ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَقُدْرَتِهِ، لَكِنْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَاقَبَ عَلَيْهِ الْحَوَادِثُ؛ فَإِنَّ مَا تَعَاقَبَتْ عَلَيْهِ الْحَوَادِثُ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَوَافَقُوا الْمُعْتَزِلَةَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ.
فَكَمَا أَنَّ ابْنَ كُلَّابٍ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْرَاضِ وَالْحَوَادِثِ: فَرَّقَ هَؤُلَاءِ فِي الْحَوَادِثِ بَيْنَ تَجَدُّدِهَا وَبَيْنَ لُزُومِهَا فَقَالُوا بِنَفْيِ لُزُومِهَا لَهُ دُونَ نَفْيِ حُدُوثِهَا كَمَا قَالُوا فِي الْمَخْلُوقَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ: إنَّهَا تَحْدُثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَالْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ يُطَالِبُونَ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ بِسَبَبِ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ بِلَا مُرَجِّحٍ وَالْحَوَادِثُ بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ قَالُوا: وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ وَهَذَا أَعْظَمُ شُبَهِهِمْ فِي " قِدَمِ الْعَالَمِ " وَهِيَ (الْمُعْضِلَةُ الزَّبَّاءُ وَالدَّاهِيَةُ الدهيا وَقَدْ ضَاقَ هَؤُلَاءِ عَنْ جَوَابِهِمْ حَتَّى خَرَجُوا إلَى الِالْتِزَامِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبَيَّنَّا " الْأَجْوِبَةَ الْقَاطِعَةَ " عَنْ كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَأَنَّهُ مَنْ قَالَ بِمُوجَبِ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَمْكَنَهُ أَنْ يُنَاظِرَ الْفَلَاسِفَةَ مُنَاظَرَةً عَقْلِيَّةً يَقْطَعُهُمْ بِهَا وَيَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ مُطَابِقٌ لِلسَّمْعِ الصَّحِيحِ.
وَبَيَّنَّا أَيْضًا كَيْفَ تُجِيبُهُمْ " كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ " لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ فَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يُجِيبُوهُمْ بِالْإِلْزَامِ جَوَابًا لَا مَحِيصَ لِلْفَلَاسِفَةِ عَنْهُ وَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقُولُوا لِلْفَلَاسِفَةِ: قَوْلُكُمْ أَظْهَرُ فَسَادًا فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْ قَوْلِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ فَتَقُولُ لَهُمْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ:
إذَا لَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نُجِيبَكُمْ بِجَوَابِ قَاطِعٍ يُحِلُّ شُبْهَتَكُمْ غَيْرِ الْجَوَابِ الْإِلْزَامِيِّ إلَّا بِمُوَافَقَتِكُمْ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ أَوْ مُوَافَقَةِ إخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ فِيمَا لَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ - وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ لَا يُخَالِفَ الْعَقْلَ - كَانَ هَذَا؛ أَوْلَى فَإِنَّ الْفَلَاسِفَةَ طَمِعَتْ فِي طَوَائِفِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِمَا ابْتَدَعَهُ كُلُّ فَرِيقٍ فَأَخَذَتْ بِدْعَةَ أَصْحَابِهَا وَاحْتَجَّتْ بِهَا عَلَيْهِمْ فَأَمْكَنَ صَاحِبَ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُبْتَدَعِ أَنْ يَقُولَ: رُجُوعِي عَنْ هَذَا الْقَوْلِ الْمُبْتَدَعِ مَعَ مُوَافَقَتِي لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ سَلَفِ الْأُمَّةِ: أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوَافِقَ الْفَلَاسِفَةَ عَلَى قَوْلٍ أَعْلَمُ أَنَّهُ كُفْرٌ فِي الشَّرْعِ مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ أَيْضًا يُبَيِّنُ فَسَادَهُ.
" وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ " فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالذَّاتِ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْخَبَرُ؛ وَهُوَ مَدْلُولُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ.
وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ أَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى أَحْدَثَ لِنَفْسِهِ كَلَامًا صَارَ بِهِ مُتَكَلِّمًا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ: بِأَنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ أَوْ أَلْفَاظِهِمْ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ: فَهَذَا أَيْضًا مِنْ " الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ " الَّتِي هِيَ أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْ غَيْرِهَا وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ.
وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ قَدِيمَةً أَزَلِيَّةً كَانَ قَوْلُهُ مَعْلُومَ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ.
وَلَكِنَّ أَصْلَ هَذَا تَنَازُعُهُمْ فِي " مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ " وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَنَحْوِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّفْظَ بِالْقُرْآنِ وَالتِّلَاوَةَ مَخْلُوقَةٌ فَهُوَ جهمي وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ؛ لِأَنَّ " اللَّفْظَ وَالتِّلَاوَةَ " يُرَادُ بِهِ الْمَلْفُوظُ الْمَتْلُوُّ.
وَذَلِكَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ فَمَنْ جَعَلَ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مَخْلُوقًا فَهُوَ جهمي.
وَيُرَادُ بِذَلِكَ " الْمَصْدَرُ وَصِفَاتُ الْعِبَادِ " فَمَنْ جَعَلَ " أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتَهُمْ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ " فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ.
وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِ " الْمَقَالَاتِ " عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ قَالَ: وَيَقُولُونَ: إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَالْكَلَامُ فِي الْوَقْفِ وَاللَّفْظِ بِدْعَةٌ.
مَنْ قَالَ: بِاللَّفْظِ أَوْ الْوَقْفِ: فَهُوَ مُبْتَدِعٌ.
وَعِنْدَهُمْ لَا يُقَالُ: اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ وَلَا يُقَالُ: غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وَلَيْسَ فِي الْأَئِمَّةِ وَالسَّلَفِ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ: أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ وَجَاءَ ذَلِكَ فِي آثَارٍ مَشْهُورَةٍ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَكَانَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ يَذْكُرُونَ الْآثَارَ الَّتِي فِيهَا ذَكَرَ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالصَّوْتِ وَلَا يُنْكِرُهَا مِنْهُمْ أَحَدٌ حَتَّى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد: قُلْت لِأَبِي: إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ هَؤُلَاءِ جهمية إنَّمَا يَدُورُونَ عَلَى التَّعْطِيلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَكَلَامُ " الْبُخَارِيِّ " فِي " كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ " صَرِيحٌ فِي أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ وَفَرْقٌ بَيْنَ صَوْتِ اللَّهِ وَأَصْوَاتِ الْعِبَادِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ تَرْجَمَ فِي كِتَابِ الصَّحِيحِ بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى:
﴿حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وَذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ وَهُوَ الْقَدَرُ.
وَكَمَا أَنَّهُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ " أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ " فَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ فِرَقِ الْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ جَمَاهِيرَ " الطَّوَائِفِ " يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ مَعَ نِزَاعِهِمْ فِي أَنَّ كَلَامَهُ هَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ؟ قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ؟ أَوْ مَا زَالَ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ؟ فَإِنَّ هَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ والكَرَّامِيَة وَالشِّيعَةِ وَأَكْثَرِ الْمُرْجِئَةِ والسالمية وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ: مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالصُّوفِيَّةِ.
وَلَيْسَ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ أَنْكَرَ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ إلَّا ابْنُ كُلَّابٍ وَمَنْ اتَّبَعَهُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْكَلَامَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالْمُتَكَلِّمِ إلَّا هُوَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ وَلَيْسَ فِي طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ قَالَ: إنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَلَا إنَّهُ يَسْمَعُ مِنْ الْعِبَادِ صَوْتًا قَدِيمًا وَلَا إنَّ " الْقُرْآنَ " نَسْمَعُهُ نَحْنُ مِنْ اللَّهِ إلَّا طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد ودَاوُد وَغَيْرِهِمْ وَلَيْسَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْحَرْفَ الَّذِي هُوَ مِدَادُ الْمَصَاحِفِ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ؛ فَإِثْبَاتُ " الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ " بِمَعْنَى أَنَّ الْمِدَادَ وَأَصْوَاتَ الْعِبَادِ قَدِيمَةٌ بِدْعَةٌ بَاطِلَةٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَإِنْكَارُ تَكَلُّمِ اللَّهِ بِالصَّوْتِ وَجَعْلُ كَلَامِهِ مَعْنًى وَاحِدًا قَائِمًا بِالنَّفْسِ بِدْعَةٌ بَاطِلَةٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ.
وَاَلَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ " السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ " أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ
مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ وَإِنَّمَا قَالَ السَّلَفُ: " مِنْهُ بَدَأَ " لِأَنَّ الْجَهْمِيَّة - مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ - كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الْكَلَامَ فِي الْمَحَلِّ فَقَالَ السَّلَفُ: مِنْهُ بَدَأَ.
أَيْ: هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ فَمِنْهُ بَدَأَ؛ لَا مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: " إلَيْهِ يَعُودُ " أَنَّهُ يُرْفَعُ مِنْ الصُّدُورِ وَالْمَصَاحِفِ فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ آيَةٌ وَلَا مِنْهُ حَرْفٌ كَمَا جَاءَ فِي عِدَّةِ آثَارٍ.
فَصْلٌ:
إذَا تَبَيَّنَ هَذَا، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَا يَثْبُتُ لِلَّهِ صِفَةٌ بِحَدِيثِ وَاحِدٍ عَنْهُ أَجْوِبَةٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ النَّفْيُ إلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا لَا يَجُوزُ الْإِثْبَاتُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا الْقَائِلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَيَرُدُّ الْأَقْوَالَ الْمُبْتَدَعَةَ.
قِيلَ لَهُ: قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَلَامٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ لَا صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ وَأَمَّا الْإِثْبَاتُ فَفِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فَأَيُّ الْقَوْلَيْنِ حِينَئِذٍ هُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ؟ قَوْلُ الْمُثْبِتِ أَوْ النَّافِي؟ .
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ تَكَلَّمَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ لَا عَلَى النَّفْيِ وَأَنَّ قَوْلَ الْنُّفَاةِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِدَلَائِلِ الْعَقْلِ كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: " هَذِهِ الصِّفَةُ " دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ بِمُنَادَاتِهِ لِعِبَادِهِ فِي غَيْرِ آيَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ وَقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ
يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} وَقَوْلِهِ: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ وَ " النِّدَاءُ " فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ صَوْتٌ رَفِيعٌ؛ لَا يُطْلَقُ النِّدَاءُ عَلَى مَا لَيْسَ بِصَوْتِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَإِذَا كَانَ النِّدَاءُ نَوْعًا مِنْ الصَّوْتِ فَالدَّالُّ عَلَى النَّوْعِ دَالٌّ عَلَى الْجِنْسِ بِالضَّرُورَةِ؛ كَمَا لَوْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هُنَا إنْسَانًا فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هُنَا حَيَوَانًا.
وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ عِلْمًا وَقُدْرَةً دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ صِفَةً؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ نَوْعٌ مِنْ الصِّفَاتِ وَإِذَا كَانَ لَفْظُ الْقُرْآنِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ وَلَا الْقُدْرَةَ صِفَةٌ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَخْبَرَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ يَخْلُقُ وَيَرْزُقُ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ فَإِنَّ هَذِهِ أَنْوَاعٌ تَحْتَ جِنْسِ الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ ثُبُوتُ هَذِهِ الصِّفَةِ بِمَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ - فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ - كَانَ مَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ مُوَافِقًا لِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الصِّفَةُ ثَابِتَةً بِمُجَرَّدِ هَذَا الْخَبَرِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ تَكْلِيمِ مُوسَى وَسَمْعِ مُوسَى لِكَلَامِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَلَّمَهُ بِصَوْتِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْمَعُ إلَّا الصَّوْتُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ عَنْ مُوسَى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: {إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا
وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} . فَفَرَّقَ بَيْنَ إيحَائِهِ إلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ وَبَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى؛ كَمَا فَرَّقَ أَيْضًا بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِيحَاءِ وَالتَّكْلِيمِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ؛ فَلَوْ كَانَ تَكْلِيمُهُ لِمُوسَى إلْهَامًا أَلْهَمَهُ مُوسَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْمَعَ صَوْتًا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ الْإِيحَاءِ إلَى غَيْرِهِ وَالتَّكْلِيمِ لَهُ فَلَمَّا فَرَّقَ الْقُرْآنُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا وَعُلِمَ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَا اسْتَفَاضَتْ بِهِ السُّنَنُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَخْصِيصِ مُوسَى بِتَكْلِيمِ اللَّهِ إيَّاهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْإِلْهَامَاتِ وَمَا يُدْرَكُ بِالْقُلُوبِ إنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مَسْمُوعٌ بِالْآذَانِ وَلَا يُسْمَعُ بِهَا إلَّا مَا هُوَ صَوْتٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّ مُفَسِّرِي الْقُرْآنِ وَأَهْلَ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَأَتْبَاعَهُمْ مِنْ السَّلَفِ: كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى بِصَوْتِ كَمَا فِي الْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْهُمْ فِي الْكُتُبِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ السَّلَفِ مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَمْثَالُهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وَتَفْسِيرُ كَلَامِ اللَّهِ لِمُوسَى وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَكَمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَد وَالْخَلَّالُ والطَّبَرَانِي وَأَبُو الشَّيْخِ وَغَيْرُهُمْ: فِي " كُتُبِ السُّنَّةِ " وَكَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ فِي " كُتُبِ الزُّهْدِ وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ ".
الْوَجْهُ الْخَامِسُ
أَنْ يُقَالَ: الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ - مِنْ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ - دَلَّتْ عَلَى إنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِالصَّوْتِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَهُمْ فِي مُسَمَّى " الْكَلَامِ " أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ لِلَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى.
وَقِيلَ: لِلْمَعْنَى الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ.
وَقِيلَ: اسْمٌ لِكُلِّ مِنْهُمَا بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ.
وَقِيلَ: اسْمٌ لَهُمَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْجُمْهُورِ فَإِذَا قِيلَ: تَكَلَّمَ فُلَانٌ: كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهَا أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ﴾ وَقَالَ: ﴿كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ وَقَالَ: ﴿أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ: كَلِمَةُ لَبِيدٍ.
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ﴾ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ " فَالْكَلَامُ " إذَا أُطْلِقَ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا وَإِذَا سُمِّيَ الْمَعْنَى وَحْدَهُ كَلَامًا أَوْ اللَّفْظُ وَحْدَهُ كَلَامًا فَإِنَّمَا ذَاكَ مَعَ قَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا وَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ مَمْلُوءٌ مِنْ آيَاتِ الْكَلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَكَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ إثْبَاتُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى لِلَّهِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ
أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ هُوَ الْمَعْنَى فَقَطْ وَالنَّظْمُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ كَانَ مَخْلُوقًا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ كَلَامًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا خُلِقَ فِي مَحَلٍّ كَانَ كَلَامًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ فَيَكُونُ الْكَلَامُ الْعَرَبِيُّ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ بَلْ كَلَامَ غَيْرِهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ الَّذِي بَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ أَعْلَمَ أُمَّتَهُ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ؛ فَإِنْ كَانَ النَّظْمُ الْعَرَبِيُّ مَخْلُوقًا لَمْ يَكُنْ كَلَامَ اللَّهِ؛ فَيَكُونُ مَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ عَنْ نَبِيِّهَا بَاطِلًا.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ حُجَجِ السُّنِّيَّةِ عَلَى الْجَهْمِيَّة مِنْ أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ لَكَانَ صِفَةً لِذَلِكَ الْغَيْرِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ الْمَخْلُوقَةِ إذَا خَلَقَهَا اللَّهُ فِي مَحَلٍّ كَانَتْ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ إذْ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا فِي مَحَلٍّ لَكَانَ الْكَلَامُ الْعَرَبِيُّ كَلَامًا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْكَلَامَ الْعَرَبِيَّ كَلَامُ اللَّهِ لَا كَلَامُ غَيْرِهِ.
وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ الْكَلَامَ يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُمْ: إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى كَلَامًا حَقِيقَةً امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَخْلُوقًا؛ إذْ لَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَكَانَ كَلَامًا لِلْمَحَلِّ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ.
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ قُدَمَاءُ الْكُلَّابِيَة يَقُولُونَ: إنَّ " لَفْظَ الْكَلَامِ " مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ حُجَّتَهُمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَيُوجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَوْلَ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ لَكِنْ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ إطْلَاقَ الْكَلَامِ عَلَى اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَعَلَى الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ؛ فَعَلِمَ مُتَأَخِّرُوهُمْ أَنَّ هَذَا فَاسِدٌ بِالضَّرُورَةِ وَأَنَّ " اسْمَ الْكَلَامِ " يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ حَقِيقَةً فَجَعَلُوهُ مُشْتَرَكًا فَلَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقًا.
فَهُمْ بَيْنَ مَحْذُورَيْنِ: إمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَإِمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَرَبِيَّ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَعْلُومُ الْفَسَادِ.
وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي نَفْسِ أَصْوَاتِ الْعِبَادِ وَحَرَكَاتِهِمْ؛ بَلْ الْكَلَامُ فِي نَفْسِ " الْقُرْآنِ " الْعَرَبِيِّ الْمُنَزَّلِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِأَنْ نُقَدِّرَ الْكَلَامَ فِي " الْقُرْآنِ " قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ إلَيْهِ وَيُبَلِّغَهُ إلَى الْخَلْقِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ كُلُّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَكَلَّمَ بِهِ وَبَلَّغَهُ عَنْهُ جِبْرِيلُ إلَى مُحَمَّدٍ - كَمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ دِينِ الْمُرْسَلِينَ - كَانَ هَذَا صَرِيحًا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي وَأَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ كَمَا أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ خَلَقَ فِي غَيْرِهِ حُرُوفًا مُنَظَّمَةً دَلَّتْ عَلَى مَعْنًى قَائِمٍ بِذَاتِهِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ تِلْكَ الْحُرُوفَ الْمُؤَلَّفَةَ لَيْسَتْ كَلَامَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهَا بِحَالِ.
وَإِذَا قِيلَ: إنَّ تِلْكَ تُسَمَّى كَلَامًا حَقِيقَةً وَقَدْ خُلِقَتْ فِي غَيْرِهِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ فَلَا يَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
وَإِنْ قِيلَ: لَا يُسَمَّى كَلَامًا حَقِيقَةً كَانَ خِلَافَ الْمَعْلُومِ مِنْ اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ ضَرُورَةً.
وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ أَنَّ الْمَعْنَى وَحْدَهُ قَدْ يُسَمَّى كَلَامًا كَمَا قَدْ يُسَمَّى اللَّفْظُ وَحْدَهُ
كَلَامًا؛ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ " لَفْظٌ وَمَعْنًى " هَلْ جَمِيعُهُ كَلَامُ اللَّهِ؟ أَمْ لَفْظُهُ كَلَامُ اللَّهِ؛ دُونَ مَعْنَاهُ؟ أَمْ مَعْنَاهُ كَلَامُ اللَّهِ دُونَ لَفْظِهِ؟ وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْجَمِيعَ كَلَامُ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ كَانَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ مِنْ عَبْدٍ لِبَنِي الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِسَانُ الَّذِي يُضِيفُونَ إلَيْهِ الْقُرْآنَ لِسَانٌ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مُحَمَّدًا بَلَّغَ الْقُرْآنَ لَفْظَهُ وَمَعْنَاهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ مَعَانٍ مُجَرَّدَةً؛ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: تَلَقَّى مِنْ هَذَا الْأَعْجَمِيِّ مَعَانٍ صَاغَهَا بِلِسَانِهِ فَلَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَزَلَ بِهَذَا اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ
أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَسَائِرَ الْكَلَامِ: يُسْمَعُ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا سَمِعَ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ وَسَمِعَ الصَّحَابَةُ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ وَتَارَةً يُسْمَعُ مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ؛ كَمَا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ الْقُرْآنَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُبَلِّغِينَ عَنْهُ
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وَكَمَا يُسْمَعُ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ.
ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُحَدِّثَ إذَا حَدَّثَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى﴾ كَانَ الْكَلَامُ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ تَكَلَّمَ بِهِ بِصَوْتِهِ وَالْمُحَدِّثُ بَلَّغَهُ بِحَرَكَاتِهِ وَأَصْوَاتِهِ.
ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُبَلِّغَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْثَالَهُ مِنْ النَّاطِقِينَ تَكَلَّمَ بِهِ بِحُرُوفِهِ وَمَعَانِيهِ؛ مَعَ إمْكَانِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِالْمَعْنَى وَإِمْكَانِ قِيَامِ أَلْفَاظٍ مَكَانَ أَلْفَاظٍ كَمَا حَكَى اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَقْوَالَ أُمَمٍ تَكَلَّمَتْ بِغَيْرِ الْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمُبَلَّغَ عَنْهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا بِمَعْنَى الْكَلَامِ وَعَبَّرَ عَنْهُ لَكَانَ كَالْأَخْرَسِ الَّذِي تَقُومُ بِذَاتِهِ الْمَعَانِي مِنْ غَيْرِ تَعْبِيرٍ عَنْهَا - حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهَا غَيْرُهُ بِعِبَارَةِ لِذَلِكَ الْغَيْرِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ " الْكَلَامَ " صِفَةُ كَمَالٍ تُنَافِي الْخَرَسَ.
فَإِذَا كَانَ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَا يَقُومُ بِهِ كَلَامٌ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْجَامِدَاتِ وَوَصَفَهُ بِالنَّقْصِ وَسَلَبَهُ الْكَمَالَ فَمَنْ قَالَ أَيْضًا: إنَّهُ لَا يُعَبِّرُ عَمَّا فِي نَفْسِهِ مِنْ الْمَعَانِي إلَّا بِعِبَارَةِ تَقُومُ بِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالْأَخْرَسِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا بِعِبَارَةِ تَقُومُ بِغَيْرِهِ وَهَذَا قَوْلٌ يَسْلُبُهُ صِفَةَ الْكَمَالِ وَيَجْعَلُ غَيْرَهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ أَكْمَلَ مِنْهُ.
وَقَدْ قُرِّرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ يَثْبُتُ لِمَخْلُوقِ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ وَكُلُّ نَقْصٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ مَخْلُوقٌ؛ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِالتَّنَزُّهِ عَنْهُ وَكَانَ هَذَا مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ صِفَاتُ كَمَالٍ
تَثْبُتُ لِخَلْقِهِ فَهُوَ أَوْلَى وَأَحَقُّ بِاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَكَانَتْ مَخْلُوقَاتُهُ أَكْمَلَ مِنْهُ.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ قَدْ احْتَجُّوا بِهِ فِي " مَسْأَلَةِ الْكَلَامِ " وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي تَكَلُّمِهِ بِعِبَارَةِ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا.
وَقَدْ اسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَاتَّصَفَ بِنَقَائِضِهَا وَهِيَ صِفَاتُ نَقْصٍ وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ فَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِالْحَيَاةِ لَوُصِفَ بِالْمَوْتِ وَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِالْعِلْمِ لَوُصِفَ بِالْجَهْلِ وَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِالْكَلَامِ لَوُصِفَ بِالْخَرَسِ وَلَوْ لَمْ يُوصَفْ بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ لَوُصِفَ بِالْعَمَى وَالصَّمَمِ.
وَلِلْمَلَاحِدَةِ هُنَا " سُؤَالٌ مَشْهُورٌ " وَهُوَ: أَنَّ هَذِهِ الْمُتَقَابِلَاتِ لَيْسَتْ مُتَقَابِلَةً تَقَابُلَ السَّلْبِ وَالْإِيجَابِ - حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ نَفْيِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ -؛ بَلْ هِيَ مُتَقَابِلَةٌ تُقَابِلُ " الْعَدَمَ وَالْمَلَكَةَ " وَهُوَ: سَلْبُ الشَّيْءِ عَمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لَهُ؛ كَعَدَمِ الْعَمَى عَنْ الْحَيَوَانِ الْقَابِلِ لَهُ؛ فَأَمَّا الْجَمَادُ فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ عِنْدَهُمْ بِالْعَمَى وَلَا الْبَصَرِ لِعَدَمِ قَبُولِهِ لِوَاحِدِ مِنْ هَذَيْنِ.
وَقَدْ أَعْيَا هَذَا السُّؤَالُ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ - حَتَّى أَبِي الْحَسَنِ الآمدي وَأَمْثَالِهِ: مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ - وَظَنُّوا أَنَّهُ لَا جَوَابَ عَنْهُ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي أَجْوِبَتِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَةِ " الْأَجْوِبَةِ " عَنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: هَذَا أَبْلَغُ فِي النَّقْصِ؛ فَإِنَّ مَا كَانَ قَابِلًا لِلِاتِّصَافِ بِالْبَصَرِ وَالْعَمَى وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَالْكَلَامِ وَالْخَرَسِ.
فَهُوَ أَكْمَلُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ إذْ الْحَيَوَانُ أَكْمَلُ مِنْ الْجَمَادِ فَإِذَا كَانَ الِاتِّصَافُ بِصِفَاتِ النَّقْصِ عَيْبًا مَعَ إمْكَانِ الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ؛ فَعَدَمُ
إمْكَانِ الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَعَدَمُ قَبُولِ ذَلِكَ أَعْظَمُ آفَةً وَعَيْبًا وَنَقْصًا.
فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ
أَنْ يُقَالَ: " كَلَامُ اللَّهِ " إمَّا أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ وَلَمْ يَقُمْ بِذَاتِهِ كَلَامٌ - كَمَا يَقُولُهُ الْجَهْمِيَّة: مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ - وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ قَائِمًا بِهِ.
وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَدِلَّةِ بُطْلَانِهِ مِنْ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ كَثِيرَةٌ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ قَائِمًا بِهِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَقُمْ بِهِ إلَّا الْمَعْنَى كَمَا يَقُولُهُ ابْنُ كُلَّابٍ وَأَتْبَاعُهُ؛ وَإِمَّا أَنْ يَقُومَ بِهِ الْمَعْنَى وَالْحُرُوفُ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ: أَمَّا (أَوَّلًا فَلِأَنَّ " الْمَعْنَى الْوَاحِدَ " يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ وَأَنْ يَكُونَ هُوَ مَدْلُولَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ.
وَأَمَّا (ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَرَّدَ لَا يُسْمَعُ وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَسْمُوعٌ مِنْهُ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ؛ وَلِهَذَا كَانَ مُحَقِّقُو مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُوَ مُجَرَّدُ الْمَعْنَى يَقُولُ: إنَّهُ لَا يُسْمَعُ وَلَكِنَّ " طَائِفَةً مِنْهُمْ " زَعَمَتْ أَنَّهُ يُسْمَعُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ: إنَّ السَّمْعَ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَالرُّؤْيَةَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَالشَّمَّ وَالذَّوْقَ وَاللَّمْسَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ إنَّ فَسَادَ هَذَا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الْعَقْلِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا " ثَالِثًا " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ إلَّا مَعْنًى لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ تَكْلِيمِ اللَّهِ لِمُوسَى وَإِيحَائِهِ إلَى غَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ التَّكْلِيمِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَالتَّكْلِيمِ إيحَاءً؛ فَإِنَّ إيصَالَ مَعْرِفَةِ الْمَعْنَى الْمُجَرَّدِ إلَى الْقُلُوبِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ بَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ: إنَّ الْوَاحِدَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَاضَةِ قَدْ يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي " الْإِحْيَاءِ " وَنَحْوِهِ وَصَارَ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْإِلْهَامَاتِ هِيَ مِثْلُ تَكْلِيمِ اللَّهِ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ.
وَدَخَلَتْ " الْفَلَاسِفَةُ " مِنْ هَذَا الْبَابِ فَزَعَمُوا أَنَّ تَكْلِيمَ اللَّهِ لِمُوسَى إنَّمَا هُوَ فَيْضٌ فَاضَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ وَأَنَّ " كَلَامَ اللَّهِ " لَيْسَ إلَّا مَا يَحْصُلُ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْمُخَاطَبَاتِ كَمَا أَنَّ " الْمَلَائِكَةَ " مَا يَحْصُلُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ الصُّوَرِ الْخَيَالِيَّةِ وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَحْصُلُ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ.
فَجَعَلُوا تَكْلِيمَ اللَّهِ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ مَنْ جِنْسِ مَنْ يَرَى رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهُوَ لَازِمٌ لِقَوْلِ مَنْ جَعَلَ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنًى مُجَرَّدًا وَإِذَا كَانَ اللُّزُومُ مَعْلُومَ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ عُلِمَ فَسَادُ اللَّازِمِ.
وَأَمَا " رَابِعًا " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ إلَّا مُجَرَّدَ الْمَعَانِي لَكَانَ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنْ الْخَالِقِ؛ فَإِنَّا كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ الْحَيَّ أَكْمَلُ مِنْ الْمَيِّتِ وَأَنَّ الْعَالِمَ أَكْمَلُ مِنْ الْجَاهِلِ وَالْقَادِرَ أَكْمَلُ مِنْ الْعَاجِزِ وَالنَّاطِقَ أَكْمَلُ مِنْ الْأَخْرَسِ؛ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ النَّاطِقَ بِالْمَعَانِي وَالْحُرُوفِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَكُونُ نَاطِقًا إلَّا بِالْمَعَانِي دُونَ الْحُرُوفِ وَإِذَا كَانَ
الرَّبُّ يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ بِصِفَاتِ النَّقْصِ وَيَجِبَ اتِّصَافُهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَمْتَنِعَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَخْلُوقِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا لَا يَكُونُ لِلْخَالِقِ: امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالْكَلَامِ النَّاقِصِ وَأَنْ يَكُونَ الْمَخْلُوقُ أَكْمَلَ مِنْهُ فِي اتِّصَافِهِ بِالْكَلَامِ التَّامِّ وَلِهَذَا كَانَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ مُفَضَّلًا عَلَى غَيْرِهِ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ إيَّاهُ: كَلَّمَهُ كَلَامًا سَمِعَهُ مُوسَى مِنْ اللَّهِ فَكَانَ تَكْلِيمُهُ لَهُ بِصَوْتِهِ أَفْضَلَ مِمَّنْ أَوْحَى إلَى قَلْبِهِ مَعَانِيَ مُجَرَّدَةً لَمْ يَسْمَعْهَا بِأُذُنِهِ.
وَأَمَا " خَامِسًا " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ إلَّا مَعْنًى مُجَرَّدًا لَكَانَ نِصْفُ الْقُرْآنِ كَلَامَ اللَّهِ وَنَصِفُهُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ؛ فَالْمَعْنَى كَلَامُ اللَّهِ وَالْأَلْفَاظُ لَيْسَتْ كَلَامَ اللَّهِ وَهَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِهَذَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ وَبَيْنَ مَا أَوْحَاهُ إلَى نَبِيِّهِ مِنْ الْمَعَانِي الْمُجَرَّدَةِ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ؛ لَيْسَ لِجِبْرِيلَ وَلَا لِمُحَمَّدِ مِنْهُ إلَّا التَّبْلِيغُ وَالْأَدَاءُ فَهَذَا رَسُولُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَهَذَا رَسُولُهُ مِنْ الْبَشَرِ.
وَلِهَذَا أَضَافَهُ اللَّهُ إلَى هَذَا تَارَةً وَإِلَى هَذَا تَارَةً بِلَفْظِ الرَّسُولِ كَمَا قَالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ الْآيَةَ فَهَذَا مُحَمَّدٌ.
وَقَالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ فَهَذَا جِبْرِيلُ.
وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الغالطين أَنَّ إضَافَتَهُ إلَى الرَّسُولِ تَقْتَضِي أَنَّهُ أَنْشَأَ حُرُوفَهُ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جِبْرِيلُ أَوْ مُحَمَّدٌ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَفْظَهُ وَنَظْمَهُ امْتَنَعَ أَنْ
يَكُونَ الْآخَرُ الَّذِي أَنْشَأَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَضَافَهُ إلَى هَذَا تَارَةً وَإِلَى هَذَا تَارَةً: عُلِمَ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ بَلَّغَهُ وَأَدَّاهُ؛ لَا لِأَنَّهُ أَنْشَأَهُ وَابْتَدَأَهُ لَا لَفْظَهُ وَلَا مَعْنَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: لَقَوْلُ مَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ فَذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الرَّسُولِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ يُبَلِّغُ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وَفِي السُّنَنِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ وَيَقُولُ: أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي﴾ . وَ " أَيْضًا " فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ عَائِدٌ إلَى الْقُرْآنِ؛ فَتَنَاوُلُهُ لِلَّفْظِ كَتَنَاوُلِهِ لِلْمَعْنَى وَ " الْقُرْآنُ " اسْمٌ لَهُمَا جَمِيعًا؛ وَلِهَذَا إذَا فَسَّرَهُ الْمُفَسِّرُ وَتَرْجَمَهُ الْمُتَرْجِمُ: لَمْ يَقُلْ لِتَفْسِيرِهِ وَتَرْجَمَتِهِ: إنَّهُ " قُرْآنٌ " بَلْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ مَسِّ الْمُحْدِثِ لِكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِتَفْسِيرِهِ وَكَذَلِكَ تَرْجَمَتُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَوْلُ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَقِيلَ: إنَّهُ مَشْرُوطٌ بِتَسْمِيَةِ التَّرْجَمَةِ قُرْآنًا.
وَبِكُلِّ حَالٍ فَتَجْوِيزُ إقَامَةِ التَّرْجَمَةِ مَقَامَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَ اسْمِهِ لَهَا؛ كَمَا أَنَّ " الْقِيمَةَ " إذَا أُخْرِجَتْ مِنْ الزَّكَاةِ عَنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لَمْ تُسَمَّ إبِلًا وَلَا بَقَرًا وَلَا غَنَمًا؛ بَلْ تُسَمَّى بِاسْمِهَا كَائِنَةً مَا كَانَتْ.
وَكَذَلِكَ " لَفْظُ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ " إذَا عَدَلَ عَنْهُ إلَى لَفْظِ التَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ: إنَّ الصَّلَاةَ تَنْعَقِدُ بِذَلِكَ - كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ - لَمْ يَقُلْ: إنَّ ذَلِكَ لَفْظُ تَكْبِيرٍ
فَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ أَنَّا تَرْجَمْنَا الْقُرْآنَ تَرْجَمَةً جَائِزَةً لَمْ يَقُلْ: إنَّ التَّرْجَمَةَ " قُرْآنٌ " وَلَمْ نُسَمِّهَا " قُرْآنًا " فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ إنَّمَا كَانَ كَلَامَ اللَّهِ لِأَجْلِ الْمَعْنَى فَقَطْ وَلَفْظُهُ وَنَظْمُهُ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ؛ بَلْ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ كَانَ مَا شَارَكَ هَذَا اللَّفْظَ وَالنَّظْمَ مِنْ الدَّلَالَةِ مُشَارِكًا لَهُ فِي الِاسْمِ وَالْحُكْمِ؛ فَكَانَ يَجِبُ تَسْمِيَتُهُ " قُرْآنًا " وَإِثْبَاتُ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ؛ وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ
أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسْلِمُونَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ قَوْل الْبَشَرِ وَوَعَدَهُ أَنَّهُ سَيُصْلِيهِ سَقَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ - إلَى قَوْلِهِ -: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ ﴿فَقَالَ إنْ هَذَا إلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ كَمَا أَرَادَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنَّ الْبَشَرَ بَلَّغُوهُ عَنْ غَيْرِهِمْ كَمَا يَتَعَلَّمُهُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ لَمْ يَكُنْ هَذَا بَاطِلًا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْبَشَرَ أَحْدَثُوهُ وَأَنْشَئُوهُ عَنْهُ.
فَمَنْ جَعَلَ " لَفْظَهُ وَنَظْمَهُ " مِنْ إحْدَاثِ مُحَمَّدٍ فَقَدْ جَعَلَ نِصْفَهُ قَوْلَ الْبَشَرِ؛ وَمَنْ جَعَلَهُ مِنْ إحْدَاثِ جِبْرِيلَ فَقَدْ جَعَلَ نِصْفَهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ جَعَلَهُ
مَخْلُوقًا فِي الْهَوَاءِ أَوْ غَيْرِهِ جَعَلَهُ كَلَامًا لِذَلِكَ الْهَوَاءِ.
وَكَفَّرَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ قَوْلُ الْمَلَكِ أَوْ قَوْلُ الْهَوَاءِ أَوْ الشَّجَرِ؛ بَلْ كَفَرَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ قَوْلُ الْبَشَرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ: لَا " لَفْظُهُ وَلَا مَعْنَاهُ " مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ وَلَا مِنْ كَلَامِهِ بَلْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَيْضًا فَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ لَا تَعُودُ إلَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ؛ بَلْ إلَيْهِمَا.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ
وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ . الضَّمِيرُ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا لَا سِيَّمَا مَا فِي قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ فَإِنَّ الْكِتَابَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: " إنَّ كَلَامَ اللَّهِ هُوَ الْمَعْنَى دُونَ الْحُرُوفِ " اسْمٌ لِلنَّظْمِ الْعَرَبِيِّ وَالْكَلَامُ عِنْدَهُ اسْمٌ لِلْمَعْنَى وَالْقُرْآنُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا؛ فَلَفْظُ الْكِتَابِ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظَ الْعَرَبِيَّ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ.
فَإِذَا أَخْبَرَ أَنَّ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ عُلِمَ أَنَّ النَّظْمَ الْعَرَبِيَّ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ السَّلَفُ: إنَّهُ مِنْهُ بَدَأَ أَيْ هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ.
وَهَذَا " جَوَابٌ مُخْتَصَرٌ " عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ بِحَسَبِ مَا احْتَمَلَتْهُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ؛ إذْ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ وَالْعَابِدُ النُّورَانِيُّ ابْنُ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي - أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
مَا تَقُولُ فِي " الْعَرْشِ " هَلْ هُوَ كُرَوِيٌّ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ كُرَوِيًّا وَاَللَّهُ مِنْ وَرَائِهِ مُحِيطٌ بِهِ بَائِنٌ عَنْهُ فَمَا فَائِدَةُ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَوَجَّهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى حِينَ دُعَائِهِ وَعِبَادَتِهِ فَيَقْصِدُ الْعُلُوَّ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ وَقْتَ الدُّعَاءِ بَيْنَ قَصْدِ جِهَةِ الْعُلُوِّ وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِهَاتِ الَّتِي تُحِيطُ بِالدَّاعِي وَمَعَ هَذَا نَجِدُ فِي قُلُوبِنَا قَصْدًا يَطْلُبُ الْعُلُوَّ لَا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً.
فَأَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا فِي قُلُوبِنَا؛ وَقَدْ فُطِرْنَا عَلَيْهَا.
وَابْسُطْ لَنَا الْجَوَابَ فِي ذَلِكَ بَسْطًا شَافِيًا: يُزِيلُ الشُّبْهَةَ وَيُحَقِّقُ الْحَقَّ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِكُمْ وَبِعُلُومِكُمْ آمِينَ.
فَأَجَابَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا نَصُّهُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِثَلَاثِ مَقَامَاتٍ.
أَحَدُهَا أَنَّهُ لِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلِ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أَنَّ " الْعَرْشَ " فَلَكٌ مِنْ الْأَفْلَاكِ الْمُسْتَدِيرَةِ الْكُرَوِيَّةِ الشَّكْلِ؛ لَا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ.
وَلَا بِدَلِيلِ عَقْلِيٍّ.
وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ نَظَرُوا فِي " عِلْمِ الْهَيْئَةِ " وَغَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْفَلْسَفَةِ فَرَأَوْا أَنَّ الْأَفْلَاكَ تِسْعَةٌ وَأَنَّ التَّاسِعَ - وَهُوَ الْأَطْلَسُ - مُحِيطٌ بِهَا مُسْتَدِيرٌ كَاسْتِدَارَتِهَا وَهُوَ الَّذِي يُحَرِّكُهَا الْحَرَكَةَ الْمَشْرِقِيَّةَ وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ فَلَكٍ حَرَكَةً تَخُصُّهُ غَيْرُ هَذِهِ الْحَرَكَةِ الْعَامَّةِ ثُمَّ سَمِعُوا فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ ذِكْرَ " عَرْشِ اللَّهِ " وَذِكْرَ " كُرْسِيِّهِ " وَذِكْرَ " السَّمَوَاتِ السَّبْعِ " فَقَالُوا بِطَرِيقِ الظَّنِّ إنَّ " الْعَرْشَ " هُوَ الْفَلَكُ التَّاسِعُ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ التَّاسِعِ شَيْءٌ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَهُ مَخْلُوقٌ.
ثُمَّ إنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ " التَّاسِعَ " هُوَ الَّذِي يُحَرِّكُ الْأَفْلَاكَ كُلَّهَا؛ فَجَعَلُوهُ مَبْدَأَ الْحَوَادِثِ وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ فِيهِ مَا يُقَدِّرُهُ فِي الْأَرْضِ أَوْ يُحْدِثُهُ فِي " النَّفْسِ " الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ؛ أَوْ فِي " الْعَقْلِ " الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ الَّذِي صَدَرَ عَنْهُ هَذَا الْفَلَكُ وَرُبَّمَا سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ الرُّوحَ وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ " النَّفْسَ " هِيَ الرُّوحَ وَرُبَّمَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ " النَّفْسَ " هِيَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ كَمَا جَعَلَ " الْعَقْلَ " هُوَ الْقَلَمَ.
وَتَارَةً يَجْعَلُونَ " الرُّوحَ " هُوَ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ الْعَاشِرَ الَّذِي لِفَلَكِ الْقَمَرِ
وَ " النَّفْسَ " الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ وَرُبَّمَا جَعَلُوا ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ كَالدِّمَاغِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِنْسَانِ يُقَدِّرُ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ الَّتِي قَدْ شَرَحْنَاهَا وَبَيَّنَّا فَسَادَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَيَكُونُ كَاذِبًا فِيمَا يَدَّعِيهِ وَإِنَّمَا أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ تَقْلِيدًا لَهُمْ أَوْ مُوَافَقَةً لَهُمْ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ الْفَاسِدَةِ؛ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَأَمْثَالُهُمْ.
وَقَدْ يَتَمَثَّلُ فِي نَفْسِهِ مَا تَقَلَّدَهُ عَنْ غَيْرِهِ فَيَظُنُّهُ كَشْفًا كَمَا يَتَخَيَّلُ النَّصْرَانِيُّ " التَّثْلِيثَ " الَّذِي يَعْتَقِدُهُ وَقَدْ يَرَى ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ فَيَظُنُّهُ كَشْفًا وَإِنَّمَا هُوَ تَخَيُّلٌ لِمَا اعْتَقَدَهُ.
وَكَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الِاعْتِقَادَاتِ الْفَاسِدَةِ إذَا ارْتَاضُوا صَقَلَتْ الرِّيَاضَةُ نُفُوسَهُمْ فَتَتَمَثَّلُ لَهُمْ اعْتِقَادَاتُهُمْ فَيَظُنُّونَهَا كَشْفًا.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَ (الْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ " الْعَرْشَ " هُوَ الْفَلَكُ التَّاسِعُ: قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَا عَقْلِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ.
أَمَّا " الْعَقْلِيُّ " فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْفَلَاسِفَةِ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ وَرَاءَ الْفَلَكِ التَّاسِعِ شَيْءٌ آخَرُ؛ بَلْ وَلَا قَامَ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَفْلَاكَ هِيَ تِسْعَةٌ فَقَطْ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ دَلَّتْهُمْ الْحَرَكَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ والكسوفات وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِهِ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَا ثُبُوتَهُ وَلَا انْتِفَاءَهُ.
" مِثَالُ ذَلِكَ " أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ هَذَا الْكَوْكَبَ تَحْتَ هَذَا؛ بِأَنَّ السُّفْلِيَّ يَكْسِفُ الْعُلْوِيَّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ؛ فَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِي فَلَكٍ فَوْقَهُ.
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالْحَرَكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ عَلَى أَنَّ الْأَفْلَاكَ مُخْتَلِفَةٌ.
حَتَّى جَعَلُوا فِي الْفَلَكِ الْوَاحِدِ عِدَّةَ أَفْلَاكٍ؛ كَفَلَكِ التَّدْوِيرِ وَغَيْرِهِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ مَوْجُودًا فَوْقَ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ: فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ نَفْيَهُ وَلَا إثْبَاتَهُ بِطَرِيقِهِمْ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ حَرَكَةَ " التَّاسِعِ " مَبْدَأُ الْحَوَادِثِ خَطَأٌ وَضَلَالٌ عَلَى أُصُولِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ " الثَّامِنَ " لَهُ حَرَكَةٌ تَخُصُّهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الثَّوَابِتِ وَلِتِلْكَ الْحَرَكَةِ قُطْبَانِ غَيْرُ قُطْبَيْ " التَّاسِعِ " وَكَذَلِكَ " السَّابِعُ " وَ " السَّادِسُ ". وَإِذَا كَانَ لِكُلِّ فَلَكٍ حَرَكَةٌ تَخُصُّهُ - وَالْحَرَكَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ هِيَ سَبَبُ الْأَشْكَالِ الْحَادِثَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْفَلَكِيَّةِ وَتِلْكَ الْأَشْكَالُ سَبَبُ الْحَوَادِثِ السُّفْلِيَّةِ - كَانَتْ حَرَكَةُ التَّاسِعِ جُزْءَ السَّبَبِ كَحَرَكَةِ غَيْرِهِ.
فَالْأَشْكَالُ الْحَادِثَةُ فِي الْفَلَكِ - لِمُقَارَنَةِ الْكَوْكَبِ الْكَوْكَبَ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَمُقَابَلَتُهُ لَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا " نِصْفُ الْفَلَكِ " وَهُوَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ دَرَجَةً.
وَتَثْلِيثُهُ لَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا " ثُلُثُ الْفَلَكِ " وَهُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَتَرْبِيعُهُ لَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا " رُبُعُهُ " تِسْعُونَ دَرَجَةً وَتَسْدِيسُهُ لَهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا " سُدُسُ الْفَلَكِ " سِتُّونَ دَرَجَةً؛ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْكَالِ - إنَّمَا حَدَثَتْ بِحَرَكَاتِ مُخْتَلِفَةٍ وَكُلُّ حَرَكَةٍ لَيْسَتْ عَيْنَ الْأُخْرَى؛ إذْ حَرَكَةُ " الثَّامِنِ " الَّتِي تَخُصُّهُ لَيْسَتْ عَيْنَ
حَرَكَةِ التَّاسِعِ؛ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لَهُ فِي الْحَرَكَةِ الْكُلِّيَّةِ كَالْإِنْسَانِ الْمُتَحَرِّكِ فِي السَّفِينَةِ إلَى خِلَافِ حَرَكَتِهَا.
وَكَذَلِكَ حَرَكَةُ " السَّابِعِ " الَّتِي تَخُصُّهُ لَيْسَتْ عَنْ التَّاسِعِ وَلَا عَنْ الثَّامِنِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَفْلَاكِ فَإِنَّ حَرَكَةَ كُلِّ وَاحِدٍ الَّتِي تَخُصُّهُ لَيْسَتْ عَمَّا فَوْقَهُ مِنْ الْأَفْلَاكِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَبْدَأُ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا مُجَرَّدَ حَرَكَةِ التَّاسِعِ كَمَا زَعَمَهُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْعَرْشَ كَثِيفٌ وَالْفَلَكُ التَّاسِعُ عِنْدَهُمْ بَسِيطٌ مُتَشَابِهُ الْأَجْزَاءِ؛ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَصْلًا فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبًا لِأُمُورِ مُخْتَلِفَةٍ.
لَا بِاعْتِبَارِ الْقَوَابِلِ وَأَسْبَابٍ أُخَرَ؟ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ ضَالُّونَ يَجْعَلُونَهُ مَعَ هَذَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ دَرَجَةً وَيَجْعَلُونَ لِكُلِّ دَرَجَةٍ مِنْ الْأَثَرِ مَا يُخَالِفُ الْأُخْرَى؛ لَا بِاخْتِلَافِ الْقَوَابِلِ؛ كَمَنْ يَجِيءُ إلَى مَاءٍ وَاحِدٍ فَيَجْعَلُ لِبَعْضِ جُزْأَيْهِ مِنْ الْأَثَرِ مَا يُخَالِفُ الْآخَرَ؛ لَا بِحَسَبِ الْقَوَابِلِ؛ بَلْ يَجْعَلُ أَحَدَ أَجْزَائِهِ مُسَخَّنًا وَالْآخَرَ مُبَرَّدًا وَالْآخَرَ مُسْعَدًا وَالْآخَرَ مشقيا وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُونَ هُمْ وَكُلُّ عَاقِلٍ أَنَّهُ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ.
وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَنْفِي وُجُودَ شَيْءٍ آخَرَ فَوْقَ الْأَفْلَاكِ التِّسْعَةِ كَانَ الْجَزْمُ بِأَنَّ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ هُوَ أَنَّ الْعَرْشَ هُوَ الْفَلَكُ التَّاسِعُ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَقَوْلًا بِلَا عِلْمٍ.
هَذَا كُلُّهُ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْأَفْلَاكِ التِّسْعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْهَيْئَةِ؛ إذْ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ وَالِاضْطِرَابِ وَفِي أَدِلَّةِ ذَلِكَ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى
هَذَا التَّقْدِيرِ.
وَأَيْضًا: فَالْأَفْلَاكُ فِي أَشْكَالِهَا وَإِحَاطَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ؛ فَنِسْبَةُ السَّابِعِ إلَى السَّادِسِ كَنِسْبَةِ السَّادِسِ إلَى الْخَامِسِ؛ وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ فَلَكٌ تَاسِعٌ فَنِسْبَتُهُ إلَى الثَّامِنِ كَنِسْبَةِ الثَّامِنِ إلَى السَّابِعِ.
وَأَمَّا " الْعَرْشُ " فَالْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى مُبَايَنَتِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَنَّهُ لَيْسَ نِسْبَتُهُ إلَى بَعْضِهَا كَنِسْبَةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ . فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْعَرْشِ حَمَلَةً الْيَوْمَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ حَمَلَتَهُ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قِيَامَ فَلَكٍ مِنْ الْأَفْلَاكِ - بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى - كَقِيَامِ سَائِرِ الْأَفْلَاكِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كُرَةٍ وَكُرَةٍ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ لِبَعْضِهَا مَلَائِكَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَحْمِلُهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ نَظِيرِهِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ الْآيَةَ.
فَذَكَرَ هُنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ لَهُ حَمْلَةً وَجَمَعَ فِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ بَيْنَ حَمَلَتِهِ وَمَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ . وَ " أَيْضًا " فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ عَرْشَهُ كَانَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِ صَحِيحَةٍ: ﴿كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . وَهَذَا التَّقْدِيرُ بَعْدَ وُجُودِ الْعَرْشِ وَقَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَنَةٍ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَمَدِّحٌ بِأَنَّهُ ذُو الْعَرْشِ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وَقَدْ قُرِئَ " الْمَجِيدُ " بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلَّهِ؛ وَقُرِئَ بِالْخَفْضِ صِفَةَ الْعَرْشِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ فَوَصَفَ الْعَرْشَ بِأَنَّهُ مَجِيدٌ وَأَنَّهُ عَظِيمٌ وَقَالَ
تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَرِيمٌ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فَوَصَفَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ عَظِيمٌ وَكَرِيمٌ أَيْضًا.
فَقَوْلُ الْقَائِلِ الْمُنَازِعِ: " إنَّ نِسْبَةَ الْفَلَكِ الْأَعْلَى إلَى مَا دُونَهُ كَنِسْبَةِ الْآخَرِ إلَى مَا دُونَهُ ". لَوْ كَانَ الْعَرْشُ مِنْ جِنْسِ الْأَفْلَاكِ لَكَانَتْ نِسْبَتُهُ إلَى مَا دُونَهُ كَنِسْبَةِ الْآخَرِ إلَى مَا دُونَهُ وَهَذَا لَا يُوجِبُ خُرُوجَهُ عَنْ الْجِنْسِ وَتَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ؛ كَمَا لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَخْصِيصَ سَمَاءٍ دُونَ سَمَاءٍ وَإِنْ كَانَتْ الْعُلْيَا بِالنِّسْبَةِ إلَى السُّفْلَى كَالْفَلَكِ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ.
وَإِنَّمَا امْتَازَ عَمَّا دُونَهُ بِكَوْنِهِ أَكْبَرَ كَمَا تَمْتَازُ السَّمَاءُ الْعُلْيَا عَنْ الدُّنْيَا.
بَلْ نِسْبَةُ السَّمَاءِ إلَى الْهَوَاءِ وَنِسْبَةُ الْهَوَاءِ إلَى الْمَاءِ وَالْأَرْضِ: كَنِسْبَةِ فَلَكٍ إلَى فَلَكٍ.
وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَخُصَّ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ عَمَّا يَلِيهِ بِالذِّكْرِ؛ وَلَا بِوَصْفِهِ بِالْكَرَمِ وَالْمَجْدِ وَالْعَظَمَةِ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لِذَوَاتِهَا وَلَا لِحَرَكَاتِهَا بَلْ لَهَا حَرَكَاتٌ تَخُصُّهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: حَرَكَتُهُ هِيَ سَبَبُ الْحَوَادِثِ؛ بَلْ إنْ كَانَتْ حَرَكَةُ الْأَفْلَاكِ سَبَبًا لِلْحَوَادِثِ فَحَرَكَاتُ غَيْرِهِ الَّتِي تَخُصُّهُ أَكْثَرَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُحِيطًا بِهَا أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنْ مَجْمُوعِهَا إلَّا إذَا كَانَ لَهُ مِنْ الْغِلَظِ مَا يُقَاوِمُ ذَلِكَ؛ وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ
الْغَلِيظَ إذْ كَانَ مُتَقَارِبًا فَمَجْمُوعُ الدَّاخِلِ أَعْظَمُ مِنْ الْمُحِيطِ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِقَدْرِهِ أَضْعَافًا؛ بَلْ الْحَرَكَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ الَّتِي لَيْسَتْ عَنْ حَرَكَتِهِ أَكْثَرُ لَكِنَّ حَرَكَتَهُ تَشْمَلُهَا كُلَّهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ﴿عَنْ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَكَانَتْ تُسَبِّحُ بِالْحَصَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى وَقْتِ الضُّحَى فَقَالَ: لَقَدْ قُلْت بَعْدَك أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قلتيه لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَى نَفْسِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ﴾ . فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ زِنَةَ الْعَرْشِ أَثْقَلُ الْأَوْزَانِ.
وَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْفَلَكَ التَّاسِعَ لَا خَفِيفَ وَلَا ثَقِيلَ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَحْدَهُ أَثْقَلُ مَا يُمَثَّلُ بِهِ كَمَا أَنَّ عَدَدَ الْمَخْلُوقَاتِ أَكْثَرُ مَا يُمَثَّلُ بِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ﴿جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لُطِمَ وَجْهُهُ؛ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِك لَطَمَ وَجْهِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُدْعُوهُ فَدَعَوْهُ فَقَالَ: لِمَ لَطَمْت وَجْهَهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي مَرَرْت بِالسُّوقِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاَلَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ فَقُلْت: يَا خَبِيثُ وَعَلَى مُحَمَّدٍ؟ فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ فَلَطَمْته.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذًا بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَتِهِ﴾ فَهَذَا فِيهِ بَيَانُ أَنَّ لِلْعَرْشِ قَوَائِمَ؛ وَجَاءَ ذِكْرُ الْقَائِمَةِ بِلَفْظِ السَّاقِ وَالْأَقْوَالُ مُتَشَابِهَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَقَدْ أَخْرَجَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ﴾ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرِ: إنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ اهْتَزَّ السَّرِيرُ قَالَ: إنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ضَغَائِنُ: سَمِعْت نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ﴾ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ - وَجِنَازَةُ سَعْدٍ مَوْضُوعَةٌ -: اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ﴾ . وَعِنْدَهُمْ أَنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ التَّاسِعِ دَائِمَةٌ مُتَشَابِهَةٌ وَمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اسْتِبْشَارُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَفَرَحُهُمْ؛ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى مَا قَالَ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الطبري وَغَيْرُهُ مَعَ أَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ وَلَفْظَهُ يَنْفِي هَذَا الِاحْتِمَالَ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ؛ هَاجَرَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: إنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ﴾ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدِ نَبِيًّا: وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ.
فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفَعَلَ.
قَالَ: وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: ﴿إنَّ أُمَّ الرَّبِيعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ - وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ - أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَا تُحَدِّثَنِي عَنْ حَارِثَةَ - وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ - فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْت وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ اجْتَهَدْت عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ.
قَالَ: يَا أُمَّ حَارِثَةَ إنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَإِنَّ ابْنَك أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى﴾ . فَهَذَا قَدْ بُيِّنَ فِي " الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ " أَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْفِرْدَوْسِ الَّذِي هُوَ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَاهَا وَأَنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا؛ وَ " الْحَدِيثُ الثَّانِي " يُوَافِقُهُ فِي وَصْفِ الدَّرَجِ الْمِائَةِ وَ " الْحَدِيثُ الثَّالِثُ " يُوَافِقُهُ فِي أَنَّ الْفِرْدَوْسَ أَعْلَاهَا.
وَإِذَا كَانَ الْعَرْشُ فَوْقَ الْفِرْدَوْسِ فَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ فِي هَذَا مِنْ الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ مَا لَا يُعْلَمُ بِالْهَيْئَةِ؛ إذْ لَا يُعْلَمُ بِالْحِسَابِ أَنَّ بَيْنَ التَّاسِعِ وَالْأَوَّلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِائَةَ مَرَّةٍ وَعِنْدَهُمْ أَنْ التَّاسِعَ مُلَاصِقٌ لِلثَّامِنِ فَهَذَا قَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْفِرْدَوْسِ الَّذِي هُوَ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَاهَا.
وَفِي حَدِيثِ {أَبِي ذَرٍّ الْمَشْهُورِ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّمَا أُنْزِلَ عَلَيْك
أَعْظَمُ؟ قَالَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إلَّا كَحَلْقَةِ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ} وَالْحَدِيثُ لَهُ طُرُقٌ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ " الْعَرْشَ مُقَبَّبٌ " بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: ﴿أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جهدت الْأَنْفُسُ وَجَاعَ الْعِيَالُ وَهَلَكَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ وَنَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك؛ فَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ وَيْحَك أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟ إنَّ اللَّهَ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ إنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ؛ وَإِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ هَكَذَا - وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ﴾ - وَفِي لَفْظٍ: ﴿وَإِنَّ عَرْشَهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَسَمَوَاتُهُ فَوْقَ أَرْضِهِ هَكَذَا - وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ﴾ . وَهَذَا الْحَدِيثُ - وَإِنْ دَلَّ عَلَى التَّقْبِيبِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَنْ الْفِرْدَوْسِ إنَّهَا أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَاهَا مَعَ قَوْلِهِ إنَّ سَقْفَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَإِنَّ فَوْقَهَا عَرْشَ الرَّحْمَنِ وَالْأَوْسَطُ لَا يَكُونُ الْأَعْلَى إلَّا فِي الْمُسْتَدِيرِ فَهَذَا - لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَلَكٌ مِنْ الْأَفْلَاكِ بَلْ إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْأَفْلَاكِ كُلِّهَا أَمْكَنَ هَذَا فِيهِ سَوَاءٌ قَالَ الْقَائِلُ إنَّهُ مُحِيطٌ بِالْأَفْلَاكِ أَوْ قَالَ إنَّهُ فَوْقَهَا وَلَيْسَ مُحِيطًا بِهَا كَمَا أَنَّ وَجْهَ الْأَرْضِ فَوْقَ النِّصْفِ الْأَعْلَى مِنْ الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا بِذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُ الْقُبَّةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَلَكَ مُسْتَدِيرٌ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنَّ لَفْظَ الْقُبَّةِ يَسْتَلْزِمُ اسْتِدَارَةً مِنْ الْعُلُوِّ وَلَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِدَارَةً مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ إلَّا بِدَلِيلِ مُنْفَصِلٍ.
وَلَفْظُ " الْفَلَكِ " يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدَارَةِ مُطْلَقًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي فَلَكٍ مُسْتَدِيرٍ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي فَلْكَةٍ مِثْلُ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ.
وَأَمَّا لَفْظُ " الْقُبَّةِ " فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِهَذَا الْمَعْنَى؛ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ؛ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدَارَةِ مِنْ الْعُلُوِّ؛ كَالْقُبَّةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَرْضِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْأَفْلَاكَ غَيْرُ السَّمَوَاتِ لَكِنْ رَدَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي الْفَلَكِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ الْكَلَامِ فِي هَذَا.
وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ فِيهِ وَبَيَانُ أَنَّ مَا عُلِمَ بِالْحِسَابِ - عِلْمًا صَحِيحًا - لَا يُنَافِي مَا جَاءَ بِهِ السَّمْعُ وَأَنَّ الْعُلُومَ السَّمْعِيَّةَ الصَّحِيحَةَ لَا تُنَافِي مَعْقُولًا صَحِيحًا؛ إذْ قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ
فِي هَذَا وَنَظَائِرِهِ مِمَّا قَدْ أُشْكِلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ؛ حَيْثُ يَرَوْنَ مَا يُقَالُ: إنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ مُخَالِفًا لِمَا يُقَالُ إنَّهُ مَعْلُومٌ بِالسَّمْعِ؛ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ أَنْ كَذَّبَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِعِلْمِهِ؛ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بِقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى أَنْ تَكَلَّمُوا فِي مُعَارَضَةِ الْفَلَاسِفَةِ فِي " الْأَفْلَاكِ " بِكَلَامِ لَيْسَ مَعَهُمْ بِهِ حُجَّةٌ؛ لَا مِنْ شَرْعٍ وَلَا مِنْ عَقْلٍ وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ مِنْ نَصْرِ الشَّرِيعَةِ وَكَانَ مَا جَحَدُوهُ مَعْلُومًا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضًا.
وَأَمَّا " الْمُتَفَلْسِفَةُ وَأَتْبَاعُهُمْ " فَغَايَتُهُمْ أَنْ يَسْتَدِلُّوا بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ وَلَا يَعْلَمُونَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ؛ مِثْلُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْبُخَارَ الْمُتَصَاعِدَ يَنْعَقِدُ سَحَابًا وَأَنَّ السَّحَابَ إذَا اصْطَكَّ حَدَثَ عَنْهُ صَوْتٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَكِنْ عِلْمُهُمْ بِهَذَا كَعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَنِيَّ يَصِيرُ فِي الرَّحِمِ لَكِنْ مَا الْمُوجِبُ لِأَنْ يَكُونَ الْمَنِيُّ الْمُتَشَابِهُ الْأَجْزَاءِ تُخْلَقُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ وَالْمَنَافِعُ الْمُخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ الَّذِي فِيهِ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ مَا بَهَرَ الْأَلْبَابَ.
وَكَذَلِكَ مَا الْمُوجِبُ لِأَنْ يَكُونَ هَذَا الْهَوَاءُ أَوْ الْبُخَارُ مُنْعَقِدًا سَحَابًا مُقَدَّرًا بِقَدْرِ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَلَى مَكَانٍ مُخْتَصٍّ بِهِ؟ وَيَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ فَيَسْقِيهِمْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لَا يَزِيدُ فَيَهْلَكُوا وَلَا يَنْقُصُ فَيَعُوزُوا وَمَا الْمُوجِبُ لِأَنْ يُسَاقَ إلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ الَّتِي لَا تُمْطِرُ أَوْ تُمْطِرُ مَطَرًا لَا يُغْنِيهَا - كَأَرْضِ مِصْرَ إذْ كَانَ الْمَطَرُ الْقَلِيلُ لَا يَكْفِيهَا وَالْكَثِيرُ يَهْدِمُ أَبْنِيَتَهَا - قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ .
وَكَذَلِكَ السَّحَابُ الْمُتَحَرِّكُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ " قَسْرِيَّةً " وَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْقَاسِرِ أَوْ " طَبِيعِيَّةً " وَإِنَّمَا تَكُونُ إذَا خَرَجَ الْمَطْبُوعُ عَنْ مَرْكَزِهِ فَيُطْلَبُ عَوْدُهُ إلَيْهِ؛ أَوْ " إرَادِيَّةً " وَهِيَ الْأَصْلُ فَجَمِيعُ الْحَرَكَاتِ تَابِعَةٌ لِلْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ الْمُدَبِّرَاتُ أَمْرًا وَالْمُقَسِّمَاتُ أَمْرًا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ وَفِي الْمَعْقُولِ مَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ.
فَالْكَلَامُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ زَائِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْجَوَابِ مَبْنِيًّا عَلَى حُجَجٍ عِلْمِيَّةٍ لَا تَقْلِيدِيَّةٍ وَلَا مُسَلَّمَةٍ وَإِذَا بَيَّنَّا حُصُولَ الْجَوَابِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ - كَمَا سَنُوَضِّحُهُ - لَمْ يُضِرْنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ التَّقْدِيرَاتِ هُوَ الْوَاقِعُ - وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ ذَلِكَ - لَكِنَّ تَحْرِيرَ الْجَوَابِ عَلَى تَقْدِيرٍ دُونَ تَقْدِيرٍ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ فِيهِ طُولٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا؛ فَإِنَّ الْجَوَابَ إذَا كَانَ حَاصِلًا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْجَزَ.
الْمَقَامُ الثَّانِي:
أَنْ يُقَالَ " الْعَرْشُ " سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْفَلَكُ التَّاسِعُ أَوْ جِسْمًا مُحِيطًا بِالْفَلَكِ التَّاسِعِ أَوْ كَانَ فَوْقَهُ مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْأَرْضِ غَيْرِ مُحِيطٍ بِهِ أَوْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَالِقِ تَعَالَى فِي غَايَةِ الصِّغَرِ
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿يَقْبِضُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَقْبِضُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَطْوِي اللَّهُ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ؛ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؛ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرْضِينَ بِشِمَالِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ؛ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؛ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟﴾ وَفِي لَفْظٍ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مقسم أَنَّهُ نَظَرَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا أَنَا الْمَلِكُ حَتَّى نَظَرْت إلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّك مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إنِّي أَقُولُ أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴾
وَفِي لَفْظٍ ﴿قَالَ: رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ.
وَقَبَضَ بِيَدِهِ وَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا وَيَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ؛ أَنَا الْمَلِكُ؛ أَنَا الْقُدُّوسُ؛ أَنَا السَّلَامُ؛ أَنَا الْمُؤْمِنُ؛ أَنَا الْمُهَيْمِنُ؛ أَنَا الْعَزِيزُ؛ أَنَا الْجَبَّارُ؛ أَنَا الْمُتَكَبِّرُ؛ أَنَا الَّذِي بَدَأْت الدُّنْيَا وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا؛ أَنَا الَّذِي أَعَدْتهَا.
أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ:﴾ وَفِي لَفْظٍ ﴿أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ وَيَمِيلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى يَمِينِهِ وَعَلَى شَمَالِهِ حَتَّى نَظَرْت إلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّك مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴾ وَالْحَدِيثُ مَرْوِيٌّ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا بِأَلْفَاظِ يَصْدُقُ بَعْضُهَا بَعْضًا؛ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ قَالَ: قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الْآيَةَ.
قَالَ: ﴿مَطْوِيَّةٌ فِي كَفِّهِ يَرْمِي بِهَا كَمَا يَرْمِي الْغُلَامُ بِالْكُرَةِ﴾ وَفِي لَفْظٍ: ﴿يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ فَيَجْعَلُهَا فِي كَفِّهِ ثُمَّ يَقُولُ بِهِمَا هَكَذَا كَمَا تَقُولُ الصِّبْيَانُ بِالْكُرَةِ.
أَنَا اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " يَقْبِضُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فَمَا تَرَى طَرَفَاهُمَا بِيَدِهِ " وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: " مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُونَ السَّبْعُ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُنَّ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ إلَّا كَخَرْدَلَةِ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ " وَهَذِهِ الْآثَارُ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: {أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إصْبَعٍ وَالْأَرْضِينَ عَلَى إصْبَعٍ وَالْجِبَالَ عَلَى إصْبَعٍ؛ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إصْبَعٍ؛ فَيَهُزُّهُنَّ.
فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الْآيَةَ} . فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ - الْمُفَسِّرَةِ لَهَا الْمُسْتَفِيضَةِ الَّتِي اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهَا وَتَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ - مَا يُبَيِّنُ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَصْغَرُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعَ قَبْضِهِ لَهَا إلَّا كَالشَّيْءِ الصَّغِيرِ فِي يَدِ أَحَدِنَا حَتَّى يَدْحُوَهَا كَمَا تُدْحَى الْكُرَةُ.
قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الماجشون الْإِمَامُ نَظِيرُ مَالِكٍ - فِي كَلَامِهِ الْمَشْهُورِ الَّذِي رَدَّ فِيهِ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَمَنْ خَالَفَهَا وَمَنْ أَوَّلَ كَلَامَهُ قَالَ - فَأَمَّا الَّذِي جَحَدَ مَا وَصَفَ الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ تَعَمُّقًا وَتَكَلُّفًا فَقَدْ اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ فَصَارَ يَسْتَدِلُّ بِزَعْمِهِ عَلَى جَحْدِ مَا وَصَفَ الرَّبُّ وَسَمَّى مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: لَا بُدَّ إنْ كَانَ لَهُ كَذَا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَذَا؛ فَعَمِيَ عَنْ الْبَيِّنِ بِالْخَفِيِّ فَجَحَدَ مَا سَمَّى الرَّبُّ مِنْ نَفْسِهِ بِصَمْتِ الرَّبِّ عَمَّا لَمَّ يُسَمَّ مِنْهَا فَلَمْ يَزَلْ يُمْلِي لَهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى جَحَدَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ﴿إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فَقَالَ: لَا يَرَاهُ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَجَحَدَ - وَاَللَّهِ - أَفْضَلَ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَكْرَمَ بِهَا أَوْلِيَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ وَنَضْرَتِهِ
إيَّاهُمْ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ وَقَدْ قَضَى أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فَهُمْ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ يَنْضُرُونَ.
إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّمَا جَحَدَ رُؤْيَةَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إقَامَةً لِلْحُجَّةِ الضَّالَّةِ الْمُضِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ أَنَّهُ إذَا تَجَلَّى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَأَوْا مِنْهُ مَا كَانُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنِينَ وَكَانَ لَهُ جَاحِدًا.
﴿وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَذَلِكَ﴾ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا تَمْتَلِئُ النَّارُ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطُّ قَطُّ وَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ﴾ . ﴿وَقَالَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: قَدْ ضَحِكَ اللَّهُ مِمَّا فَعَلْت بِضَيْفِك الْبَارِحَةَ﴾ وَقَالَ - فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ - ﴿إنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ مِنْ أَزَلِّكُمْ وَقُنُوطِكُمْ وَسُرْعَةِ إجَابَتِكُمْ﴾ . ﴿وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ إنَّ رَبَّنَا لَيَضْحَكُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا﴾ . فِي أَشْبَاهٍ لِهَذَا مِمَّا لَمْ نُحْصِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ وَقَالَ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ وَقَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
فَوَاَللَّهِ مَا دَلَّهُمْ عَلَى عِظَمِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَمَا تُحِيطُ بِهِ قَبْضَتُهُ إلَّا صِغَرُ نَظِيرِهَا مِنْهُمْ عِنْدَهُمْ إنَّ ذَلِكَ الَّذِي أُلْقِيَ فِي رُوعِهِمْ؛ وَخَلَقَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ قُلُوبَهُمْ فَمَا وَصَفَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِهِ وَسَمَّاهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ سَمَّيْنَاهُ كَمَا سَمَّاهُ وَلَمْ نَتَكَلَّفْ مِنْهُ عِلْمَ مَا سِوَاهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا لَا نَجْحَدُ مَا وَصَفَ وَلَا نَتَكَلَّفُ مَعْرِفَةَ مَا لَمْ يَصِفْ انْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ كَالْكُرَةِ وَهَذَا قَبْضُهُ لَهَا وَرَمْيُهُ بِهَا وَإِنَّمَا بَيَّنَ لَنَا مِنْ عَظَمَتِهِ وَصْفَ الْمَخْلُوقَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مَا يُعْقَلُ نَظِيرُهُ مِنَّا.
ثُمَّ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ إنْ شَاءَ قَبَضَهَا وَفَعَلَ بِهَا مَا ذَكَرَ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا وَيَدْحُوَهَا كَالْكُرَةِ وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِهَا مَا لَا يَخْفَى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ مُبَايِنٌ لَهَا لَيْسَ بمحايث لَهَا.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا - وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى - إذَا كَانَ عِنْدَهُ خَرْدَلَةٌ إنْ شَاءَ قَبَضَهَا فَأَحَاطَتْ بِهَا قَبْضَتُهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبِضْهَا بَلْ جَعَلَهَا تَحْتَهُ فَهُوَ فِي الْحَالَتَيْنِ مُبَايِنٌ لَهَا وَسَوَاءٌ قُدِّرَ أَنَّ الْعَرْشَ هُوَ مُحِيطٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ - كَإِحَاطَةِ الْكُرَةِ بِمَا فِيهَا - أَوْ قِيلَ إنَّهُ فَوْقَهَا وَلَيْسَ مُحِيطًا بِهَا؛ كَوَجْهِ الْأَرْضِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوْفِهَا وَكَالْقُبَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَحْتَهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ الْعَرْشُ فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْخَالِقُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَوْقَهُ وَالْعَبْدُ فِي تَوَجُّهِهِ إلَى اللَّهِ يَقْصِدُ الْعُلُوَّ دُونَ التَّحْتِ وَتَمَامُ هَذَا بِبَيَانِ: