مجموع الفتاوىصفحات 82-121

كِتَابُ الْطَلَاقِ

صفحات 82-121
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَلِلرَّجُلِ بِمَتَاعِ الرِّجَالِ؛ وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ الْحِسِّيَّةُ مِنْهُمَا ثَابِتَةً عَلَى هَذَا وَهَذَا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَصَرَّفُ فِي مَتَاعِ جِنْسِهِ.
وَهُنَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الرَّجُلَ يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَيَكْسُوهَا فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهَا جِهَةٌ تُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهَا أُجْرِيَ الْأَمْرُ عَلَى الْعَادَةِ: " الْوَجْهُ السَّادِسُ " أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَكَلَتْ وَاكْتَسَتْ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الزَّوْجِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُ غَيْرِهِ فَيَكُونُ مِنْهُ كَمَا قُلْنَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ عَلَّمَهَا الصِّنَاعَةَ وَالْقِرَاءَةَ الَّتِي أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْحَادِثَ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ الْمَعْلُومِ؛ كَمَا لَوْ سَقَطَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ فَرُئِيَ مُتَغَيِّرًا بَعْدَ ذَلِكَ وَشُكَّ هَلْ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ غَيْرِهَا؟ فَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ أَنَّهُ يُضَافُ التَّغَيُّرُ إلَى النَّجَاسَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ فِيمَا إذَا رَمَى الصَّيْدَ وَغَابَ عَنْهُ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِهِ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ زَهَقَتْ بِهِ نَفْسُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَدَّى فِي مَاءٍ أَوْ خَالَطَ كَلْبُهُ كِلَابًا أُخْرَى فَإِنَّ تِلْكَ لِأَسْبَابِ شَارَكَتْ فِي الزُّهُوقِ.
وَبَسْطُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا.

فَصْلٌ: وَأَمَّا تَقْدِيرُ الْحَاكِمِ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ فَهَذَا يَكُونُ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِيهَا كَمَا يُقَدِّرُ مَهْرَ الْمِثْلِ إذَا تَنَازَعَا فِيهِ وَكَمَا يُقَدِّرُ مِقْدَارَ الْوَطْءِ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ يَضْرِبُهَا؛ فَإِنَّ الْحُقُوقَ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهَا إلَّا بِالْمَعْرُوفِ مَتَى تَنَازَعَ فِيهَا الْخَصْمَانِ قَدَّرَهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ إذَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ مِثْلِهِ لِمِثْلِهَا: فَهَذَا يَكْفِي وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ الْحَاكِمِ.
وَلَوْ طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةً يُسَلِّمُهَا إلَيْهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا بِالْمَعْرُوفِ فَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ لَا يَفْرِضُ لَهَا نَفَقَةً وَلَا يَجِبُ تَمْلِيكُهَا ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْعَدْلِ.
وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مَرْجِعُهَا إلَى الْعُرْفِ وَلَيْسَتْ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ؛ بَلْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْبِلَادِ وَالْأَزْمِنَةِ وَحَالِ الزَّوْجَيْنِ وَعَادَتِهِمَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ﴿خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ﴾ " وَقَالَ: ﴿لَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ .

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ . فَجَعَلَ الْمُبَاحَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.
وَأَخْبَرَ أَنَّ الرِّجَالَ لَيْسُوا أَحَقَّ بِالرَّدِّ إلَّا إذَا أَرَادُوا إصْلَاحًا؛ وَجَعَلَ لَهُنَّ مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَوْلُهُ هُنَا: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ رَضِيَتْ بِغَيْرِ الْمَعْرُوفِ لَكَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَضْلُ وَالْمَعْرُوفُ تَزْوِيجُ الْكُفْءِ.
وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: مَهْرُ مِثْلِهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ؛ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ أُولَئِكَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ التَّرَاضِيَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِمْسَاكَ

بِالْمَعْرُوفِ؛ وَالتَّسْرِيحَ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُعَاشَرَةَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّ لَهُنَّ وَعَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا قَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الْوَاجِبُ الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ مِنْ أُمُورِ النِّكَاحِ وَحُقُوقِ الزَّوْجَيْنِ؛ فَكَمَا أَنَّ مَا يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ مِنْ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ هُوَ بِالْمَعْرُوفِ؛ وَهُوَ الْعُرْفُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ فِي حَالِهِمَا نَوْعًا وَقَدْرًا وَصِفَةً وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ حَالِهِمَا مِنْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَالزَّمَانِ كَالشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ وَالْمَكَانِ فَيُطْعِمُهَا فِي كُلِّ بَلَدٍ مِمَّا هُوَ عَادَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ وَهُوَ الْعُرْفُ بَيْنَهُمْ.
وَكَذَلِكَ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ الْمُتْعَةِ وَالْعِشْرَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا وَيَطَأَهَا بِالْمَعْرُوفِ.
وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالِهَا وَحَالِهِ.
وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَطْءِ الْوَاجِبِ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْمَعْرُوفِ؛ لَا بِتَقْدِيرِ مِنْ الشَّرْعِ قَرَّرْته فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمِثَالُ الْمَشْهُورُ هُوَ " النَّفَقَةُ " فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْمَعْرُوفِ تَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ نَوْعًا وَقَدْرًا: مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ مُدًّا وَنِصْفًا أَوْ مُدَّيْنِ؛ قِيَاسًا عَلَى الْإِطْعَامِ الْوَاجِبِ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ مَا عَلَيْهِ الْأُمَّةُ عِلْمًا وَعَمَلًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

﴿أَنَّهُ قَالَ لِهِنْدِ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا قَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَأَمَرَهَا أَنْ تَأْخُذَ الْكِفَايَةَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يُقَدِّرْ لَهَا نَوْعًا وَلَا قَدْرًا وَلَوْ تَقَدَّرَ ذَلِكَ بِشَرْعِ أَوْ غَيْرِهِ لَبَيَّنَ لَهَا الْقَدْرَ وَالنَّوْعَ كَمَا بَيَّنَ فَرَائِضَ الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ الْعَظِيمَةِ بِعَرَفَاتِ: ﴿لَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ . وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْكِفَايَةُ بِالْمَعْرُوفِ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكِفَايَةَ بِالْمَعْرُوفِ تَتَنَوَّعُ بِحَالَةِ الزَّوْجَةِ فِي حَاجَتِهَا وَبِتَنَوُّعِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَبِتَنَوُّعِ حَالِ الزَّوْجِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَاره وَلَيْسَتْ كِسْوَةُ الْقَصِيرَةِ الضَّئِيلَةِ كَكُسْوَةِ الطَّوِيلَةِ الْجَسِيمَةِ وَلَا كِسْوَةُ الشِّتَاءِ كَكِسْوَةِ الصَّيْفِ وَلَا كِفَايَةُ طَعَامِهِ كَطَعَامِهِ وَلَا طَعَامُ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ كَالْبَارِدَةِ وَلَا الْمَعْرُوفُ فِي بِلَادِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ.
كَالْمَعْرُوفِ فِي بِلَادِ الْفَاكِهَةِ وَالْخَمِيرِ.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَه عَنْ ﴿حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ القشيري عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت؛ وَلَا تَضْرِبُ الْوَجْهَ؛ وَلَا تُقَبِّحْ؛ وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ.﴾ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ لِلزَّوْجَةِ مَرَّةً أَنْ تَأْخُذَ كِفَايَةَ وَلَدِهَا بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي خَطَبَهَا يَوْمَ أَكْمَلَ اللَّهُ

الدِّينَ فِي أَكْبَرِ مَجْمَعٍ كَانَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ: ﴿لَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَالَ لِلسَّائِلِ الْمُسْتَفْتِي لَهُ عَنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ: ﴿تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت﴾ " وَلَمْ يَأْمُرْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مُعَيَّنٍ؛ لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ تَارَةً وَبِالْمُوَاسَاةِ بِالزَّوْجِ أُخْرَى.
وَهَكَذَا قَالَ فِي

نَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ؛

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ﴿: هُمْ إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ؛ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ؛ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ؛ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ﴾ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ﴾ فَفِي الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ أَمْرُهُ وَاحِدٌ: تَارَةً يَذْكُرُ أَنَّهُ يَجِبُ الرِّزْقُ وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ.
وَتَارَةً يَأْمُرُ بِمُوَاسَاتِهِمْ بِالنَّفْسِ.
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَ الْمَعْرُوفَ هُوَ الْوَاجِبُ وَالْمُوَاسَاةُ مُسْتَحَبَّةٌ.
وَقَدْ يُقَالُ أَحَدُهُمَا تَفْسِيرٌ لِلْآخَرِ.
وَعَلَى هَذَا ف

َالْوَاجِبُ هُوَ الرِّزْقُ وَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ فِي النَّوْعِ وَالْقَدْرِ وَصِفَةِ الْإِنْفَاقِ.

وَإِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ.
أَمَّا " النَّوْعُ " فَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يُعْطِيَهَا مَكِيلًا كَالْبُرِّ وَلَا مَوْزُونًا كَالْخُبْزِ وَلَا ثَمَنَ ذَلِكَ كَالدَّرَاهِمِ؛ بَلْ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ.
فَإِذَا أَعْطَاهَا كِفَايَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَادَتُهُمْ أَكْلَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ فَيُعْطِيَهَا ذَلِكَ.

أَوْ يَكُونَ أَكْلَ الْخُبْزِ وَالْإِدَامِ فَيُعْطِيَهَا ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ أَنْ يُعْطِيَهَا حَبًّا فَتَطْحَنَهُ فِي الْبَيْتِ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ يَطْحَنُ فِي الطَّاحُونِ وَيَخْبِزُ فِي الْبَيْتِ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ يَخْبِزُ فِي الْبَيْتِ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ يَشْتَرِي خُبْزًا مِنْ السُّوقِ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الطَّبِيخُ وَنَحْوُهُ فَعَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ وَلَا حَبَّاتٍ أَصْلًا؛ لَا بِشَرْعِ وَلَا بِفَرْضِ؛ فَإِنَّ تَعَيُّنَ ذَلِكَ دَائِمًا مِنْ الْمُنْكَرِ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ مُضِرٌّ بِهِ تَارَةً وَبِهَا أُخْرَى.
وَكَذَلِكَ " الْقَدْرُ " لَا يَتَعَيَّنُ مِقْدَارٌ مُطَّرِدٌ؛ بَلْ تَتَنَوَّعُ الْمَقَادِيرُ بِتَنَوُّعِ الْأَوْقَاتِ.
وَأَمَّا " الْإِنْفَاقُ " فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ تَمْلِيكَهَا النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ التَّمْلِيكُ.
وَهُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْمَعْرُوفَ؛ بَلْ عُرْفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ يَأْتِي بِالطَّعَامِ إلَى مَنْزِلِهِ فَيَأْكُلُ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَمَمْلُوكُهُ: تَارَةً جَمِيعًا.
وَتَارَةً أَفْرَادًا.
وَيَفْضُلُ مِنْهُ فَضْلٌ تَارَةً فَيَدَّخِرُونَهُ وَلَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ يُمَلِّكُهَا كُلَّ يَوْمٍ دَرَاهِمَ تَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمَالِكِ؛ بَلْ مَنْ عَاشَرَ امْرَأَةً بِمِثْلِ هَذَا الْفَرْضِ كَانَا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَعَاشَرَا بِغَيْرِ الْمَعْرُوفِ وَتَضَارَّا فِي الْعِشْرَةِ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ بِصَاحِبِهِ عِنْدَ الضَّرَرِ؛ لَا عِنْدَ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ فِي الزَّوْجَةِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَ فِي الْمَمْلُوكِ.
تَارَةً قَالَ: " ﴿لَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ " كَمَا قَالَ فِي الْمَمْلُوكِ.
وَتَارَةً قَالَ: ﴿تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت﴾ " كَمَا قَالَ فِي الْمَمْلُوكِ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَمْلِيكُ الْمَمْلُوكِ نَفَقَتَهُ فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَقْتَضِي إيجَابَ التَّمْلِيكِ.
وَإِذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فَمَتَى اعْتَرَفَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ يُطْعِمهَا إذَا أَكَلَ وَيَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَى وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ لِمِثْلِهَا فِي بَلَدِهَا فَلَا حَقَّ لَهَا سِوَى ذَلِكَ.
وَإِنْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يُنْفِقَ بِالْمَعْرُوفِ؛ بَلْ وَلَا لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِدَرَاهِمَ مُقَدَّرَةٍ مُطْلَقًا أَوْ حَبٍّ مُقَدَّرٍ مُطْلَقًا؛ لَكِنْ يَذْكُرُ الْمَعْرُوفَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِمَا.
فَصْلٌ: وَكَذَلِكَ " قَسْمُ الِابْتِدَاءِ وَالْوَطْءِ وَالْعِشْرَةِ وَالْمُتْعَةِ " وَاجِبَانِ كَمَا قَدْ قَرَّرْنَاهُ بِأَكْثَرِ مِنْ عَشَرَةِ أَدِلَّةٍ وَمَنْ شَكَّ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ فَقَدْ أَبْعَدَ تَأَمُّلَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالسِّيَاسَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
ثُمَّ الْوَاجِبُ قِيلَ.
مَبِيتُ لَيْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ لَيَالٍ وَالْوَطْءُ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُرَّةٌ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمَوْلَى وَالْمُتَزَوِّجِ أَرْبَعًا.
وَقِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ وَطْؤُهَا بِالْمَعْرُوفِ فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ بِحَسَبِ حَاجَتِهَا وَقُدْرَتِهِ كَالْقُوتِ سَوَاءً.
فَصْلٌ: وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهَا مِنْ مُوَافَقَتِهِ فِي الْمَسْكَنِ وَعِشْرَتِهِ وَمُطَاوَعَتِهِ فِي الْمُتْعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ.
عَلَيْهَا أَنْ تَسْكُنَ مَعَهُ فِي أَيِّ بَلَدٍ أَوْ دَارٍ إذَا

كَانَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ تَشْتَرِطْ خِلَافَهُ؛ وَعَلَيْهَا أَنْ لَا تُفَارِقَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إلَّا لِمُوجِبِ شَرْعِيٍّ فَلَا تَنْتَقِلُ وَلَا تُسَافِرُ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَإِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ﴾ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ وَالْأَسِيرِ وَعَلَيْهَا تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ اسْتِمْتَاعًا يَضُرُّ بِهَا وَلَا يُسْكِنَهَا مَسْكَنًا يَضُرُّ بِهَا وَلَا يَحْبِسَهَا حَبْسًا يَضُرُّ بِهَا.
فَصْلٌ: وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَخْدِمَهُ فِي مِثْلِ فِرَاشِ الْمَنْزِلِ وَمُنَاوَلَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْخُبْزِ وَالطَّحْنِ وَالطَّعَامِ لِمَمَالِيكِهِ وَبَهَائِمِهِ: مِثْلَ عَلْفِ دَابَّتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَجِبُ الْخِدْمَةُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ كَضَعْفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْعِشْرَةُ وَالْوَطْءُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مُعَاشَرَةً لَهُ بِالْمَعْرُوفِ؛ بَلْ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ الْإِنْسَانِ وَصَاحِبُهُ فِي الْمَسْكَنِ إنْ لَمْ يُعَاوِنْهُ عَلَى مَصْلَحَةٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَاشَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ.
وَقِيلَ - وَهُوَ الصَّوَابُ - وُجُوبُ الْخِدْمَةِ؛ فَإِنَّ الزَّوْجَ سَيِّدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ وَهِيَ عَانِيَةٌ عِنْدَهُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْعَانِي وَالْعَبْدِ الْخِدْمَةُ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: تَجِبُ الْخِدْمَةُ الْيَسِيرَةُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَجِبُ الْخِدْمَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَخْدِمَهُ

الْخِدْمَةَ الْمَعْرُوفَةَ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ وَيَتَنَوَّعُ ذَلِكَ بِتَنَوُّعِ الْأَحْوَالِ: فَخِدْمَةُ الْبَدَوِيَّةِ لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الْقَرَوِيَّةِ وَخِدْمَةِ الْقَوِيَّةِ لَيْسَتْ كَخِدْمَةِ الضَّعِيفَةِ.
فَصْلٌ: وَالْمَعْرُوفُ فِيمَا لَهُ وَلَهَا هُوَ مُوجَبُ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْمُطْلَقَ يُرْجَعُ فِي مُوجَبِهِ إلَى الْعُرْفِ كَمَا يُوجِبُ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ فِي الْبَيْعِ النَّقْدَ الْمَعْرُوفَ فَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ شَرْطًا لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا يُحَلِّلُ حَرَامًا فَالْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ؛ فَإِنَّ مُوجِبَاتِ الْعُقُودِ تُتَلَقَّى مِنْ اللَّفْظِ تَارَةً.
وَمِنْ الْعُرْفِ تَارَةً أُخْرَى؛ لَكِنْ كِلَاهُمَا مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَإِنَّ لِكُلِّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ أَنْ يُوجِبَ لِلْآخَرِ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ اللَّهُ مِنْ إيجَابِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ أَنْ يُوجِبَ فِي الْمُعَاوَضَةِ مَا يُبَاحُ بَذْلُهُ بِلَا عِوَضٍ: كَعَارِيَةِ الْبُضْعِ؛ وَالْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ؛ فَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَجِبَ بِالشَّرْطِ فَإِنَّهُ إذَا حُرِّمَ بَذْلُهُ كَيْفَ يَجِبُ بِالشَّرْطِ فَهَذِهِ أُصُولٌ جَامِعَةٌ مَعَ اخْتِصَارٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
و

َسُئِلَ:

عَنْ رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَةِ وَسَافَرَ عَنْهَا سَنَةً كَامِلَةً؛ وَلَمْ يَتْرُكْ عِنْدَهَا شَيْئًا

وَلَا لَهَا شَيْءٌ تُنْفِقُهُ عَلَيْهَا وَهَلَكَتْ مِنْ الْجُوعِ فَحَضَرَ مَنْ يَخْطُبُهَا

وَدَخَلَ بِهَا وَحَمَلَتْ مِنْهُ فَعَلِمَ الْحَاكِمُ أَنَّ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ مَوْجُودٌ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَوَضَعَتْ الْحَمْلَ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي؛ وَالزَّوْجُ الثَّانِي يُنْفِقُ عَلَيْهَا إلَى أَنْ صَارَ عُمْرُ الْمَوْلُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَلَمْ يَحْضُرْ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ وَلَا عُرِفَ لَهُ مَكَانٌ: فَهَلْ لَهَا أَنْ تُرَاجِعَ الزَّوْجَ الثَّانِيَ؟ أَوْ تَنْتَظِرَ الْأَوَّلَ.
فَأَجَابَ: إذَا تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَتِهِ فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ.
وَالْفَسْخُ لِلْحَاكِمِ؛ فَإِذَا فَسَخَتْ هِيَ نَفْسَهَا لِتَعَذُّرِ فَسْخِ الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ: فَفِيهِ نِزَاعٌ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَفْسَخْ الْحَاكِمُ بَلْ شَهِدَ لَهَا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَتَزَوَّجَتْ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَلَمْ يَمُتْ الزَّوْجُ: فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لَكِنْ إذَا اعْتَقَدَ الزَّوْجُ الثَّانِي أَنَّهُ صَحِيحٌ لِظَنِّهِ مَوْتَ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَانْفِسَاخِ النِّكَاحِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ؛ وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ تَعْتَدُّ لَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ إنْ أَمْكَنَ وَتَتَزَوَّجُ بِمَنْ شَاءَتْ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِرَجُلِ وَأَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ إلَى بِلَادِهِ فَقَالَ لَهُ وَكِيلُ الْأَبِ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ: لَا تُسَافِرْ إمَّا أَنْ تُعْطِيَ الْحَالَّ مِنْ الصَّدَاقِ وَتَنْتَقِلَ بِالزَّوْجَةِ أَوْ تُرْضِيَ الْأَبَ.
فَسَافَرَ وَلَمْ يُجِبْ إلَى ذَلِكَ وَهُوَ غَائِبٌ

عَنْ الزَّوْجَةِ الْمَذْكُورَةِ مُدَّةَ سَنَةٍ وَلَمْ يَصِلْ مِنْهُ نَفَقَةٌ: فَهَلْ لِوَالِدِ الزَّوْجَةِ أَنْ يَطْلُبَ فَسْخَ النِّكَاحِ.
فَأَجَابَ: نَعَمْ إذَا عَرَضَتْ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ فَبَذَلَ لَهُ تَسْلِيمُهَا؛ وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِذَلِكَ؛ فَإِذَا تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ بِالْفَسْخِ؛ إذَا كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِي رَجُلٍ تَبَرَّعَ وَفَرَضَ لِأُمِّهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ عَاقِلَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ وَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَسْتَدِينَ وَتُنْفِقَ عَلَيْهَا وَتَرْجِعَ عَلَيْهِ وَبَقِيَتْ مُقِيمَةً عِنْدَهُ مُدَّةً وَلَمْ تَسْتَدِنْ لَهَا نَفَقَةٌ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تَتْرُكْ عَلَيْهَا دَيْنًا وَخَلَّفَتْ مِنْ الْوَرَثَةِ ابْنَهَا هَذَا وَبِنْتَيْنِ.
ثُمَّ تُوُفِّيَ ابْنُهَا بَعْدَهَا: فَهَلْ يَصِيرُ مَا فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَيُقْسَمُ عَلَى وَرَثَتِهَا أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ مَعَ قَوْلِكُمْ النَّفَقَةُ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ: هَلْ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَجِبُ اسْتِرْجَاعُ مَا أَخَذَ وَرَثَتُهَا مِنْ تَرِكَةِ وَلَدِهَا بِهَذَا الْوَجْهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَيْسَ ذَاكَ دَيْنًا لَهَا فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يُقْضَى مِنْ تَرِكَتِهِ وَالْمُسْتَحِقَّةُ وَرَثَتُهَا وَمَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ إنَّ نَفَقَةَ

الْقَرِيبِ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ لِمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ؛ إلَّا إذَا كَانَ قَدْ اسْتَدَانَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ وَطَلَبَ الرُّجُوعَ بِمَا أَنْفَقَ: فَهَذَا فِي رُجُوعِهِ خِلَافٌ.
فَأَمَّا اسْتِقْرَارُهَا فِي الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ الْفَرْضِ - إمَّا بِإِنْفَاقِ مُتَبَرِّعٍ أَوْ بِكَسْبِهِ كَمَا يُقَالُ مِثْلُهُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ - فَمَا عَلِمْت لَهُ قَائِلًا فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ لَمْ يُلْزَمْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ وَلِمَنْ أَخَذَ مِنْهُ الْمَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَخَذَهُ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ؛ وَإِنْ قَضَى بِهَا الْقَاضِي؛ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْقَاضِي فِي الِاسْتِدَانَةِ لِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةً عَامَّةً فَصَارَ كَإِذْنِ الْغَائِبِ؛ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي قَضَاءِ الْقَاضِي هَلْ يَصِيرُ بِهِ دَيْنًا؟ رِوَايَتَيْنِ؛ لَكِنْ حَمَلُوا رِوَايَةَ الْوُجُوبِ عَلَى مَا إذَا أَمَرَ بِالِاسْتِدَانَةِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ.
وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا وَتَمَرَّدَ وَامْتَنَعَ عَنْ الْإِنْفَاقِ فَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ يَأْمُرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ فَأَمَرَهَا الْقَاضِي بِذَلِكَ وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْقَاضِي كَأَمْرِهِ وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي لَهَا بِالنَّفَقَةِ فَأَمَرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِئَلَّا يَبْطُلَ حَقُّهَا فِي النَّفَقَةِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَسْقُطُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فَكَانَتْ فَائِدَةُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِدَانَةِ لِتَأْكِيدِ حَقِّهَا فِي النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِإِيصَالِ الْحَقِّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ.
لَكِنْ لَوْ أَمَرَ الْقَرِيبَ بِالِاسْتِدَانَةِ وَلَمْ يَسْتَدِنْ؛ بَلْ اسْتَغْنَى بِنَفَقَةِ مُتَبَرِّعٍ؛ أَوْ بِكَسْبِ لَهُ: فَقَدْ فَهِمَ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ لِإِطْلَاقِهِمْ الْأَمْرَ بِالِاسْتِدَانَةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ وُجُودِ الِاسْتِدَانَةِ وَغَيْرُهُ إنَّمَا فَهِمَ أَنَّ الِاسْتِدَانَةَ لِأَجْلِ وُجُودِ الِاسْتِدَانَةِ.
وَأَمَّا الْإِذْنُ فِي الِاسْتِدَانَةِ مِنْ غَيْرِ وُجُودِهَا لَا يُصَيِّرُ الْمَأْذُونَ فِيهِ دَيْنًا حَتَّى يُسْتَدَانَ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ وَخَلَّفْت مِنْ الْوَرَثَةِ وَلَدًا ذَكَرًا وَقَدْ ادَّعَى عَلَى أَبِيهِ بِالصَّدَاقِ وَالْكِسْوَةِ: فَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْكِسْوَةُ الْمَاضِيَةُ قَبْلَ مَوْتِهَا وَالِابْنُ مُحْتَاجٌ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ فَعَلَى الْأَبِ أَنْ يُوَفِّيَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ؛ بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ مِيرَاثٌ وَكَانَ مُحْتَاجًا عَاجِزًا عَنْ الْكِسْوَةِ: فَعَلَى الْأَبِ إذَا كَانَ مُوسِرًا أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ الْمُحْتَاجِينَ وَالْعَاجِزِينَ عَنْ الْكَسْبِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ وَدَخَلَ بِهَا وَهُوَ مُسْتَمِرُّ النَّفَقَةِ وَهِيَ نَاشِزٌ؛ ثُمَّ إنَّ وَالِدَهَا أَخَذَهَا وَسَافَرَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ: فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا سَافَرَ بِهَا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ وَتُعَزَّرُ الزَّوْجَةُ إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ يُمْكِنُهَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا مِنْ حِينِ سَافَرَتْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ عِنْدَ قَوْمٍ مُدَّةَ سَنَةٍ ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمْ كَلَامٌ فَادَّعَوْا عَلَيْهِ بِكِسْوَةِ سَنَةٍ فَأَخَذُوهَا مِنْهُ ثُمَّ ادَّعَوْا عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ وَقَالُوا: هِيَ تَحْتَ الْحَجْرِ؛ وَمَا أَذِنَّا لَك أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهَا: فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إذَا كَانَ الزَّوْجُ تَسَلَّمَهَا التَّسْلِيمَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ أَوْ أَبُوهُ أَوْ نَحْوُهُمَا يُطْعِمُهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ: لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَلَا لَهَا أَنْ تَدَّعِيَ بِالنَّفَقَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْإِنْفَاقُ بِالْمَعْرُوفِ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ؛ بَلْ مَنْ كَلَّفَ الزَّوْجَ أَنْ يُسَلِّمَ إلَى أَبِيهَا دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ لَهَا بِهَا مَا يُطْعِمُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ؛ وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ قَالَهُ بَعْضُ النَّاسِ.
فَكَيْفَ إذَا كَانَ قَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِإِقْرَارِ الْأَبِ لَهَا بِذَلِكَ وَتَسْلِيمِهَا إلَيْهِمْ؛ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْأَكْلِ؛ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ النَّفَقَةَ؛ وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا أَنْفَقُوا عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ فِي الشَّرِيعَةِ لَا تَحْتَمِلُهُ أَصْلًا.
وَمَنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا أَنَّ النَّفَقَةَ حَقٌّ لَهَا كَالدَّيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْبِضَهُ الْوَلِيُّ وَهُوَ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ: كَانَ مُخْطِئًا مِنْ وُجُوهٍ

مِنْهَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّفَقَةِ إطْعَامُهَا؛ لَا حِفْظُ الْمَالِ لَهَا.
" الثَّانِي " أَنَّ قَبْضَ الْوَلِيِّ لَهَا لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ: " الثَّالِثُ " أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ؛ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لَهَا بِالشَّرْعِ وَالشَّارِعُ أَوْجَبَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا فَلَوْ نَهَى الْوَلِيُّ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ.
" الرَّابِعُ " إقْرَارُهُ لَهَا مَعَ حَاجَتِهِ إلَى النَّفَقَةِ إذْنٌ عُرْفِيٌّ وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَأْمَنْ الزَّوْجَ عَلَى النَّفَقَةِ؛ لِوَجْهَيْنِ: " إحْدَاهُمَا " أَنَّ الِائْتِمَانَ بِهَا حَصَلَ بِالشَّرْعِ كَمَا اُؤْتُمِنَ الزَّوْجُ عَلَى بَدَنِهَا وَالْقَسْمِ لَهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهَا؛ فَإِنَّ الرِّجَالَ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ عَوَانٍ عِنْدَ الرِّجَالِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
" الثَّانِي " أَنَّ الِائْتِمَانَ الْعُرْفِيَّ كَاللَّفْظِيِّ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ حَبَسَتْهُ زَوْجَتُهُ عَلَى كِسْوَتِهَا وَصَدَاقِهَا وَبَقِيَ مُدَّةً: فَهَلْ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِنَفَقَتِهَا مُدَّةَ إقَامَتِهِ فِي حَبْسِهَا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَحَبَسَتْهُ كَانَتْ ظَالِمَةً لَهُ مَانِعَةً لَهُ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْهَا: فَلَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ نَفَقَةً.
وَإِنْ كَانَ لَهَا حَقٌّ وَاجِبٌ حَالٌّ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ فَمَنَعَهُ بَعْدَ الطَّلَبِ الشَّرْعِيِّ كَانَ ظَالِمًا فَإِذَا كَانَتْ مَعَ هَذَا بَاذِلَةً مَا يَجِبُ عَلَيْهَا وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَهُ مُدَّةُ سَبْعِ سِنِينَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا؛ لِأَجْلِ مَرَضِهَا: فَهَلْ تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ نَفَقَةً أَمْ لَا؟ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَسْتَحِقُّ وَحَكَمَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ: فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعْطَاؤُهَا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ، تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَكَانَتْ حَامِلًا فَأَسْقَطَتْ: فَهَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ النَّفَقَةُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ، إذَا أَلْقَتْ سِقْطًا انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ وَسَقَطَتْ بِهِ النَّفَقَةُ وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ أَمْ لَا إذَا كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَفِيهِ نِزَاعٌ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَأَلْزَمَهَا بِوَفَاءِ الْعِدَّةِ فِي مَكَانِهَا فَخَرَجَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ تُوُفِّيَ الْعِدَّةَ وَطَلَبَهَا الزَّوْجُ مَا وَجَدَهَا: فَهَلْ لَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ.
فَأَجَابَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا؛ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَ بِنَفَقَةِ الْمَاضِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِدَّةِ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ وَخَلَّفَتْ لَهُ ثَلَاثَ بَنَاتٍ: فَأَعْطَاهُمْ لِحَمِيهِ وَحَمَاتِهِ وَقَالَ: رُوحُوا بِهِمْ إلَى بَلَدِكُمْ حَتَّى أَجِيءَ إلَيْهِمْ؛ فَغَابَ عَنْهُمْ ثَلَاثَ سِنِينَ فَهَلْ عَلَى وَالِدِهِمْ نَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: مَا أَنْفَقُوهُ عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ بِهِ عَلَى وَالِدِهِمْ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً حَمَلَتْ مِنْهُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَزَوَّجَ بِهَا: فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْوَلَدِ فِي تَرْبِيَتِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْوَلَدُ وَلَدُ زِنَا؛ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ؛ فَإِنَّهُ يَتِيمٌ مِنْ الْيَتَامَى وَنَفَقَةُ الْيَتَامَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُؤَكَّدَةٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَةِ وَلَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ وَلَهُ فَرْضٌ عَلَى أَبِيهِ تَتَنَاوَلُهُ أُمُّهُ وَالزَّوْجُ يَقُومُ بِالصَّبِيِّ بِكُلْفَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ مُدَّةَ سِنِينَ وَحِينَ تَزَوَّجَ الرَّجُلُ كَانَ مِنْ الصَّدَاقِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ حَالَّةٍ فَشَارَطَتْهُ عَلَى أَنَّهَا لَا تُطَالِبُهُ بِهَا إذَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَى الْوَلَدِ مَا دَامَ الصَّبِيُّ عِنْدَهُ؛ وَلَمْ تُعَيِّنْ لَهُ كُلْفَةً وَلَا نَفَقَةً: فَهَلْ لَهُ مُطَالَبَةُ أُمِّ الصَّبِيِّ بِكُلْفَةِ مُدَّةِ مَقَامِهِ عِنْدَهُ؟

فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ وَلَمْ يُوَفِّ امْرَأَتَهُ بِمَا شَرَطَتْ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الصَّبِيِّ إذَا كَانَ الْإِنْفَاقُ بِمَعْرُوفِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ سَوَاءٌ أَنْفَقَ بِإِذْنِ أُمِّهِ أَمْ لَا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ امْرَأَةٍ تَطْعَمُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا؛ بِحُكْمِ أَنَّهَا تَتْعَبُ فِيهِ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، تَطْعَمُ بِالْمَعْرُوفِ: مِثْلَ الْخُبْزِ وَالطَّبِيخِ وَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِطْعَامِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ عَجَزَ عَنْ الْكَسْبِ وَلَا لَهُ شَيْءٌ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَأَوْلَادٌ: فَهَلْ يَجُوزُ لِوَلَدِهِ الْمُوسِرِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ وَإِخْوَتِهِ الصِّغَارِ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَعَمْ عَلَى الْوَلَدِ الْمُوسِرِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَبِيهِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَعَلَى إخْوَتِهِ الصِّغَارِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كَانَ عَاقًّا لِأَبِيهِ قَاطِعًا لِرَحِمِهِ مُسْتَحِقًّا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ وَطَلَبَ مِنْهُ مَا يَمُونُهُ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ مُوسِرًا وَأَبُوهُ مُحْتَاجًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ وَكَذَلِكَ إخْوَتُهُ إذَا كَانُوا عَاجِزِينَ عَنْ الْكَسْبِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَلِأَبِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَحْتَاجُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الِابْنِ؛ وَلَيْسَ لِلِابْنِ مَنْعُهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ مَالٌ وَالْوَالِدُ فَقِيرٌ وَلَهُ عَائِلَةٌ وَزَوْجُهُ غَيْرُ وَالِدَةِ الْوَلَدِ الْكَبِيرِ: فَهَلْ يَجِبُ عَلَى وَلَدِهِ نَفَقَةُ وَالِدِهِ وَنَفَقَةُ إخْوَتِهِ وَزَوْجَتِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْأَبُ عَاجِزًا عَنْ النَّفَقَةِ وَالِابْنُ قَادِرًا عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ فَعَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ عَاجِزٍ عَنْ نَفَقَةِ بِنْتِهِ وَكَانَ غَائِبًا وَهِيَ عِنْدَ أُمِّهَا وَجَدَّتُهَا تُنْفِقُ عَلَيْهَا؛ مَعَ أَنَّهَا مُوسِرَةٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فَرْضٌ: فَهَلْ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّفَقَةِ الْمُدَّةَ الَّتِي كَانَ عَاجِزًا عَنْ النَّفَقَةِ فِيهَا؟ وَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إعْسَارِهِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ؟ أَوْ قَوْلُ الْمُدَّعِي؟ وَإِذَا كَانَ مُقِيمًا فِي بَلَدٍ فِيهَا خَيْرُهُ وَيُرِيدُ أَخْذَ بِنْتِهِ مَعَهُ وَهُوَ يُسَافِرُ سَفَرَ نُقْلَةٍ: فَيَسْتَحِقُّ السَّفَرَ بِهَا وَتَكُونُ الْحَضَانَةُ لِأُمِّهَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا الْمُدَّةُ الَّتِي كَانَ عَاجِزًا عَنْ النَّفَقَةِ فِيهَا فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ وَلَا رُجُوعَ لِمَنْ أَنْفَقَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ بِغَيْرِ نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا إذَا أَنْفَقَ مُنْفِقٌ بِدُونِ إذْنِهِ مَعَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبِ.
فَقِيلَ: يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي قَوْلٍ.
وَلَا يَجُوزُ حَبْسُهُ عَلَى هَذِهِ النَّفَقَةِ وَلَا عَلَى الرُّجُوعِ بِهَا حَتَّى يَثْبُتَ الْوُجُوبُ بِيَسَارِهِ.
فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْيَسَارِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِذَا كَانَ مُقِيمًا فِي غَيْرِ بَلَدِ الْأُمِّ فَالْحَضَانَةُ لَهُ؛ لَا لِلْأُمِّ؛ وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِالْحَضَانَةِ فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ.
وَهَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ لَهُ مُطَلَّقَةٌ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ؛ وَقَدْ بَلَغَ مِنْ الْعُمْرِ سَبْعَ سِنِينَ وَهُمْ يُرِيدُونَ فَرْضَهُ.
وَقَدْ تَزَوَّجَتْ أُمُّهُ؛ وَكَفَلَتْهُ جَدَّتُهُ وَوَجَّهَتْ كَفِيلَهُ وَسَافَرُوا بِهِ إلَى الإسكندرية وَغَيَّبُوهُ مُدَّةَ سَبْعِ سِنِينَ؛ وَطُلِبَ مِنْهُ فَرْضُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ؟ فَأَجَابَ: إذَا حَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ لَمْ يَكُنْ لِأُمِّهِ أَنْ تُغَيِّبَهُ عَنْهُ؛ وَإِذَا غَيَّبَتْهُ عَنْهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالنَّفَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَلَا بِمَا أَنْفَقُوهُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ وَقْفٌ مِنْ جَدِّهِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ؛ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ أُجْرَتَهُ؛ وَلَهُ مِلْكٌ زَادَ أُجْرَةً كَثِيرَةً وَغَيْرَهَا؛ وَالْكُلُّ مُعَطَّلٌ وَلَهُ وَلَدٌ مُعْسِرٌ؛ وَلَهُ أَهْلٌ وَأَوْلَادٌ؛ فَطَلَبَ ابْنُهُ بَعْضَ الْأَمَاكِنِ ليدولبه فَلَمْ يُجِبْهُ: فَهَلْ

يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ أَنْ يُؤَجِّرَهُمْ وَيُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهِ؟ أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ مَعَ غِنَى الْوَالِدِ وَإِعْسَارِ الْوَلَدِ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ، عَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ فَقِيرًا عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَالْوَالِدُ مُوسِرًا وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْوَلَدِ إلَّا بِإِجَارَةِ مَا هُوَ مُتَعَطِّلٌ فِي عَقَارِهِ وَبِعِمَارَةِ مَا يُمْكِنُ عِمَارَتُهُ مِنْهُ أَوْ يُمَكَّنُ الْوَلَدُ مِنْ أَنْ يُؤَجِّرَ وَيُعَمِّرَ مَا يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ فَعَلَى الْوَالِدِ ذَلِكَ؛ بَلْ مَنْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ لَا يُعَمِّرُهُ وَلَا يُؤَجِّرُهُ فَهُوَ سَفِيهٌ مُبَذِّرٌ لِمَالِهِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِأَجْلِ مَصْلَحَتِهِ وَمَصْلَحَةِ وَلَدِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَصْلٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فَلَفْظُ ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ أَجْوَدُ مِنْ لَفْظِ " الْوَالِدِ " لِوُجُوهِ: أَنَّهُ يَعُمُّ الْوَالِدَ وَسَيِّدَ الْعَبْدِ وَأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْوَلَدَ لِأَبِيهِ لَا لِأُمِّهِ.
فَيُفِيدُ هَذَا أَنَّ الْوَلَدَ لِأَبِيهِ كَمَا نَقُولُهُ نَحْنُ مِنْ: أَنَّ الْأَبَ يَسْتَبِيحُ مَالَ وَلَدِهِ وَمَنَافِعَهُ وَأَنَّهُ يُبَيِّنُ جِهَةَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَوْنُ الْوَلَدِ لَهُ؛ لَا لِلْأُمِّ.
وَأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الَّتِي وَلَدَتْهُ حَقِيقَةً؛ دُونَ الْأَبِ.
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
وَلِهَذَا يُقَالُ: وُلِدَ لِفُلَانِ مَوْلُودٌ.
وُلِدَ لِي وَلَدٌ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ تُوجِبُ رِزْقَ الْمُرْتَضِعِ عَلَى أَبِيهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فَأَوْجَبَ نَفَقَتَهُ حَمْلًا وَرَضِيعًا بِوَاسِطَةِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رِزْقُهُ بِدُونِ رِزْقِ حَامِلِهِ وَمُرْضِعِهِ.
فَسُئِلْت: فَأَيْنَ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ بَعْدَ فِطَامِهِ؟ فَقُلْت: دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ تَنْبِيهًا؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ اخْتِفَائِهِ وَارْتِضَاعِهِ أَوْجَبَ نَفَقَةَ مَنْ تَحْمِلُهُ وَتُرْضِعُهُ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ إلَّا بِذَلِكَ: فَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بَعْدَ فِصَالِهِ إذَا كَانَ يُبَاشِرُ الِارْتِزَاقَ بِنَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الِاسْتِدْلَالِ فَقَدْ تَضَمَّنَ الْخِطَابُ التَّنْبِيهَ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسْكُوتِ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْمَنْطُوقِ؛ وَتَضَمَّنَ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِكَوْنِ النَّفَقَةِ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْأَبِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ الْوَلَدُ دُونَ الْأُمِّ؛ وَمَنْ كَانَ الشَّيْءُ لَهُ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ؛ وَلِذَا سُمِّيَ الْوَلَدُ كَسْبًا فِي قَوْلِهِ: (وَمَا كَسَبَ وَفِي قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ؛ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ﴾ . وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ تَائِبَةٌ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ: أَيُّ شَيْءٍ يَلْزَمُ سَيِّدَهَا إذَا لَمْ يُجَامِعْهَا؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَى النِّكَاحِ فَلْيُعِفَّهَا: إمَّا بِأَنْ يَطَأَهَا وَإِمَّا بِأَنْ يُزَوِّجَهَا لِمَنْ يَطَؤُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَهَا إلَّا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدُهَا

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ مَالُ الْإِنْسَانِ لَا يَتَّسِعُ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَلَا يُعْطَى الْبَعِيدُ مَا يَضُرُّ بِالْقَرِيبِ.
وَأَمَّا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا الْقَرِيبُ الَّذِي لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ.
وَالْقَرِيبُ أَوْلَى إذَا اسْتَوَتْ الْحَالَةُ.

بَابُ الْحَضَانَةِ

وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ وَتُوُفِّيَ وَلَدُهُ وَخَلَّفَ وَلَدًا عُمْرُهُ ثَمَانِ سِنِينَ وَالزَّوْجَةُ تُطَالِبُ الْجَدَّ بِالْفَرْضِ وَبَعْدَ ذَلِكَ تَزَوَّجَتْ وَطَلُقَتْ وَلَمْ يَعْرِفْ الْجِدُّ بِهَا وَقَدْ أَخَذَتْ الْوَلَدَ وَسَافَرَتْ وَلَا يَعْلَمُ الْجَدُّ بِهَا: فَهَلْ يَلْزَمُ الْجَدَّ فَرْضٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا وَإِذَا سَافَرَتْ سَفَرَ نُقْلَةٍ فَالْحَضَانَةُ لِلْجَدِّ دُونَهَا؛ وَمَنْ حَضَنَتْهُ وَلَمْ تَكُنْ الْحَضَانَةُ لَهَا وَطَالَبَتْ بِالنَّفَقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ؛ فَإِنَّهَا ظَالِمَةٌ بِالْحَضَانَةِ؛ فَلَا تَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِالنَّفَقَةِ: وَإِنْ كَانَ الْجَدُّ عَاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ ابْنِ ابْنِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.

وَقَالَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: فَصْلٌ: " الْيَتِيمُ " فِي الْآدَمِيِّينَ مَنْ فَقَدَ أَبَاهُ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ هُوَ الَّذِي يُهَذِّبُهُ؛ وَيَرْزُقُهُ؛ وَيَنْصُرُهُ: بِمُوجَبِ الطَّبْعِ الْمَخْلُوقِ؛ وَلِهَذَا كَانَ تَابِعًا فِي الدِّينِ لِوَالِدِهِ؛ وَكَانَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَحَضَانَتُهُ عَلَيْهِ وَالْإِنْفَاقُ هُوَ الرِّزْقُ.
و " الْحَضَانَةُ " هِيَ النَّصْرُ لِأَنَّهَا الْإِيوَاءُ وَدَفْعُ الْأَذَى.
فَإِذَا عُدِمَ أَبُوهُ طَمِعَتْ النُّفُوسُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ ظَلُومٌ جَهُولٌ وَالْمَظْلُومُ عَاجِزٌ ضَعِيفٌ فَتَقْوَى جِهَةُ الْفَسَادِ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْمُقْتَضَى وَمِنْ جِهَةِ ضَعْفِ الْمَانِعِ وَيَتَوَلَّدُ عَنْهُ فَسَادَانِ: ضَرَرُ الْيَتِيمِ؛ الَّذِي لَا دَافِعَ عَنْهُ وَلَا يُحْسَنُ إلَيْهِ وَفُجُورُ الْآدَمِيِّ الَّذِي لَا وَازِعَ لَهُ.
فَلِهَذَا أَعْظَمَ اللَّهُ أَمْرَ الْيَتَامَى فِي كِتَابِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾

وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ إنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ وَقَوْلِهِ: فِي الْأَنْعَامِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وَقَوْلِهِ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ

وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} وَقَوْلِهِ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ لَهُ بِنْتٌ لَهَا سَبْعُ سِنِينَ وَلَهَا وَالِدَةٌ مُتَزَوِّجَةٌ وَقَدْ أَخَذَهَا بِحُكْمِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ لَهَا كَافِلٌ غَيْرُهُ وَقَدْ اخْتَارَتْ أُمُّ الْمَذْكُورَةِ أَنْ تَأْخُذَهَا مِنْ الرَّجُلِ بِكَفَالَتِهَا إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَهُوَ يَخَافُ أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدُ بِالْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ وَكَيْفَ نُسْخَةُ مَا يُكْتَبُ بَيْنَهُمَا.
الْجَوَاب: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَا دَامَ الْوَلَدُ عِنْدَهَا وَهِيَ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَخَذَتْهُ عَلَى أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِهَا وَلَا تَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ: لَا نَفَقَةَ لَهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
أَيْ لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَتْ هَذِهِ الْمُدَّةَ؛ لَكِنْ لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَطْلُبَ بِالنَّفَقَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَلَدَ مِنْهَا أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجْمَعُ لَهَا بَيْنَ الْحَضَانَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَمُطَالَبَةِ الْأَبِ بِالنَّفَقَةِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا بِلَا نِزَاعٍ؛ لَكِنْ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ: فَهَلْ يَكُونُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا لَازِمًا؟ هَذَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ هُوَ لَازِمٌ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا ضَرَرَ لِلْأَبِ فِي هَذَا الِالْتِزَامِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
فَصْلٌ: فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي " حَضَانَةِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ " هَلْ هِيَ لِلْأَبِ؟ أَوْ لِلْأُمِّ؟ أَوْ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ أَحْمَد إنَّمَا فِيهَا أَنَّ الْغُلَامَ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرُوا هَذَا كالخرقي وَغَيْرِهِ بَلَغَهُمْ بَعْضُ نُصُوصِ أَحْمَد فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ سَائِرُ نُصُوصِهِ؛ فَإِنَّ كَلَامَ أَحْمَد كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ جِدًّا وَقَلَّ مَنْ يَضْبِطُ جَمِيعَ نُصُوصِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ؛ لِكَثْرَةِ كَلَامِهِ وَانْتِشَارِهِ وَكَثْرَةِ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ.
" وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ " قَدْ طَافَ الْبِلَادَ وَجَمَعَ مِنْ نُصُوصِهِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ مُجَلَّدًا وَفَاتَهُ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَتْ فِي كُتُبِهِ وَأَمَّا مَا جَمَعَهُ مِنْ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

نُصُوصِهِ فَمِنْ أُصُولِ الدِّينِ مِثْلَ: " كِتَابِ السُّنَّةِ " نَحْوَ ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ وَمِثْلَ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ مِثْلَ " كِتَابِ الْعِلْمِ " الَّذِي جَمَعَهُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى عِلَلِ الْأَحَادِيثِ مِثْلَ " كِتَابِ الْعِلَلِ " الَّذِي جَمَعَهُ مِنْ كَلَامِهِ فِي " أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَدَبِ " وَمِنْ كَلَامِهِ فِي " الرِّجَالِ وَالتَّارِيخِ " فَهُوَ مَعَ كَثْرَتِهِ لَمْ يَسْتَوْعِبْ مَا نَقَلَهُ النَّاسُ عَنْهُ.
" وَالْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ النِّزَاعَ عَنْهُ مَوْجُودٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كِلْتَاهُمَا فِي " مَسْأَلَةِ الْبِنْتِ " وَفِي " مَسْأَلَةِ الِابْنِ " وَعَنْهُ فِي الِابْنِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ مَعْرُوفَةٍ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُنَّ أَبُو الْبَرَكَاتِ فِي " مُحَرَّرِهِ ". وَعَنْهُ فِي الْجَارِيَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُمَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَيْمِيَّة فِي كِتَابَيْهِ: " التَّلْخِيصِ " " وَتَرْغِيبِ الْقَاصِدِ " وَالرِّوَايَاتُ مَوْجُودَةٌ بِأَلْفَاظِهَا وَنَقَلَتِهَا وَأَسَانِيدِهَا فِي عِدَّةِ كُتُبٍ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي " تَعْلِيقِهِ " نُقِلَ عَنْ أَحْمَد فِي الْغُلَامِ: أُمُّهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا؛ ثُمَّ الْأَبُ أَحَقُّ بِهِ.
فَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ: إذَا عَقَلَ الْغُلَامُ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْأُمِّ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَبُ أَحَقُّ بِالْغُلَامِ إذَا عَقَلَ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْأُمِّ.
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَالثَّانِي وَغَيْرُهُمَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: إذَا أَكَلَ وَحْدَهُ وَلَبِسَ وَحْدَهُ وَتَوَضَّأَ وَحْدَهُ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى

يَثْغَرَ؛ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ.
وَهَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَد.
وَأَمَّا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد وَهُوَ تَخْيِيرُ الْغُلَامِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ: فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَقِ بْنِ رَاهَوَيْه وَمُوَافَقَتُهُ لِلشَّافِعِيِّ وَإِسْحَقَ أَكْثَرُ مِنْ مُوَافَقَتِهِ لِغَيْرِهِمَا وَأُصُولُهُ بِأُصُولِهِمَا أَشْبَهُ مِنْهَا بِأُصُولِ غَيْرِهِمَا وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِمَا وَيُعَظِّمُهُمَا وَيُرَجِّحُ أُصُولَ مَذَاهِبِهِمَا عَلَى مَنْ لَيْسَتْ أُصُولُ مَذَاهِبِهِ كَأُصُولِ مَذَاهِبِهِمَا.
وَمَذْهَبُهُ أَنَّ أُصُولَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ أَصَحُّ مِنْ أُصُولِ غَيْرِهِمْ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَقُ هُمَا عِنْدَهُ مِنْ أَجَلِّ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ فِي عَصْرِهِمَا وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِمَسْجِدِ الْخَيْفِ فَتَنَاظَرَا فِي " مَسْأَلَةِ إجَارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ " وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ وَذَكَرَ أَحْمَد أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَلَا إسْحَقَ بِالْحُجَّةِ فِي مَوْضِعٍ وَأَنَّ إسْحَقَ عَلَاهُ بِالْحُجَّةِ فِي مَوْضِعٍ.
فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يُبِيحُ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَإِسْحَقَ يَمْنَعُ مِنْهُمَا وَكَانَتْ الْحُجَّةُ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا وَمَعَ إسْحَقَ فِي الْمَنْعِ مِنْ إجَارَتِهَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَد: أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِالْغُلَامِ مُطْلَقًا كَمَذْهَبِ مَالِكٍ أُخِذَتْ مِنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ فَالْأُمُّ أعطف عَلَيْهِمْ مِقْدَارَ مَا يَعْقِلُونَ الْأَدَبَ فَتَكُونُ الْأُمُّ بِهِمْ أَحَقَّ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ فَإِذَا تَزَوَّجَتْ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِوَلَدِهِ: غُلَامًا كَانَ أَوْ جَارِيَةً.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْبَرَكَاتِ.
فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَبُرَ وَصَارَ يَعْقِلُ الْأَدَبَ

فَإِنَّهُ يَكُونُ مَقَرُّهُ أَيْضًا عِنْدَ الْأُمِّ؛ لَكِنْ فِي وَقْتِ الْأَدَبِ وَهُوَ النَّهَارُ يَكُونُ عِنْدَ الْأَبِ وَهَذِهِ الْمُدَوَّنَةُ مَذْهَبُ مَالِكٍ بِعَيْنِهِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ.
فَصَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي " التَّهْذِيبِ " أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ يَبْلُغْ وَالْأَبَ يَتَعَاهَدُهُ عِنْدَهَا وَأَدَبُهُ وَبَعْثُهُ إلَى الْمَكْتَبِ وَلَا يَبِيتُ إلَّا عِنْدَ الْأُمِّ.
قُلْت: وَحَنْبَلٌ وَأَحْمَد بْنُ الْفَرَجِ كَانَا يَسْأَلَانِ الْإِمَامَ أَحْمَد عَنْ مَسَائِلِ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا كَانَ يَسْأَلُهُ إسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَسَائِلِ سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ وَكَمَا كَانَ يَسْأَلُهُ الميموني عَنْ مَسَائِلِ الأوزاعي وَكَمَا كَانَ يَسْأَلُهُ إسْمَاعِيلُ فِي سَعِيدِ الشالنجي عَنْ مَسَائِلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاجْتَهَدَ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ رَجَّحَ فِيهَا مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَسَأَلَ عَنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَحْمَد وَغَيْرَهُ وَشَرَحَهَا إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجوزجاني إمَامُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ.
وَأَمَّا " حَضَانَةُ الْبِنْتِ " إذَا صَارَتْ مُمَيِّزَةً فَوَجَدْنَا عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ مَنْصُوصَتَيْنِ وَقَدْ نَقَلَهُمَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَيْمِيَّة وَغَيْرِهِ.
" إحْدَاهُمَا " أَنَّ الْأَبَ أَحَقُّ بِهَا كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ فِي مَذْهَبِهِ.
و " الثَّانِيَةُ " أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِهَا.
قَالَ فِي رِوَايَةِ إسْحَقَ بْنِ مَنْصُورٍ يَقْضِي بِالْجَارِيَةِ لِلْأُمِّ وَالْخَالَةِ حَتَّى إذَا احْتَاجَتْ إلَى التَّزْوِيجِ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا

وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مَهْنَا بْنِ يَحْيَى: إنَّ الْأُمَّ وَالْجَدَّةَ أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَتَزَوَّجَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي " تَرْغِيبِ الْقَاصِدِ " وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا بِغَيْرِ تَخْيِيرٍ.
وَعَنْهُ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَحِيضَ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ نَحْوَ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
فَفِي " الْمُدَوَّنَةِ " مَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ مَا لَمْ يَبْلُغْ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَإِذَا بَلَغَ وَهُوَ أُنْثَى نَظَرَتْ فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ فِي حَوْزٍ وَمَنَعَةٍ وَتَحَصُّنٍ فَهِيَ أَحَقُّ بِهَا أَبَدًا مَا لَمْ تُنْكَحْ وَإِنْ بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ سَنَةً؛ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَنْعٍ وَحِرْزٍ وَتَحَصُّنٍ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ فِي نَفْسِهَا فَلِلْأَبِ أَخْذُهَا مِنْهَا وَالْوَصِيِّ وَكَذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ وَالْوَصِيُّ كَالْأَبِ فِي ذَلِكَ إذَا أَخَذَ إلَى أَمَانَةٍ وَتَحَصُّنٍ.
وَمَذْهَبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوُ ذَلِكَ قَالَ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَبْلُغَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ غَيْرَ مَرْضِيَّةٍ فِي نَفْسِهَا وَأَدَبِهَا لِوَلَدِهَا أُخِذَتْ مِنْهَا إذَا بَلَغَتْ؛ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً لَا يُخَافُ عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ أَحَقُّ بِالْجَارِيَةِ حَتَّى تَحِيضَ وَمَنْ سِوَى الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَبْلُغَ حَدًّا تُشْتَهَى وَلَفْظُ الطَّحَاوِي: حَتَّى تَسْتَغْنِيَ كَمَا فِي الْغُلَامِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا " التَّخْيِيرُ فِي الْجَارِيَةِ " فَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا لَا عَنْ أَحْمَد وَلَا عَنْ إسْحَاقَ كَمَا نُقِلَ عَنْهُمَا التَّخْيِيرُ فِي الْغُلَامِ؛ وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حيي: أَنَّهَا تُخَيَّرُ إذَا كَانَتْ كَاعِبًا وَالتَّخْيِيرُ فِي الْغُلَامِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَإِسْحَاقَ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ

فِي ذَلِكَ حَيْثُ ﴿خَيَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا بَيْنَ أَبَوَيْهِ﴾ " وَهِيَ قَضِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ نَصٌّ عَامٌّ فِي تَخْيِيرِ الْوَلَدِ مُطْلَقًا.
وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي تَخْيِيرِ الْجَارِيَةِ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِهِمْ و

َالْفَرْقُ بَيْنَ تَخْيِيرِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ

أَنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ وَتَخْيِيرُ رَأْيٍ وَمَصْلَحَةٍ؛ كَتَخْيِيرِ مَنْ يَتَصَرَّفُ لِغَيْرِهِ كَالْإِمَامِ وَالْوَلِيِّ؛ فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا خُيِّرَ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ الْأَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ مُصِيبًا فِي اجْتِهَادِهِ حَاكِمًا بِحُكْمِ اللَّهِ وَيَكُونُ لَهُ أَجْرَانِ؛ وَقَدْ لَا يُصِيبُهُ فَيُثَابَ كُلَّ اسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِ وَلَا يَأْثَمُ بِعَجْزِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْمَصْلَحَةِ كَاَلَّذِي يُنْزِلُ أَهْلَ حِصْنٍ عَلَى حُكْمِهِ كَمَا ﴿نَزَلَ بنوا قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا سَأَلَهُ فِيهِمْ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَ: أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ أَجْعَلَ الْأَمْرَ إلَى سَيِّدِكُمْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَرَضَوْا بِذَلِكَ وَطَمِعَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ اسْتِبْقَاءَهُمْ أَنَّ سَعْدًا يُحَابِيهِمْ؛ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْمُوَالَاةِ فَلَمَّا أَتَى سَعْدٌ حَكَمَ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ.
وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُقَسَّمُ أَمْوَالُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا لِلَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إنْفَاذِهِ.
وَمِثْلَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ بريدة الْمَشْهُورِ قَالَ فِيهِ: {وَإِذَا حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ فَسَأَلُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى

حُكْمِ اللَّهِ فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ: وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك وَحُكْمِ أَصْحَابِك} . وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّهُ إذَا حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا فَنَزَلُوا عَلَى حَكَمِ حَاكِمٍ جَازَ؛ إذَا كَانَ رَجُلًا حُرًّا مُسْلِمًا عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ وَلَا يَحْكُمُ إلَّا بِمَا فِيهِ حَظُّ الْإِسْلَامِ: مِنْ قَتْلٍ أَوْ رِقٍّ أَوْ فِدَاءٍ.
وَتَنَازَعُوا فِيمَا إذَا حَكَمَ بِالْمَنِّ فَأَبَاهُ الْإِمَامُ: هَلْ يَلْزَمُ حُكْمُهُ أَوْ لَا يَلْزَمُ؟ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ لِظَنِّ الْمُنَازِعِ أَنَّ الْمَنَّ لَا حَظَّ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
و " الْمَقْصُودُ " أَنَّ تَخْيِيرَ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ الَّذِي نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ هُوَ تَخْيِيرُ رَأْيٍ وَمَصْلَحَةٍ يَطْلُبُ أَيَّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ أَرْضَى لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَعَلَهُ كَمَا يَنْظُرُ الْمُجْتَهِدُ فِي أَدِلَّةِ الْمَسَائِلِ فَأَيُّ الدَّلِيلَيْنِ كَانَ أَرْجَحَ اتَّبَعَهُ؛ وَلَكِنْ مَعْنَى قَوْلِنَا " تَخْيِيرٌ " أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِعْلُ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ بَلْ قَدْ يَتَعَيَّنُ فِعْلُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً.
وَقَوْلُهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ يَقْتَضِي فِعْلَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ؛ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَغْيِيرَ هَذَا فِي حَالٍ وَهَذَا فِي حَالِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلَّا إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ فَتَرَبُّصُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا يَمْتَنِعُ بِعَيْنِهِ إذَا كَانَ الْجِهَادُ فَرْضًا عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَوْقَاتِ فَحِينَئِذٍ يُصِيبُهُ اللَّهُ بِعَذَابٍ بِأَيْدِينَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾

وَلِهَذَا كَانَ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ قَوْله تَعَالَى فِي الْمُحَارِبِينَ: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ يُخَيَّرُ تَخْيِيرَ مَشِيئَةٍ.
فَفَعَلَ هَذِهِ الْأَرْبَعُ مَسَائِلُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ هَذَا فِي حَالٍ وَهَذَا فِي حَالٍ.
ثُمَّ أَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: تِلْكَ الْأَحْوَالُ مَضْبُوطَةٌ بِالنَّصِّ فَإِنْ قَتَلُوا تَعَيَّنَ قَتْلُهُمْ وَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا تَعَيَّنَ قَطْعُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلَافٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: التَّعْيِينُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ كَقَوْلِ مَالِكٍ فَإِذَا رَأَى أَنَّ الْقَتْلَ هُوَ الْمَصْلَحَةُ قَتَلَ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَتَلَ.
وَمِنْ هَذَا الْبَاب

ِ " تَخْيِيرُ الْإِمَامِ فِي الْأَرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً " بَيْنَ جَعْلِهَا فَيْئًا وَبَيْنَ جَعْلِهَا غَنِيمَةً

كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ جَعَلَهَا غَنِيمَةً قَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ وَإِنْ رَأَى أَنْ لَا يَقْسِمَهَا جَازَ كَمَا لَمْ يَقْسِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ مَعَ أَنَّهُ فَتَحَهَا عَنْوَةً.
شَهِدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ؛ وَالسِّيرَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ وَكَمَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَلِأَنَّ خُلَفَاءَهُ بَعْدَهُ - أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - فَتَحُوا مَا فَتَحُوا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ وَالرُّومِ وَفَارِسَ: كَالْعِرَاقِ؛ وَالشَّامِ وَمِصْرَ؛ وَخُرَاسَانَ وَلَمْ يَقْسِمْ أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ شَيْئًا مِنْ الْعَقَارِ الْمَغْنُومِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ؛ لَا السَّوَادَ وَلَا غَيْرَ السَّوَادِ بَلْ جَعَلَ الْعَقَارَ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ

مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الْآيَةُ؛ وَلَمْ يَسْتَأْذِنُوا فِي ذَلِكَ الْغَانِمِينَ؛ بَلْ طَلَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْغَانِمِينَ قَسْمَ الْعَقَارِ فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ إلَى ذَلِكَ كَمَا طَلَبَ بِلَالٌ مِنْ عُمَرَ أَنْ يَقْسِمَ أَرْضَ الشَّامِ وَطَلَبَ مِنْهُ الزُّبَيْرُ أَنْ يَقْسِمَ أَرْضَ مِصْرَ فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَطِبْ أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَحَدًا مِنْ الْغَانِمِينَ فِي ذَلِكَ.
وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ فَيْئًا بِنَفْسِ الْفَتْحِ وَمِنْ ذَلِكَ نَصُّ مَذْهَبِهِ كَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إسْحَاقَ وَقَالُوا الْأَرْضُ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي الْغَنِيمَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ الْمَغَانِمَ وَمِلْكَهُمْ الْعَقَارَ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَغَانِمِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يُذْكَرُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَد؛ كَمَا ذَكَرَ عَنْهُ رِوَايَةً ثَالِثَةً كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ يَجِبُ قَسْمُ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَغْنُومٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ مَكَّةَ لَمْ تُفْتَحْ عَنْوَةً؛ بَلْ صُلْحًا فَلَا يَكُونُ عَلَيَّ مِنْهَا حُجَّةٌ.
وَمَنْ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً - كَصَاحِبِ " الْوَسِيطِ " وَغَيْرِهِ - فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ؛ وَقَالَ: لِأَنَّ السَّوَادَ لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ فِيهِ إلَّا أَنْ أَظُنَّ فِيهِ ظَنًّا مَقْرُونًا بِعِلْمِ وَظَنٍّ أَنَّ عُمَرَ اسْتَطَابَ الْغَانِمِينَ كَمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ حَارِثَةَ.
وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ وَأَشْبَهُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأُصُولِ وَهُمْ الَّذِينَ قَالُوا: نُخَيِّرُ الْإِمَامَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَخْيِيرَ رَأْيٍ وَمَصْلَحَةٍ؛ لَا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ وَمَشِيئَةٍ وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُخَيَّرُ فِيهِ وُلَاةُ الْأَمْرِ وَمَنْ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ بِوِلَايَةِ: كَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَوَصِيِّ الْيَتِيمِ وَالْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ لَا يُخَيَّرُونَ تَخْيِيرَ.
مَشِيئَةٍ وَشَهْوَةٍ؛ بَلْ تَخْيِيرَ اجْتِهَادٍ وَنَظَرٍ وَطَلَبُ الْجَوَازِ الْأَصْلَحِ: كَالرَّجُلِ الْمُبْتَلَى

بِعَدُوَّيْنِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى الِابْتِدَاءِ بِأَحَدِهِمَا فَيَبْتَدِئُ بِمَالِهِ أَنْفَعَ: كَالْإِمَامِ فِي تَوْلِيَةِ مَنْ يُوَلِّيهِ مِنْ وُلَاةِ الْحَرْبِ وَالْحُكْمِ وَالْمَالِ: يَخْتَارُ الْأَصْلَحَ فَالْأَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ " فَمَنْ وَلَّى رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَخَانَ رَسُولَهُ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ ". وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّهمَا شَاءَ: كَالْمُكَفِّرِ إذَا خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالْعِتْقِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْخِصَالِ أَفْضَلَ فَيَجُوزُ لَهُ فِعْلُ الْمَفْضُولِ.
وَكَذَلِكَ لَابِسُ الْخُفِّ إذَا خُيِّرَ بَيْنَ الْمَسْحِ وَبَيْنَ الْغَسْلِ؛ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ.
وَكَذَلِكَ الْمُصَلِّي إذَا خُيِّرَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ؛ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ.
وَكَذَلِكَ تَخْيِيرُ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ؛ وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاجِبًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ حَتَّى إذَا تَعَيَّنَ الْمَأْكُولُ وَجَبَ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ مَيْتَةً فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَكْلُهَا فِي الْمَشْهُورِ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَفِي

" كَفَّارَةِ الْمَجَامِعِ فِي رَمَضَانَ " هَلْ هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ؟ أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ؟

فِيهَا قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ؛ لَكِنَّ التَّرْتِيبَ فِيهَا ثَبَتَ بِحِكَايَةِ الْمَجَامِعِ؛ لَا بِلَفْظِ عَامٍّ؛ فَلِهَذَا أَقْدَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ أَلْزَمَ بَعْضَ الْمُلُوكِ بِالصَّوْمِ عَيْنًا وَأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهَا لَيْسَ شَرْعًا عَامًّا؛ بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَقَدَّمَ الْعِتْقَ فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ أَصْعَبَ مِنْ الصِّيَامِ: كَالْأَعْرَابِ.
وَأَمَّا مَنْ كَانَ الْعِتْقُ أَسْهَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ.

وَكَذَلِكَ " تَخْيِيرُ الْحَاجِّ " بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَتَخْيِيرُ الْمُسَافِرِينَ بَيْنَ الْفِطْرِ وَالصَّوْمِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ إلَّا مُتَمَتِّعًا أَوْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ - كَمَا تَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ - فَلَا يَجِئْ هَذَا عَلَى أَصْلِهِمْ.
وَكَذَلِكَ " الْقَصْرُ " عِنْدَ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا رَكْعَتَيْنِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِي السَّفَرِ قَطُّ إلَّا رَكْعَتَيْنِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَيَاتِهِ.
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي فِيهِ أَنَّهَا صَلَّتْ فِي حَيَاتِهِ السَّفَرَ أَرْبَعًا كُذِّبَ عِنْدَ حُذَّاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ.
كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
إذْ الْمَقْصُودُ هُنَا أَن

َّ " التَّخْيِيرَ فِي الشَّرْعِ نَوْعَانِ "

فَمَنْ خُيِّرَ فِيمَا يَفْعَلُهُ لِغَيْرِهِ بِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ وَبِوَكَالَةِ مُطْلَقَةٍ: لَمْ يُبَحْ لَهُ فِيهَا فِعْلُ مَا شَاءَ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ الْأَصْلَحَ وَأَمَّا مَنْ تَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ: فَتَارَةً يَأْمُرُهُ الشَّارِعُ بِاخْتِيَارِ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ كَمَا يَأْمُرُ الْمُجْتَهِدَ بِطَلَبِ أَقْوَى الْأَقَاوِيلِ وَأَصْلَحِ الْأَحْكَامِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَتَارَةً يُبِيحُ لَهُ مَا شَاءَ مِنْ الْأَنْوَاعِ الَّتِي خُيِّرَ بَيْنَهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
هَذَا إذَا كَانَ مُكَلَّفًا.
وَأَمَّا " الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ " يُخَيَّرُ تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ حَيْثُمَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ نَطِيرَ الْآخَرِ؛ وَلَمْ يُضْبَطْ فِي حَقِّهِ حَكَمٌ عَامٌّ لِلْأَبِ أَوْ لِلْأُمِّ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ:

جارٍ التحميل