كِتَابُ النِكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
مِنْهُ دَوَامُ التَّوْبَةِ: فَهَذَا إذَا أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُهَا وَقِيلَ لَهُ: أَحْصِنْهَا وَاحْتَفِظْ أَمْكَنَ ذَلِكَ.
أَمَّا بِدُونِ التَّوْبَةِ فَهَذَا مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ.
وَلِهَذَا تَكَلَّمُوا فِي تَوْبَتِهَا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: يُرَاوِدُهَا عَلَى نَفْسِهَا.
فَإِنْ أَجَابَتْهُ كَمَا كَانَتْ تُجِيبُهُ لَمْ تَتُبْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا يُرَاوِدُهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَابَتْ فَإِذَا رَاوَدَهَا نَقَضَتْ التَّوْبَةَ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ إذَا رَاوَدَهَا أَنْ يَقَعَ فِي ذَنْبٍ مَعَهَا.
وَاَلَّذِينَ اشْتَرَطُوا امْتِحَانَهَا قَالُوا: لَا يُعْرَفُ صِدْقُ تَوْبَتِهَا بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: ﴿إذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ و " الْمُهَاجِرُ " قَدْ يَتَنَاوَلُ التَّائِبَ قَالَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ﴾ فَهَذِهِ إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا هَجَرَتْ السُّوءَ اُمْتُحِنَتْ عَلَى ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ صِدْقُ تَوْبَتِهَا.
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ حَرُمَ بِهِ أَنْ يَتَّخِذَ صَدِيقَةً فِي السِّرِّ تَزْنِي مَعَهُ لَا مَعَ غَيْرِهِ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي آيَةِ الْإِمَاءِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ فَذَكَرَ فِي " الْإِمَاءِ " ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ وَأَمَّا " الْحَرَائِرُ " فَاشْتَرَطَ فِيهِنَّ أَنْ يَكُونَ الرِّجَالُ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَذَكَرَ فِي الْمَائِدَةِ ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾
لَمَّا ذَكَرَ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَفِي النِّسَاءِ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا غَيْرَ مُسَافِحِينَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَاءَ كُنَّ مَعْرُوفَاتٍ بِالزِّنَا دُونَ الْحَرَائِرِ فَاشْتَرَطَ فِي نِكَاحِهِنَّ أَنْ يَكُنَّ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي تَبْغِي لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا إلَّا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُحْصَنَةٌ يُحْصِنُهَا زَوْجُهَا فَلَا تُسَافِحُ الرِّجَالَ وَلَا تَتَّخِذُ صَدِيقًا.
وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْأُمُورِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْفَاجِرَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عَفَائِفُ غَيْرُ زَوَانٍ ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ يَعْنِي أَخِلَّاءَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ مَا ظَهَرَ مِنْ الزِّنَا وَيَسْتَحِلُّونَ مَا خَفِيَ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى: " الْمُسَافِحَاتُ " الْمُعْلِنَاتُ بِالزِّنَا " وَالْمُتَّخِذَاتُ أَخْدَانٍ " ذَوَاتُ الْخَلِيلِ الْوَاحِدِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَتَّخِذُ صَدِيقًا تَزْنِي مَعَهُ وَلَا تَزْنِي مَعَ غَيْرِهِ.
فَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ السَّلَفِ الْمُحْصَنَاتِ بِالْعَفَائِفِ وَهُوَ كَمَا قَالُوا وَذَكَرُوا أَنَّ الزِّنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ نَوْعَيْنِ: نَوْعًا مُشْتَرِكًا وَنَوْعًا مُخْتَصًّا.
وَالْمُشْتَرِكُ مَا يَظْهَرُ فِي الْعَادَةِ؛ بِخِلَافِ الْمُخْتَصِّ فَإِنَّهُ مُسْتَتِرٌ فِي الْعَادَةِ.
وَلَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ الْمُخْتَصَّ وَهُوَ شَبِيهٌ بِالنِّكَاحِ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ تَخْتَصُّ فِيهِ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ: وَجَبَ الْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنْ اتِّخَاذِ الْأَخْدَانِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ إذَا كَانَ يَزْنِي بِهَا وَحْدَهَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهَا لَمْ يَطَأْهَا غَيْرُهُ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي تَلِدُهُ مِنْهُ وَلَا يَثْبُتُ لَهَا خَصَائِصُ النِّكَاحِ.
فَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ عَلَى " النِّكَاحِ السِّرِّ " فَإِنَّ نِكَاحَ السِّرِّ مِنْ جِنْسِ اتِّخَاذِ الْأَخْدَانِ شَبِيهٌ بِهِ لَا سِيَّمَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ
وَكَتَمَا ذَلِكَ: فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يَتَّخِذُ صَدِيقَةً لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ هَذَا فَلَا يَشَاءُ مَنْ يَزْنِي بِأَمَرَةِ صَدِيقَةٍ لَهُ إلَّا قَالَ: تَزَوَّجْتهَا.
وَلَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ تَزَوَّجَ فِي السِّرِّ: إنَّهُ يَزْنِي بِهَا إلَّا قَالَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَرْقٌ مُبِينٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإِذَا ظَهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَدْ أَحْصَنَهَا تَمَيَّزَتْ عَنْ الْمُسَافِحَاتِ وَالْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا وَإِذَا كَانَ يُمَكِّنُهَا أَنْ تَذْهَبَ إلَى الْأَجَانِبِ لَمْ تَتَمَيَّزْ الْمُحْصَنَاتُ كَمَا أَنَّهُ إذَا كَتَمَ نِكَاحَهَا فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ لَمْ تَتَمَيَّزْ مِنْ الْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ هَذَا عَنْ هَذَا فَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِعْلَانُ فَقَطْ سَوَاءٌ أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ.
وَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِشْهَادُ سَوَاءٌ أَعْلَنَ أَوْ لَمْ يُعْلِنْ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَد.
وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَد.
وَقِيلَ: يَجِبُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ عَنْ أَحْمَد.
وَاشْتِرَاطُ " الْإِشْهَادِ " وَحْدَهُ ضَعِيفٌ؛ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ حَدِيثٌ.
وَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ دَائِمًا لَهُ شُرُوطٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا.
وَإِذَا كَانَ هَذَا شَرْطًا كَانَ ذِكْرُهُ أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٍ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا
أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَاكِحِهِمْ.
قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ شَيْءٌ وَلَوْ أَوْجَبَهُ لَكَانَ الْإِيجَابُ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ هَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَجِبُ إظْهَارُهَا وَإِعْلَانُهَا فَاشْتِرَاطُ الْمَهْرِ أَوْلَى؛ فَإِنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ تَقْدِيرُهُ فِي الْعَقْدِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَوْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ: وَلَمْ يُضَيِّعُوا حِفْظَ مَا لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّ الْهِمَمَ وَالدَّوَاعِيَ تَتَوَافَرُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يَأْمُرُ بِحِفْظِ ذَلِكَ.
وَهُمْ قَدْ حَفِظُوا نَهْيَهُ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ قَلِيلًا؛ فَكَيْفَ النِّكَاحُ بِلَا إشْهَادٍ إذَا كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَدْ حَرَّمَهُ وَأَبْطَلَهُ كَيْفَ لَا يُحْفَظُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ لَوْ نُقِلَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ لَكَانَ مَرْدُودًا عِنْدَ مَنْ يَرَى مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَعْظَمَ مِنْ الْبَلْوَى بِكَثِيرِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ نِكَاحٍ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِإِشْهَادِ؛ وَقَدْ عَقَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ؛ فَعُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْإِشْهَادِ دُونَ غَيْرِهِ بَاطِلٌ قَطْعًا؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُشْتَرِطُونَ لِلْإِشْهَادِ مُضْطَرِبِينَ اضْطِرَابًا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْأَصْلِ فَلَيْسَ لَهُمْ قَوْلٌ يَثْبُتُ عَلَى مِعْيَارِ الشَّرْعِ إذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُجَوِّزُهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ وَالشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تَجِبُ عِنْدَهُمْ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ فِيهَا بِإِشْهَادِ ذَوِي الْعَدْلِ فَكَيْفَ بِالْإِشْهَادِ الْوَاجِبِ.
ثُمَّ مِنْ الْعَجَبِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ " بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ " وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي النِّكَاحِ ثُمَّ يَأْمُرُونَ بِهِ فِي النِّكَاحِ وَلَا يُوجِبُهُ أَكْثَرُهُمْ فِي الرَّجْعَةِ وَاَللَّهُ أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ؛ لِئَلَّا يُنْكَرَ الزَّوْجُ وَيَدُومُ مَعَ امْرَأَتِهِ فَيُفْضِي إلَى إقَامَتِهِ مَعَهَا حَرَامًا؛ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى طَلَاقٍ لَا رَجْعَةَ مَعَهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَرِّحُهَا بِإِحْسَانِ عقيب الْعِدَّةِ فَيَظْهَرُ الطَّلَاقُ.
وَلِهَذَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ مِمَّا يَعِيبُ بِهِ أَهْلُ الرَّأْيِ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ؛ وَهُمْ أُمِرُوا بِهِ فِي النِّكَاحِ دُونَ الْبَيْعِ.
وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَالْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِإِشْهَادِ وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ أُمِرَ فِيهِ بِالْإِعْلَانِ فَأَغْنَى إعْلَانُهُ مَعَ دَوَامِهِ عَنْ الْإِشْهَادِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَكَانَ هَذَا الْإِظْهَارُ الدَّائِمُ مُغْنِيًا عَنْ الْإِشْهَادِ كَالنَّسَبِ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُشْهِدَ فِيهِ أَحَدًا عَلَى وِلَادَةِ امْرَأَتِهِ؛ بَلْ هَذَا يَظْهَرُ وَيَعْرِفُ أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ هَذَا فَأَغْنَى هَذَا عَنْ الْإِشْهَادِ؛ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُجْحَدُ وَيَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَظْهَرُ فِيهِ كَانَ إعْلَانُهُ بِالْإِشْهَادِ.
فَالْإِشْهَادُ قَدْ يَجِبُ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُعْلَنُ وَيَظْهَرُ؛ لَا لِأَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ؛ بَلْ إذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ ثُمَّ خَرَجَا فَتَحَدَّثَا بِذَلِكَ وَسَمِعَ النَّاسُ أَوْ جَاءَ الشُّهُودُ وَالنَّاسُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَأَخْبَرُوهُمْ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا: كَانَ هَذَا كَافِيًا.
وَهَكَذَا كَانَتْ عَادَةُ السَّلَفِ لَمْ يَكُونُوا يُكَلِّفُونَ إحْظَارَ شَاهِدَيْنِ وَلَا كِتَابَةَ صَدَاقٍ
وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِالْإِيجَابِ مِنْ اشْتِرَاطِ شَاهِدَيْنِ مَسْتُورَيْنِ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ عِنْدَ الْأَدَاءِ إلَّا مَنْ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ: فَهَذَا أَيْضًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ.
وَقَدْ شَذَّ بَعْضُهُمْ فَأَوْجَبَ مَنْ يَكُونُ مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ؛ وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ قَطْعًا فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَلْتَزِمُونَ فِيهَا هَذَا.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد عَلَى قَوْلِهِ بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ.
فَقِيلَ: يُجْزِئُ فَاسِقَانِ: كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: يُجْزِئُ مَسْتُورَانِ وَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: فِي الْمَذْهَبِ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ.
وَقِيلَ: بَلْ إنْ عَقَدَ حَاكِمٌ فَلَا يَعْقِدُهُ إلَّا بِمَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْحُكَّامَ هُمْ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْمَبْرُورِ وَالْمَسْتُورِ.
ثُمَّ الْمَعْرُوفُ الْعَدَالَةِ عِنْدَ حَاكِمِ الْبَلَدِ: فَهُوَ خِلَافُ مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: حَيْثُ يَعْقِدُونَ الْأَنْكِحَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَالْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ وَالْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُهُمْ.
وَإِنْ اشْتَرَطُوا مَنْ يَكُونُ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ بِالْخَيْرِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَدْلِ لِمَقْبُولِ الشَّهَادَةَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.
ثُمَّ الشُّهُودُ يَمُوتُونَ وَتَتَغَيَّرُ أَحْوَالُهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: مَقْصُودُ الشَّهَادَةِ إثْبَاتُ الْفِرَاشِ عِنْدَ التجاحد حِفْظًا لِنَسَبِ الْوَلَدِ.
فَيُقَالُ: هَذَا حَاصِلٌ بِإِعْلَانِ النِّكَاحِ وَلَا يَحْصُلُ بِالْإِشْهَادِ مَعَ الْكِتْمَانِ مُطْلَقًا.
فَاَلَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ مَعَ الْإِعْلَانِ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَانِ.
وَأَمَّا مَعَ الْكِتْمَانِ وَالْإِشْهَادِ فَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ.
فَهَذَا الَّذِي لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ.
وَإِنْ خَلَا عَنْ الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ: فَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ فَإِنْ قُدِّرَ فِيهِ خِلَافٌ
فَهُوَ قَلِيلٌ.
وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد؛ ثُمَّ يُقَالُ مَا يُمَيِّزُ هَذَا عَنْ الْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا.
وَفِي الْمُشْتَرِطِينَ لِلشَّهَادَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ لَا يُعَلِّلُ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الْفِرَاشِ؛ لَكِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ حُضُورَ اثْنَيْنِ تَعْظِيمًا لِلنِّكَاحِ.
وَهَذَا يَعُودُ إلَى مَقْصُودِ الْإِعْلَانِ.
وَإِذَا كَانَ النَّاسُ مِمَّنْ يَجْهَلُ بَعْضُهُمْ حَالَ بَعْضٍ وَلَا يَعْرِفُ مَنْ عِنْدَهُ هَلْ هِيَ امْرَأَتُهُ أَوْ خَدِينُهُ مِثْلُ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا النَّاسُ الْمَجَاهِيلُ: فَهَذَا قَدْ يُقَالُ: يَجِبُ الْإِشْهَادُ هُنَا.
وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَكْتُبُونَ " صَدَاقَاتٍ " لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَزَوَّجُونَ عَلَى مُؤَخَّرٍ؛ بَلْ يُعَجِّلُونَ الْمَهْرَ وَإِنْ أَخَّرُوهُ فَهُوَ مَعْرُوفٌ؛ فَلَمَّا صَارَ النَّاسُ يَتَزَوَّجُونَ عَلَى الْمُؤَخَّرِ وَالْمُدَّةُ تَطُولُ وَيُنْسَى: صَارُوا يَكْتُبُونَ الْمُؤَخَّرَ وَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً فِي إثْبَاتِ الصَّدَاقِ؛ وَفِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ؛ لَكِنَّ هَذَا الْإِشْهَادَ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ؛ سَوَاءٌ حَضَرَ الشُّهُودُ الْعَقْدَ أَوْ جَاءُوا بَعْدَ الْعَقْدِ فَشَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلِيِّ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ نِكَاحٌ قَدْ أُعِلْنَ وَإِشْهَادُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَوَاصٍ بِكِتْمَانِهِ إعْلَانٌ.
وَهَذَا بِخِلَافِ " الْوَلِيِّ " فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهُوَ عَادَةُ الصَّحَابَةِ إنَّمَا كَانَ يُزَوِّجُ النِّسَاءَ الرِّجَالُ لَا يُعْرَفُ أَنَّ امْرَأَةً تُزَوِّجُ نَفْسَهَا.
وَهَذَا مِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؛ فَإِنَّ الْبَغِيَّ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا.
لَكِنْ لَا يَكْتَفِي بِالْوَلِيِّ حَتَّى يُعْلِنَ؛ فَإِنَّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَنْ يَكُونُ مُسْتَحْسَنًا عَلَى قَرَابَتِهِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فَخَاطَبَ الرِّجَالَ بِإِنْكَاحِ الْأَيَامَى كَمَا خَاطَبَهُمْ بِتَزْوِيجِ الرَّقِيقِ.
وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ . وَهَذَا الْفَرْقُ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ.
و " أَيْضًا " فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الصَّدَاقَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَمْ يُوجِبْ الْإِشْهَادَ.
فَمَنْ قَالَ: إنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ وَلَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ الْإِشْهَادِ: فَقَدْ أَسْقَطَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَأَوْجَبَ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ.
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ الْمَدَنِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ فِي تَحْرِيمِهِمْ " نِكَاحَ الشِّغَارِ " وَأَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْمَهْرِ فَحَيْثُ يَكُونُ الْمَهْرُ: فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ وَهُوَ أَنَصّ الرِّوَايَتَيْنِ وَأَصْرَحُهُمَا عَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَاخْتِيَارُ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ.
وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ رُجْحَانَ أَقْوَالِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ - كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ - عَلَى مَا خَالَفَهَا مِنْ الْأَقْوَالِ الَّتِي قِيلَتْ بِرَأْيٍ يُخَالِفُ النُّصُوصَ؛ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ الَّذِينَ قَالُوا بِرَأْيٍ يُخَالِفُ النُّصُوصَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِمْ وَاسْتِفْرَاغِ وُسْعِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَدْ فَعَلُوا مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ وَاجْتَهَدُوا وَاَللَّهُ يُثِيبُهُمْ وَهُمْ مُطِيعُونَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ يُثِيبُهُمْ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ: فَآجَرَهُمْ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ؛ وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ عَلِمُوا مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ
أَفْضَلَ مِمَّنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ.
وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ أَجْرَانِ وَأُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ . وَمَنْ تَدَبَّرَ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَدَهَا مُفَسِّرَةً لِأَمْرِ النِّكَاحِ لَا تَشْتَرِطُ فِيهِ مَا يَشْتَرِطُهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ كَمَا اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ: أَلَّا يَكُونَ إلَّا بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ.
وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ.
وَاشْتَرَطَ هَؤُلَاءِ وَطَائِفَةٌ: أَلَّا يَكُونَ إلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ.
ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ هَذَا صَحَّحُوا النِّكَاحَ مَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ.
ثُمَّ صَارُوا طَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ تُصَحِّحُ " نِكَاحَ الشِّغَارِ " لِأَنَّهُ لَا مُفْسِدَ لَهُ إلَّا نَفْيُ الْمَهْرِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُفْسِدِ عِنْدَهُمْ.
وَطَائِفَةٌ تُبْطِلُهُ وَتُعَلِّلُ ذَلِكَ بِعِلَلِ فَاسِدَةٍ؛ كَمَا قَدْ بَسَطْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ.
وَصَحَّحُوا " نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ " الَّذِي يَقْصِدُ التَّحْلِيلَ فَكَانَ قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوا لَفْظًا مُعَيَّنًا فِي النِّكَاحِ وَلَا إشْهَادَ شَاهِدِينَ مَعَ إعْلَانِهِ وَإِظْهَارِهِ وَأَبْطَلُوا نِكَاحَ الشِّغَار وَكُلَّ نِكَاحٍ نُفِيَ فِيهِ الْمَهْرُ وَأَبْطَلُوا نِكَاحَ الْمُحَلِّلَ.
. . 1 أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ.
ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ الْحِجَازِيِّ وَالْعِرَاقِيِّ وَسَّعُوا " بَابَ الطَّلَاقِ " فَأَوْقَعُوا طَلَاقَ السَّكْرَانِ وَالطَّلَاقَ الْمَحْلُوفِ بِهِ وَأَوْقَعَ هَؤُلَاءِ طَلَاقَ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
الْمُكْرَهِ وَهَؤُلَاءِ الطَّلَاقَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ فِيمَا حَلَفَ بِهِ وَجَعَلُوا الْفُرْقَةَ الْبَائِنَةَ طَلَاقًا مَحْسُوبًا مِنْ الثَّلَاثِ فَجَعَلُوا الْخُلْعَ طَلَاقًا بَائِنًا مَحْسُوبًا مِنْ الثَّلَاثِ.
إلَى أُمُورٍ أُخْرَى وَسَّعُوا بِهَا الطَّلَاقَ الَّذِي يُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَضَيَّقُوا النِّكَاحَ الْحَلَالَ.
ثُمَّ لَمَّا وَسَّعُوا الطَّلَاقَ صَارَ هَؤُلَاءِ يُوَسِّعُونَ فِي الِاحْتِيَالِ فِي عَوْدِ الْمَرْأَةِ إلَى زَوْجِهَا وَهَؤُلَاءِ لَا سَبِيلَ عِنْدَهُمْ إلَى رَدِّهَا؛ فَكَانَ هَؤُلَاءِ فِي آصَارٍ وَأَغْلَالٍ وَهَؤُلَاءِ فِي خِدَاعٍ وَاحْتِيَالٍ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَآثَارَ الصَّحَابَةِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ أَغْنَى عَنْ هَذَا وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ الَّتِي أَمَرَ فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَحَلَّ الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ الْخَبَائِثَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ بِنْتِ الزِّنَا: هَلْ تُزَوَّجُ بِأَبِيهَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّزْوِيجُ بِهَا وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ؛ حَتَّى تَنَازَعَ الْجُمْهُورُ: هَلْ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَد: أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
فَقَدْ يُقَالُ: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَأَوِّلًا.
وَأَمَّا " الْمُتَأَوِّلُ " فَلَا يُقْتَلُ؛ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا.
وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مُطْلَقًا كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ: إنَّهُ يُجْلَدُ مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مُتَأَوِّلًا؛ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَفْسُقُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفَسَّقَهُ
مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ الْمَعْذُورَ لَا يَفْسُقُ؛ بَلْ وَلَا يَأْثَمُ.
وَأَحْمَد لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا إنَّمَا ظَهَرَ فِي زَمَنِهِ لَمْ يَظْهَرْ فِي زَمَنِ السَّلَفِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَعْرِفْهُ.
وَاَلَّذِينَ سَوَّغُوا " نِكَاحَ الْبِنْتِ مِنْ الزِّنَا " حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالُوا: لَيْسَتْ هَذِهِ بِنْتًا فِي الشَّرْعِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ؛ وَلَا يَجِبُ نَفَقَتُهَا؛ وَلَا يَلِي نِكَاحَهَا وَلَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ النِّسَبِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِنْتًا فِي الشَّرْعِ لَمْ تَدْخُلْ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ فَتَبْقَى دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ . وَأَمَّا حُجَّةُ الْجُمْهُورِ فَهُوَ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الْآيَةُ هُوَ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَنْ شَمِلَهُ هَذَا اللَّفْظُ سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا وَسَوَاءٌ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ التَّوَارُثُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ: أَمْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا التَّحْرِيمُ خَاصَّةً لَيْسَ الْعُمُومُ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ كَالْعُمُومِ فِي آيَةِ الْفَرَائِضِ وَنَحْوِهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: " أَحَدُهَا " أَنَّ آيَةَ التَّحْرِيمِ تَتَنَاوَلُ الْبِنْتَ وَبِنْتَ الِابْنِ وَبِنْتَ الْبِنْتِ؛ كَمَا يَتَنَاوَلُ لَفْظُ " الْعَمَّةِ " عَمَّةَ الْأَبِ؛ وَالْأُمِّ وَالْجَدِّ.
وَكَذَلِكَ بِنْتُ الْأُخْتِ وَبِنْتُ ابْنِ الْأُخْتِ.
وَبِنْتُ بِنْتِ الْأُخْتِ.
وَمِثْلُ هَذَا الْعُمُومِ لَا يَثْبُتُ لَا فِي آيَةِ الْفَرَائِضِ وَلَا نَحْوِهَا مِنْ الْآيَاتِ وَالنُّصُوصِ الَّتِي عَلَّقَ فِيهَا الْأَحْكَامَ بِالْأَنْسَابِ.
" الثَّانِي " أَنَّ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الرَّضَاعَةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرِمُ مِنْ الْوِلَادَةِ﴾ وَفِي لَفْظٍ ﴿مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ﴾ وَهَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ بِهِ: فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِطِفْلِ غَذَّتْهُ مِنْ لَبَنِهَا أَوْ أَنْ تَنْكِحَ أَوْلَادَهُ وَحَرَّمَ عَلَى أُمَّهَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَخَالَتِهَا؛ بَلْ حَرَّمَ عَلَى الطِّفْلَةِ الْمُرْتَضِعَةِ مِنْ امْرَأَةٍ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالْفَحْلِ صَاحِبِ اللَّبَنِ وَهُوَ الَّذِي وَطِئَ الْمَرْأَةَ حَتَّى دَرَّ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ.
فَإِذَا كَانَ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ بِنْتَهُ مِنْ الرِّضَاعِ وَلَا يَثْبُتَ فِي حَقِّهَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ - سِوَى التَّحْرِيمِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ الْحُرْمَةِ - فَكَيْفَ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ بِنْتٍ خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ وَأَيْنَ الْمَخْلُوقَةُ مِنْ مَائِهِ مِنْ الْمُتَغَذِّيَةِ بِلَبَنِ دُرَّ بِوَطْئِهِ فَهَذَا يُبَيِّنُ التَّحْرِيمَ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ الْخِطَابِ وَمِنْ جِهَةِ التَّنْبِيهِ وَالْفَحْوَى وَقِيَاسِ الْأَوْلَى.
" الثَّالِثُ " أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قَالَ الْعُلَمَاءُ: احْتِرَازٌ عَنْ ابْنِهِ الَّذِي تَبَنَّاهُ كَمَا قَالَ: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يستلحقون وَلَدَ الزِّنَا أَعْظَمَ مِمَّا يستلحقون وَلَدَ الْمُتَبَنِّي فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ عُلِمَ أَنَّ لَفْظَ " الْبَنَاتِ " وَنَحْوِهَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي لُغَتِهِمْ دَاخِلًا فِي الِاسْمِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهَا الْمِيرَاثُ وَنَحْوُهُ.
فَجَوَابُهُ أَنَّ النَّسَبَ تَتَبَعَّضُ أَحْكَامُهُ فَقَدْ ثَبَتَ بَعْضُ أَحْكَامِ النَّسَبِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا
وَافَقَ أَكْثَرُ الْمُنَازِعِينَ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ وَلَا يَرِثُهُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِلْحَاقِ وَلَدِ الزِّنَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِرَاشًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
كَمَا ثَبَتَ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَلْحَقَ ابْنَ وَلِيدَةِ زمعة بْنِ الْأَسْوَدِ بزمعة بْنِ الْأَسْوَدِ وَكَانَ قَدْ أَحْبَلَهَا عتبة بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَاخْتَصَمَ فِيهِ سَعْدٌ وَعَبْدُ ابْنُ زمعة * فَقَالَ سَعْدٌ: ابْنُ أَخِي.
عَهِدَ إلَيَّ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زمعة هَذَا ابْنِي.
فَقَالَ عَبْدٌ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي؛ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زمعة.
الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ؛ احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ﴾ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ الْبَيِّنِ بعتبة فَجَعَلَهُ أَخَاهَا فِي الْمِيرَاثِ دُونَ الْحُرْمَةِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي وَلَدِ الزِّنَا: هَلْ يَعْتِقُ بِالْمِلْكِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا بَسْطٌ لَا تَسَعُهُ هَذِهِ الْوَرَقَةُ.
وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الضَّعِيفَةِ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْكِيَهَا عَنْ إمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا عَلَى وَجْهِ الْقَدْحِ فِيهِ وَلَا عَلَى وَجْهِ الْمُتَابَعَةِ لَهُ فِيهَا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ الطَّعْنِ فِي الْأَئِمَّةِ وَاتِّبَاعِ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ صَارَ وَزِيرُ التتر يُلْقِي الْفِتْنَةَ بَيْنَ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَيُوقِعَهُمْ فِي مَذَاهِبِ الرَّافِضَةِ وَأَهْلِ الْإِلْحَادِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ فِي حَالِ شبوبيته وَقَدْ رَأَى مَعَهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِنْتًا وَهُوَ يَطْلُبُ التَّزْوِيجَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ هِيَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ فِي تَزْوِيجِهَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يَحِلُّ لَهُ التَّزْوِيجُ بِهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ بِنْتَ الَّتِي زَنَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِ لَا يَحِلُّ التَّزَوُّجُ بِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَأَمَّا بِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا فَأَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ وَإِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِهَا حَرُمَتَا عَلَيْهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَحَمَلَتْ مِنْهُ فَأَتَتْ بِأُنْثَى: فَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْبِنْتَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا يَحِلُّ ذَلِكَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَلَمْ يُحِلَّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَعْرِفْ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ - مَعَ كَثْرَةِ اطِّلَاعِهِمْ - فِي ذَلِكَ نِزَاعًا بَيْنَ السَّلَفِ فَأَفْتَى أَحْمَد
ابْنُ حَنْبَلٍ: إنْ فَعَلَ ذَلِكَ قُتِلَ.
فَقِيلَ لَهُ؛ إنَّهُ حَكَى فُلَانٌ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عَنْ مَالِكٍ؟ فَقَالَ: يَكْذِبُ فُلَانٌ.
وَذَكَرَ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا يَلْحَقُ بِأَبِيهِ الزَّانِي إذَا اسْتَلْحَقَهُ عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ " أَلَاطَ " أَيْ أَلْحَقَ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِآبَائِهِمْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ﴾ هَذَا إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجٌ.
وَأَمَّا " الْبَغِيُّ " الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا: فَفِي اسْتِلْحَاق الزَّانِي وَلَدَهُ مِنْهَا نِزَاعٌ.
" وَبِنْتُ الْمُلَاعَنَةِ " لَا تُبَاحُ لِلْمَلَاعِنِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا نِزَاعٌ شَاذٌّ؛ مَعَ أَنَّ نَسَبَهَا يَنْقَطِعُ مِنْ أَبِيهَا وَلَكِنْ لَوْ اسْتَلْحَقَهَا لَلَحِقَتْهُ وَهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَهَذَا لِأَنَّ " النَّسَبَ " تَتَبَعَّضُ أَحْكَامُهُ فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ ابْنًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ.
فَابْنُ الْمُلَاعَنَةِ لَيْسَ بِابْنِ؛ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ وَهُوَ ابْنٌ فِي " بَابِ النِّكَاحِ " تَحْرُمُ بِنْتُ الْمُلَاعَنَةِ عَلَى الْأَبِ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَرَّمَ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ فَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجُ بِنْتَه مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَا أُخْتَه؛ مَعَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهَا مِنْ " أَحْكَامِ النَّسَبِ " لَا إرْثٌ وَلَا عَقْلٌ وَلَا وِلَايَةٌ وَلَا نَفَقَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهَا حُرْمَةُ النِّكَاحِ والمحرمية.
و " أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ " أُمَّهَاتٌ فِي الْحُرْمَةِ فَقَطْ؛ لَا فِي المحرمية.
فَإِذَا كَانَتْ الْبِنْتُ الَّتِي أَرْضَعَتْهَا امْرَأَتُهُ بِلَبَنِ دُرَّ بِوَطْئِهِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْسُوبَةً إلَيْهِ فِي الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ: فَكَيْفَ بِمَنْ خُلِقَتْ مِنْ نُطْفَتِهِ فَإِنَّ هَذِهِ أَشَدُّ اتِّصَالًا بِهِ مِنْ تِلْكَ وقَوْله تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الْآيَةُ: يَتَنَاوَلُ مَا يُسَمَّى بِنْتًا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ بِنْتُ بِنْتِهِ وَبِنْتُ ابْنِهِ؛ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْفَرَائِضِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَتَنَاوَلُ وَلَدَهُ وَوَلَدَ ابْنِهِ لَا يَتَنَاوَلُ وَلَدَ بِنْتِهِ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ لَفْظُ الِابْنِ وَالْبِنْتِ يَتَنَاوَلُ مَا يُسَمَّى بِذَلِكَ مُطْلَقًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ لِيُحْرِزَ عَنْ الِابْنِ الْمُتَبَنَّى - كَزَيْدِ - الَّذِي كَانَ يُدْعَى: زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ.
فَإِنَّ هَذَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ " ابْنًا " فَلَوْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ لَظُنَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ؛ فَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ لِيُخْرِجَ ذَلِكَ.
وَأَبَاحَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةَ مَنْ تَبَنَّاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ . فَإِذَا كَانَ لَفْظُ " الِابْنِ " و " الْبِنْتِ " يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الشَّخْصِ حَتَّى قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ بِنْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ: فَبِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا تُسَمَّى " بِنْتَه " فَهِيَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ شَرْعًا وَأَوْلَى أَنْ يُدْخِلُوهَا فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِ وَجَمَاهِيرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَكِنَّ النِّزَاعَ الْمَشْهُورَ بَيْن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الزِّنَا هَلْ يَنْشُرُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ؛ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّهَا وَبِنْتِهَا مِنْ غَيْرِهِ؟ فَهَذِهِ فِيهَا نِزَاعٌ قَدِيمٌ بَيْنَ السَّلَفِ؛ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى كُلِّ قَوْلٍ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: يُبِيحُونَ ذَلِكَ؛ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَمَالِكٌ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ إذَا قَلَّدَ الْإِنْسَانُ فِيهَا أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ جَازَ ذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَمَّنْ طَلَعَ إلَى بَيْتِهِ وَوَجَدَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا فَوَفَّاهَا حَقَّهَا وَطَلَّقَهَا؛ ثُمَّ رَجَعَ وَصَالَحَهَا وَسَمِعَ أَنَّهَا وُجِدَتْ بِجَنْبِ أَجْنَبِيٍّ؟
فَأَجَابَ:
فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْجَنَّةَ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يَدْخُلُك بَخِيلٌ وَلَا كَذَّابٌ وَلَا دَيُّوثٌ﴾ " وَالدَّيُّوثُ " الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَإِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ﴾ وَقَدّ قَالَ تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا إلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَزْنِي لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ بَلْ يُفَارِقُهَا وَإِلَّا كَانَ دَيُّوثًا.
و
َسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ الزِّنَا؟
فَأَجَابَ:
لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
حَتَّى إنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ بَيْن السَّلَفِ؛ وَقَالَ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ.
وَقِيلَ لَهُ عَنْ مَالِكٍ: إنَّهُ أَبَاحَهُ فَكَذَّبَ النَّقْلَ عَنْ مَالِكٍ.
وَتَحْرِيمُ هَذَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَد وَأَصْحَابِهِ؛ وَمَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ نَصَّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ وَقَالُوا: إنَّمَا نَصَّ عَلَى بِنْتِهِ مِنْ الرِّضَاعِ؛ دُونَ الزَّانِيَةِ الَّتِي زَنَى بِهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَمَاتَ الزَّانِي: فَهَلْ يَجُوزُ لِوَلَدِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
هَذِهِ حَرَامٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ كَانَ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يَطَؤُهَا وَلَا يُحْصِنُهَا؟
فَأَجَابَ:
هُوَ دَيُّوثٌ؛ " وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ دَيُّوثٌ ". وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ تَزْنِي: فَهَلْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَتْ تَزْنِي فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَحِيضَ وَيَسْتَبْرِئَهَا مِنْ الزِّنَا؛ فَإِنَّ ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ عَقْدًا وَوَطْئًا.
وَمَتَى وَطِئَهَا مَعَ كَوْنِهَا زَانِيَةً كَانَ دَيُّوثًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ﴿قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ كَفَّ لَامِسٍ﴾ فَهَلْ هُوَ مَا تَرُدُّ نَفْسَهَا عَنْ أَحَدٍ؟ أَوْ مَا تَرُدُّ يَدَهَا فِي الْعَطَاءِ عَنْ أَحَدٍ؟ وَهَلْ هُوَ الصَّحِيحُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرُدُّ طَالِبَ مَالٍ؛ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وَسِيَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ اعْتَقَدَ ثُبُوتَهُ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا مَعَ كَوْنِهَا لَا تَمْنَعُ الرِّجَالَ وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: ﴿أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَرِينَةٌ مِنْ الْبَغَايَا يُقَالُ لَهَا: عَنَاقُ؛ وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَزَوُّجِهَا؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ﴾ . وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فَإِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ نِكَاحَ الْإِمَاءِ فِي حَالِ كَوْنِهِنَّ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ.
وَالْمُسَافِحَةُ الَّتِي تُسَافِحُ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ.
وَالْمُتَّخِذَاتُ الْخِدْنَ الَّتِي يَكُونُ لَهَا صَدِيقٌ وَاحِدٌ.
فَإِذَا كَانَ مَنْ هَذِهِ حَالُهَا لَا تُنْكَحُ فَكَيْفَ بِمَنْ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ؛ بَلْ تُسَافِحُ مَنْ اتَّفَقَ وَإِذَا كَانَ مَنْ هَذِهِ حَالُهَا فِي الْإِمَاءِ فَكَيْفَ بِالْحَرَائِرِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فَاشْتَرَطَ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي الرِّجَالِ هُنَا
كَمَا اشْتَرَطَهُ فِي النِّسَاءِ هُنَاكَ.
وَهَذَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ النُّورِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِأَنَّهُ مَنْ تَزَوَّجَ زَانِيَةً تُزَانِي مَعَ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مَاؤُهُ مَصُونًا مَحْفُوظًا فَكَانَ مَاؤُهُ مُخْتَلِطًا بِمَاءِ غَيْرِهِ.
وَالْفَرْجُ الَّذِي يَطَؤُهُ مُشْتَرَكًا وَهَذَا هُوَ الزِّنَا.
وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَ زَوْجُهَا يَزْنِي بِغَيْرِهَا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا مِنْ جِنْسِ وَطْءِ الزَّانِي لِلْمَرْأَةِ الَّتِي يَزْنِي بِهَا وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا غَيْرُهُ.
وَإِنَّ مِنْ صُوَرِ الزِّنَا اتِّخَاذُ الْأَخْدَانِ.
وَالْعُلَمَاءُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ قَبْلَ تَوْبَتِهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ؛ لَكِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالِاعْتِبَارَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَمَنْ تَأَوَّلَ آيَةَ النُّورِ بِالْعَقْدِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا فَبُطْلَانُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ مِنْ وُجُوهٍ.
ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الدِّيَاثَةِ.
وَمَنْ تَزَوَّجَ بَغِيًّا كَانَ دَيُّوثًا بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَخِيلٌ وَلَا كَذَّابٌ وَلَا دَيُّوثٌ﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ أَيْ الرِّجَالُ الطَّيِّبُونَ لِلنِّسَاءِ الطَّيِّبَاتِ وَالرِّجَالُ الْخَبِيثُونَ لِلنِّسَاءِ الْخَبِيثَاتِ وَكَذَلِكَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ خَبِيثَةً كَانَ قَرِينُهَا خَبِيثًا.
وَإِذَا كَانَ قَرِينُهَا خَبِيثًا كَانَتْ خَبِيثَةً وَبِهَذَا عَظَّمَ الْقَوْلَ فِيمَنْ قَذَفَ عَائِشَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْلَا مَا عَلَى الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَيْبِ مَا حَصَلَ هَذَا التَّغْلِيظُ.
وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ: مَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ وَلَوْ كَانَ تَزَوُّجُ الْبَغِيِّ جَائِزًا لَوَجَبَ تَنْزِيهُ
الْأَنْبِيَاءِ عَمَّا يُبَاحُ.
كَيْفَ وَفِي نِسَاءِ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ هِيَ كَافِرَةٌ كَمَا فِي أَزْوَاجِ الْمُؤْمِنَاتِ مَنْ هُوَ كَافِرٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . وَأَمَّا الْبَغَايَا فَلَيْسَ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الصَّالِحِينَ مَنْ تَزَوَّجَ بَغِيًّا لِأَنَّ الْبِغَاءَ يُفْسِدُ فِرَاشَهُ.
وَلِهَذَا أُبِيحَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْكِتَابِيَّةَ الْيَهُودِيَّةَ والنصرانية إذَا كَانَ مُحْصَنًا غَيْرَ مُسَافِحٍ وَلَا مُتَّخِذِ خِدْنٍ.
فَعُلِمَ أَنَّ تَزَوُّجَ الْكَافِرَةِ قَدْ يَجُوزُ وَتَزَوُّجَ الْبَغِيَّ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ دِينِهَا لَا يَتَعَدَّى إلَيْهِ.
وَأَمَّا ضَرَرُ بِغَائِهَا فَيَتَعَدَّى إلَيْهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ:
فِي اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي النِّكَاحِ
قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبُيِّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْعُقُودِ مُعْتَبَرٌ.
وَكُلُّ هَذَا يَنْبَغِي: إبْطَالُ الْحِيَلِ وَإِبْطَالُ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ إذَا قُصِدَ التَّحْلِيلُ وَالْمُخَالِعُ بِخُلْعِ الْيَمِينِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقْصِدْ
النِّكَاحَ وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ فِرَاقَ الْمَرْأَةِ؛ بَلْ هَذَا مَقْصُودُهُ أَنْ تَكُونَ امْرَأَتَهُ وَقَصْدُ الْخُلْعِ مَعَ هَذَا مُمْتَنِعٌ.
وَذَاكَ مَقْصُودُهُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةَ الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا وَقَصْدُهُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ مُمْتَنِعٌ؛ وَلِهَذَا لَا يُعْطِي مَهْرًا؛ بَلْ قَدْ يُعْطُونَهُ مِنْ عِنْدِهِمْ وَلَا يَطْلُبُ اسْتِلْحَاقَ وَلَدٍ وَلَا مُصَاهَرَةً فِي تَزْوِيجِهَا؛ بَلْ قَدْ يُحَلِّلُ الْأُمُّ وَبِنْتَهَا: إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ النِّكَاحَ.
" وَأَمَّا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ " إذَا قَصَدَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا إلَى مُدَّةٍ ثُمَّ يُفَارِقُهَا: مِثْلَ الْمُسَافِرِ الَّذِي يُسَافِرُ إلَى بَلَدٍ يُقِيمُ بِهِ مُدَّةً فَيَتَزَوَّجُ وَفِي نِيَّتِهِ إذَا عَادَ إلَى وَطَنِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ وَلَكِنَّ النِّكَاحَ عَقَدَهُ عَقْدًا مُطْلَقًا: فَهَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
قِيلَ: هُوَ نِكَاحٌ جَائِزٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ نِكَاحُ تَحْلِيلٍ لَا يَجُوزُ؛ وَرُوِيَ عَنْ الأوزاعي؛ وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي الْخِلَافِ.
وَقِيلَ: هُوَ مَكْرُوهٌ؛ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنِكَاحِ مُتْعَةٍ وَلَا يَحْرُمُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَاصِدٌ لِلنِّكَاحِ وَرَاغِبٌ فِيهِ؛ بِخِلَافِ الْمُحَلِّلِ؛ لَكِنْ لَا يُرِيدُ دَوَامَ الْمَرْأَةِ مَعَهُ.
وَهَذَا لَيْسَ بِشَرْطِ؛ فَإِنَّ دَوَامَ الْمَرْأَةِ مَعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ؛ بَلْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا.
فَإِذَا قَصَدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَهُ مُدَّةً فَقَدْ قَصَدَ أَمْرًا جَائِزًا؛ بِخِلَافِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ مِثْلُ الْإِجَارَةِ تَنْقَضِي فِيهِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ؛ وَلَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ.
وَأَمَّا هَذَا فَمِلْكُهُ ثَابِتٌ مُطْلَقٌ وَقَدْ تَتَغَيَّرُ نِيَّتُهُ فَيُمْسِكُهَا دَائِمًا؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ كَمَا أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ بِنِيَّةِ إمْسَاكِهَا دَائِمًا ثُمَّ بَدَا لَهُ طَلَاقُهَا جَازَ ذَلِكَ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا.
بِنِيَّةِ أَنَّهَا إذَا أَعْجَبَتْهُ أَمْسَكَهَا وَإِلَّا فَارَقَهَا: جَازَ؛ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَقْدِ لَكِنْ لَوْ شَرَطَ أَنْ يُمْسِكَهَا بِمَعْرُوفِ أَوْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانِ: فَهَذَا مُوجَبُ الْعَقْدِ شَرْعًا؛ وَهُوَ شَرْطٌ صَحِيحٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَزِمَهُ مُوجَبُ الشَّرْعِ: كَاشْتِرَاطِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ ﴿بَيْعُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ﴾ وَهَذَا مُوجَبُ الْعَقْدِ.
وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ كَثِيرَ الطَّلَاقِ فَلَعَلَّ غَالِبَ مَنْ تَزَوَّجَهَا كَانَ فِي نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ مُدَّةٍ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ ذَلِكَ مُتْعَةٌ.
وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْوِي طَلَاقَهَا عِنْدَ أَجَلٍ مُسَمًّى؛ بَلْ عِنْدَ انْقِضَاءِ غَرَضِهِ مِنْهَا وَمِنْ الْبَلَدِ الَّذِي أَقَامَ بِهِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَوَاهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ فَقَدْ تَتَغَيَّرُ نِيَّتُهُ فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُوجِبُ تَأْجِيلَ النِّكَاحِ وَجَعْلَهُ كَالْإِجَارَةِ الْمُسَمَّاةِ وَعَزْمُ الطَّلَاقِ لَوْ قُدِّرَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ لَمْ يُبْطِلْهُ وَلَمْ يُكْرَهْ مُقَامُهُ مَعَ الْمَرْأَةِ - وَإِنْ نَوَى طَلَاقَهَا - مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ نَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا حَدَثَ مِنْ تَأْجِيلِ النِّكَاحِ: مِثْلَ أَنْ يُؤَجِّلَ الطَّلَاقَ الَّذِي بَيْنَهُمَا؛ فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: " أَحَدُهُمَا " تُنَجَّزُ الْفُرْقَةُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِك؛ لِئَلَّا يَصِيرَ النِّكَاحُ مُؤَجَّلًا.
" وَالثَّانِي " لَا تُنَجَّزُ لِأَنَّ هَذَا التَّأْجِيلَ طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ وَالدَّوَامُ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ.
فَالْعِدَّةُ وَالرِّدَّةُ وَالْإِحْرَامُ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ؛ دُونَ دَوَامِهِ فَلَا يَلْزَمُ إذَا مُنِعَ التَّأْجِيلُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يُمْنَعَ فِي الدَّوَامِ لَكِنْ يُقَالُ: وَمِنْ الْمَوَانِعِ مَا يَمْنَعُ الدَّوَامَ وَالِابْتِدَاءَ أَيْضًا: فَهَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ.
كَمَا اُخْتُلِفَ فِي
الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ وَزَوَالِ الْكَفَاءَةِ: هَلْ تُثْبِتُ الْفَسْخَ؟ فَأَمَّا حُدُوثُ نِيَّةِ الطَّلَاقِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ فَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا قَالَ إنَّ ذَلِكَ يُبْطِلَ النِّكَاحَ فَإِنَّهُ قَدْ يُطَلِّقُ؛ وَقَدْ لَا يُطَلِّقُ عِنْدَ الْأَجَلِ.
كَذَلِكَ النَّاوِي عِنْدَ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ.
وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَتَزَوَّجُ الْآخَرَ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفُرْقَةِ وَالرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ الَّتِي يُرِيدُ سَيِّدُهَا عِتْقَهَا وَلَوْ أُعْتِقَتْ كَانَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَخْتَارُهُ وَهُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ.
وَلَوْ كَانَ عِتْقُهَا مُؤَجَّلًا أَوْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً وَتَزَوَّجَهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهَا عِنْدَ مُدَّةِ الْأَجَلِ اخْتِيَارُ فِرَاقِهِ.
وَالنِّكَاحُ مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ.
فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَيْسَ بِلَازِمِ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْأَةِ لَازِمٌ.
ثُمَّ إذَا عُرِفَ أَنَّهُ بَعْدَ مُدَّةٍ يَزُولُ اللُّزُومُ مِنْ جِهَتِهَا وَيَبْقَى جَائِزًا لَمْ يُقْدَحْ فِي النِّكَاحِ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ وَبِشُرُوطِ يَشْتَرِطُهَا الزَّوْجُ مَعَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا الْخِيَارُ إذَا لَمْ يُوفِ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ.
فَعُلِمَ أَنَّ مَصِيرَهُ جَائِزًا مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ لَا يَقْدَحُ وَإِنْ كَانَ هَذَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ كَمَالِ الطُّمَأْنِينَةِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ.
فَعَزْمُهُ عَلَى الْمِلْكِ بِبَعْضِ الطُّمَأْنِينَةِ.
مِثْلُ هَذَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُقْدِمَةً عَلَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَهَذَا مِنْ لَوَازِمَ النِّكَاحِ فَلَمْ يَعْزِمْ إلَّا عَلَى مَا يَمْلِكُهُ بِمُوجَبِ الْعَقْدِ وَهُوَ كَمَا لَوْ عَزَمَ أَنْ يُطَلِّقَهَا إنْ فَعَلَتْ ذَنْبًا أَوْ إذَا نَقَصَ مَالُهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَعَزْمُهُ عَلَى الطَّلَاقِ إذَا سَافَرَ إلَى أَهْلِهِ أَوْ قَدِمَتْ امْرَأَتُهُ الْغَائِبَةُ أَوْ قَضَى وَطَرَهُ مِنْهَا: مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَزَيْدٌ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ تَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ زَوْجِيَّتِهِ؛ بَلْ مَا زَالَتْ زَوْجَتَهُ حَتَّى طَلَّقَهَا وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجَك﴾ وَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا وَكَتَمَ هَذَا الْإِعْلَامَ عَنْ النَّاسِ فَعَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَى كِتْمَانِهِ فَقَالَ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مِنْ إعْلَامِ اللَّهِ لَك بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: بَلْ الَّذِي أَخْفَاهُ أَنَّهُ إنْ طَلَّقَهَا تَزَوَّجَهَا.
وَبِكُلِّ حَالٍ لَمْ يَكُنْ عَزْمُ زَيْدٍ عَلَى الطَّلَاقِ قَادِحًا فِي النِّكَاحِ فِي الِاسْتِدَامَةِ وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْرِفُ فِيهِ نِزَاعًا.
وَإِذَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ الْعَزْمُ عَلَى طَلَاقِهَا فِي الْحَالِ.
وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ وَقَعَ.
فَإِنَّ قَلْبَ زَيْدٍ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْهَا وَلَمْ تَزَلْ زَوْجَتَهُ إلَى حِينِ تَكَلَّمَ بِطَلَاقِهَا وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلُ بِهِ﴾ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِك.
وَلَا يَلْزَمُ إذَا أَبْطَلَهُ شَرْطُ التَّوْقِيتِ أَنْ تُبْطِلَهُ نِيَّةُ التَّطْلِيقِ فِيمَا بَعْدُ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ الْمُبْطِلَةَ مَا كَانَتْ مُنَاقِضَةً لِمَقْصُودِ الْعَقْدِ وَالطَّلَاقُ بَعْدَ مُدَّةٍ أَمْرٌ جَائِزٌ لَا يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الطَّلَاقِ؛ بِخِلَافِ الْمُحَلِّلِ فَإِنَّهُ لَا رَغْبَةَ لَهُ فِي نِكَاحِهَا أَلْبَتَّةَ بَلْ فِي كَوْنِهَا زَوْجَةَ الْأَوَّلِ وَلَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَحْلِيلٍ لَمْ يُحِلَّهَا هَذَا.
وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الْعِوَضَ فَلَوْ حَصَلَ لَهُ بِدُونِ نِكَاحِهَا لَمْ يَتَزَوَّجْ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ هُنَا وَطْأَهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ: فَهَذَا مِنْ
جِنْسِ الْبَغِيِّ الَّتِي يَقْصِدُ وَطْأَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ بِخِلَافِ الْمُتَزَوِّجِ الَّذِي يَقْصِدُ الْمُقَامَ وَالْأَمْرُ بِيَدِهِ وَلَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَنْ يُطَلِّقَهَا كَمَا شُرِطَ عَلَى الْمُحَلِّلِ.
فَإِنْ قَدَّرَ مَنْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا مُطْلَقًا لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ وَلَا عِدَّةٌ وَلَكِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا أَيَّامًا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا؛ لَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنْ تَعُودَ إلَى الْأَوَّلِ: فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْكَلَامِ؛ وَإِنْ حَصَلَ بِذَلِكَ تَحْلِيلُهَا لِلْأَوَّلِ فَهُوَ لَا يَكُونُ مَحَلًّا إلَّا إذَا قَصَدَهُ أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ شَرْطًا لَفْظِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا.
سَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَصْدُ تَحْلِيلٍ وَلَا شَرْطَ أَصْلًا: فَهَذَا نِكَاحٌ مِنْ الْأَنْكِحَةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ هَذَا " التَّحْلِيلِ " الَّذِي يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ: إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْإِشْهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْحِيَلِ الْمَعْرُوفَةِ: هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلِّدَ مَنْ قَالَ بِهِ هَلْ: يُفَرَّقُ بَيْنَ اعْتِقَادٍ وَاعْتِقَادٍ؟ وَهَلْ الْأَوْلَى إمْسَاكُ الْمَرْأَةِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
التَّحْلِيلُ الَّذِي يَتَوَاطَئُونَ فِيهِ مَعَ الزَّوْجِ - لَفْظًا أَوْ عُرْفًا - عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ الْمَرْأَةَ أَوْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ ذَلِكَ: مُحَرَّمٌ.
لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَاعِلَهُ فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ وَسَمَّاهُ " التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ " وَقَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ . وَكَذَلِكَ مِثْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ: يُصَرِّحُونَ فِيهَا بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ التَّحْلِيلَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُحَلِّلٌ؛ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْعَقْدِ.
وَسَمَّوْهُ " سِفَاحًا ". وَلَا تَحِلُّ لِمُطَلَّقِهَا الْأَوَّلِ بِمِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ وَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْمُحَلِّلِ إمْسَاكُهَا بِهَذَا التَّحْلِيلِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا؛ لَكِنْ إذَا كَانَ قَدْ تَبَيَّنَ بِاجْتِهَادِ أَوْ تَقْلِيدٍ جَوَازُ ذَلِكَ؛ فَتَحَلَّلَتْ وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ: فَالْأَقْوَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا؛ بَلْ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَقَدْ عَفَا اللَّهُ فِي الْمَاضِي عَمَّا سَلَفَ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ إمَامٍ عَدْلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَبَقِيَتْ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى اسْتَحَلَّتْ تَحْلِيلَ أَهْلِ مِصْرَ وَتَزَوَّجَهَا.
فَأَجَابَ:
إذَا تَزَوَّجَهَا الرَّجُلُ بِنِيَّةِ أَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا طَلَّقَهَا لِيُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ أَوْ تَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ شَرَطَاهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ - لَفْظًا أَوْ عُرْفًا: فَهَذَا وَأَنْوَاعُهُ " نِكَاحُ التَّحْلِيلِ " الَّذِي اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى بُطْلَانِهِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ .
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَوْفَتْ الْعِدَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجِ ثَانٍ وَهُوَ " الْمُسْتَحِلُّ ": فَهَلْ الِاسْتِحْلَالُ يَجُوزُ بِحُكْمِ مَا جَرَى لِرُفَاعَةِ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا؟ ثُمَّ إنَّهَا أَتَتْ لِبَيْتِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ طَالِبَةً لِبَعْضِ حَقِّهَا فَغَلَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا ثُمَّ إنَّهَا قَعَدَتْ أَيَّامًا وَخَافَتْ وَادَّعَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ؛ لِكَيْ يَرُدَّهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ فَرَاجَعَهَا إلَى عِصْمَتِهِ بِعَقْدِ شَرْعِيٍّ وَأَقَامَ مَعَهَا أَيَّامًا فَظَهَرَ عَلَيْهَا الْحَمْلُ وَعَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ كَاذِبَةً فِي الْحَيْضِ فَاعْتَزَلَهَا إلَى أَنْ يَهْتَدِيَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.
فَأَجَابَ:
أَمَّا إذَا تَزَوَّجَهَا زَوْجٌ لِيُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا الْمُطَلِّقِ فَهَذَا الْمُحَلِّلُ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ . وَأَمَّا حَدِيثُ رِفَاعَةَ فَذَاكَ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا ثَابِتًا؛ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا لِلْمُطَلِّقِ.
وَإِذَا تَزَوَّجَتْ بِالْمُحَلِّلِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ إذْ غَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ مَوْطُوءَةً فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْهُ.
وَمَا كَانَ يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَطْؤُهَا؛ وَإِذَا وَطِئَهَا فَهُوَ زَانٍ عَاهِرٌ؛ وَنِكَاحُهَا الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثًا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْتَزِلَهَا فَإِذَا جَاءَتْ
بِوَلَدِ أُلْحِقَ بِالْمُحَلِّلِ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي وَطِئَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَلَا يُلْحَقُ الْوَلَدُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهُ انْقَضَتْ وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْ وَطِئَهَا وَهَذَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْفِرَاشِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَلَا يَلْحَقُ بِوَطْئِهِ زِنًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ.
وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ﴾ . لَكِنْ إنْ عَلِمَ الْمُحَلِّلُ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ؛ بَلْ مِنْ هَذَا الْعَاهِرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ فَيُلَاعِنُهَا لِعَانًا يَنْقَطِعُ فِيهِ نَسَبُ الْوَلَدِ.
وَيَلْحَقُ نَسَبُ الْوَلَدِ بِأُمِّهِ.
وَلَا يَلْحَقُ بِالْعَاهِرِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
هَلْ تَصِحُّ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، تَزَوُّجُ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ بِعَبْدِ يَطَؤُهَا ثُمَّ تُبَاحُ الزَّوْجَةُ هِيَ مِنْ صُوَرِ التَّحْلِيلِ وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ .
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ حَنِثَ مِنْ زَوْجَتِهِ فَنَكَحَتْ غَيْرَهُ لِيُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ: فَهَلْ هَذَا النِّكَاحُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ . وَاتَّفَقَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ: مِثْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عفان وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ؛ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَزَالَا زَانِيَيْنِ؛ وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً إذَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا لَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نِكَاحَ إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ؛ لَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ يُخَادِعُ اللَّهَ يَخْدَعْهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِفَاحًا.
وَقَدْ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى كُلُّهُمْ أَنَّهُ إذَا شُرِطَ التَّحْلِيلُ فِي الْعَقْدِ كَانَ بَاطِلًا.
وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَجْعَلْ لِلشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا الْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ تَأْثِيرًا وَجَعَلَ الْعَقْدَ مَعَ ذَلِكَ كَالنِّكَاحِ الْمَعْرُوفِ نِكَاحِ الرَّغْبَةِ.
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْفُتْيَا فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ هَذَا الْعُرْفِ وَاللَّفْظِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ إذَا اسْتَحَلَّتْ بِهِ النِّسَاءُ وَهُوَ دُونُ الْبُلُوغِ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ زَوْجًا وَهُوَ لَا يَدْرِي الْجِمَاعَ؟
فَأَجَابَ:
ثَبَتَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ﴿لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ وَلَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَثَبَتَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ: كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: لَا أوتى بِمُحَلِّلِ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتهمَا.
وَقَالَ عُثْمَانُ: لَا نِكَاحَ إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ لَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ.
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مِائَةَ طَلْقَةٍ؟ فَقَالَ: بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثِ وَسَائِرُهَا اتَّخَذَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا.
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: أَرَأَيْت إنْ تَزَوَّجْتهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ: لِأُحِلَّهَا ثُمَّ أُطَلِّقَهَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ.
وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً؛ إذَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا لَهُ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي " كِتَاب بَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى بُطْلَانِ التَّحْلِيلِ " وَهَذَا لَعَمْرِي إذَا كَانَ الْمُحَلِّلُ كَبِيرًا يَطَؤُهَا وَيَذُوقُ عُسَيْلَتَهَا وَتَذُوقُ عُسَيْلَتَهُ.
فَأَمَّا الْعَبْدُ الَّذِي لَا وَطْءَ فِيهِ أَوْ فِيهِ وَلَا يُعَدُّ وَطْؤُهُ وَطْئًا كَمَنْ لَا يَنْتَشِرُ ذَكَرَهُ: فَهَذَا لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي أَنَّ هَذَا لَا يُحِلُّهَا.
" وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ " مِمَّا يُعَيِّرُ بِهِ النَّصَارَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَقُولُونَ: إنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إذَا طَلَّقَ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَزْنِيَ.
وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَجُمْهُورُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا.
مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
فَصْلٌ:
الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي النِّكَاحِ كَثِيرَةٌ: " كَنِكَاحِ الشِّغَارِ " " وَالْمُحَلِّلِ " " وَالْمُتْعَةِ ". وَمِثْلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلَّا مَهْرَ لَهَا أَوْ عَلَى مَهْرٍ مُحَرَّمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ.
" أَحَدُهَا " أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ.
ثُمَّ هَلْ يَصِحُّ إذًا إمْضَاءُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فِيهِ نِزَاعٌ.
وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِهِ: كَأَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ
" وَالثَّانِي " يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجَمِيعِ؛ وَخَرَّجَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد: كَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمَا قَوْلًا فِي مَذْهَبِهِ؛ حَتَّى فِي النِّكَاحِ الْبَاطِلِ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ يَقُولُونَ بِبُطْلَانِهِ وَزُفَرُ يُصَحِّحُ الْعَقْدَ وَيُلْغِي الْأَصْلَ وَقَدْ خَرَّجَ كِلَاهُمَا قَوْلًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد.
وَهَذَا التَّخْرِيجُ مِنْ نَصِّهِ فِي قَوْلِهِ: إنْ جِئْتِنِي بِالْمَهْرِ إلَى وَقْتِ كَذَا؛ وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَنَا.
فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْهُ فِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: رِوَايَةٌ بِصِحَّتِهِمَا.
وَرِوَايَةٌ بِفَسَادِهِمَا.
وَرِوَايَةٌ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ دُونَ الشَّرْطِ.
وَكَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ تَرُدَّ إلَيْهِ الْمَهْرَ: فَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْلِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ.
و " الْقَوْلُ الثَّالِثُ " فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ: أَنَّهُ يَبْطُلُ نِكَاحُ الشِّغَارِ وَالْمُتْعَةِ وَنِكَاحُ التَّحْلِيلِ الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ وَيَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ الْمَهْرِ الْمُحَرَّمِ وَمَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَد اخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كَالْحَرْبِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَتْبَاعِهِ.
وَهَؤُلَاءِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا صَحَّحُوهُ مِنْ عُقُودِ النِّكَاحِ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَمَا أَبْطَلُوهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا انْتَفَى وَقَعَ النِّكَاحُ؛ وَإِلَّا كَانَ بَاطِلًا: " كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ " وَكَذَلِكَ " نِكَاحُ التَّحْلِيلِ " إذَا قَدَّرَهُ بِالْفِعْلِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكهَا إلَى أَنْ تُحِلَّهَا.
وَأَمَّا إذَا قَالَ: عَلَى أَنَّك إذَا أَحْلَلْتهَا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَكُمَا؛ أَوْ عَلَى أَنَّك تُطَلِّقَهَا إذَا أَحْلَلْتهَا: فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَأَبُو يُوسُفَ يُوَافِقُ الشَّافِعِيَّ عَلَى قَوْلِهِ بِبُطْلَانِهِ.
وَأَمَّا " نِكَاحُ الشِّغَارِ " فَلَهُمْ فِي عِلَّةِ إبْطَالِهِ أَقْوَالٌ: هَلْ الْعِلَّةُ التَّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ؟ أَوْ تَعْلِيقُ أَحَدِ النِّكَاحَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؟ أَوْ كَوْنُ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا مِنْ الْآخَرِ؟ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ بِأَقْلَامِهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا " النِّكَاحُ بِالْمَهْرِ الْفَاسِدِ " و " شَرْطُ نَفْيِ الْمَهْرِ " فَصَحَّحُوهُ مُوَافَقَةً لِأَبِي حَنِيفَةَ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فَيَصِحُّ مَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ.
وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا نِكَاحَ الْمُتْعَةِ أَصْلًا لِمَا يُبْطِلُونَهُ مِنْ الْأَنْكِحَةِ وَنِكَاحَ الْمُفَوَّضَةِ أَصْلًا لِمَا يُصَحِّحُونَهُ وَنِكَاحُ الشِّغَارِ جَعَلُوهُ نَوْعًا آخَرَ وَهَذَا أَصْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي النِّكَاحِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ عَدَمِ تَسْمِيَةِ الْعِوَضِ فَلَا يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ وَلَا مَعَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْجَهْلَ بِالْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ إسْقَاطُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَإِسْقَاطُ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ فَيَكُونُ بَاقِي الثَّمَنِ مَجْهُولًا.
وَقَدْ احْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِالنُّصُوصِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْيِهِ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَار وَعَنْ نِكَاحِ التَّحْلِيلِ كَنَهْيِهِ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالنَّهْيُ عَنْ النِّكَاحِ يَقْتَضِي فَسَادَهُ كَنَهْيِهِ عَنْ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ.
وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَبْطَلُوا هَذِهِ الْعُقُودَ فَفَرَّقُوا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي نِكَاحِ الشِّغَارِ وَجَعَلُوا نِكَاحَ التَّحْلِيلِ سِفَاحًا وَتَوَعَّدُوا الْمُحَلِّلَ بِالرَّجْمِ وَمَنَعُوا مِنْ غَيْرِ نِكَاحِ الرَّغْبَةِ كَمَا ذَكَرْنَا الْآثَارَ الْكَثِيرَةَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي " كِتَابِ إبْطَالِ التَّحْلِيلِ " فَتَبَيَّنَ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَسَادُ هَذِهِ الْأَنْكِحَةِ.
وَلِأَنَّ النِّكَاحَ إذَا قِيلَ بِصِحَّتِهِ وَلُزُومِهِ: فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ مَعَ الشَّرْطِ الْمُحَرَّمِ الْفَاسِدِ وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِهِ مَعَ إبْطَالِ الشَّرْطِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إلْزَامًا لِلْعَاقِدِ بِعَقْدِ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَلَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ بِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ: إمَّا أَنْ يَلْزَمَ بِإِلْزَامِ الشَّارِعِ؛ أَوْ إلْزَامِ الْعَاقِدِ.
فَالْأَوَّلُ كَالْعُقُودِ الَّتِي أَلْزَمَهُ الشَّارِعُ بِهَا؛ كَمَا أَلْزَمَ الشَّارِعُ الْكَافِرَ الْحَرْبِيَّ بِالْإِسْلَامِ وَكَمَا أَلْزَمَ مَنْ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَاجِبَةٌ حَنِثَ فِيهَا بِوَاحِدَةٍ بِالْإِعْتَاقِ وَالصَّوْمِ وَكَمَا أَلْزَمَ مَنْ احْتَاجَ إلَى سِوَى ذَلِكَ.
. . (1) بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
و " الثَّانِي " الْمُقَابَلَةُ.
. . (2) وَكَمَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ دَيْنُ الْمَدِينِ مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَكَمَا يَلْتَزِمُ كُلٌّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ والمتصالحين والمتآجرين بِمَا يَلْتَزِمُهُ لِلْآخَرِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالنِّكَاحُ الْمَشْرُوطُ فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ لَمْ يُلْزِمْ الشَّارِعُ صَاحِبَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ وَلَا هُوَ الْتَزَمَ أَنْ يَعْقِدَهُ مُجَرَّدًا عَنْ الشَّرْطِ.
فَإِلْزَامُهُ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ هُوَ وَلَا أَلْزَمَهُ بِهِ الشَّارِعُ إلْزَامٌ لِلنَّاسِ بِمَا لَمْ يُلْزِمْهُمْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَلِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي النِّكَاحِ أَوْكَدُ مِنْهَا فِي الْبَيْعِ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ﴾ . ثُمَّ الْبَيْعُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فَالنِّكَاحُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْعَاقِدُ إلَّا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
(1، 2) خرم بالأصل
فَإِلْزَامُهُ بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ إلْزَامٌ بِعَقْدِ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَهُوَ خِلَافُ النُّصُوصِ وَالْأُصُولِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُجَوَّزْ أَنْ يُلْزَمَ فِي الْبَيْعِ بِمَا لَمْ يَرْضَ بِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ أَحْمَد كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ: إذَا صَحَّحْنَا الْبَيْعَ دُونَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ - فَلِمُشْتَرِطِ الشَّرْطَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَهُ الْفَسْخُ أَوْ الْمُطَالَبَةُ بِأَرْشِ فَوَاتِهِ؛ كَمَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ الصَّحِيحِ إذَا لَمْ يُوفَ بِهِ؛ لَكِنَّ الشَّرْطَ الصَّحِيحَ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَالْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَإِذَا لَمْ يُوفَ بِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِدُونِهِ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الْفَاسِدُ فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ؛ لَكِنْ لَهُ أَيْضًا الْعَقْدُ بِدُونِهِ وَلَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ صِفَةً فِي الْبَيْعِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ وَكَمَا لَوْ ظَهَرَ بِالْبَيْعِ عَيْبٌ.
فَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ فِي الْبَيْعِ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ: إنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ بَلْ فِي أَنَصِّهِمَا عَنْهُ لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ لَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَالْمُشْتَرِطُ يَنْجَبِرُ ضَرَرُهُ بِتَخْلِيَتِهِ مِنْ الْفَسْخِ كَمَا فِي فَوَاتِ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ مِنْ الْعُيُوبِ.
وَأَمَّا النِّكَاحُ فَالشُّرُوطُ فِيهِ أَلْزَمُ.
وَإِذَا شَرَطَ صِفَةً فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ كَالشَّرْطِ الْأَوْفَى - فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ - مَلَكَ الْفَسْخَ لِفَوَاتِهَا وَكَذَلِكَ لَهُ الْفَسْخُ عِنْدَهُ بِالْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنْ مَقْصُودِ النِّكَاحِ.
. . 1 وَيَمْلِكُ الْفَسْخَ وَأَمَّا التَّحْلِيلُ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَالْمَقْصُودُ فِي الْعُقُودِ عِنْدَهُ مُعْتَبَرٌ وَالْمُتْعَةُ نِكَاحٌ إلَى أَجَلٍ وَالنِّكَاحُ لَا يَتَأَجَّلُ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
" وَالشِّغَارُ " عَلَّلَهُ هُوَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَالْخَلَّالِ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِنَفْيِ الْمَهْرِ وَكَوْنِهِ جَعَلَ أَحَدَ الْبُضْعَيْنِ مَهْرًا لِلْآخَرِ وَهَذَا تَعْلِيلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَعَلَّلَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِتَعْلِيلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
يَبْقَى أَنْ يُقَالَ: فَكَانَ يَنْبَغِي مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ أَنْ يُخَيَّرَ الْعَاقِدُ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ بِدُونِهِ وَبَيْنَ فَسْخِهِ كَمَا فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
قِيلَ: إنْ قُلْنَا إنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِصِيغَةِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّرِيحُ فِيهِ وَهُوَ لَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ - كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَتْبَاعُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد مُوَافَقَةً لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقُلْنَا إنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ الْخِيَارِ دُونَ النِّكَاحِ: ظَهَرَ الْفَرْقُ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُمْكِنُ عَقْدُهُ جَائِزًا بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
وَالْمُصَحِّحُونَ لِنِكَاحِ التَّحْلِيلِ وَالشِّغَارِ أَوْ وَنَحْوِهِمَا قَدْ يَقُولُونَ: مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ نُصَحِّحْهُ؛ فَإِنَّا لَا نُصَحِّحُهُ مَعَ كَوْنِهِ شِغَارًا وَتَحْلِيلًا وَمُتْعَةً وَلَكِنْ نُبْطِلُ شَرْطَ أَصْلِ الْعَقْدِ فِي الْمَهْرِ وَنُبْطِلُ شَرْطَ التَّحْلِيلِ كَذَلِكَ شَرْطُ التَّأْجِيلِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ.
وَيَبْقَى الْعَقْدُ لَازِمًا لَيْسَ فِيهِ شِغَارٌ وَلَا تَحْلِيلٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إنَّهُ يَصِحُّ نِكَاحُ التَّحْلِيلِ وَلَا تَحِلُّ بِهِ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا؛ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ﴾ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يُصَحِّحُونَهُ مَعَ إبْطَالِ شَرْطِ التَّحْلِيلِ فَيَكُونُ نِكَاحًا لَازِمًا وَلَا يُحِلُّونَهَا
لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُحِلَّتْ لِلْأَوَّلِ قُصِدَ بِذَلِكَ تَحْلِيلُهَا لِلْأَوَّلِ فَإِذَا لَمْ تَحِلَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّحْلِيلَ لِلْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ نِكَاحَ تَحْلِيلٍ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَنْكِحُ أَحَدٌ الْمَرْأَةَ إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ؛ لَا نِكَاحَ تَحْلِيلٍ وَلَوْ نَكَحَهَا بِنِيَّةِ التَّحْلِيلِ أَوْ شَرَطَهُ ثُمَّ قَصَدَ الرَّغْبَةَ هِيَ وَهُوَ وَأَسْقَطَا شَرْطُ التَّحْلِيلِ: فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ أَمْ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ؟ فِيهِ نِزَاعٌ.
وَهُوَ يُشْبِهُ إسْقَاطَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ فِي الْبَيْعِ: هَلْ يَصِحُّ مَعَهُ أَمْ لَا وَهُوَ قَصْدٌ.
وَمِثْلُهُ إذَا عَقَدَ الْعَقْدَ بِدُونِ إذْنِ مَنْ اشْتَرَطَ إذْنَهُ: هَلْ يَقَعُ بَاطِلًا أَوْ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد " أَحَدُهُمَا " أَنَّهُ يَقَعُ بَاطِلًا وَلَا يُوقَفُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
" الثَّانِي " أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فَإِذَا عَقَدَ الْعَقْدَ بِنِيَّةِ فَاسِدَةٍ أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ فَقَدْ يَقُولُ: إنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَقْفِ؛ فَمَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ وَقَفَهُ عَلَى إزَالَةِ الْمُفْسِدِ وَمَنْ لَا فَلَا.
فَزَوَالُ الْمَانِعِ كَوُجُودِ الْمُقْتَضِي.
وَإِذَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى حُصُولِ بَعْضِ شُرُوطِهِ فَهُوَ كَالْوَقْفِ عَلَى زَوَالِ بَعْضِ مَوَانِعِهِ.
. . 1 .
إذْ جَعَلْتُمُوهُ زَوْجًا مُطَلِّقًا يَلْزَمُهَا نِكَاحُهُ فَقَدْ أَلْزَمْتُمُوهَا بِنِكَاحِ لَمْ تَرْضَ بِهِ وَهَذَا خِلَافُ الْأُصُولِ وَالنُّصُوصِ وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْأَمْرَ إلَيْهَا فَإِنْ رَضِيَتْ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ كَانَ زَوْجًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ.
وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا: كَالنِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ عَلَى إجَازَتِهَا وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
عَلَى مَهْرٍ لَمْ يَسْلَمْ لَهَا؛ لِتَحْرِيمِهِ أَوْ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تَرْضَى بِهِ زَوْجًا بِمَهْرِ آخَرَ كَانَ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تُفَارِقَهُ فَلَهَا ذَلِكَ؛ وَلَيْسَ قَبْلَ رِضَاهَا نِكَاحٌ لَازِمٌ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَشُرِطَ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّكَاحِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُلُهَا مِنْ مَنْزِلِهَا.
وَكَانَتْ لَهَا ابْنَةٌ فَشُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمِّهَا وَعِنْدَهُ مَا تُزَالُ فَدَخَلَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ: فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ؟ وَإِذَا أَخْلَفَ هَذَا الشَّرْطَ؟ فَهَلْ لِلزَّوْجَةِ الْفَسْخُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ تَصِحُّ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا فِي: مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ: كَعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَمْرِو بْنِ العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وشريح الْقَاضِي وَالْأَوْزَاعِي وَإِسْحَاقَ وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي هَذَا الْوَقْتِ صَدَاقَاتُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ الْقَدِيمَةِ لَمَّا كَانُوا عَلَى مَذْهَبِ الأوزاعي فِيهَا هَذِهِ الشُّرُوطُ.
وَمَذْهَبُ مَالِك إذَا شُرِطَ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ تَسَرَّى أَنْ يَكُونَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ: صَحَّ هَذَا الشَّرْطُ أَيْضًا وَمَلَكَتْ الْفُرْقَةُ بِهِ وَهُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ مَذْهَبِ أَحْمَد فِي ذَلِكَ؛ لِمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ﴾ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ