ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَجُمْهُورِ " الطَّوَائِفِ " مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ وَظَنُّوا أَنَّ تَقَدُّمَ الْعِلْمِ يَمْنَعُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَصَارُوا فَرِيقَيْنِ: (فَرِيقٌ أَقَرُّوا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَنْكَرُوا أَنْ يَتَقَدَّمَ بِذَلِكَ قَضَاءٌ وَقَدَرٌ وَكِتَابٌ وَهَؤُلَاءِ نَبَغُوا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَلَمَّا سَمِعَ الصَّحَابَةُ بِدَعَهُمْ تَبَرَّءُوا مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنْهُمْ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ وَغَيْرُهُمْ وَقَدْ نَصَّ " الْأَئِمَّةُ " كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد عَلَى كُفْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عِلْمَ اللَّهِ الْقَدِيمِ.
وَ (الْفَرِيقُ الثَّانِي: مَنْ يُقِرُّ بِتَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ لَكِنْ يَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ يُغْنِي عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعَمَلِ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْعَمَلِ بَلْ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِالسَّعَادَةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِلَا عَمَلٍ أَصْلًا وَمَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالشَّقَاوَةِ شَقِيَ بِلَا عَمَلٍ فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا طَائِفَةً مَعْدُودَةً مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ وَإِنَّمَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ جُهَّالِ النَّاسِ.
وَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ أُولَئِكَ وَأَضَلُّ سَبِيلًا وَمَضْمُونُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ تَعْطِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِكَثِيرِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ سَأَلَ السَّائِلُ عَنْ مَقَالَتِهِمْ.
وَأَمَّا " جُمْهُورُ الْقَدَرِيَّةِ " فَهُمْ يُقِرُّونَ بِالْعِلْمِ وَالْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ يُنْكِرُونَ
أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَإِرَادَةَ الْكَائِنَاتِ وَتُعَارِضُهُمْ الْقَدَرِيَّةُ الْمُجْبِرَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ وَلَا إرَادَةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَلَا هُوَ فَاعِلٌ حَقِيقَةً وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّالٌ.
وَشَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَجْعَلُ خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَإِرَادَةَ اللَّهِ الْكَائِنَاتِ مَانِعَةً مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ فَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَضْمُونُ قَوْلِهِمْ: تَعْطِيلُ جَمِيعِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ كُلُّهُمْ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
ثُمَّ قَوْلُهُمْ مُتَنَاقِضٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَى مَعَهُ بَنُو آدَمَ لِاسْتِلْزَامِهِ فَسَادَ الْعِبَادِ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعِبَادِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ كَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَهْوَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ يُمَكِّنُ كُلَّ أَحَدٍ مِمَّا يَهْوَاهُ مِنْ قَتْلِ النُّفُوسِ، وَفِعْلِ الْفَوَاحِشِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ غَايَةَ الْفَسَادِ وَلِهَذَا لَا تَعِيشُ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي آدَمَ إلَّا بِنَوْعِ مِنْ الشَّرِيعَةِ الَّتِي فِيهَا أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَلَوْ كَانَتْ بِوَضْعِ بَعْضِ الْمُلُوكِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ فَسَادٍ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ يُبَيِّنُ أَنَّ تَقَدُّمَ عِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ لَا يَمْنَعُ تَوَقُّفَ ذَلِكَ عَلَى الْأَعْمَالِ وَالْأَسْبَابِ الَّتِي
جَعَلَ اللَّهُ بِهَا تِلْكَ الْأُمُورَ وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَامِلًا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي بِهِ يُسْعِدُهُ اللَّهُ وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ مُرِيدًا لَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ - وَإِنْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ جَبْرًا - لَكِنْ هَلْ يَكُونُ الْعَبْدُ قَادِرًا عَلَى غَيْرِ الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَهُ * الَّذِي سَبَقَ بِهِ الْعِلْمُ وَالْكِتَابُ فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ كَمَا تَنَازَعُوا فِي أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ هَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ أَوْ يَجِبُ أَنْ تَتَقَدَّمَهُ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ: إنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ يَقُولُ الْعَبْدُ لَا يَسْتَطِيعُ غَيْرُ مَا يَفْعَلُهُ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ بِهِ الْعِلْمُ وَالْكِتَابُ.
وَمَنْ قَالَ: إنَّ الِاسْتِطَاعَةَ قَدْ تَتَقَدَّمُ الْفِعْلَ وَقَدْ تُوجَدُ دُونَ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ يَكُونُ مُسْتَطِيعًا لِمَا لَمْ يَفْعَلْهُ وَلِمَا عَلِمَ وَكَتَبَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنَّ " الِاسْتِطَاعَةَ " جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى نَوْعَيْنِ: الِاسْتِطَاعَةُ الْمُشْتَرَطَةُ لِلْفِعْلِ وَهِيَ مَنَاطُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَةَ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَان بْنِ الأزارقة: ﴿صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا.
فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ﴾ . فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ لَوْ كَانَتْ لَا تُوجَدُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ لَوَجَبَ أَلَّا يَجِبَ الْحَجُّ إلَّا عَلَى مَنْ حَجَّ وَلَا يَجِبُ صِيَامُ شَهْرَيْنِ إلَّا عَلَى مَنْ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
صَامَ وَلَا الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا عَلَى مَنْ قَامَ وَكَانَ الْمَعْنَى: عَلَى الَّذِينَ يَصُومُونَ الشَّهْرَ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَالْآيَةُ إنَّمَا أُنْزِلَتْ لَمَّا كَانُوا مُخَيَّرِينَ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا الْفِعْلُ قَدْ يُقَالُ هِيَ المقترنة بِالْفِعْلِ الْمُوجِبَةُ لَهُ - وَهِيَ النَّوْعُ الثَّانِي - وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْمَنْفِيَّةَ هُنَا - سَوَاءٌ كَانَ نَفْيُهَا خَبَرًا أَوْ ابْتِدَاءً - لَيْسَتْ هِيَ الِاسْتِطَاعَةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِنَّ تِلْكَ إذَا انْتَفَتْ انْتَفَى الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْحَمْدُ وَالذَّمُّ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَأْمُورُونَ مَنْهِيُّونَ مَوْعُودُونَ مُتَوَعِّدُونَ؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَنْفِيَّةَ هُنَا لَيْسَتْ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: الِاسْتِطَاعَةُ هُنَا كَالِاسْتِطَاعَةِ الْمَنْفِيَّةِ فِي قَوْلِ الْخَضِرِ لِمُوسَى ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فَإِنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ الْمَنْفِيَّةَ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا مُجَرَّدَ الْمُقَارَنَةِ فِي الْفَاعِلِ وَالتَّارِكِ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمَذْمُومِينَ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَلَا بَيْنَ الْخَضِرِ وَمُوسَى؛ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَا تَكُونُ الْمُقَارَنَةُ مَوْجُودَةً قَبْلَ فِعْلِهِ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ إنَّمَا نُفِيَتْ عَنْ التَّارِكِ لَا عَنْ الْفَاعِلِ فَعُلِمَ أَنَّهَا مُضَادَّةٌ لِمَا يَقُومُ بِالْعَبْدِ مِنْ الْمَوَانِعِ الَّتِي تَصُدُّ قَلْبَهُ عَنْهُ إرَادَةُ الْفِعْلِ وَعَمَلُهُ وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَلْ وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا التَّقْسِيمُ - أَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَطِيعُ غَيْرَ مَا فَعَلَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ خِلَافَ الْمَعْلُومِ الْمُقَدَّرِ، وَإِطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ اسْتِطَاعَةَ الْفَاعِلِ وَالتَّارِكِ سَوَاءٌ وَأَنَّ الْفَاعِلَ لَا يَخْتَصُّ عَنْ التَّارِكِ بِاسْتِطَاعَةِ خَاصَّةٍ عُرِفَ أَنَّ كِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ خَطَأٌ وَبِدْعَةٌ.
وَلِهَذَا اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَجُمْهُورُ طَوَائِفِ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا عَلِمَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَعَلَى مَا يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ عَنْهُ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ لَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ والمتفلسفة الصَّابِئَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ انْحِصَارَ الْمَقْدُورِ فِي الْمَوْجُودِ، وَيَحْصُرُونَ قُدْرَتَهُ فِيمَا شَاءَهُ وَعَلِمَ وُجُودَهُ؛ دُونَ مَا أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَمَا رَجَّحَهُ النَّظَّامُ والأسواري وَكَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَزْعُمُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَقْدُورِ غَيْرُ هَذَا الْعَالَمِ، وَلَا فِي الْمَقْدُورِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُهْدَى بِهِ الضَّالُّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُسَوِّي بَنَانَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ
عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ جَابِرٍ: ﴿أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعُوذُ بِوَجْهِك - ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ - قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِك ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ . قَالَ: هَاتَانِ أَهْوَنُ} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ . وَمَنْ حَكَى مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ قَادِرًا عَلَى غَيْرِ مَا فَعَلَ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْمَعْلُومِ فَإِنَّهُ - مُخْطِئٌ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ مِنْ نَفْيِ الْقُدْرَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ مُصِيبٌ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ مِنْ نَفْيِ الْقُدْرَةِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا الْفَاعِلُ دُونَ التَّارِكِ وَهَذَا مِنْ أُصُولِ نِزَاعِهِمْ فِي جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ.
فَإِنَّ مَنْ يَقُولُ الِاسْتِطَاعَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ فَالتَّارِكُ لَا اسْتِطَاعَةَ لَهُ بِحَالِ يَقُولُ: إنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ مَا لَا يُطِيقُهُ كَمَا قَدْ يَقُولُونَ: إنَّ جَمِيعَ الْعِبَادِ كُلِّفُوا مَا لَا يُطِيقُونَ.
وَمَنْ يَقُولُ: إنَّ اسْتِطَاعَةَ الْفِعْلِ هِيَ اسْتِطَاعَةُ التَّرْكِ يَقُولُ: إنَّ الْعِبَادَ لَمْ يُكَلَّفُوا إلَّا بِمَا هُمْ مُسْتَوُونَ فِي طَاقَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ؛ لَا يَخْتَصُّ الْفَاعِلُ دُونَ التَّارِكِ بِاسْتِطَاعَةِ خَاصَّةٍ فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ كُلِّفَ بِمَا لَا يُطِيقُهُ كَإِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى أَفْعَالِهِ
- إذْ سَلْبُ الْقُدْرَةِ فِي الْمَأْمُورِ نَظِيرُ إثْبَاتِ الْجَبْرِ فِي الْمَحْظُورِ - وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ قَادِرٌ مُسْتَطِيعٌ عَلَى خِلَافِ مَعْلُومِ اللَّهِ وَمَقْدُورِهِ.
وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا يُنْكِرُونَ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ كُلَّهَا لَا سِيَّمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى بَاطِلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَقٌّ أَيْضًا؛ بَلْ الْوَاجِبُ إطْلَاقُ الْعِبَارَاتِ الْحَسَنَةِ وَهِيَ الْمَأْثُورَةُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا النُّصُوصُ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْعِبَارَاتِ الْمُجْمَلَةِ الْمُشْتَبِهَةِ وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ أَبْوَابِ أُصُولِ الدِّينِ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَثْبُتُ بِكَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ هِيَ النَّصُّ الْمُحْكَمُ، وَتَجْعَلَ الْعِبَارَاتِ الْمُحْدَثَةَ الْمُتَقَابِلَةَ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ الْمُشْتَمِلَةَ فِي كُلٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فِي حَقٍّ وَبَاطِلٍ مِنْ بَابِ الْمُجْمَلِ الْمُشْتَبَهِ الْمُحْتَاجِ إلَى تَفْصِيلِ الْمَمْنُوعِ مِنْ إطْلَاقِ طَرَفَيْهِ.
وَقَدْ كَتَبْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَا قَالَهُ الأوزاعي وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ؛ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْ كَرَاهَةِ إطْلَاقِ الْجَبْرِ وَمِنْ مَنْعِ إطْلَاقِ نَفْيِهِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا
: الْقَوْلُ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ
لَمْ تُطْلِقْ الْأَئِمَّةُ فِيهِ وَاحِدًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: صَاحِبُ الْخَلَّالِ فِي " كِتَابِ الْقَدَرِ " الَّذِي فِي مُقَدِّمَةِ " كِتَابِ الْمُقْنِعِ " لَهُ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ فَنَتَّبِعَهُ؛ وَالنَّاسُ فِيهِ قَدْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ قَائِلُونَ: بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَنَفَاهُ
آخَرُونَ وَمَنَعُوا مِنْهُ.
قَالَ: وَاَلَّذِي عِنْدَنَا فِيهِ أَنَّ الْقُرْآنَ شَهِدَ بِصِحَّةِ مَا إلَيْهِ قَصَدْنَاهُ.
وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ؛ يَتَعَبَّدُ خَلْقَهُ بِمَا يُطِيقُونَ وَمَا لَا يُطِيقُونَ.
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ: وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يُعَارِضَ قَوْلَنَا فَيَقُولُ: لَوْ جَازَ أَنْ يُكَلِّفَ اللَّهُ الْعَبْدَ مَا لَا يُطِيقُ جَازَ أَنْ يُكَلِّفَ الْأَعْمَى صَنْعَةَ الْأَلْوَانِ، وَالْمُقْعَدَ الْمَشْيَ؛ وَمَنْ لَا يَدُلُّهُ الْبَطْشُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ هُوَ مَشْيُهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَقَطَ السُّؤَالُ فِي كُلِّ مَا سَأَلُوا عَنْهُ عَلَى جَوَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَشْيِ عَلَى الْوُجُوهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أَبَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ - فِيمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لَمَّا حَكَى كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ - يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيَّ - قَدْ فَصَلَ بَيْنَ مَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ لَا لِاسْتِحَالَتِهِ فَيَجُوزُ تَكْلِيفُهُ وَمَا يَسْتَحِيلُ لَا يَجُوزُ قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ الِاحْتِمَالُ فِيمَا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ هَلْ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ لِاسْتِحَالَتِهِ كَالْأَمْرِ بِالْمُحَالِ وَكَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَجَعْلِ الْمُحْدَثِ قَدِيمًا وَالْقَدِيمِ مُحْدَثًا أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِلْعَجْزِ عَنْهُ كَالْمُقْعَدِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ وَالْأَخْرَسِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ فَهَذَا الْوَجْهُ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ.
وَ (الْوَجْهُ الثَّانِي: مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ لَا لِاسْتِحَالَتِهِ وَلَا لِلْعَجْزِ عَنْهُ لَكِنْ
لِتَرْكِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِضِدِّهِ كَالْكَافِرِ كَلَّفَهُ الْإِيمَانَ فِي حَالِ كُفْرِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاجِزٍ عَنْهُ وَلَا مُسْتَحِيلٍ مِنْهُ فَهُوَ كَاَلَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعِلْمِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَعِيشَةِ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَذَكَرَ الْقَاضِي الْمَنْصُوصَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ - فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْهُ - وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَبْدَ الْعَزِيزِ ذَكَرَ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ كَمَا يَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ وَكَمَا يَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ كَلَامَ مُوَافِقِيهِ وَأَصْحَابِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَد وَسَائِرِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ.
وَأَمَّا أَتْبَاعُ أَبِي الْحَسَنِ فَمِنْهُمْ مَنْ وَافَقَ نَفْسَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي كَأَبِي عَلِيٍّ ابْنِ شاذان وَأَتْبَاعِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَالَفَهُ كَأَبِي مُحَمَّدٍ اللَّبَّانِ وَالرَّازِي وَطَوَائِفَ قَالُوا: إنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ الْمُمْتَنِعِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَالْمَعْجُوزِ عَنْهُ.
وَ (الْقَوْلُ الثَّالِثُ) : الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ كُلِّ مَا يُمْكِنُ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي الْعَادَةِ كَالْمَشْيِ عَلَى الْوُجُوهِ وَنَقْطِ الْأَعْمَى الْمُصْحَفِ.
وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ شَيْخُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى فِي أُصُولِهِ: قَوْلِي " التَّفْرِيقُ وَالْإِطْلَاقُ " عَنْ أَصْحَابِ أَحْمَد فَقَالَ:
فَصْلٌ:
لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ فِي الْأَمْرِ وَلَوْ وُجِدَ بِالْفِكْرِ وَهَذَا مِثْلُ مَا لَمْ تَرِدْ الشَّرِيعَةُ بِهِ كَأَمْرِ الْأَطْفَالِ وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، وَالْأَعْمَى الْبَصَرَ، وَالْفَقِيرِ النَّفَقَةَ.
وَالزَّمِنِ أَنْ يَسِيرَ إلَى مَكَّةَ فَكُلُّ ذَلِكَ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ وَلَوْ جَاءَتْ بِهِ لَزِمَ الْإِيمَانُ بِهِ وَالتَّصْدِيقُ فَلَا يُقَيَّدُ الْكَلَامُ فِيهِ.
قَالَ: وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى إطْلَاقِ الِاسْمِ مِنْ جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ مِنْ زَمِنٍ وَأَعْمَى وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ جَهْمٍ وَبُرْغُوثٍ.
وَ (الْوَجْهُ الثَّانِي) سَلَامَةُ الْآلَةِ لَكِنَّ عَدَمَ الطَّاقَةِ لِعَدَمِ التَّوْفِيقِ وَالْقَبُولِ وَذَلِكَ يَجُوزُ وَجْهًا وَاحِدًا فِي مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ لِمَنْ قَدَّرَ عِلْمَ اللَّهِ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ وَأَبَى ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى لإبليس ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ﴾ الْآيَاتِ فَأَمْرٌ وَقَدْ سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهُ فِعْلُهُ.
فَكَانَ الْأَمْرُ مُتَوَجِّهًا إلَى مَا قَدْ سَبَقَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُطِيقُهُ.
(الْقَوْلُ الثَّانِي) : مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَيْضًا، وَزَعَمَ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي أَنَّهُ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَجْوِبَةِ أَبِي الْحَسَنِ وَأَنَّهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ
وَقَدْ تَوَقَّفَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُوجَزِ وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي يَخْتَارُهُ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَطَعَ أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ مُحَالٌ وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي وَغَيْرِهِ وَهَذَا (الثَّانِي) هُوَ مَذْهَبُ أَبِي إسْحَاقَ الإسفراييني وَأَبِي بَكْرِ بْنِ فورك، وَأَبِي الْقَاسِم الْأَشْعَرِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَادَّعَى أَبُو إسْحَاقَ الإسفراييني أَنَّهُ مَذْهَبُ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ وَأَنَّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ فَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فَقَدْ قَالَ بِجَوَازِهِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَأَكْثَرُ كَلَامِهِ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ تَكْلِيفِ الْعَاجِزِ وَبَيْنَ تَكْلِيفِ الْقَادِرِ عَلَى التَّرْكِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ (قَوْلٌ ثَالِثٌ) : وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْلِيفُ كُلِّ مَا يُمْكِنُ وَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا فِي الْعَادَةِ كَالْمَشْيِ عَلَى الْوَجْهِ وَنَقْطِ الْأَعْمَى الْمُصْحَفَ دُونَ الْمُمْتَنِعِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.
وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي " هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ " أَنَّ النِّزَاعَ فِيهَا فِي أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّكْلِيفُ الْوَاقِعُ الَّذِي اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُقُوعِهِ فِي الشَّرِيعَةِ وَهُوَ أَمْرُ الْعِبَادِ كُلِّهِمْ بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِهِ وَتَقْوَاهُ هَلْ يُسَمَّى هَذَا أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ؟ فَمَنْ قَالَ: بِأَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ يَقُولُ: إنَّ الْعَاصِيَ كُلِّفَ مَا لَا يُطِيقُهُ وَيَقُولُ: إنَّ كُلَّ أَحَدٍ كُلِّفَ حِينَ كَانَ غَيْرَ مُطِيقٍ؛ وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَقَدُّمَ الْعِلْمِ، وَالْكِتَابَ بِالشَّيْءِ يَمْنَعُ
أَنْ يُقَدَّرَ عَلَى خِلَافِهِ قَالَ: إنْ كُلِّفَ خِلَافَ الْمَعْلُومِ فَقَدْ كُلِّفَ مَا لَا يُطِيقُهُ وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعَرْضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ يَقُولُ: إنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَا تَبْقَى إلَى حِينِ الْفِعْلِ.
وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ نِزَاعًا فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَنَهَى عَنْهَا هَلْ يَتَنَاوَلُهَا التَّكْلِيفُ؟ وَإِنَّمَا هُوَ نِزَاعٌ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ مَقْدُورَةٍ لِلْعَبْدِ التَّارِكِ لَهَا وَغَيْرَ مَقْدُورَةٍ قَبْلَ فِعْلِهَا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقُدْرَةَ نَوْعَانِ وَأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ فَإِطْلَاقُهُ مُخَالِفٌ لِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا - كَإِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ - وَإِنْ كَانَ قَدْ أَطْلَقَ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ فِي رَدِّهِمْ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ كَأَبِي الْحَسَنِ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ؛ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي الْمَعَالِي وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الزَّاغُونِي وَغَيْرِهِمْ فَقَدْ مَنَعَ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي الْعَبَّاسِ القلانسي وَغَيْرِهِمَا، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ.
وَلِهَذَا امْتَنَعَ أَبُو إسْحَاقَ بْنُ شاقلا مِنْ إطْلَاقِ ذَلِكَ.
وَحَكَى فِيهِ الْقَوْلَيْنِ: فَقَالَ - فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى - الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ أَوْ قَبْلَهُ؟ حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ إنَّ الْفِعْلَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا خَلَقَ فِيهِ فِعْلًا فَعَلَهُ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ إلَّا قُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ فِي حَالِ الْفِعْلِ عَنْ مَعُونَةٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يَفْعَلُ بِهَا وَسَوَّى بَيْنَ نِعْمَتِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فَهُوَ مُبْطِلٌ وَهُمْ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ حَادَ مِنْهُمْ فِي الْأَيَّامِ الْمَشْهُورَةِ حَيْثُ كَانَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْعَبْدَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى حَالَ الْفِعْلِ بِالْبِرِّ عَمَّا وَجَدَ قَبْلَ الْفِعْلِ 1 وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى نِعْمَةٌ أَنْعَمَ بِهَا عَلَى مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ أَكْبَرُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَصَاهُ فَهَذَا الْقَوْلُ خَطَأٌ قَطْعًا وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى تَضْلِيلِ صَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ.
ثُمَّ النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ كَثِيرٌ مِنْهُ لَفْظِيٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ اعْتِبَارِيٌّ كَتَنَازُعِهِمْ فِي أَنَّ الْعَرَضَ هَلْ يَبْقَى أَمْ لَا يَبْقَى وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ بَقَاءَ الِاسْتِطَاعَةِ وَلَكِنَّ أَحْسَنَ الْأَلْفَاظِ وَالِاعْتِبَارَاتِ مَا يُطَابِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَاتِّفَاقَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَجْعَلَ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هِيَ الْأَصْلَ الْمُعْتَمَدَ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَيَسُوغُ إطْلَاقُهُ وَيَجْعَلَ الْأَلْفَاظَ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا النَّاسُ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا مَوْقُوفَةً عَلَى الِاسْتِفْسَارِ وَالتَّفْصِيلِ وَيَمْنَعَ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
مِنْ إطْلَاقِ نَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَإِطْلَاقِ إثْبَاتِ مَا نَفَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَ " الْأَصْلُ الثَّانِي " فِيمَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ وَتَنَازَعُوا فِي جَوَازِ تَكْلِيفِهِ.
وَهُوَ " نَوْعَانِ ": مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ عَادَةً كَالْمَشْيِ عَلَى الْوَجْهِ وَالطَّيَرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ فِي نَفْسِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَهَذَا فِي جَوَازِهِ عَقْلًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا وُقُوعُهُ فِي الشَّرِيعَةِ وَجَوَازُهُ شَرْعًا فَقَدْ اتَّفَقَ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَيْسَ بِوَاقِعِ فِي الشَّرِيعَةِ وَقَدْ حَكَى انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزَّاغُونِي، فَقَالَ:
فَصْلٌ:
تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ لِوُجُودِ ضِدِّهِ مِنْ الْعَجْزِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُكَلَّفَ الْمُقْعَدُ الْقِيَامَ، وَالْأَعْمَى الْخَطَّ وَنَقْطَ الْكِتَابِ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ وَهُوَ مِمَّا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ عَدَمَ الطَّاقَةِ فِيهِ مُلْحَقَةٌ بِالْمُمْتَنِعِ وَالْمُسْتَحِيلِ وَذَلِكَ يُوجِبُ خُرُوجَهُ عَنْ الْمَقْدُورِ فَامْتُنِعَ تَكْلِيفُ مِثْلِهِ.
وَ (الثَّانِي) : تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ لَا لِوُجُودِ ضِدِّهِ مِنْ الْعَجْزِ مِثْلَ أَنْ يُكَلَّفَ الْكَافِرُ الَّذِي سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِبُّ التَّكْلِيفَ كَفِرْعَوْنَ وَأَبِي جَهْلٍ
وَأَمْثَالِهِمْ فَهَذَا جَائِزٌ وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ غَيْرُ جَائِزٍ.
قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَالْأَصْلِ لِهَذِهِ.
قُلْت: وَهَذَا الْإِجْمَاعُ هُوَ إجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى أَنَّ تَكْلِيفَ الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَهَذَا قَوْلُ الرَّازِي، وَطَائِفَةٌ قَبْلَهُ وَزَعَمُوا أَنَّ تَكْلِيفَ أَبِي لَهَبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَيْثُ كُلِّفَ أَنْ يُصَدِّقَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّهُ مَنْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَأَنَّهُ يَصْلَى النَّارَ بَعْدَ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ إلَى الْإِيمَانِ فَقَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ: كَاَلَّذِي يُعَايِنُ الْمَلَائِكَةَ وَقْتَ الْمَوْتِ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذَا مُخَاطَبًا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَنَاقِضَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: تَكْلِيفُ الْعَاجِزِ وَاقِعٌ مُحَتَّمٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فَإِنَّهُ يُنَاقِضُ هَذَا الْإِجْمَاعَ، وَمَضْمُونُ الْإِجْمَاعِ نَفْيُ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ وَ " أَيْضًا " فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ إنَّمَا هُوَ خِطَابُ تَعْجِيزٍ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ لَهُمْ لِتَرْكِهِمْ السُّجُودَ وَهُمْ سَالِمُونَ يُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ فِي حَالِ قُدْرَتِهِمْ بِأَنْ أُمِرُوا بِهَا حَالَ عَجْزِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْعُقُوبَةِ لَهُمْ وَخِطَابُ الْعُقُوبَةِ وَالْجَزَاءِ مِنْ جِنْسِ خِطَابِ التَّكْوِينِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قُدْرَةُ الْمُخَاطَبِ إذْ لَيْسَ الْمَطْلُوبُ فِعْلَهُ وَإِذَا تَبَيَّنَتْ الْأَنْوَاعُ وَالْأَقْسَامُ زَالَ الِاشْتِبَاهُ وَالْإِبْهَامُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ؛ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
فَصْلٌ:
فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى﴾ لَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْقَدَرِ.
وَبَيَانُ: أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَصَائِبِ لَا فِي الذُّنُوبِ وَأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى فَهَذَا فِي الصَّبْرِ لَا فِي التَّقْوَى وَقَالَ: {فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنْبِكَ} فَأَمَرَ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ المعائب.
وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي آدَمَ اضْطَرَبُوا فِي " هَذَا الْمَقَامِ - مَقَامِ تَعَارُضِ الْأَمْرِ وَالْقَدَرِ - وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ.
وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: ﴿احْتَجَّ آدَمَ وَمُوسَى: فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمَ؟ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ الَّذِي خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ فَلِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي كَلَّمَك اللَّهُ تَكْلِيمًا وَكَتَبَ لَك التَّوْرَاةَ.
فَبِكَمْ تَجِدُ فِيهَا مَكْتُوبًا: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ قَالَ: بِأَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى} . وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِإِسْنَادِ حَسَنٍ وَقَدْ ظَنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ عَلَى نَفْيِ الْمَلَامِ عَلَى الذَّنْبِ.
ثُمَّ صَارُوا لِأَجْلِ هَذَا الظَّنِّ " ثَلَاثَةَ أَحْزَابٍ ":
فَرِيقٌ كَذَّبُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ: كَأَبِي عَلِيٍّ الجبائي وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ هَذَا خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَ الْحَدِيثِ وَيَجِبُ تَنْزِيهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ وَجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَجْعَلُوا الْقَدَرَ حُجَّةً لِمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَفَرِيقٌ تَأَوَّلُوهُ بِتَأْوِيلَاتِ مَعْلُومَةِ الْفَسَادِ: كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّمَا حَجَّهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَبَاهُ وَالِابْنُ لَا يَلُومُ أَبَاهُ.
وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّ الذَّنْبَ كَانَ فِي شَرِيعَةٍ وَالْمَلَامَ فِي أُخْرَى.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: لِأَنَّ الْمَلَامَ كَانَ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: لِأَنَّ هَذَا تَخْتَلِفُ فِيهِ دَارُ الدُّنْيَا وَدَارُ الْآخِرَةِ.
وَ (فَرِيقٌ ثَالِثٌ) جَعَلُوهُ عُمْدَةً فِي سُقُوطِ الْمَلَامِ عَنْ الْمُخَالِفِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يُمْكِنْهُمْ طَرْدُ ذَلِكَ.
فَلَا بُدَّ فِي نَفْسِ مَعَاشِهِمْ فِي الدُّنْيَا أَنْ يُلَامَ مَنْ فَعَلَ مَا يَضُرُّ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ؛ لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ صَارَ يَحْتَجُّ بِهَذَا عِنْدَ أَهْوَائِهِ وَأَغْرَاضِهِ لَا عِنْدَ أَهْوَاءِ غَيْرِهِ كَمَا قِيلَ فِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ: أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ، وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ، أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاك تَمَذْهَبْت بِهِ.
فَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ إذَا أَذْنَبَ أَخَذَ يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ وَلَوْ أَذْنَبَ غَيْرُهُ أَوْ ظَلَمَهُ لَمْ يَعْذُرْهُ وَهَؤُلَاءِ ظَالِمُونَ مُعْتَدُونَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ وَفَنُوا عَمَّا سِوَى اللَّهِ فَيَرَوْنَ أَنْ لَا فَاعِلَ إلَّا اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لَا يَسْتَحْسِنُونَ حَسَنَةً وَلَا يَسْتَقْبِحُونَ سَيِّئَةً فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ لِمَخْلُوقِ فِعْلًا؛ بَلْ لَا يَرَوْنَ فَاعِلًا إلَّا اللَّهُ بِخِلَافِ مَنْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ فِعْلًا فَإِنَّهُ يُذَمُّ وَيُعَاقَبُ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّةِ الْمُدَّعِينَ لِلْحَقِيقَةِ وَقَدْ يَجْعَلُونَ هَذَا نِهَايَةَ التَّحْقِيقِ وَغَايَةَ الْعِرْفَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِي: وَأَمَّا الْكَلَامُ فِيمَا جَرَى بَيْنَ آدَمَ وَمُوسَى مِنْ الْمُحَاجَّةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ فَإِنَّمَا سَاغَ لَهُمَا الْحِجَاجُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا نَبِيَّانِ جَلِيلَانِ خُصَّا بِعِلْمِ الْحَقَائِقِ وَأُذِنَ لَهُمَا فِي اسْتِكْشَافِ السَّرَائِرِ وَلَيْسَ سَبِيلُ الْخَلْقِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْوُقُوفِ عِنْدَمَا حَدَّ لَهُمْ وَالسُّكُوتُ عَمَّا طُوِيَ عَنْهُمْ سَبِيلُهَا وَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى﴾ إبْطَالَ حُكْمِ الطَّاعَةِ وَلَا إسْقَاطَ الْعَمَلِ الْوَاجِبِ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَتَقْدِيمُ رُتْبَةِ الْعِلَّةِ عَلَى السَّبَبِ فَقَدْ تَقَعُ الْحِكْمَةُ بِتَرْجِيحِ مَعْنَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَسَبِيلُ قَوْلِهِ: فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى هَذَا السَّبِيلُ، وَقَدْ ظَهَرَ هَذَا فِي قَضِيَّةِ آدَمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ . إلَى أَنْ قَالَ: فَجَاءَ مِنْ هَذَا أَنَّ آدَمَ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ سُكْنَى الْجَنَّةِ إلَّا بِأَنْ لَا يَقْرَبَ الشَّجَرَةَ.
لِسَابِقِ الْقَضَاءِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا وَبِهَذَا صَالَ عَلَى مُوسَى عِنْدَ الْمُحَاجَّةِ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى قُضِيَ لَهُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى.
قُلْت: وَلِهَذَا يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - كَثِيرٌ مِنْ الرِّجَالِ إذَا وَصَلُوا إلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ أَمْسَكُوا وَأَنَا انْفَتَحَتْ لِي فِيهِ رَوْزَنَةٌ فَنَازَعْتُ أَقْدَارَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ وَالرَّجُلُ مَنْ يَكُونُ مُنَازِعًا لِقَدَرِ لَا مُوَافِقًا لَهُ وَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يُعَظِّمُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَيُوصِي بِاتِّبَاعِ ذَلِكَ وَيَنْهَى عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ وَكَذَلِكَ شَيْخُهُ حَمَّادٌ الدباس وَذَلِكَ لِمَا رَأَوْهُ فِي
كَثِيرٍ مِنْ السَّالِكِينَ مِنْ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْقَدَرِ الْمُعَارِضِ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَدْفَعَ مَا قَدَرَ مِنْ الْمَعَاصِي بِمَا يَقْدِرُ مِنْ الطَّاعَةِ فَهُوَ مُنَازِعٌ لِلْمَقْدُورِ الْمَحْظُورِ بِالْمَقْدُورِ الْمَأْمُورِ لِلَّهِ تَعَالَى وَهَذَا هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ الرُّسُلِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. وَمِمَّنْ يُشْبِهُ هَؤُلَاءِ كَثِيرٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ: كَقَوْلِ ابْنِ سِينَا بِأَنْ يَشْهَدَ سِرُّ الْقَدَرِ.
وَالرَّازِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَبْرِيًّا مَحْضًا.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَهَذَا الْمَعْنَى دَائِرٌ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنْ الْخَاصَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ فَضْلًا عَنْ الْعَامَّةِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِدِينِ الْإِسْلَامِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: الْخَضِرُ إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ الْمَلَامُ لِأَنَّهُ كَانَ مُشَاهِدًا لِحَقِيقَةِ الْقَدَرِ.
وَمِنْ شُيُوخِ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يَقُولُ: لَوْ قَتَلْت سَبْعِينَ نَبِيًّا لَمَا كُنْت مُخْطِئًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بِطَرْدِ قَوْلِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَيَقُولُ: كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ وَفَعَلَهُ فَلَا مَلَامَ عَلَيْهِ فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ خَالَفَ غَرَضَ غَيْرِهِ فَذَلِكَ يُنَازِعُهُ وَالْأَقْوَى مِنْهُمَا يُقْمِرُ الْآخَرَ فَأَيُّهُمَا أَعَانَهُ الْقَدَرُ فَهُوَ الْمُصِيبُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ غَالِبٌ وَإِلَّا فَمَا ثَمَّ خَطَأٌ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ " الِاتِّحَادِيَّةُ " الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْوُجُودُ وَاحِدٌ ثُمَّ يَقُولُونَ:
بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَالْأَفْضَلُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ رَبًّا لِلْمَفْضُولِ.
وَيَقُولُونَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ . وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ مَلَاحِدَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الِاتِّحَادِيَّةِ: كالتلمساني.
وَالْقَوْلُ بِالِاتِّحَادِ الْعَامِّ الْمُسَمَّى وَحْدَةَ الْوُجُودِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ وَصَاحِبِهِ القونوي وَابْنِ سَبْعِينَ وَابْنِ الْفَارِضِ وَأَمْثَالِهِمْ؛ لَكِنْ لَهُمْ فِي الْمُعَادِ وَالْجَزَاءِ نِزَاعٌ كَمَا أَنَّ لَهُمْ نِزَاعًا فِي أَنَّ الْوُجُودَ هَلْ هُوَ شَيْءٌ غَيْرُ الذَّوَاتِ أَمْ لَا وَهَؤُلَاءِ ضَلُّوا مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا جِهَةُ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوُجُودِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.
وَأَمَّا شُهُودُ الْقَدَرِ فَيُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ، وَالْقَدَرُ هُوَ قُدْرَةُ اللَّهِ - كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد - وَهُوَ الْمُقَدِّرُ لِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ؛ لَكِنْ هَذَا لَا يَنْفِي حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ - وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَأَنَّ مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ فَيَحْصُلُ لَهُ بِهِ نَعِيمٌ وَمِنْهَا مَا يَضُرُّ صَاحِبَهُ فَيَحْصُلُ لَهُ بِهِ عَذَابٌ - فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ اشْتِرَاكَ الْجَمِيعِ مِنْ جِهَةِ الْمَشِيئَةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَابْتِدَاءِ الْأُمُورِ.
لَكِنْ نُثْبِتُ فَرْقًا آخَرَ مِنْ جِهَةِ الْحِكْمَةِ وَالْأَوَامِرِ الْإِلَهِيَّةِ وَنِهَايَةِ الْأُمُورِ فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى؛ لَا لِغَيْرِ الْمُتَّقِينَ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ: أَنَّ مِنْ الْأُمُورِ مَا هُوَ مُلَائِمٌ لِلْإِنْسَانِ نَافِعٌ لَهُ فَيَحْصُلُ لَهُ بِهِ اللَّذَّةُ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مُضَادٌّ لَهُ ضَارٌّ لَهُ يَحْصُلُ بِهِ الْأَلَمُ فَرَجَعَ
الْفَرْقُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ اللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ.
وَأَسْبَابُ هَذَا وَهَذَا.
وَهَذَا الْفَرْقُ مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ، وَالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَوَّلِينَ والآخرين؛ بَلْ هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْبَهَائِمِ.
بَلْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ فَالْفَرْقُ يَرْجِعُ إلَى هَذَا.
وَالْعُقَلَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ كَوْنَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ مُلَائِمًا لِلْإِنْسَانِ وَبَعْضَهَا مُنَافِيًا لَهُ إذَا قِيلَ: هَذَا حَسَنٌ وَهَذَا قَبِيحٌ.
فهذا الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ.
وَتَنَازَعُوا فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ بِمَعْنَى كَوْنِ الْفِعْلِ سَبَبًا لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ هَلْ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالشَّرْعِ.
وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ النِّزَاعِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُغَايِرٌ لِلْأَوَّلِ وَلَيْسَ هَذَا خَارِجًا عَنْهُ.
فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ حَسَنٌ إلَّا بِمَعْنَى الْمُلَائِمِ.
وَلَا قَبِيحٌ إلَّا بِمَعْنَى الْمُنَافِي، وَالْمَدْحُ وَالثَّوَابُ مُلَائِمٌ وَالذَّمُّ وَالْعِقَابُ مُنَافٍ فَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْمُلَائِمِ وَالْمُنَافِي.
يَبْقَى الْكَلَامُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ لَا فِي جَمِيعِهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِهِ مَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِيمَا قَبَّحَهُ مَعْلُومٌ لِعُمُومِ الْخَلْقِ كَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالنِّزَاعُ فِي أُمُورٍ:
مِنْهَا هَلْ لِلْفِعْلِ صِفَةٌ صَارَ بِهَا حَسَنًا وَقَبِيحًا وَأَنَّ الْحُسْنَ الْعَقْلِيَّ هُوَ كَوْنُهُ مُوَافِقًا لِمَصْلَحَةِ الْعَالِمِ وَالْقُبْحَ الْعَقْلِيَّ بِخِلَافِهِ.
فَهَلْ فِي الشَّرْعِ زِيَادَةٌ عَلَى
ذَلِكَ؟ وَفِي أَنَّ الْعِقَابَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هَلْ يُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَثْبَتَ قِسْمًا ثَالِثًا لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَادَّعَى الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ: وَهُوَ كَوْنُ الْفِعْلِ صِفَةَ كَمَالٍ أَوْ صِفَةَ نَقْصٍ وَهَذَا الْقِسْمُ لَمْ يَذْكُرْهُ عَامَّةُ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ وَلَكِنْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: كالرَّازِي وَأَخَذَهُ عَنْ الْفَلَاسِفَةِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يُخَالِفُ الْأَوَّلَ فَإِنَّ الْكَمَالَ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ بِبَعْضِ الْأَفْعَالِ هُوَ يَعُودُ إلَى الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ وَهُوَ اللَّذَّةُ أَوْ الْأَلَمُ فَالنَّفْسُ تَلْتَذُّ بِمَا هُوَ كَمَالٌ لَهَا وَتَتَأَلَّمُ بِالنَّقْصِ فَيَعُودُ الْكَمَالُ وَالنَّقْصُ إلَى الْمُلَائِمِ وَالْمُنَافِي وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَ (الْمَقْصُودُ هُنَا) : أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الْحَسَنَةِ الَّتِي يَحْصُلُ لِصَاحِبِهَا بِهَا لَذَّةٌ وَبَيْنَ السَّيِّئَةِ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُ بِهَا أَلَمٌ أَمْرٌ حِسِّيٌّ يَعْرِفُهُ جَمِيعُ الْحَيَوَانِ.
فَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُدَّعِينَ لِلْحَقِيقَةِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْفَنَاءِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالِاصْطِلَامِ: أَنَّهُ يَبْقَى فِي عَيْنِ الْجَمْعِ بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَا يُؤْلِمُ أَوْ مَا يَلَذُّ كَانَ هَذَا مِمَّا يُعْلَمُ كَذِبُهُ فِيهِ إنْ كَانَ يَفْهَمُ مَا يَقُولُ وَإِلَّا كَانَ ضَالًّا يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي هَذَا.
فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمْ هَذَا الْمَشْهَدُ " مَشْهَدُ الْفَنَاءِ فِي تَوْحِيدِ
الرُّبُوبِيَّةِ " فَلَا يَشْهَدُ فَرْقًا مَا دَامَ فِي هَذَا الْمَشْهَدِ.
وَقَدْ يَغِيبُ عَنْهُ الْإِحْسَاسُ بِمَا يُوجِبُ الْفَرْقَ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ فَيَظُنُّ هَذَا الْفَنَاءَ مَقَامًا مَحْمُودًا وَيَجْعَلُهُ إمَّا غَايَةً.
وَإِمَّا لَازِمًا لِلسَّالِكِينَ وَهَذَا غَلَطٌ فَإِنَّ عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُنْعِمُ وَيُعَذِّبُ أَحْيَانًا هُوَ مِثْلُ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالْغَفْلَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِشَيْءِ عَنْ آخَرَ وَهُوَ لَا يُزِيلُ الْفَرْقَ الثَّابِتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بِهِ إذَا وَجَدَ سَبَبَهُ.
وَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يَجُوعَ أَوْ يَعْطَشَ فَلَا يُسَوِّي بَيْنَ الْخُبْزِ وَالشَّرَابِ وَبَيْنَ الْمِلْحِ الْأُجَاجِ وَالْعَذْبِ الْفُرَاتِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا وَيَقُولَ: هَذَا طَيِّبٌ وَهَذَا لَيْسَ بِطَيِّبِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَنَهَى عَنْ الْخَبِيثِ.
وَإِذَا عَرَفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْقِ هُوَ أَنَّ مِنْ الْأُمُورِ مَا يَنْفَعُ وَيُوجِبُ اللَّذَّةَ وَالنَّعِيمَ وَمِنْهَا مَا يَضُرُّ وَيُوجِبُ الْأَلَمَ وَالْعَذَابَ فَبَعْضُ هَذِهِ الْأُمُورِ تُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَبَعْضُهَا يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ لِأُمُورِ الدُّنْيَا.
فَيَعْرِفُونَ مَا يَجْلِبُ لَهُمْ مَنْفَعَةً فِي الدُّنْيَا وَمَا يَجْلِبُ لَهُمْ مَضَرَّةً وَهَذَا مِنْ الْعَقْلِ الَّذِي مُيِّزَ بِهِ الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ عَوَاقِبِ الْأَفْعَالِ مَا لَا يُدْرِكُهُ الْحِسُّ وَلَفْظُ الْعَقْلِ فِي الْقُرْآنِ يَتَضَمَّنُ مَا يَجْلِبُ بِهِ الْمَنْفَعَةَ وَمَا يَدْفَعُ بِهِ الْمَضَرَّةَ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى بَعَثَ الرُّسُلَ بِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ فَدَلُّوهُمْ عَلَى مَا يَنَالُونَ بِهِ النَّعِيمَ فِي الْآخِرَةِ وَيَنْجُونَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ هُوَ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ وَالنَّعِيمِ وَالْعَذَابِ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ هَذَا الْفَرْقَ فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ أَزَالَ عَقْلَهُ هُوَ بِهِ مَعْذُورٌ وَإِلَّا كَانَ مُطَالِبًا بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الشَّرِّ وَتَرَكَهُ مِنْ الْخَيْرِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ قَدْ يَزُولُ عَقْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَعَاطَى مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ: كَالْخَمْرِ وَكَسَمَاعِ الْأَصْوَاتِ الْمُطْرِبَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَقْوَى حَتَّى يَسْكَرَ أَصْحَابُهَا وَيَقْتَرِنَ بِهِمْ شَيَاطِينُ فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي السَّمَاعِ الْمُسْكِرِ، كَمَا يَقْتُلُ شُرَّابُ الْخَمْرِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إذَا سَكِرُوا وَهَذَا مِمَّا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَحْوَالِ؛ لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْمَقْتُولُ شَهِيدٌ.
وَ " التَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمَقْتُولَ يُشْبِهُ الْمَقْتُولَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُمْ سَكِرُوا سُكْرًا غَيْرَ مَشْرُوعٍ؛ لَكِنَّ غَالِبَهُمْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ أَحْوَالِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ فَيَبْقَى الْقَتِيلُ فِيهِمْ كَالْقَتِيلِ فِي الْفِتْنَةِ وَلَيْسَ هُوَ كَاَلَّذِي تَعَمَّدَ قَتْلَهُ وَلَا هُوَ كَالْمَقْتُولِ ظُلْمًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ هَذَا الْفَنَاءُ يَزُولُ بِهِ التَّكْلِيفُ؟ قِيلَ: إنْ حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ سَبَبٌ يُعْذَرُ فِيهِ زَالَ بِهِ عَقْلُهُ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانِ سُكْرًا لَا يَأْثَمُ بِهِ كَمَنْ سَكِرَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ أُوجِرَ الْخَمْرَ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ السُّكْرُ لِسَبَبِ مُحَرَّمٍ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَاَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ وَغَيْرِهِ كَلِمَاتٍ مِنْ الِاتِّحَادِ الْخَاصِّ وَنَفْيِ الْفَرْقِ وَيَعْذُرُونَهُ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ: إنَّهُ غَابَ عَقْلُهُ حَتَّى قَالَ: أَنَا الْحَقُّ وَسُبْحَانِي وَمَا فِي الْجُبَّةِ إلَّا اللَّهُ.
وَيَقُولُونَ: إنَّ الْحُبَّ إذَا قَوِيَ عَلَى صَاحِبِهِ وَكَانَ قَلْبُهُ ضَعِيفًا يَغِيبُ بِمَحْبُوبِهِ عَنْ حُبِّهِ وَبِمَوْجُودِهِ عَنْ وَجْدِهِ وَبِمَذْكُورِهِ عَنْ ذِكْرِهِ حَتَّى يَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ وَيَبْقَى مَنْ لَمْ يَزَلْ ويحكون أَنَّ شَخْصًا أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي الْمَاءِ فَأَلْقَى مَحَبَّةَ نَفْسِهِ خَلْفَهُ.
فَقَالَ: أَنَا وَقَعْت فَلِمَ وَقَعْت أَنْتَ؟ فَقَالَ: غِبْت بِك عَنِّي فَظَنَنْت أَنَّك أَنِّي.
فَمِثْلُ هَذَا الْحَالِ الَّتِي يَزُولُ فِيهَا تَمْيِيزُهُ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ، وَبَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ لَيْسَتْ عِلْمًا وَلَا حَقًّا بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ نَقْصُ عَقْلِهِ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَغَايَتُهُ أَنْ يُعْذَرَ.
لَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَحْقِيقًا.
وَطَائِفَةٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الْمُدَّعِينَ لِلتَّحْقِيقِ يَجْعَلُونَ هَذَا تَحْقِيقًا وَتَوْحِيدًا كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ.
وَابْنُ الْعَرِيفِ وَغَيْرُهُمَا؛ كَمَا أَنَّ الِاتِّحَادَ الْعَامَّ جَعَلَهُ طَائِفَةٌ تَحْقِيقًا وَتَوْحِيدًا: كَابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ.
وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَةٌ أَنَّ الْحَلَّاجَ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ صَارُوا حِزْبَيْنِ: " حِزْبٌ " يَقُولُ: وَقَعَ فِي ذَلِكَ الْفَنَاءِ فَكَانَ مَعْذُورًا فِي الْبَاطِنِ، وَلَكِنْ قَتْلُهُ وَاجِبٌ فِي الظَّاهِرِ.
وَيَقُولُونَ: الْقَاتِلُ مُجَاهِدٌ وَالْمَقْتُولُ شَهِيدٌ.
وَيَحْكُونَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ قَالَ: عَثَرَ عَثْرَةً لَوْ كُنْت فِي زَمَنِهِ لَأَخَذْت بِيَدِهِ.
وَيَجْعَلُونَ حَالَهُ مِنْ جِنْسِ حَالِ أَهْلِ الِاصْطِلَامِ وَالْفَنَاءِ.
وَ " حِزْبٌ ثَانٍ ": وَهُمْ الَّذِينَ يُصَوِّبُونَ حَالَ أَهْلِ الْفَنَاءِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ.
وَيَقُولُونَ: هُوَ الْغَايَةُ.
يَقُولُونَ: بَلْ الْحَلَّاجُ كَانَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ وَالتَّوْحِيدِ.
ثُمَّ هَؤُلَاءِ فِي قَتْلِهِ فَرِيقَانِ: " فَرِيقٌ " يَقُولُ: قُتِلَ مَظْلُومًا وَمَا كَانَ يَجُوزُ قَتْلُهُ وَيُعَادُونَ الشَّرْعَ، وَأَهْلَ الشَّرْعِ لِقَتْلِهِمْ الْحَلَّاجَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَادِي جِنْسَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلَ الْعِلْمِ.
وَيَقُولُونَ: هُمْ قَتَلُوا الْحَلَّاجَ وَهَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَنَا شَرِيعَةٌ وَلَنَا حَقِيقَةٌ تُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ وَاَلَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا الْكَلَامِ لَا يُمَيِّزُونَ مَا الْمُرَادُ بِلَفْظِ الشَّرِيعَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامِ سَائِرِ النَّاسِ وَلَا الْمُرَادُ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْحَقِّ أَوْ الذَّوْقِ أَوْ الْوَجْدِ أَوْ التَّوْحِيدِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامِ سَائِرِ النَّاسِ بَلْ فِيهِمْ مَنْ يَظُنُّ الشَّرْعَ عِبَارَةً عَمَّا يَحْكُمُ بِهِ الْقَاضِي.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْقَاضِي الْعَالِمِ الْعَادِلِ وَالْقَاضِي الْجَاهِلِ وَالْقَاضِي الظَّالِمِ بَلْ مَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ سَمَّاهُ شَرِيعَةً وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الْحَقِيقَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ خِلَافَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ
شَيْئًا فَلَا يَأْخُذُهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ} . فَالْحَاكِمُ يَحْكُمُ بِمَا يَسْمَعُهُ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ وَقَدْ يَكُونُ لِلْآخَرِ حُجَجٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا وَأَمْثَالُ هَذَا.
فَالشَّرِيعَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هِيَ الْأَمْرُ الْبَاطِنُ وَمَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي يُنَفَّذُ ظَاهِرًا، وَكَثِيرٌ مِنْ الْأُمُورِ قَدْ يَكُونُ بَاطِنُهَا بِخِلَافِ مَا يَظْهَرُ لِبَعْضِ النَّاسِ وَمِنْ هَذَا قِصَّةُ مُوسَى وَالْخَضِرِ: فَإِنَّهُ كَانَ الَّذِي فَعَلَهُ مَصْلَحَةً وَهُوَ شَرِيعَةٌ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِشَرْعِ اللَّهِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْرِفْ مُوسَى الْبَاطِنَ كَانَ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُ الْخَضِرُ الْأُمُورَ وَافَقَهُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ.
وَهَذَا الْبَابُ يُقَالُ فِيهِ: قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ مَا يَظْهَرُ وَهَذَا صَحِيحٌ.
لَكِنَّ تَسْمِيَةَ الْبَاطِنِ حَقِيقَةٌ، وَالظَّاهِرَ شَرِيعَةٌ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْأَمْرَ الْبَاطِنَ مُطْلَقًا، وَالشَّرِيعَةَ الْأُمُورَ الظَّاهِرَةَ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ لَفْظَ " الْإِسْلَامِ " إذَا قُرِنَ بِالْإِيمَانِ أُرِيدَ بِهِ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ وَلَفْظُ " الْإِيمَانِ " يُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ الَّذِي فِي الْقَلْبِ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ: شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ وَحَقَائِقُ الْإِيمَانِ كَانَ هَذَا كَلَامًا صَحِيحًا؛ لَكِنْ مَتَى
أَفْرَدَ أَحَدُهُمَا تَنَاوُلَ الْآخَرِ فَكُلُّ شَرِيعَةٍ لَيْسَ لَهَا حَقِيقَةٌ بَاطِنَةٌ فَلَيْسَ صَاحِبُهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا وَكُلُّ حَقِيقَةٍ لَا تُوَافِقُ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَاحِبُهَا لَيْسَ بِمُسْلِمِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ.
وَقَدْ يُرَادُ بِلَفْظِ الشَّرِيعَةِ مَا يَقُولُهُ فُقَهَاءُ الشَّرِيعَةِ بِاجْتِهَادِهِمْ وَبِالْحَقِيقَةِ مَا يَذُوقُهُ وَيَجِدُهُ الصُّوفِيَّةُ بِقُلُوبِهِمْ وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ مُجْتَهِدُونَ: تَارَةً مُصِيبُونَ وَتَارَةً مُخْطِئُونَ وَلَيْسَ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا تَعَمُّدُ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إنْ اتَّفَقَ اجْتِهَادُ الطَّائِفَتَيْنِ وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَنْ تُقَلِّدَ الْأُخْرَى إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِحُجَّةِ شَرْعِيَّةٍ تُوجِبُ مُوَافَقَتَهَا.
فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُظْهِرُ أَنَّ الْحَلَّاجَ قُتِلَ بِاجْتِهَادِ فِقْهِيٍّ يُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ الذَّوْقِيَّةَ الَّتِي عَلَيْهَا هَؤُلَاءِ وَهَذَا ظَنُّ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الَّذِي قُتِلَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ، وَقُتِلَ بِاتِّفَاقِ الطَّائِفَتَيْنِ مِثْلَ دَعْوَاهُ: أَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يُعَارِضَ الْقُرْآنَ بِخَيْرِ مِنْهُ، وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّهُ يَبْنِي بَيْتًا يَطُوفُ بِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِشَيْءِ قَدْرَهُ وَذَلِكَ يُسْقِطُ الْحَجَّ عَنْهُ.
إلَى أُمُورٍ أُخْرَى تُوجِبُ الْكُفْرَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ: عُلَمَاؤُهُمْ وَعِبَادُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ وَفُقَرَاؤُهُمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ.
وَ (فَرِيقٌ يَقُولُونَ) : قُتِلَ لِأَنَّهُ بَاحَ بِسِرِّ التَّوْحِيدِ وَالتَّحْقِيقِ: الَّذِي مَا
كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَبُوحَ بِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْأَسْرَارِ الَّتِي لَا يَتَكَلَّمُ بِهَا إلَّا مَعَ خَوَاصِّ النَّاسِ وَهِيَ مِمَّا تُطْوَى وَلَا تُرْوَى وَيُنْشِدُونَ:
مَنْ بَاحَ بِالسِّرِّ كَانَ الْقَتْلُ شِيمَتَهُ ... مِنْ الرِّجَالِ وَلَمْ يُؤْخَذْ لَهُ ثَأْرٌ
بَاحُوا بِالسِّرِّ تُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ ... وَكَذَا دِمَاءُ الْبَائِحِينَ تُبَاحُ 1
وَحَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ يُشْبِهُ قَوْلَ قَائِلٍ: أَنَّ مَا قَالَهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ حَقٌّ وَهُوَ مَوْجُودٌ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ؛ لَكِنْ مَا يُمْكِنُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ، وَكَلَامُ صَاحِبِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ وَأَمْثَالِهِ يُشِيرُ إلَى هَذَا وَتَوْحِيدُهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ:
مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحِدٍ ... إذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ
تَوْحِيدٍ مَنْ يُخْبِرُ عَنْ نَعْتِهِ ... عَارِيَةٌ أَبْطَلَهَا الْوَاحِدُ
تَوْحِيدُهُ إيَّاهُ تَوْحِيدُهُ ... وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لِأَحَدِ
فَإِنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمُوَحِّدَ هُوَ الْمُوَحَّدُ، وَأَنَّ النَّاطِقَ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى لِسَانِ الْعَبْدِ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ لَا يُوَحِّدُهُ إلَّا نَفْسَهُ فَلَا يَكُونُ الْمُوَحَّدُ إلَّا الْمُوَحِّدُ وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وَبَيْنَ قَوْلِ الْحَلَّاجِ: أَنَا الْحَقُّ وَسُبْحَانِي.
فَإِنَّ فِرْعَوْنَ قَالَ ذَلِكَ: وَهُوَ يَشْهَدُ نَفْسَهُ فَقَالَ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْفَنَاءِ فَغَابُوا عَنْ نُفُوسِهِمْ وَكَانَ النَّاطِقُ عَلَى لِسَانِهِمْ غَيْرَهُمْ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 76) :
وهما بيتان، كل بيت على حدة.
البيت الأول من (البسيط) ولفظه:
من باح بالسر كان القتل شيمته ... من الرجال ولم يؤخذ له ثار
وقد ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في (الجواب الصحيح) 4 / 497.
وأما البيت الثاني فمن (الكامل) ولفظه:
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح.
وَهَذَا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلِهَذَا رَدَّ الْجُنَيْد - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى هَؤُلَاءِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ فَبَيَّنَ الْجُنَيْد - سَيِّدُ الطَّائِفَةِ - أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الرَّبِّ الْقَدِيمِ وَالْعَبْدِ الْمُحْدَثِ؛ لَا كَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ هَذَا هُوَ هَذَا وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ الْخَاصِّ وَالْمُقَيَّدِ وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ فَأُولَئِكَ هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَوْ إنَّهُ وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضُوعِ.
وَ (الْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ الْحَلَّاجَ لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا بِصِنْفِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بَلْ كَانَ قَدْ قَالَ مِنْ الْأَقْوَالِ الَّتِي تُوجِبُ الْكُفْرَ وَالْقَتْلَ بِاتِّفَاقِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ مَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَكَذَلِكَ أَنْكَرَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَذَمُّوهُ: كالْجُنَيْد وَعُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ الْمَكِّيِّ وَأَبِي يَعْقُوبَ النهرجوري.
وَمَنْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ حَالُهُ مِنْهُمْ فَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ مَا قَالَهُ - إلَّا مَنْ كَانَ يَقُولُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ مُطْلَقًا أَوْ مُعَيَّنًا - فَإِنَّهُ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا كَانَ قَوْلَ الْحَلَّاجِ وَيَنْصُرُ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ فِرْقَةُ ابْنِ سَبْعِينَ فِيهَا مِنْ رِجَالِ الظُّلْمِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْحَلَّاجُ - وَعِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْحَلَّاجَ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَشَايِخِ الصَّالِحِينَ؛ بَلْ كَانَ زِنْدِيقًا وَزُهْدُهُ لِأَسْبَابِ مُتَعَدِّدَةٍ يَطُولُ وَصْفُهَا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفَنَاءِ فِي " تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ "؛ بَلْ كَانَ قَدْ
تَعَلَّمَ السِّحْرَ وَكَانَ لَهُ شَيَاطِينُ تَخْدِمُهُ إلَى أُمُورٍ أُخْرَى مَبْسُوطَةٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبِكُلِّ حَالِ آدَمَ لَمَّا أَكَلَ هُوَ وَحَوَّاءُ مِنْ الشَّجَرَةِ لَمْ يَكُنْ زَائِلَ الْعَقْلِ وَلَا فَانِيًا فِي شُهُودِ الْقَدَرِ الْعَامِّ وَلَا احْتَجَّ عَلَى مُوسَى بِذَلِكَ بَلْ قَالَ: لِمَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ فَاحْتَجَّ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ لَا بِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ.
فَصْلٌ:
إذَا عُرِفَ هَذَا، فَنَقُولُ: الصَّوَابُ فِي قِصَّةِ آدَمَ وَمُوسَى أَنَّ مُوسَى لَمْ يَلُمْ آدَمَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ وَذُرِّيَّتَهُ بِمَا فَعَلَ لَا لِأَجْلِ أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ مُذْنِبٌ عَاصٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ لَمْ يَقُلْ: لِمَاذَا خَالَفْت الْأَمْرَ وَلِمَاذَا عَصَيْت؟ وَالنَّاسُ مَأْمُورُونَ عِنْدَ الْمَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُهُمْ بِأَفْعَالِ النَّاسِ أَوْ بِغَيْرِ أَفْعَالِهِمْ بِالتَّسْلِيمِ لِلْقَدَرِ وَشُهُودِ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرُهُ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {احْرِصْ عَلَى
مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزَنَّ وَإِنْ أَصَابَك شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ} . فَأَمَرَهُ بِالْحِرْصِ عَلَى مَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ طَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَيْسَ لِلْعِبَادِ أَنْفَعُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَمْرِهِ إذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ مُقَدَّرَةٌ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى الْقَدَرِ وَلَا يَتَحَسَّرَ بِتَقْدِيرِ لَا يُفِيدُ وَيَقُولَ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ وَلَا يَقُولَ: لَوْ أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كَذَا فَيُقَدِّرُ مَا لَمْ يَقَعْ يَتَمَنَّى أَنْ لَوْ كَانَ وَقَعَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُورِثُ حَسْرَةً وَحُزْنًا لَا يُفِيدُ وَالتَّسْلِيمُ لِلْقَدَرِ هُوَ الَّذِي يَنْفَعُهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَمْرُ أَمْرَانِ أَمْرٌ فِيهِ حِيلَةٌ فَلَا تَعْجِزُ عَنْهُ.
وَأَمْرٌ لَا حِيلَةَ فِيهِ فَلَا تَجْزَعْ مِنْهُ.
وَمَا زَالَ أَئِمَّةُ الْهُدَى مِنْ الشُّيُوخِ وَغَيْرِهِمْ يُوصُونَ الْإِنْسَانَ بِأَنْ يَفْعَلَ الْمَأْمُورَ وَيَتْرُكَ الْمَحْظُورَ وَيَصْبِرَ عَلَى الْمَقْدُورِ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُصِيبَةُ بِسَبَبِ فِعْلِ آدَمِيٍّ.
فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَنْفَقَ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُخْلِفْ لِوَلَدِهِ مَالًا أَوْ ظَلَمَ النَّاسَ بِظُلْمِ صَارُوا لِأَجْلِهِ يُبْغِضُونَ أَوْلَادَهُ وَيَحْرِمُونَهُمْ مَا يُعْطُونَهُ لِأَمْثَالِهِمْ لَكَانَ هَذَا مُصِيبَةً فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ حَصَلَتْ بِسَبَبِ فِعْلِ الْأَبِ فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ لِأَبِيهِ: أَنْتَ فَعَلْت بِنَا هَذَا قِيلَ لِلِابْنِ هَذَا كَانَ مَقْدُورًا
عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ مَأْمُورُونَ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يُصِيبُكُمْ وَالْأَبُ عَاصٍ لِلَّهِ فِيمَا فَعَلَهُ مِنْ الظُّلْمِ وَالتَّبْذِيرِ مَلُومٌ عَلَى ذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ ذَمُّ اللَّهِ وَعِقَابُهُ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَدْ تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَغَفَرَ لَهُ لَمْ يَجُزْ ذَمُّهُ وَلَا لَوْمُهُ بِحَالِ لَا مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِغَيْرِهِ بِفِعْلِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ هُوَ ظَالِمًا لِأُولَئِكَ فَإِنَّ تِلْكَ كَانَتْ مُقَدَّرَةً عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا مِثَالُ " قِصَّةِ آدَمَ ": فَإِنَّ آدَمَ لَمْ يَظْلِمْ أَوْلَادَهُ بَلْ إنَّمَا وُلِدُوا بَعْدَ هُبُوطِهِ مِنْ الْجَنَّةِ وَإِنَّمَا هَبَطَ آدَمَ وَحَوَّاءُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا وَلَدٌ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ ذَنْبَهُمَا تَعَدَّى إلَى وَلَدِهِمَا ثُمَّ بَعْدَ هُبُوطِهِمَا إلَى الْأَرْضِ جَاءَتْ الْأَوْلَادُ فَلَمْ يَكُنْ آدَمَ قَدْ ظَلَمَ أَوْلَادَهُ ظُلْمًا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَلَامَهُ وَكَوْنُهُمْ صَارُوا فِي الدُّنْيَا دُونَ الْجَنَّةِ أَمْرٌ كَانَ مُقَدَّرًا عَلَيْهِمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ لَوْمَ آدَمَ وَذَنَبُ آدَمَ كَانَ قَدْ تَابَ مِنْهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ وَقَالَ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فَلَمْ يَبْقَ مُسْتَحِقًّا لِذَمِّ وَلَا عِقَابٍ.
وَمُوسَى كَانَ أَعْلَمَ مِنْ أَنْ يَلُومَهُ لِحَقِّ اللَّهِ عَلَى ذَنَبٍ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ تَابَ مِنْهُ فَمُوسَى أَيْضًا قَدْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ وَقَدْ قَالَ مُوسَى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ . وَآدَمُ أَعْلَمُ مِنْ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى أَنَّ الْمُذْنِبَ لَا مَلَامَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ بِسَبَبِ
ذَنْبِهِ؛ وَهُوَ أَيْضًا كَانَ مُقَدَّرًا عَلَيْهِ وَآدَمُ قَدْ تَابَ مِنْ الذَّنْبِ وَاسْتَغْفَرَ فَلَوْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ نَافِعًا لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ لَاحْتَجَّ وَلَمْ يَتُبْ وَيَسْتَغْفِرْ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الإسرائيليات أَنَّهُ احْتَجَّ بِهِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُصَدَّقُ بِهِ لَوْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَكَيْفَ إذَا خَالَفَ أُصُولَ الْإِسْلَامِ بَلْ أُصُولَ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ ذَكَرَ الْقَدَرَ مَعَ التَّوْبَةِ فَهَذَا مُمْكِنٌ؛ لَكِنْ لَيْسَ فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ آدَمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ فِي الدِّينِ بالإسرائيليات إلَّا مَا ثَبَتَ نَقْلُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: ﴿إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ﴾ . وَ (أَيْضًا فَلَوْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ نَافِعًا لَهُ فَلِمَاذَا أُخْرِجَ مِنْ الْجَنَّةِ وَأُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَهُوَ قَدْ تَابَ فَلِمَاذَا بَعْدَ التَّوْبَةِ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ؟ . قِيلَ: التَّوْبَةُ قَدْ يَكُونُ مِنْ تَمَامِهَا عَمَلٌ صَالِحٌ يَعْمَلُهُ فَيُبْتَلَى بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَنْظُرَ دَوَامَ طَاعَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِي التَّائِبِ مِنْ الرِّدَّةِ وَقَالَ فِي كَاتِمِ الْعِلْمِ: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وَقَالَ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَقَالَ فِي الْقَذْفِ: {إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَقَالَ: ﴿إلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ . ﴿وَلَمَّا تَابَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَصَاحِبَاهُ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ بِهَجْرِهِمْ - حَتَّى نِسَائِهِمْ - ثَمَانِينَ لَيْلَةً﴾ . ﴿وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغامدية لَمَّا رَجَمَهَا؟ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ﴾ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ تَوْبَتِهِ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ حَيْثُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى: ﴿يَا قَوْمِ إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ . وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ يَبْتَلِي الْعَبْدَ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ بِمَا يَحْصُلُ مَعَهُ شُكْرُهُ وَصَبْرُهُ أَمْ كُفْرُهُ وَجَزَعُهُ وَطَاعَتُهُ أَمْ مَعْصِيَتُهُ فَالتَّائِبُ أَحَقُّ بِالِابْتِلَاءِ فَآدَمُ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ ابْتِلَاءً لَهُ وَوَفَّقَهُ اللَّهُ فِي هُبُوطِهِ لِطَاعَتِهِ فَكَانَ حَالُهُ بَعْدَ الْهُبُوطِ خَيْرًا مِنْ حَالِهِ قَبْلَ الْهُبُوطِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ نَافِعًا لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ مَلَامٌ أَلْبَتَّةَ؛ وَلَا هُنَاكَ تَوْبَةٌ تَقْتَضِي أَنْ يُبْتَلَى صَاحِبُهَا بِبَلَاءِ.
وَ " أَيْضًا " فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ بِعُقُوبَاتِ الْكُفَّارِ: مِثْلَ قَوْمِ
نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مَا يُعْرَفُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْوَقَائِعِ أَنْ لَا حُجَّةَ لِأَحَدِ فِي الْقَدَرِ؛ وَأَيْضًا فَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ مِنْ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْقِبْلَةِ وَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَعُقُوبَةِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَالشَّارِبِ مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ آدَمَ حَجَّ مُوسَى لَمَّا قَصَدَ مُوسَى أَنْ يَلُومَ مَنْ كَانَ سَبَبًا فِي مُصِيبَتِهِمْ وَبِهَذَا جَاءَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ . وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَصَائِبُ السمائية وَالْمَصَائِبُ الَّتِي تَحْصُلُ بِأَفْعَالِ الْآدَمِيِّينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ . ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ وَقَالَ فِي سُورَةِ الطُّورِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ (ن) : ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ . وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَاهُ: اصْبِرْ لِمَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْك وَقِيلَ اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ لِقَضَاءِ رَبِّك الَّذِي هُوَ آتٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَحُكْمُ اللَّهِ نَوْعَانِ: خَلْقٌ وَأَمْرٌ.
(فَالْأَوَّلُ) : مَا يُقَدِّرُهُ مِنْ الْمَصَائِبِ.
وَ (الثَّانِي) مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ لِمَا أُمِرَ بِهِ وَلِمَا نُهَى عَنْهُ فَيَفْعَلُ الْمَأْمُورَ وَيَتْرُكُ الْمَحْظُورَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ لِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وَهَذَا يُتَوَجَّهُ إنْ كَانَ فِي الْآيَةِ النَّهْيُ عَنْ الْقِتَالِ فَيَكُونُ هَذَا النَّهْيُ مَنْسُوخًا لَيْسَ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الصَّبْرِ مَنْسُوخَةً كَيْفَ وَالْآيَةُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ هُنَا لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ بَلْ الصَّبْرُ وَاجِبٌ لِحُكْمِ اللَّهِ مَا زَالَ وَاجِبًا وَإِذَا أُمِرَ بِالْجِهَادِ فَعَلَيْهِ " أَيْضًا ": أَنْ يَصْبِرَ لِحُكْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُبْتَلَى مِنْ قِتَالِهِمْ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ كَمَا اُبْتُلِيَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ وَعَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَصْبِرَ وَيَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ.
وَ " الْمَقْصُودُ هُنَا " قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ فَإِنَّ مَا فَعَلُوهُ مِنْ الْأَذَى هُوَ مِمَّا حُكِمَ بِهِ عَلَيْك قَدَرًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِهِ وَإِنْ كَانُوا ظَالِمِينَ فِي ذَلِكَ وَهَذَا الصَّبْرُ أَعْظَمُ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى مَا جَرَى وَفُعِلَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ وَقَالَ: ﴿وَذَا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ وَسَوَاءٌ كَانَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ أَوْ لِرَبِّهِ فَكَانَتْ مُغَاضَبَتُهُ مِنْ أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيْهِ وَبِصَبْرِهِ صَبَرَ لِحُكْمِ رَبِّهِ الَّذِي قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا تَأَذَّى مِنْ تَكْذِيبِ النَّاسِ لَهُ.
وَقَالَتْ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ لَمَّا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فَهَؤُلَاءِ ظُلِمُوا فَصَبَرُوا عَلَى ظُلْمِ الظَّالِمِ لَهُمْ وَسَبَبُ نُزُولِهَا الْمُهَاجِرُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَأَصْلُ " الْمُهَاجِرِ " مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَكُلُّ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ فَظَلَمَهُ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ حَتَّى أَخْرَجُوهُ - لَا هَجَرَ بَعْضَ أُمُورٍ فِي الدُّنْيَا - فَصَبَرَ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُبَوِّئُهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ، كَيُوسُفَ الصِّدِّيقِ فَإِنَّهُ هَجَرَ الْفَاحِشَةَ حَتَّى أَلْجَأَهُ ذَلِكَ هَجْرَ مَنْزِلِهِ.
وَاللُّبْثَ فِي السِّجْنِ بَعْدَ مَا ظُلِمَ فَمَكَّنَهُ اللَّهُ حَتَّى تَبَوَّأَ مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ يَشَاءُ.
وَقَالَ الَّذِينَ لَقُوا الْكُفَّارَ: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ وَقَالَ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وَقَالَ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فَهَذَا كُلُّهُ صَبْرٌ عَلَى مَا قُدِّرَ مِنْ أَفْعَالِ الْخَلْقِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ مَدَحَ فِي كِتَابِهِ الصَّبَّارَ الشَّكُورَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَالصَّبْرُ وَالشُّكْرُ عَلَى مَا يُقَدِّرُهُ الرَّبُّ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ: مِنْ النِّعَمِ وَالْمَصَائِبِ: مِنْ الْحَسَنَاتِ الَّتِي يَبْلُوهُ بِهَا وَالسَّيِّئَاتِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَلَقَّى الْمَصَائِبَ بِالصَّبْرِ وَالنِّعَمَ بِالشُّكْرِ وَمِنْ النِّعَمِ مَا يُيَسِّرُهُ لَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْخَيْرِ وَمِنْهَا مَا هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ أَفْعَالِهِ فَيَشْهَدُ الْقَدَرَ عِنْدَ فِعْلِهِ لِلطَّاعَاتِ وَعِنْدَ إنْعَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ فَيَشْكُرُهُ