيَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ؛ وَالْعَانِي الْأَسِيرُ وَأَنَّ الرَّجُلَ أَخَذَهَا بِأَمَانَةِ اللَّهِ فَهُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا وَلِهَذَا أَبَاحَ اللَّهُ لِلرَّجُلِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنْ يَضْرِبَهَا وَإِنَّمَا يُؤَدِّبُ غَيْرَهُ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ؛ فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُؤْتَمَنًا عَلَيْهَا وَلَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ: كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ وَوُلِّيَ عَلَيْهِ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتِيمِ وَكَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَالْمُسَاقِي وَالْمُزَارِعِ فِيمَا أَنْفَقَهُ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ.
وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ.
وَعِنْدَ النِّكَاحِ مِنْ جِنْسِ الْمُشَارَكَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ وَالرَّجُلُ مُؤْتَمَنٌ فِيهِ فَقَبُولُ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَبُولِ قَوْلِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَتَهَا مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهَا نَفَقَةً: قُبِلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ سَلَّطَهَا عَلَى ذَلِكَ؛ كَمَا ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدِ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ لَمَّا قَالَتْ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ؛ وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي فَقَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُسَافِرًا عَنْهَا مُدَّةً وَهِيَ مُقِيمَةٌ فِي بَيْتِ أَبِيهَا وَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً وَلَا أَرْسَلَ إلَيْهَا بِنَفَقَةِ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْمَاضِي مُطْلَقًا فِي هَذَا الْبَابِ.
وَهَذِهِ الْمَعَانِي مَنْ تَدَبَّرَهَا تَبَيَّنَ لَهُ سِرُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ قَبُولَ قَوْلِ النِّسَاءِ فِي عَدَمِ النَّفَقَةِ فِي الْمَاضِي فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَالْفَسَادِ.
مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ الْعِبَادِ.
وَهُوَ يَئُولُ إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُقِيمُ مَعَ الزَّوْجِ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ تَدَّعِي نَفَقَةَ خَمْسِينَ سَنَةً وَكِسْوَتَهَا وَتَدَّعِي أَنَّ زَوْجَهَا مَعَ يَسَارِهِ وَفَقْرِهَا لَمْ يُطْعِمْهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ شَيْئًا وَهَذَا مِمَّا يَتَبَيَّنُ النَّاسُ كَذِبَهَا فِيهِ قَطْعًا وَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ مُنَزَّهَةٌ عَنْ أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا بِالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ؛ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ.
" الْوَجْهُ الْخَامِسُ " أَنَّ الْأَصْلَ الْمُسْتَقِرَّ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْيَمِينَ مَشْرُوعَةٌ فِي جَنَبَةِ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ؛ سَوَاءٌ تَرَجَّحَ ذَلِكَ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ أَوْ الْيَدِ الْحِسِّيَّةِ أَوْ الْعَادَةِ الْعَمَلِيَّةِ؛ وَلِهَذَا إذَا تَرَجَّحَ جَانِبُ الْمُدَّعِي كَانَتْ الْيَمِينُ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد؛ كَالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ وَكَمَا لَوْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا فِي الْأَمْوَالِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُدَّعِي حُجَّةٌ تُرَجِّحُ جَانِبَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فِي الزَّوْجَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لِكُلِّ مِنْهُمَا بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ إيَّاهُ فَيُحْكَمُ لِلْمَرْأَةِ بِمَتَاعِ النِّسَاءِ