مجموع الفتاوىصفحات 520-559

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 520-559
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

فَقَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ كَاللَّوْحِ وَالْهَوَاءِ فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ مُكَذِّبٌ لِكِتَابِ اللَّهِ.
مُتَّبِعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ مَا نَزَلَ مِنْهُ وَمَا نَزَّلَهُ مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوفَاتِ كَالْمَطَرِ بِأَنْ قَالَ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ؟ فَذَكَرَ الْمَطَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَزَّلَهُ مِنْ السَّمَاءِ وَالْقُرْآنُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْهُ.
وَأَخْبَرَ بِتَنْزِيلِ مُطْلَقٍ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ لِأَنَّ الْحَدِيدَ يُنَزَّلُ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ لَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ؛ فَإِنَّ الذَّكَرَ يُنْزِلُ الْمَاءَ فِي الْإِنَاثِ.
فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْ كَانَ جِبْرِيلُ أَخَذَ الْقُرْآنَ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَكَانَ الْيَهُودُ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ لِمُوسَى التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ وَأَنْزَلَهَا مَكْتُوبَةً.
فَيَكُونُ بَنُو إسْرَائِيلَ قَدْ قَرَءُوا الْأَلْوَاحَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُحَمَّدٌ أَخَذَهُ عَنْ جِبْرِيلَ وَجِبْرِيلُ عَنْ اللَّوْحِ فَيَكُونُ بَنُو إسْرَائِيلَ بِمَنْزِلَةِ جِبْرِيلَ وَتَكُونُ مَنْزِلَةُ بَنِي إسْرَائِيلَ أَرْفَعَ مِنْ مَنْزِلَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّة وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ مِنْ فَضَائِلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ تِلَاوَةً لَا كِتَابَةً وَفَرَّقَهُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ.
فَقَالَ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ .

ثم إنْ كَانَ جِبْرِيلُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ اللَّهِ وَإِنَّمَا وَجَدَهُ مَكْتُوبًا كَانَتْ الْعِبَارَةُ عِبَارَةَ جِبْرِيلَ وَكَانَ الْقُرْآنُ كَلَامَ جِبْرِيلَ تَرْجَمَ بِهِ عَنْ اللَّهِ.
كَمَا يُتَرْجَمُ عَنْ الْأَخْرَسِ الَّذِي كَتَبَ كَلَامًا وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ.
وَهَذَا خِلَافُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قِيلَ لَهُ فَقَدْ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ فَالرَّسُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرَّسُولُ فِي الْأُخْرَى جِبْرِيلُ فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الرَّسُولَ أَحْدَثَ عِبَارَتَهُ لَتَنَاقَضَ الْخِبْرَانِ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِ إضَافَةَ تَبْلِيغٍ لَا إضَافَةَ إحْدَاثٍ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ وَلَمْ يَقُلْ مَلَكٌ وَلَا نَبِيٌّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فَكَانَ ﴿النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ وَيَقُولُ: أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لَأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟﴾ وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَرَأَهَا عَلَى عَلَى النَّاسِ فَقَالُوا: هَذَا كَلَامُك أَمْ كَلَامُ صَاحِبِك؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِكَلَامِي وَلَا كَلَامَ صَاحِبِي وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَإِنْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ قِيلَ لَهُ

هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْك فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ عَلِمَ أَنَّ الذِّكْرَ مِنْهُ مُحْدَثٌ وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِمُحْدَثِ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا وُصِفَتْ مُيِّزَ بِهَا بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَغَيْرِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: مَا يَأْتِينِي مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَكْرَمَتْهُ وَمَا آكُلُ إلَّا طَعَامًا حَلَالًا وَنَحْوَ ذَلِكَ وَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُحْدَثَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقَ الَّذِي يَقُولُهُ الجهمي وَلَكِنَّهُ الَّذِي أُنْزِلَ جَدِيدًا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَالْمُنَزَّلُ أَوَّلًا هُوَ قَدِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُنَزَّلِ آخِرًا.
وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ قَدِيمٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَ: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ وَقَالَ: ﴿تَاللَّهِ إنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لَمْ يَقُلْ جَعَلْنَاهُ فَقَطْ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ بِمَعْنَى خَلَقْنَاهُ؛ وَلَكِنْ قَالَ: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أَيْ صَيَّرْنَاهُ عَرَبِيًّا لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُنَزِّلَهُ عَجَمِيًّا فَلَمَّا أَنْزَلَهُ عَرَبِيًّا كَانَ قَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا دُونَ عَجَمِيٍّ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي فَارَقُوا بِهَا الْجَهْمِيَّة مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَمَّنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا فَقَالَ لَهُ آخَرُ: بَلْ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا فَقَالَ: إنْ قُلْت كَلَّمَهُ فَالْكَلَامُ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَرْفِ وَصَوْتٍ وَالْحَرْفُ وَالصَّوْتُ مُحْدَثٌ وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى بِحَرْفِ وَصَوْتٍ فَهُوَ كَافِرٌ فَهَلْ هُوَ كَمَا قَالَ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَمَّا مَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا فَهَذَا إنْ كَانَ لَمْ يَسْمَعْ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُعَرَّفُ أَنَّ هَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ فَإِنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إنْ كَانَ كَلَامُهُ بَعْدَ أَنْ يَجْحَدَ نَصَّ الْقُرْآنِ بَلْ لَوْ قَالَ: إنَّ مَعْنَى كَلَامِي أَنَّهُ خَلَقَ صَوْتًا فِي الْهَوَاءِ فَأَسْمَعُهُ مُوسَى كَانَ كَلَامُهُ أَيْضًا كُفْرًا وَهُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ كَفَّرَهُمْ السَّلَفُ وَقَالُوا: يُسْتَتَابُونَ فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا؛ لَكِنْ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يُبَيِّنُ لَهُ الصَّوَابَ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَفَرَ.
إذْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ

يُخْطِئُ فِيمَا يَتَأَوَّلُهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَيَجْهَلُ كَثِيرًا مِمَّا يَرِدُ مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ مَرْفُوعَانِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْكُفْرُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ.
وَالْأَئِمَّةُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِقَتْلِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ رُؤْيَةَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ وَيَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ قِيلَ إنَّهُمْ أُمِرُوا بِقَتْلِهِمْ لِكُفْرِهِمْ وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ إذَا دَعَوْا النَّاسَ إلَى بِدْعَتِهِمْ أَضَلُّوا النَّاسَ فَقُتِلُوا لِأَجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَحِفْظًا لِدِينِ النَّاسِ أَنْ يُضِلُّوهُمْ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّ الْجَهْمِيَّة مِنْ شَرِّ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ كَثِيرٌ عَنْ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً.
وَمِنْ الْجَهْمِيَّة: الْمُتَفَلْسِفَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا كَلَّمَ مُوسَى بِكَلَامِ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ فِي الْهَوَاءِ وَإِنَّهُ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ - وَإِنَّهُ لَيْسَ مُبَايِنًا لِخَلْقِهِ وَأَمْثَالَ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ تَعْطِيلَ الْخَالِقِ وَتَكْذِيبَ رُسُلِهِ وَإِبْطَالَ دِينِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الجهمي: إنْ قُلْت كَلَّمَهُ فَالْكَلَامُ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَرْفِ وَصَوْتٍ وَالْحَرْفُ وَالصَّوْتُ مُحْدَثٌ وَمَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى بِحَرْفِ وَصَوْتٍ فَهُوَ كَافِرٌ.
فَيُقَالُ لِهَذَا الْمُلْحِدِ: أَنْتَ تَقُولُ إنَّهُ كَلَّمَهُ بِحَرْفِ وَصَوْتٍ

لَكِنْ تَقُولُ بِحَرْفِ وَصَوْتٍ خَلَقَهُ فِي الْهَوَاءِ وَتَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ لِأَنَّهَا لَا تَقُومُ إلَّا بِمُتَحَيِّزِ وَالْبَارِي لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُتَحَيِّزٌ فَقَدْ كَفَرَ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ جَحَدَ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَانَ أَوْلَى بِالْكُفْرِ مِمَّنْ أَقَرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَإِنْ قَالَ الْجَاحِدُ لِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إنَّ الْعَقْلَ مَعَهُ قَالَ لَهُ الْمُوَافِقُ لِلنُّصُوصِ: بَلْ الْعَقْلُ مَعِي وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهَذَا يَقُولُ إنَّ مَعَهُ السَّمْعَ وَالْعَقْلَ وَذَاكَ إنَّمَا يَحْتَجُّ لِقَوْلِهِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْعَقْلِ الَّذِي يُبَيِّنُ مُنَازِعُهُ فَسَادَهُ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْعَقْلَ مَعَهُ.
" وَالْكُفْرُ " هُوَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا عُلِمَ بِنَظَرِ الْعَقْلِ يَكُونُ كَافِرًا وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ جَحَدَ بَعْضَ صَرَائِحِ الْعُقُولِ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ كُفْرًا فِي الشَّرِيعَةِ.
وَأَمَّا مَنْ خَالَفَ مَا عُلِمَ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِلَا نِزَاعٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا الْإِخْبَارُ عَنْ اللَّهِ بِأَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ وَلَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ هَذَا وَهَذَا يَكْفُرُ.
وَهَذَا اللَّفْظُ مُبْتَدَعٌ وَالْكَفْرُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ أَسْمَاءٍ مُبْتَدَعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ بَلْ يَسْتَفْسِرُ هَذَا الْقَائِلَ إذَا قَالَ: إنَّ اللَّهَ مُتَحَيِّزٌ أَوْ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ فَإِنْ قَالَ: أَعْنِي بِقَوْلِي إنَّهُ مُتَحَيِّزٌ

أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَإِنَّ الْمَخْلُوقَاتِ قَدْ حَازَتْهُ وَأَحَاطَتْ بِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ.
وَإِنْ قَالَ أَعْنِي بِهِ أَنَّهُ مُنْحَازٌ عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ مُبَايِنٌ لَهَا فَهَذَا حَقٌّ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَيْسَ بِمُتَحَيِّزِ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَحُوزُ الْخَالِقَ فَقَدْ أَصَابَ وَإِنْ قَالَ إنَّ الْخَالِقَ لَا يُبَايِنُ الْمَخْلُوقَ وَيَنْفَصِلُ عَنْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَالنَّاسُ فِي الْجَوَابِ عَنْ حُجَّتِهِ الدَّاحِضَةِ - وَهِيَ قَوْلُهُ " لَوْ قُلْت إنَّهُ كَلَّمَهُ فَالْكَلَامُ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَرْفِ وَصَوْتٍ وَالْحَرْفُ وَالصَّوْتُ مُحْدَثٌ " - ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ مَنَعُوهُ الْمُقَدِّمَةَ الْأُولَى وَصِنْفٌ مَنَعُوهُ الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ - وَصِنْفٌ لَمْ يَمْنَعُوهُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بَلْ اسْتَفْسَرُوهُ وَبَيَّنُوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا.
فَ " الصِّنْفُ الْأَوَّلُ " أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيُّ وَمِنْ اتَّبَعَهُمَا قَالُوا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَرْفِ وَصَوْتٍ بَلْ الْكَلَامُ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ عِبَارَةٌ عَنْهُ " وَذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِكُلِّ مَا أَمَرَ بِهِ وَالْخَبَرَ عَنْ كُلِّ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بالسريانية كَانَ إنْجِيلًا وَقَالُوا: إنَّهُ اسْمُ الْكَلَامِ حَقِيقَةً فَيَكُونُ اسْمُ الْكَلَامِ مُشْتَرَكًا أَوْ مَجَازًا فِي كَلَامِ الْخَالِقِ وَحَقِيقَةً فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِ.

" وَالصِّنْفُ الثَّانِي " سَلَّمُوا لَهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَرْفِ وَصَوْتٍ وَمَنَعُوهُمْ الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ وَهُوَ أَنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ لَا يَكُونُ إلَّا مُحْدَثًا.
وَصِنْفٌ قَالُوا: إنَّ الْمُحْدَثَ كَالْحَادِثِ سَوَاءٌ كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ لَا يَكُونُ قَدِيمًا وَهُوَ بِحَرْفِ وَصَوْتٍ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ قَدِيمٌ وَهُوَ بِحَرْفِ وَصَوْتٍ كَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَتْبَاعِهِ السالمية وَطَوَائِفَ مِمَّنْ اتَّبَعَهُ وَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ نَظِيرُ مَا قَالَهُ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ فِي الْمَعَانِي.
وَقَالُوا كَلَامٌ لَا بِحَرْفِ وَلَا صَوْتٍ لَا يُعْقَلُ وَمَعْنًى يَكُونُ أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ مَعْنَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ - فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ عَقْلًا وَشَرْعًا وَإِخْرَاجُ الْحُرُوفِ عَنْ مُسَمَّى الْكَلَامِ مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ جَمِيعِ اللُّغَاتِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الْمَخْلُوقَةَ فِي غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ حَقِيقَةٌ أَمْكَنَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ كَلَّمَ مُوسَى بِكَلَامِ مَخْلُوقٍ فِي غَيْرِهِ.
وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ الْأَوَّلِينَ: إذَا قُلْتُمْ إنَّ الْكَلَامَ هُوَ مُجَرَّدُ الْمَعْنَى

وَقَدْ خَلَقَ عِبَارَةَ بَيَانٍ.
. . 1 فَإِنْ قُلْتُمْ إنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ كَلَامُهُ حَقِيقَةً بَطَلَتْ حُجَّتُكُمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِكُمْ عَلَيْهِمْ قَوْلُكُمْ إنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ بِعِلْمِ قَائِمٍ بِغَيْرِهِ وَأَنْ يَقْدِرَ بِقُدْرَةِ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهِ وَأَنْ يُرِيدَ بِإِرَادَةِ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهِ وَإِنْ قُلْتُمْ هِيَ كَلَامٌ مَجَازًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى مَجَازًا فِي اللَّفْظِ وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ جَمِيعِ اللُّغَاتِ.
وَ " الصِّنْفُ الثَّالِثُ ": الَّذِينَ لَمْ يَمْنَعُوا الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَلَكِنْ اسْتَفْسَرُوهُمْ وَبَيَّنُوا أَنَّ هَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ قَوْلِكُمْ بَلْ قَالُوا: إنْ قُلْتُمْ: إنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ مُحْدَثٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مِنْهُ مُنْفَصِلًا عَنْهُ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِكُمْ وَتَنَاقُضِهِ وَهَذَا قَوْلٌ مَمْنُوعٌ وَإِنْ قُلْتُمْ: بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَدِيمًا فَهُوَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ مُحْدَثَةٌ.
وَهَؤُلَاءِ " صِنْفَانِ ": صِنْفٌ قَالُوا: إنَّ الْمُحْدَثَ هُوَ الْمَخْلُوقُ الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ فَإِذَا قُلْنَا: الْحَرْفُ وَالصَّوْتُ لَا يَكُونُ إلَّا مُحْدَثًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا لَا يَكُونُ إلَّا مَخْلُوقًا وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ هَذَا الْمُعْتَزِلِيُّ أَبْطَلَ قَوْلَهُ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

بِقَوْلِهِ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِحَرْفِ وَصَوْتٍ مَخْلُوقٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ مَخْلُوقٍ فِيهِ تَلْبِيسٌ.
وَنَحْنُ لَا نَقُولُ كَلَّمَ مُوسَى بِكَلَامِ قَدِيمٍ وَلَا بِكَلَامِ مَخْلُوقٍ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ وَيَسْكُتُ إذَا شَاءَ كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ كَمَا قَالَ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ كَثِيرٌ.
يُبَيِّنُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ إذَا شَاءَ فَعَلَ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ تَكْلِيمِهِ وَأَفْعَالِهِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَمَا كَانَ قَائِمًا بِنَفْسِهِ هُوَ كَلَامُهُ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ.
وَالْمَخْلُوقُ لَا يَكُونُ قَائِمًا بِالْخَالِقِ وَلَا يَكُونُ الرَّبُّ مَحَلًّا لِلْمَخْلُوقَاتِ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَقُومُ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ كَلِمَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَخْلُوقًا إنَّمَا الْمَخْلُوقُ مَا كَانَ بَائِنًا عَنْهُ.
وَكَلَامُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ لَيْسَ بِبَائِنِ مِنْهُ وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ

وَإِلَيْهِ يَعُودُ فَقَالُوا: مِنْهُ بَدَأَ أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ لَا أَنَّهُ خَلَقَهُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ.
وَهَذَا " الْجَوَابُ " هُوَ جَوَابُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْفِقْهِ وَطَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ: مِنْ الهشامية والكَرَّامِيَة وَغَيْرِهِمْ.
وَأَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: مِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ جَوَابَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ وَهُمْ الَّذِينَ يَرْتَضُونَ قَوْلَ ابْنِ كُلَّابٍ فِي الْقُرْآنِ وَهُمْ طَوَائِفُ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ جَوَابَ الصِّنْفِ الثَّانِي وَهُمْ الطَّوَائِفُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ قَوْلَ ابْنِ كُلَّابٍ وَيَقُولُونَ إنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ: كالسالمية وَطَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ جَوَابَ الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ وَهُمْ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ قَوْلَ الطَّائِفَتَيْنِ المتقدمتين الْكُلَّابِيَة والسالمية.
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ الكَرَّامِيَة - والكَرَّامِيَة يَنْتَسِبُونَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ - وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَخْتَارُ قَوْلَ الكَرَّامِيَة أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَنَاقُضٍ آخَرَ؛ بَلْ يَقُولُ بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: كَالْبُخَارِيِّ وَعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَة وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ السَّلَفِ:

كَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القرظي وَالزُّهْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَمَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ تَضِيقُ عَنْهَا هَذِهِ الْوَرَقَةُ.
وَبَيْنَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مُنَازَعَاتٌ وَدَقَائِقُ تَضِيقُ عَنْهَا هَذِهِ الْوَرَقَةُ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعَ وَبَيَّنَّا حَقِيقَةَ كُلِّ قَوْلٍ وَمَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّوَابُ فِي صَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ؛ لَكِنْ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَضْلِيلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ.
وَالْأُمَّةُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا يُقْتَلُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

وَسُئِلَ أَيْضًا - رَحِمَهُ اللَّهُ -: عَمَّنْ قَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا وَسَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ وَوَعَاهُ قَلْبُهُ وَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ وَنَاوَلَهُ إيَّاهُ مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِهِ وَقَالَ آخَرُ: لَمْ يُكَلِّمْهُ إلَّا بِوَاسِطَةِ.
فَأَجَابَ: الْقَائِلُ الَّذِي قَالَ: إنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا - كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ - مُصِيبٌ وَأَمَّا الَّذِي قَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بِوَاسِطَةِ فَهَذَا ضَالٌّ مُخْطِئٌ؛ بَلْ قَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؛ فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ إنْكَارٌ لِمَا قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَلِمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الْآيَةَ فَفَرَّقَ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ - كَمَا كَلَّمَ مُوسَى - وَبَيْنَ تَكْلِيمِهِ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ كَمَا أَوْحَى إلَى غَيْرِ مُوسَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ .

وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَحْفُوظِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثُ ﴿الْتَقَى آدَمَ وَمُوسَى قَالَ آدَمَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي كَلَّمَك اللَّهُ تَكْلِيمًا لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ﴾ . وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا كَفَّرُوا الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كَلَامًا فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ سَمِعَهُ مُوسَى وَفَسَّرَ التَّكْلِيمَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ﴾ فَهَذَا قَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ - مُخْطِئٌ ضَالٌّ وَإِذَا أَنْكَرَهُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ " نَاوَلَهَا بِيَدِهِ إلَى يَدِهِ " فَهَذَا مَأْثُورٌ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَهُوَ هَكَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لَكِنْ لَا أَعْلَمُ غَيْرَ هَذَا اللَّفْظِ مَأْثُورًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْمُتَكَلِّم بِهِ إنْ أَرَادَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْأَعْلَامُ أَئِمَّةُ الدِّينِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -: هَلْ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي نَتْلُوهُ الْقَائِمُ بِنَا حِينَ التِّلَاوَةِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي قَامَ بِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ وَكَانَ صِفَةً لَهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ كَلَامُهُ فَهَلْ إذَا تَلَوْنَاهُ وَقَامَ بِنَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَتُهُ؟ أَمْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ دُونَ صِفَتِهِ؟ أَمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يَجِبُ بَيَانُهُ؟ وَهَلْ إذَا قَامَ بِنَا كَانَ مُنْتَقِلًا عَنْ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَامَ بِهِ؟ أَمْ يَكُونُ قَائِمًا بِنَا وَبِهِ مَعًا؟ أَمْ الَّذِي قَامَ بِنَا يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ حِكَايَةً عَنْهُ وَيَكُونُ إطْلَاقُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ مَجَازًا؟ وَهَلْ يَكُونُ صِفَةً لَنَا مُحْدَثَةً قَامَتْ بِمُحْدَثِ؛ إذْ الْقَدِيمُ لَا يَقُومُ بِمُحْدَثِ وَالْمُحْدَثُ لَا يَكُونُ قَدِيمًا وَهَلْ " التِّلَاوَةُ " هِيَ نَفْسُ الْمَتْلُوِّ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذِهِ " الْمَسْأَلَةُ " جَوَابُهَا يَحْتَمِلُ الْبَسْطَ وَيُمْكِنُ فِيهِ الِاخْتِصَارُ ثُمَّ بَسَطَ الْجَوَابَ بَعْضَ الْبَسْطِ؛ فَأَمَّا الْجَوَابُ الْمُخْتَصَرُ فَإِنَّهُ يُقَالُ: جَوَابُ

هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى " مُقَدِّمَةٍ " وَهِيَ أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ لِمَا بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِهِ: هَذَا كَلَامُ ذَلِكَ الْغَيْرِ؛ فَإِنَّ الْمُحَدِّثَ إذَا حَدَّثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى﴾ أَوْ قَوْلِهِ: ﴿الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ﴾ أَوْ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ فَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الَّذِي أَلَّفَ حُرُوفَهُ وَتَكَلَّمَ بِهَا بِصَوْتِهِ.
ثُمَّ الْمُبَلِّغُ بِذَلِكَ عَنْهُ بَلَّغَ كَلَامَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأَ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ﴾ فَدَعَا بِالنَّضْرَةِ لِمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ.
فَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَسْمُوعَ مِنْهُ هُوَ الْحَدِيثُ الْمُبَلَّغُ عَنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُبَلِّغَ عَنْهُ بَلَّغَهُ بِأَفْعَالِهِ وَأَصْوَاتِهِ وَأَنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ مِنْهُ هُوَ صَوْتُهُ لَا صَوْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ بِصَوْتِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ فَالْمُبَلَّغُ عَنْهُ هُوَ حَدِيثُهُ الَّذِي سُمِعَ مِنْهُ وَلَيْسَ الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ صَوْتَهُ.
فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: هَلْ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي قَرَأَهُ الْمُحَدِّثُ الْقَائِمُ بِهِ

حِينَ الْقِرَاءَةِ هُوَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَامَ بِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ وَكَانَ صِفَةً لَهُ أَمْ لَا؟ قِيلَ لَهُ: إنْ كُنْت تُرِيدُ أَنَّ نَفْسَ الْحَدِيثِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَامَ بِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ كَانَ صِفَةً لَهُ؛ فَنَعَمْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كُنْت تُرِيدُ أَنَّ مَا اخْتَصَّ بِالْقَارِئِ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَأَصْوَاتِهِ هُوَ الْقَائِمُ بِالرَّسُولِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَرَدْت أَنَّ نَفْسَ مَا اخْتَصَّ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ حَرَكَاتِهِ وَأَصْوَاتِهِ وَالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ هِيَ بِعَيْنِهَا انْتَقَلَتْ عَنْ الرَّسُولِ وَقَامَتْ بِالْقَارِئِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: هَذَا هُوَ هَذَا وَلَيْسَ هُوَ إيَّاهُ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ هَذَا وَلَيْسَ هُوَ عَيْنَهُ: لَفْظٌ فِيهِ إجْمَالٌ فَإِنَّ مَنْ نَقَلَ لَفْظَ غَيْرِهِ كَمَا سَمِعَهُ وَكَتَبَهُ فِي كِتَابٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هَذَا كَلَامُ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ وَهَذَا نَفْسُ كَلَامِهِ وَهَذَا عَيْنُ كَلَامِهِ.
وَمُرَادُهُ أَنَّ نَفْسَ مَا قَالَهُ هُوَ الَّذِي بَلَغَهُ عَنْهُ وَهُوَ الْمَكْتُوبُ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ.
فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لِمَا سَمِعَ مِنْ الْقَارِئِ هَذَا عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ هَذَا كَلَامُ اللَّهِ بِعَيْنِهِ أَوْ هَذَا نَفْسُ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ قَالَ لِمَا بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ بِعَيْنِهِ.
وَهَذَا عَيْنُ كَلَامِ اللَّهِ كَانَ صَادِقًا

وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: أَنَّ الْقُرْآنَ زِيدَ فِيهِ وَنُقِصَ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ مُطْبِقِينَ عَلَى أَنَّ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ كَلَامُ اللَّهِ؛ وَالْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ نَفَى ذَلِكَ.
وَقَدْ يُقَالُ لِكَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَسْمُوعِ مِنْهُ: هَذَا كَلَامُ زَيْدٍ بِعَيْنِهِ؛ وَهَذَا عَيْنُ كَلَامِ زَيْدٍ وَهَذَا نَفْسُ كَلَامِ زَيْدٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ؛ بِحَيْثُ يَسْمَعُ صِفَةَ ذَلِكَ الْمُتَكَلِّمِ الْمُخْتَصِّ بِهِ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ أَيُّوبُ السختياني.
كَانَ الْحَسَنُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ فَيَأْتِي مِثْلَ الدُّرِّ؛ فَتَكَلَّمَ بِهِ بَعْدَهُ قَوْمٌ فَجَاءَ مِثْلَ الْبَعْرِ.
وَالْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلَامِ مِنْ الْبَشَرِ لَهُ صَوْتٌ يَخُصُّهُ وَنَغْمَةٌ تَخُصُّهُ كَمَا لَهُ سَجِيَّةٌ تَخُصُّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ . وَلَهُ أَيْضًا - إنْ كَانَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا - مِنْ الْحَالِ وَالصِّفَةِ وَالْكَيْفِيَّةِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ فَإِذَا سُمِعَ كَلَامُهُ بِالصِّفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ وَقِيلَ: هَذَا كَلَامُهُ بِعَيْنِهِ وَهَذَا عَيْنُ كَلَامِهِ وَنَفْسُ كَلَامِهِ وَأُدْخِلَتْ الصِّفَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ فِي مُسَمَّى الْعَيْنِ وَالنَّفْسِ لَمْ يَصْدُقْ هَذَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَرْوِيًّا.
لَكِنْ لَمَّا كَانَ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا يَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْمَعُ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ: لَمْ يَسْبِقْ هَذَا الْمَعْنَى إلَى ذِهْنِ أَحَدٍ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّا إذَا قُلْنَا سَمِعْنَا كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنِهِ وَهَذَا عَيْنُ كَلَامِهِ فَإِنَّمَا الْمُرَادُ

بِهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَهُوَ كَوْنُهُ مَسْمُوعًا مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ لَا أَنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنْهُ وَلَا أَنَّ تَكَلُّمَهُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْكَلَامِ وُجِدَ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ فَإِنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ اللَّهِ كَمَا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ؛ بَلْ يَعْلَمُونَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ إنَّمَا سُمِعَ مِنْ الْمُبَلِّغِينَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وَقَالَ نُوحٌ: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ بِالْمَوْقِفِ: ﴿أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنَّ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي﴾ فَلَمَّا كَانَ هَذَا مُسْتَقِرًّا فِي قُلُوبِ الْمُسْتَمِعِينَ عَلِمُوا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ إنَّمَا هُوَ سَمَاعُهُ مِنْ الْمُبَلِّغِينَ لَهُ لَا سَمَاعُهُ مِنْهُ وَإِنَّ هَذَا السَّمَاعَ لَيْسَ كَسَمَاعِ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ؛ فَإِنَّ مُوسَى سَمِعَهُ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَنَحْنُ إذَا سَمِعْنَا كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ كَسَمْعِ الصَّحَابَةِ

مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُمْ يُبَلِّغُونَ حَدِيثَهُ كَمَا سَمِعُوهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُوا صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا هِيَ أَصْوَاتُهُمْ صَوْتَهُ وَلَا مِثْلَ صَوْتِهِ مَعَ أَنَّهُمْ بَلَّغُوا حَدِيثَهُ كَمَا سَمِعُوهُ.
فَالْقُرْآنُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ بَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ وَالرَّسُولُ بَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ وَالْأُمَّةُ بَلَّغَتْهُ كَمَا سَمِعَتْهُ وَأَنْ يَكُونَ مَا بَلَّغَتْهُ هُوَ مَا سَمِعَتْهُ وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحَالَيْنِ؛ مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ بَشَرٌ مِنْ جِنْسِ الْبَشَرِ " وَاَللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ . وَالتَّفَاوُتُ الَّذِي بَيْنَ صِفَاتِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ أَعْظَمُ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أَدْنَى الْمَخْلُوقَاتِ وَأَعْلَاهَا فَإِذَا كَانَ سَمْعُ التَّابِعِينَ لِكَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَيْسَ كَسَمْعِ الصَّحَابَةِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَاعُ كَلَامِ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ أَبْعَدُ مِنْ مُمَاثَلَةِ سَمَاعِ شَيْءٍ لِشَيْءِ مِنْ الْمَخْلُوفَاتِ.
وَالْقَائِلُ إذَا قَالَ لِمَا سَمِعَهُ مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْ الرَّسُولِ هَذَا كَلَامُ الرَّسُولِ أَوْ هَذَا كَلَامٌ صَوَابٌ أَوْ حَقٌّ أَوْ صَحِيحٌ أَوْ هَذَا حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ أَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ.
أَوْ هَذَا نَفْسُ كَلَامِ الرَّسُولِ أَوْ عَيْنُهُ فَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى مُجَرَّدِ الْكَلَامِ وَهُوَ مَا يُوجَدُ حَالَ سَمَاعِهِ مِنْ الْمُبَلِّغِ وَالْمُبَلَّغِ عَنْهُ لَمْ يُشِرْ إلَى مَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا؛ فَلَمْ يُشِرْ إلَى مُجَرَّدِ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ وَلَا مُجَرَّدِ صَوْتِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ وَلَا إلَى حَرَكَةِ أَحَدٍ مِنْهُمَا؛ بَلْ هُنَاكَ أَمْرٌ يَتَّحِدُ فِي الْحَالَيْنِ

وَهَذَا أَمْرٌ يَتَعَدَّدُ يَخْتَصُّ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْهُ بِمَا يَخُصُّهُ.
فَإِذَا قِيلَ: هَذَا هُوَ كَلَامُهُ كَانَتْ الْإِشَارَةُ إلَى الْمُتَّحِدِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا.
وَإِذَا قِيلَ: هَذَا صَوْتُهُ كَانَتْ الْإِشَارَةُ إلَى الْمُخْتَصِّ الْمُتَعَدِّدِ فَيُقَالُ: هَذَا صَوْتٌ غَلِيظٌ أَوْ رَقِيقٌ أَوْ حَسَنٌ أَوْ لَيْسَ حَسَنًا؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَلَّهُ أَشَدُّ أَذْنًا إلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إلَى قَيْنَتِهِ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: ﴿زُيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ﴾ قَالَ أَحْمَد.
يُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ مَا اسْتَطَاعَ.
فَبَيَّنَ الْإِمَامُ أَحْمَد أَنَّ الصَّوْتَ صَوْتُ الْقَارِئِ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ كَلَامُ الْبَارِي.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ تَبْلِيغِ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَذَلِكَ فِي تَبْلِيغِ كَلَامِ كُلِّ أَحَدٍ فَإِذَا سَمِعَ النَّاسُ مُنْشِدًا يُنْشِدُ.
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ قَالُوا: هَذَا شِعْرُ لَبِيَدٍ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَهَذَا كَلَامُ لَبِيَدٍ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ﴾ . وَلَوْ قَالَ الْمُنْشِدُ: هَذَا شَعْرِي أَوْ كَلَامِي لَكَذَّبَهُ النَّاسُ كَمَا يُكَذِّبُونَهُ لَوْ قَالَ: هَذَا صَوْتُ لَبِيَدٍ وَإِذَا قَالَ: هَذَا لَفْظُ لَبِيَدٍ بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ - وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ الْمَلْفُوظَ هُوَ كَلَامُهُ بِنَظْمِهِ وَتَأْلِيفِهِ - لَصَدَّقَهُ النَّاسُ.

وَإِنْ قَالَ: هَذَا لَفْظُهُ بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا بِلَفْظِهِ كَذَّبَهُ النَّاسُ؛ فَإِنَّ " اللَّفْظَ " يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ " وَيُرَادُ بِهِ الْمَلْفُوظُ وَكَذَلِكَ " التِّلَاوَةُ " وَ " الْقِرَاءَةُ " يُرَادُ بِذَلِكَ الْمَصْدَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْكَلَامُ نَفْسُهُ الَّذِي يُقْرَأُ وَيُتْلَى.
وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ تَعَلُّمَ الْجَامِعِ وَالْفَارِقِ بَيْنَ سَمَاعِ الْكَلَامِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَمِنْ الْمُبَلِّغِ لَهُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَأَنَّهُ كَلَامُهُ فِي الْحَالَيْنِ: لَكِنْ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا مَسْمُوعٌ مِنْهُ سَمَاعًا مُطْلَقًا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَفِي الْأُخْرَى مَسْمُوعٌ مِنْهُ سَمَاعًا مُقَيَّدًا بِوَاسِطَةِ التَّبْلِيغِ كَمَا أَنَّك تَارَةً تَرَى الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ فَلَا تَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى وَاسِطَةٍ وَتَارَةً تَرَاهَا فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ تَرَاهَا بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الْجِسْمِ الشَّفَّافِ فَهِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
لَكِنْ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ رَأَيْتهَا نَفْسَهَا بِالْمُبَاشَرَةِ رُؤْيَةً مُطْلَقَةً وَفِي الْأُخْرَى رَأَيْتهَا رُؤْيَةً مُقَيَّدَةً بِوَاسِطَةِ.
وَإِذَا قُلْت: الْمَرْئِيُّ مِثَالُهَا أَوْ خَيَالُهَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
قِيلَ: أَنْتَ تَجِدُ الْفَرْقَ بَيْنَ رُؤْيَتِك خَيَالَ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ ظِلُّهُ وَتِمْثَالُهُ الَّذِي هُوَ صُورَتُهُ الْمُصَوَّرَةُ وَبَيْنَ رُؤْيَتِهِ فِي الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ؛ إذَا كَانَ الْمَرْئِيُّ هُنَا وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَوَسُّطِ خَيَالٍ فَالْمَقْصُودُ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ الْحَقِيقَةُ؛ وَلَكِنْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمِرْآةِ فَيُرَى كَبِيرًا إنْ كَانَتْ الْمِرْآةُ كَبِيرَةً وَصَغِيرًا

إنْ كَانَتْ الْمِرْآةُ صَغِيرَةً وَمُسْتَطِيلًا إنْ كَانَتْ الْمِرْآةُ مُسْتَطِيلَةً.
وَهَذَا الْكَلَامُ الْمَرْوِيُّ عَنْ الْغَيْرِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ هُوَ نَفْسُ كَلَامِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَوَسُّطِ صَوْتِ هَذَا الْمُبَلِّغِ؛ وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ؛ فَتَارَةً يَكُونُ رَقِيقًا وَتَارَةً غَلِيظًا وَتَارَةً مَجْهُورًا بِهِ وَتَارَةً مُخَافَتًا بِهِ.
فَإِنْ قُلْت: فَهَذَا الْمَسْمُوعُ مِثْلُ كَلَامِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ أَوْ حِكَايَةُ كَلَامِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ كَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ كَانَ إطْلَاقُ هَذَا خَطَأً كَمَا أَنَّك إذَا قُلْت لِمَا تَرَاهُ فِي الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ هَذَا مِثْلُ الشَّمْسِ أَوْ هَذَا يَحْكِي الشَّمْسَ: كَانَ إطْلَاقُ ذَلِكَ خَطَأً قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الْآيَةَ فَقَدْ بَيَّنَ عَجْزَ الْخَلَائِقِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ مَعَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى تَبْلِيغِهِ وَتِلَاوَتِهِ؛ فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْمَسْمُوعَ لَا يُقَالُ إنَّهُ مِثْلُ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا سَمَّاهُ كَلَامَهُ؛ لَكِنَّهُ كَلَامُهُ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ لَا بِطْرِيقَ الْمُبَاشَرَةِ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْن التَّكْلِيمَيْنِ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ فَفَرَّقَ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ - كَمَا كَلَّمَهُ مُوسَى - وَبَيْنَ تَكْلِيمِهِ بِإِرْسَالِهِ رَسُولًا يُوحِي بِإِذْنِهِ؛ ذَاكَ تَكْلِيمٌ بِلَا

وَاسِطَةٍ وَهَذَا تَكْلِيمُهُ بِوَاسِطَةِ.
وَإِنْ قُلْت: لِمَا يُبَلِّغُهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ غَيْرِهِ هَذَا حِكَايَةُ كَلَامِ ذَلِكَ كَانَ الْإِطْلَاقُ خَطَأً فَإِنَّ لَفْظَ " الْحِكَايَةِ " إذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ أَتَى بِكَلَامِ يُشْبِهُ كَلَامَهُ كَمَا يُقَالُ: هَذَا يُحَاكِي هَذَا وَهَذَا قَدْ حَكَى هَذَا؛ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ قَدْ حَكَى هَذَا الْكَلَامَ عَنْ فُلَانٍ.
كَمَا يُقَالُ: رَوَاهُ عَنْهُ وَبَلَّغَهُ عَنْهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ وَحَدَّثَ بِهِ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا يَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ.
فَكُلَّمَا بَلَّغَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ فَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُ وَرَوَاهُ عَنْهُ.
فَالْقَائِلُ إذَا قَالَ لِلْقَارِئِ هَذَا يَحْكِي كَلَامَ اللَّهِ أَوْ يَحْكِي الْقُرْآنَ فَقَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَأْتِي بِكَلَامِ يُحَاكِي بِهِ كَلَامَ اللَّهِ وَهَذَا كُفْرٌ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ بَلَّغَهُ وَتَلَاهُ فَالْمَعْنَى صَحِيحٌ؛ لَكِنْ يَنْبَغِي تَعْبِيرُهُ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى بَاطِلٍ فَيَقُولُ: قَرَأَهُ وَتَلَاهُ وَبَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ؛ وَلِهَذَا إذَا قِيلَ: يَحْكِي الْقِرَاءَاتِ السَّبْعَ وَيَرْوِيهَا وَيَنْقُلُهَا لَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا تَبْلِيغُهَا؛ لَا أَنَّهُ يَأْتِي بِمِثْلِهَا.

فَصْلٌ: إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ، فَيُقَالُ: هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي نَقْرَؤُهُ وَنُبَلِّغُهُ وَنَسْمَعُهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ وَنَزَلَ بِهِ مِنْهُ رُوحُ الْقُدُسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ فَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي قَالُوا: إنَّمَا يُعَلِّمُهُ إيَّاهُ بَشَرٌ وَقَدْ أَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ نَفْسُ الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي يَمْتَنِعُ أَنْ يُعَلِّمَهُ إيَّاهُ ذَلِكَ الْأَعْجَمِيُّ الَّذِي أَلْحَدُوا إلَيْهِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ رَجُلٌ بِمَكَّةَ مَوْلًى لِابْنِ الْحَضْرَمِيّ وَالْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةُ لَا يَمْتَنِعُ تَعَلُّمُهَا مِنْ الْأَعْجَمِيِّ بِخِلَافِ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ فَدَلَّ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَهَذَا الْكَلَامُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا مَا اُخْتُصَّ قِيَامُهُ بِنَا؛ مِنْ حَرَكَاتِنَا وَأَصْوَاتِنَا وَفَهْمِنَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِنَا فَلَمْ يَقُمْ مِنْهُ شَيْءٌ بِذَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنَّ مَا اخْتَصَّ الرَّبُّ تَعَالَى بِقِيَامِهِ بِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ وَلَمْ يَقُمْ بِغَيْرِهِ لَا هُوَ وَلَا مِثْلُهُ: فَإِنَّ الْمَخْلُوقَ إذَا سَمِعَ مِنْ الْمَخْلُوقِ كَلَامَهُ وَبَلَّغَهُ عَنْهُ كَانَ مَا بَلَّغَهُ هُوَ كَلَامَهُ كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأَ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ﴾ مَعَ أَنَّ مَا قَامَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَاطِنِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهِمَا وَبِظَاهِرِهِ مِنْ الْحَرَكَةِ وَالصَّوْتِ وَغَيْرِهِمَا - لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ وَلَمْ يَقُمْ بِغَيْرِهِ؛ بَلْ جَمِيعُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ لَا تُفَارِقُ ذَوَاتِهِمْ وَتَنْتَقِلُ عَنْهُمْ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ صِفَةَ الْخَالِقِ فَارَقَتْ ذَاتَه فَانْتَقَلَتْ عَنْهُ؟ وَالْمُتَعَلِّمُ إذَا أَخَذَ عِلْمَ الْمُعَلِّمِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ لَمْ يُفَارِقْ ذَاتَ الْأَوَّلِ وَيَنْتَقِلْ عَنْهَا إلَى الثَّانِي؛ بَلْ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ الْعِلْمِيَّةِ حَصَلَتْ لَهُ مِثْلَ مَا حَصَلَتْ لِمُعَلِّمِهِ أَوْ لَيْسَ مَثَلَهُ بَلْ يُشْبِهُهُ؛ وَلِهَذَا يُشَبَّهُ الْعِلْمُ بِضَوْءِ السِّرَاجِ كُلُّ أَحَدٍ يَقْتَبِسُ مِنْهُ وَهُوَ لَمْ يَنْقُصْ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ أَوْقَدَ مِنْ مِصْبَاحِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى سِرَاجِهِ شَيْءٌ مِنْ جِرْمِ تِلْكَ النَّارِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهَا الْقَائِمَةِ بِهَا؛ بَلْ جَعَلَ اللَّهُ بِسَبَبِ مُلَاصَقَةِ النَّارِ ذَلِكَ نَارًا مِثْلَ تِلْكَ

فَالْحَقِيقَةُ النَّارِيَّةُ مَوْجُودَةٌ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْعَيْنُ لَيْسَتْ تِلْكَ؛ لَكِنَّ النَّارَ وَالْعِلْمَ لَيْسَ هُوَ مِثْلَ الْكَلَامِ الَّذِي يُبَلَّغُ عَنْ الْغَيْرِ؛ بَلْ هُوَ مِثْلُ أَنْ يَسْمَعَ بَعْضُ النَّاسِ كَلَامَ غَيْرِهِ وَشِعْرَ غَيْرِهِ فَيَقُولُ مِنْ جِنْسِ مَا قَالَ وَيَقُولُ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ.
كَمَا يُقَالُ: وَقْعُ الْخَاطِرِ عَلَى الْخَاطِرِ كَوَقْعِ الْحَافِرِ عَلَى الْحَافِرِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّبْلِيغِ وَالرِّوَايَةِ فِي شَيْءٍ (فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ هُوَ كَلَامُ لَبِيَدٍ كَيْفَ مَا أَنْشَدَهُ النَّاسُ وَكَتَبُوهُ؛ فَهَذَا الشِّعْرُ الَّذِي يُنْشِدُهُ هُوَ شِعْرُ لَبِيَدٍ بِعَيْنِهِ.
فَإِذَا قِيلَ: الشِّعْرُ الَّذِي قَامَ بِنَا هُوَ الَّذِي قَامَ بلبيد.
قِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الشِّعْرَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ إنْ أُرِيدَ أَنَّ نَفْسَ مَا قَامَ بِذَاتِهِ فَارَقَ ذَاتَه وَانْتَقَلَ إلَيْنَا؛ فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ أُرِيدَ أَنَّ عَيْنَ الصِّفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِذَلِكَ الشَّخْصِ كَحَرَكَتِهِ وَصَوْتِهِ هِيَ عَيْنُ الصِّفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِنَا كَحَرَكَتِنَا وَصَوْتِنَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ) * . فَقَوْلُك: هَذَا هُوَ هَذَا لَفْظٌ فِيهِ إجْمَالٌ يُبَيِّنُهُ السِّيَاقُ.
فَإِذَا قُلْت: هَذَا الْكَلَامُ هُوَ ذَاكَ أَوْ هَذَا الشِّعْرُ هُوَ ذَاكَ كُنْت صَادِقًا.
وَإِذَا قُلْت هَذَا الصَّوْتُ هُوَ ذَاكَ كَانَ كَذِبًا.
وَالنَّاسُ لَا يَقْصِدُونَ إذَا قَالُوا: هَذَا شِعْرُ لَبِيَدٍ إلَّا الْقَدْرَ الْمُتَّحِدَ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 110) : وقوله هنا (إن أريد بذلك أن الشعر من حيث هو هو إن أريد أن نفس ما قام بذاته فارق ذاته وانتقل إلينا، فليس كذلك) فيه سقط ظاهر، فإن قوله (إن أريد بذلك.
. .) جملة شرطية لا جواب لها.
وقد ذكر الشيخ قبل هذه الصفحة بصفحات قلائل ما يشبه هذه الجمل الشرطية، فقال (12 / 535، 536) (فإذا قال القائل: هل هذا الحديث الذي قرأه المحدث القائم به حين القراءة هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قام به حين تكلم به وكان صفة له أم لا؟ قيل له: إن كنت تريد: أن نفس الحديث من حيث هو هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قام به حين تكلم به كان صفة له، فنعم.
هذا الحديث من حيث هو هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كنت تريد: أن ما اختص بالقارئ من حركاته وأصواته هو القائم بالرسول، فليس كذلك) . فمن هذا النص يكون صواب العبارة السابقة والله أعلم: (إن أريد بذلك أن الشعر من حيث هو هو [شعر لبيد الذي قام به حين تكلم به كان صفة له فنعم، و] إن أريد أن نفس ما قام بذاته فارق ذاته وانتقل إلينا، فليس كذلك.
.) .

وَهِيَ الْحَقِيقَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَعَ قَصْرِ النَّظَرِ عَمَّا اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَدْرُ الْمُتَّحِدُ كُلِّيٌّ مُطْلَقٌ وَالْكُلِّيَّاتُ إنَّمَا تُوجَدُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
قِيلَ: ذِكْرُ هَذَا هُنَا غَلَطٌ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يُقَالُ لَوْ كَانَ رَجُلٌ قَدْ قَالَ شِعْرُ لَبِيَدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِشِعْرِهِ.
فَنَقُولُ: هذان شَيْئَانِ اشْتَرَكَا فِي النَّوْعِ الْكُلِّيِّ وَامْتَازَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِمَا يَخُصُّهُ وَالْكُلِّيُّ إنَّمَا يُوجَدُ كُلِّيًّا فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ وَأَمَّا هُنَا فَنَفْسُ شِعْرِهِ كَانَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَقِيقَةِ الْكَلَامِيَّةِ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ صَوْتِ زَيْدٍ وَصَوْتِ عَمْرٍو - مَوْجُودٌ لَمَّا تَكَلَّمَ بِهِ لَبِيَدِ وَمَوْجُودٌ إذَا أَنْشَدَهُ غَيْرُ لَبِيَدٍ وَتِلْكَ الْحَقِيقَةُ الْمُتَّحِدَةُ مَوْجُودَةٌ هُنَا وَهُنَا؛ لَيْسَتْ مِثْلَ وُجُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَخَالِدٍ؛ فَإِنَّ إنْسَانِيَّةَ زَيْدٍ لَيْسَتْ إنْسَانِيَّةَ عَمْرٍو بَلْ مِثْلُهَا وَالْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ وَهُنَا نَفْسُ الْكَلَامِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ لَبِيَدِ تَكَلَّمَ بِهِ الْمُنْشِدُ عَنْهُ وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ أَنْشَأَ مِثْلَهُ وَلَا أَنْشَدَ مِثْلَهُ بَلْ يُقَالُ: أَنْشَدَ شِعْرَهُ بِعَيْنِهِ.
لَكِنَّ الشِّعْرَ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ لَا يَقُومُ إلَّا بِغَيْرِهِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ إمَّا بلبيد وَإِمَّا بِغَيْرِهِ وَالْقَائِمُ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِثْلَ الْقَائِمِ بِغَيْرِهِ؛ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا وَاحِدٌ.
فَالتَّمَاثُلُ وَالتَّغَايُرُ فِي الْوَسِيلَةِ وَالِاتِّحَادُ فِي الْحَقِيقَةِ الْمَقْصُودَةِ وَتِلْكَ الْحَقِيقَةُ هِيَ إنْشَاءُ لَبِيَدٍ لَا إنْشَاءُ غَيْرِهِ وَالْعُقَلَاءُ

يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ نَفْسُ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ مِنْ لَبِيَدٍ هُوَ نَفْسَ الصَّوْتِ الْمَسْمُوعِ مِنْ الْمُنْشِدِ؛ لَكِنَّ نَفْسَ الْمَقْصُودِ بِالصَّوْتِ هُوَ الْكَلَامُ؛ فَإِنَّ الصَّوْتَ وَاسِطَةٌ فِي تَبْلِيغِهِ؛ وَلِهَذَا مَا كَانَ فِي الصَّوْتِ مِنْ مَدْحٍ وَذَمٍّ كَانَ لِلْمُبَلِّغِ وَمَا كَانَ فِي الْكَلَامِ مِنْ مَدْحٍ وَذَمٍّ كَانَ لِلْمُتَكَلِّمِ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ فِي لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ وَمَعْنَاهُ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا: فَقَوْلُ الْقَائِلِ: هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي نَتْلُوهُ الْقَائِمُ بِنَا حِينَ التِّلَاوَةِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي قَامَ بِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ وَكَانَ صِفَةً لَهُ أَمْ لَا؟ قِيلَ لَهُ: أَمَّا الْكَلَامُ فَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُنَا وَلَا غَيْرُنَا وَهُوَ مَسْمُوعٌ مِنْ الْمُبَلِّغِ لَا مِنْ اللَّهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَهُوَ مَسْمُوعٌ بِوَاسِطَةِ سَمَاعًا مُقَيَّدًا لَا سَمَاعًا مِنْ اللَّهِ مُطْلَقًا - كَمَا تَقَدَّمَ - وَلَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا قَامَ بِذَاتِهِ فَارَقَهُ وَانْتَقَلَ إلَيْنَا وَلَا شَيْءٌ مِمَّا يَخْتَصُّ بِذَوَاتِنَا - كَحَرَكَاتِنَا وَأَصْوَاتِنَا فَهُوَ مِنَّا - قَائِمًا بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي نَتْلُوهُ الْقَائِمُ بِنَا حِينَ التِّلَاوَةِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي قَامَ بِهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ؟ فَلَفْظُ الْقِيَامِ فِيهِ إجْمَالٌ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ نَفْسَ صِفَةِ الرَّبِّ تَكُونُ صِفَةً لِغَيْرِهِ أَوْ صِفَةُ الْعَبْدِ تَكُونُ صِفَةً لِلرَّبِّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ نَفْسَ مَا لَيْسَ بِمَخْلُوقِ صَارَ مَخْلُوفًا أَوْ مَا هُوَ مَخْلُوقٌ صَارَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَا اخْتَصَّ الرَّبُّ بِقِيَامِهِ بِهِ شَارَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَإِنْ

أَرَادَ أَنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ كَلَامُهُ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ فِي الْحَالَيْنِ - كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ - فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْحَالَ إذَا سُمِعَ مِنْ اللَّهِ لَيْسَ كَالْحَالِ إذَا سُمِعَ مِنْ خَلْقِهِ وَذَلِكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ وَاحِدًا.
فَإِذَا كَانَ هَذَا الْفَرْقُ ثَابِتًا فِي كَلَامِ الْمَخْلُوقِ مَسْمُوعًا وَمُبَلَّغًا عَنْهُ فَثُبُوتُهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحْرَى فَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَكَلُّمُهُ بِهِ وَسَمَاعُهُ مِمَّا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ وَلَا مِثَالٌ وَلَا يُقَاسُ ذَلِكَ بِتَكَلُّمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمَاعِ الْكَلَامِ مِنْهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ صِفَاتِهِ وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا مِثَالَ لَهُ وَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ أَعْظَمُ مِنْ بُعْدِ مُمَاثَلَةِ أَعْظَمِ الْمَخْلُوقَاتِ عَنْ مُمَاثَلَةِ أَدْنَاهَا.
وَقَوْلُ السَّائِلِ: إذَا تَلَوْنَاهُ وَقَامَ بِنَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَتُهُ أَمْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ دُونَ صِفَتِهِ؟ أَمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يَجِبُ بَيَانُهُ؟ فَيُقَالُ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَصِفَتُهُ مَسْمُوعًا مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ لَا مِنْهُ؛ فَالنَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ بِدُونِ هَذَا التَّفْصِيلِ يُوهِمُ: إمَّا أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ مَسْمُوعًا مِنْهُ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ.
بَلْ كَلَامُ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ وَقَعَ فِي كَلَامِ طَائِفَتَيْنِ مِنْ النَّاسِ.
طَائِفَةٌ جَعَلَتْ هَذَا كَلَامَ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ؛ لَا كَلَامَ

اللَّهِ.
وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: هَذَا كَلَامُ اللَّهِ مَسْمُوعًا مِنْ اللَّهِ وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الْحَالَيْنِ؛ حَتَّى ادَّعَى بَعْضُهَا أَنَّ الصَّوْتَ الْمَسْمُوعَ قَدِيمٌ وَتِلْكَ لَمْ تَجْعَلْهُ كَلَامَ اللَّهِ؛ بَلْ كَلَامَ النَّاسِ.
فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَيْسَ هَذَا كَلَامَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: هَذَا الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ قَدِيمٌ.
وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ وَضَلَالٌ؛ لَكِنْ هُوَ كَلَامُهُ مُقَيَّدًا بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ الْقَارِئِ لَيْسَ هُوَ كَلَامَهُ وَصِفَتَهُ مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ مَسْمُوعًا مِنْهُ وَكَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ يُضَافُ إلَيْهِ مُطْلَقًا إذَا سُمِعَ مِنْهُ وَمُقَيَّدًا إذَا سُمِعَ مِنْ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ كَمَا أَنَّ رُؤْيَتَهُ يُقَالُ: مُطْلَقَةٌ إذَا رُئِيَ مُبَاشَرَةً.
وَيُقَالُ: مُقَيَّدَةٌ إذَا رُئِيَ فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إذَا قَامَ بِنَا هَلْ كَانَ مُنْتَقِلًا عَنْ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَامَ بِهِ أَمْ يَكُونُ قَائِمًا بِنَا وَبِهِ مَعًا؟ أَمْ الَّذِي قَامَ بِنَا يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ حِكَايَةً عَنْهُ؟ وَيَكُونُ إطْلَاقُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ مَجَازًا؟ فَيُقَالُ: إنَّ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ لَا تُفَارِقُ ذَاتَه وَتَنْتَقِلُ عَنْهُ وَتَقُومُ بِغَيْرِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ صِفَةَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ فَارَقَتْ ذَاتَه وَانْتَقَلَتْ عَنْهُ وَقَامَتْ بِغَيْرِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مِنَّا إذَا أَرْسَلَ غَيْرَهُ بِكَلَامِ فَإِنَّهُ مَا قَامَ بِهِ؛ بَلْ لَمْ يُفَارِقْ ذَاتَه وَيَنْتَقِلْ إلَى غَيْرِهِ؛ فَكَلَامُ اللَّهِ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ بَلْ كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ قَائِمٌ بِهِ كَمَا يَقُومُ بِهِ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ وَلَمْ يُرْسِلْ بِهِ رَسُولًا فَإِرْسَالُهُ رَسُولًا بِهِ يُفِيدُ إبْلَاغَهُ إلَى الْخَلْقِ.
وَإِنْزَالَهُ إلَيْهِمْ

لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِي حَقِّ الرَّبِّ وَلَا زَوَالَ اتِّصَافِهِ بِهِ وَلَا خُرُوجَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامَهُ؛ بَلْ نَعْلَمُ أَنَّ الرَّبَّ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَلَا يُرْسِلُ بِهِ رَسُولًا قَدْ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُرْسِلُ بِهِ رَسُولًا فَهُوَ فِي الْحَالَيْنِ كَلَامُهُ - سُبْحَانَهُ -؛ بَلْ إرْسَالُ الرَّسُولِ بِهِ نَفْعُ الْخَلْقِ وَهُدَاهُمْ وَلَمْ يَجِبْ بِهِ نُقْصَانُ صِفَةِ مَوْلَاهُمْ.
وَقَوْلُهُ: أَمْ يَكُونُ قَائِمًا بِنَا وَبِهِ؟ فَيُقَالُ: مَعْنَى الْقَائِمِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ تَكَلَّمَ هُوَ بِهِ وَتَكَلَّمْنَا بِهِ مُبَلِّغِينَ لَهُ عَنْهُ فَكَذَلِكَ هُوَ.
وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ مَا اخْتَصَّ بِهِ يَقُومُ بِنَا أَوْ مَا اخْتَصَّ بِنَا يَقُومُ بِهِ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِالْقِيَامِ أَنَّا بَلَّغْنَا كَلَامَهُ أَوْ قَرَأْنَا كَلَامَهُ أَوْ تَلَوْنَا كَلَامَهُ فَهَذَا صَحِيحٌ.
فَكَذَلِكَ إنْ أُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَلَامُهُ مَسْمُوعًا مِنْ الْمُبَلِّغِ لَا مِنْهُ.
وَإِنْ أُرِيدَ بِالْقِيَامِ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ هُوَ بِعَيْنِهِ قَامَ بِغَيْرِهِ مُخْتَصًّا بِهِ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ.
وَإِنْ قِيلَ: الصِّفَةُ الْوَاحِدَةُ تَقُومُ بِمَوْضِعَيْنِ.
قِيلَ: هَذَا أَيْضًا مُجْمَلٌ؛ فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُخْتَصَّ بِمَحَلِّ يَقُومُ بِمَحَلِّ آخَرَ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يُسَمَّى صِفَةً وَاحِدَةً يَقُومُ بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَيُبَلِّغُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ كَانَ هَذَا صَحِيحًا.
فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ يَجِبُ أَنْ تُفَسَّرَ الْأَلْفَاظُ الْمُجْمَلَةُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُفَسِّرَةِ الْمُبَيِّنَةِ وَكُلُّ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ حَقًّا وَبَاطِلًا فَلَا يُطْلَقُ إلَّا مُبَيَّنًا بِهِ الْمُرَادُ الْحَقُّ دُونَ

الْبَاطِلِ فَقَدْ قِيلَ أَكْثَرُ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ نِزَاعِ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ مِنْ جِهَةِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا هَذَا مَعْنًى يُثْبِتُهُ وَيُفْهَمُ مِنْهَا الْآخَرُ مَعْنًى يَنْفِيهِ.
ثُمَّ الْنُّفَاةِ يَجْمَعُونَ بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ وَالْمُثْبِتَةُ يَجْمَعُونَ بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَمْ الَّذِي يَقُومُ بِنَا يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ حِكَايَةً عَنْهُ وَيَكُونُ إطْلَاقُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ مَجَازًا؟ فَيُقَالُ: الْعِبَارَةُ عَنْ كَلَامِ الْغَيْبِ يُقَالُ لِمَنْ فِي نَفْسِهِ مَعْنَى ثُمَّ يُعَبِّرُ عَنْهُ غَيْرُهُ كَمَا يُعَبِّرُ عَمَّا فِي نَفْسِ الْأَخْرَسِ مَنْ فَهِمَ مُرَادَهُ وَاَلَّذِينَ قَالُوا: " الْقُرْآنُ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ " قَصَدُوا هَذَا وَهَذَا بَاطِلٌ؛ بَلْ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهِ؛ وَجِبْرِيلُ بَلَّغَهُ عَنْهُ.
وَأَمَّا " الْحِكَايَةُ " فَيُرَادُ بِهَا مَا يُمَاثِلُ الشَّيْءَ كَمَا يُقَالُ: هَذَا يُحَاكِي فُلَانًا إذَا كَانَ يَأْتِي بِمِثْلِ قَوْلِهِ أَوْ عَمَلِهِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ الْآيَةَ.
وَقَدْ يُقَالُ فُلَانٌ حَكَى فُلَانٌ عَنْهُ أَيْ بَلَّغَهُ عَنْهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ وَيَجِيءُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ وَيُقَالُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْ رَبِّهِ وَحَكَى عَنْ رَبِّهِ.
فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ حَكَى عَنْ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ بَلَّغَ عَنْ اللَّهِ فَهَذَا صَحِيحٌ.

وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: هَلْ يَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ مَجَازًا؟ فَيُقَالُ: عَلَامَةُ الْمَجَازِ صِحَّةُ نَفْيِهِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ فُلَانًا لَوْ قَالَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ لَيْسَ هَذَا كَلَامَ اللَّهِ لَكَانَ عِنْدَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَأَيْضًا: فَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَنْ بَلَّغَ كَلَامَ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُقَالُ هَذَا كَلَامُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ لَا كَلَامُ الْمُبَلِّغِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

مَا تَقُولُ السَّادَةُ أَئِمَّةُ الدِّينِ: فِي رَجُلَيْنِ قَالَ أَحَدَهُمَا: الْقُرْآنُ الْمَسْمُوعُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ كَلَامُ جِبْرِيلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فَهَلْ أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ؟ وَمَا الْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ؟ وَهَلْ هَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَالْأَئِمَّةِ أَمْ لَا؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ . فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بَلْ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ كَلَامَ جِبْرِيلَ.
وَلَا كَلَامَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ يُفْتَى بِقَوْلِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.
وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ وَسَمِعَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ جِبْرِيلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ . وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فَهُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَ

تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فَإِنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ لَا لِكَوْنِهِ أَحْدَثَ مِنْهُ شَيْئًا وَابْتَدَأَهُ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي إحْدَى الْآيَتَيْنِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فَالرَّسُولُ هُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ فَالرَّسُولُ هُنَا جِبْرِيلُ.
وَاَللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ؛ فَلَوْ كَانَتْ إضَافَتُهُ إلَى أَحَدِهِمَا لِكَوْنِهِ أَلَّفَ النَّظْمَ الْعَرَبِيَّ وَأَحْدَثَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ تَنَاقَضَ الْكَلَامُ.
فَإِنَّهُ إنْ كَانَ نَظَمَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَكُنْ نَظَمَ الْآخَرَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ وَلَمْ يَقُلْ لَقَوْلُ مَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ وَلَفْظُ الرَّسُولِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ مُبَلِّغٌ لَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ لَا أَنَّهُ أَنْشَأَ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا.
وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلَى الْقُرْآنِ

وَالْقُرْآنُ يَتَنَاوَلُ مَعَانِيَهُ وَلَفْظَهُ وَمَجْمُوعُ هَذَا لَيْسَ قَوْلًا لِغَيْرِ اللَّهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ جِبْرِيلَ أَوْ مُحَمَّدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ كُفْرٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ عَظَّمَ اللَّهُ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ . فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ قَوْلُ الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ إنَّهُ قَوْلُ مَلَكٍ؛ وَإِنَّمَا يَقُولُ إنَّهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إمَّا رَجُلٌ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ.
الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ فَيْضٌ فَاضَ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ جِبْرِيلُ.
وَيَقُولُونَ: إنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الْخَيَالُ الَّذِي يَتَمَثَّلُ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يَقُولُونَ: إنَّهُ تَلَقَّاهُ مَعَانٍ مُجَرَّدَةً ثُمَّ إنَّهُ تَشَكَّلَ فِي نَفْسِهِ حُرُوفًا كَمَا يَتَشَكَّلُ فِي نَفْسِ النَّائِمِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ ابْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ " الْفُصُوصِ " وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ؛ وَلِهَذَا يَدَّعِي أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَلَكُ الَّذِي يُوحِي بِهِ إلَى الرَّسُولِ فَإِنَّ " الْمَعْدِنَ " عِنْدَهُ هُوَ الْعَقْلُ وَ " الْمَلَكُ " هُوَ الْخَيَالُ الَّذِي فِي نَفْسِهِ وَالنَّبِيُّ عِنْدَهُمْ يَأْخُذُ مِنْ هَذَا الْخَيَالِ.

وَهَذَا الْكَلَامُ مَنْ أَظْهَرِ الْكُفْرِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَهُوَ مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ.
أَوْ رَجُلٌ يَنْتَسِبُ إلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهِ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا كَلَامُهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِ الرَّبِّ: هُوَ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ؛ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بالعبرانية كَانَ تَوْرَاةً وَإِنْ عُبِّرَ عَنْهُ بالسريانية كَانَ إنْجِيلًا وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ ابْنِ كُلَّابٍ والقلانسي وَالْأَشْعَرِيِّ وَنَحْوِهِمْ فَلَمْ يَقُولُوا: إنَّ الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ جِبْرِيلَ وَمَنْ حَكَى هَذَا عَنْ الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ فَهُوَ مُجَازِفٌ وَإِنَّمَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ - كَمَا قَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى - إنَّهُ نَظْمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّ الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ مَخْلُوقٌ وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ مَخْلُوقًا فَقَدْ يَكُونُ خَلَقَهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ فِي جِسْمٍ؛ لَكِنَّ الْقَوْلَ إذَا كَانَ ضَعِيفًا ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي لَوَازِمِهِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَصْحَابِهِمْ الَّذِينَ يُفْتَى بِقَوْلِهِمْ: بَلْ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الإسفراييني يَقُولُ: مَذْهَبِي وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَسَائِر عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْقُرْآنِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِي - وَالِدُ أَبِي

الْمَعَالِي - قَالَ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِي الْكَلَامِ لَيْسَ هُوَ قَوْلَ الْأَشْعَرِيِّ وَعَامَّةِ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ فَسَادَ هَذَا الْقَوْلِ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ التَّوْرَاةَ إذَا عُرِّبَتْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْقُرْآنَ وَنَعْلَمُ أَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَيْسَتْ هِيَ مَعْنَى آيَةِ الدَّيْنِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَرَّقَ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى وَإِيحَائِهِ إلَى غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ فَفَرَّقَ بَيْنَ التَّكْلِيمِ الَّذِي حَصَلَ لِمُوسَى وَبَيْنَ الْإِيحَاءِ الْمُشْتَرَكِ وَمُوسَى سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى.
﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ ﴿إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا﴾ . وَالرَّسُولُ إذَا بَلَّغَهُ إلَى النَّاسِ وَبَلَّغَهُ النَّاسُ عَنْهُ كَانَ مَسْمُوعًا سَمَاعًا مُقَيَّدًا بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ فَهُوَ مَسْمُوعٌ مُبَلَّغٌ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ الْمَخْلُوقِ؛ بِخِلَافِ سَمَاعِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَسْمَعُ كَلَامَ الرَّسُولِ مِنْ الْمُبَلِّغِينَ عَنْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ كَالسَّمَاعِ مِنْهُ فَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ.

وَلِهَذَا اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ وَلَا مِدَادَ الْمَصَاحِفِ قَدِيمٌ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُثْبَتَ بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ﴾ فَالْكَلَامُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ كَلَامُ اللَّهِ وَالْأَصْوَاتُ الَّتِي يَقْرَءُونَ بِهَا أَصْوَاتُهُمْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

جارٍ التحميل