الْحَدِيثُ الْأَرْبَعُونَ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَالثَّانِي: لَا تَطْهُرُ.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلِهَذَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمَدْبُوغِ فِي الْمَاءِ دُونَ الْمَائِعَاتِ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ بِذَلِكَ وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد أَيْضًا اخْتَارَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى هِيَ آخِرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ كَمَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَد بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عكيم ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بِآخِرَةٍ.
وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: هِيَ مِنْ الْمَيْتَةِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي الدِّبَاغِ شَيْءٌ وَلِهَذَا لَمْ يَرْوِ الْبُخَارِيُّ ذِكْرَ الدِّبَاغِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَطَعَنَ هَؤُلَاءِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ إذْ كَانُوا أَئِمَّةً لَهُمْ فِي الْحَدِيثِ اجْتِهَادٌ.
وَقَالُوا: رَوَى ابْنُ عُيَيْنَة الدِّبَاغَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَالزُّهْرِيُّ كَانَ يُجَوِّزُ اسْتِعْمَالَ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِلَا دِبَاغٍ وَذَلِكَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ ذِكْرُ الدِّبَاغِ وَتَكَلَّمُوا فِي ابْنِ وَعْلَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا: أَحَادِيثُ الدِّبَاغِ مَنْسُوخَةٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عكيم وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ: ﴿كُنْت رَخَّصْت فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابِ وَلَا عَصَبٍ﴾ . فَكِلَا هَاتَيْنِ الْحُجَّتَيْنِ مَأْثُورَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد نَفْسِهِ فِي جَوَابِهِ وَمُنَاظَرَاتِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى الْمَشْهُورَةِ.
وَقَدْ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالدِّبَاغِ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِشَاةِ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيِّتَةٌ.
قَالَ: إنَّمَا حُرِّمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا﴾ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: ﴿أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ﴾ . وَعَنْ ﴿سَوْدَةَ بِنْتِ زمعة زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مِسْكَهَا فَمَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا﴾ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ﴾ . قُلْت: وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ ﴿عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ: إنَّا نَكُونُ بِالْمَغْرِبِ وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ نُؤْتَى بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ وَنُؤْتَى بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الدَّلُوكَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: دِبَاغُهُ طَهُورُهُ﴾ . وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ﴾ . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالنِّسَائِيّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ﴿سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ؟ فَقَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا﴾ . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَالنَّسَائِي.
وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِبَيْتِ بِفِنَائِهِ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَاسْتَقَى فَقِيلَ: إنَّهَا
مَيْتَةٌ فَقَالَ: ذَكَاةُ الْأَدِيمِ دِبَاغُهُ} . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي.
وَأَمَّا حَدِيثُ بْنِ عكيم فَقَدْ طَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ بِكَوْنِ حَامِلِهِ مَجْهُولًا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسُوغُ رَدُّ الْحَدِيثِ بِهِ.
قَالَ ﴿عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عكيم: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرِ أَوْ شَهْرَيْنِ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابِ وَلَا عَصَبٍ﴾ . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد.
وَقَالَ: مَا أَصْلَحَ إسْنَادَهُ.
وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَالنَّسَائِي وَالتِّرْمِذِي.
وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ لِلْجِلْدِ قَبْلَ الدِّبَاغِ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ شميل وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَأَمَّا بَعْدَ الدَّبْغِ فَإِنَّمَا هُوَ أَدِيمٌ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ.
فَقَالَ الْمَانِعُونَ: هَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ: ﴿كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي أَرْضِ جُهَيْنَةَ إنِّي كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابِ وَلَا عَصَبٍ﴾ . رَوَاهُ الطَّبَرَانِي فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ فَضَالَةَ بْنِ مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ الْمِصْرِيِّ.
وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيَّ لَكِنْ هُوَ شَدِيدٌ فِي التَّزْكِيَةِ.
وَإِذَا كَانَ النَّهْيُ بَعْدَ الرُّخْصَةِ فَالرُّخْصَةُ إنَّمَا كَانَتْ فِي الْمَدْبُوغِ.
وَتَحْقِيقُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عكيم لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَدْبُوغِ.
وَأَمَّا الرُّخْصَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا كَانَتْ لِلْمَدْبُوغِ
وَغَيْرِهِ وَلِهَذَا ذَهَبَ طَائِفَةٌ - مِنْهُمْ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ - إلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ الْمُطْلَقِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّمَا حُرِّمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا﴾ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ ثُمَّ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْجِلْدَ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ عَنْ ﴿ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زمعة فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك وَسَلَّمَ مَاتَتْ فُلَانَةُ.
تَعْنِي: الشَّاةَ.
فَقَالَ: فَلَوْلَا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا فَقَالَتْ: آخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَالَ: {لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ إنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهَا فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا فَدَبَغَتْهُ فَاِتَّخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا} . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْجِلْدَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الدِّبَاغَ لِإِبْقَاءِ الْجِلْدِ وَحِفْظِهِ لَا لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي الْحِلِّ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ لِجُهَيْنَةَ فِي هَذَا وَالنَّسْخُ عَنْ هَذَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ فِي سُورَتَيْنِ مَكِّيَّتَيْنِ: الْأَنْعَامِ وَالنَّحْلِ.
ثُمَّ فِي سُورَتَيْنِ مَدَنِيَّتَيْنِ: الْبَقَرَةِ وَالْمَائِدَةِ وَالْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا كَمَا رُوِيَ ﴿الْمَائِدَةُ آخِرُ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا﴾ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهَا مِنْ التَّحْرِيمِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي غَيْرِهَا وَحَرَّمَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْيَاءَ مِثْلَ: أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ.
وَإِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا فِي السُّورَةِ الْمَكِّيَّةِ الَّتِي اسْتَنَدَتْ إلَيْهَا الرُّخْصَةُ الْمُطْلَقَةُ: فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُ الِانْتِفَاعِ بِالْعَصَبِ وَالْإِهَابِ قَبْلَ الدِّبَاغِ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَأَمَّا بَعْدَ الدِّبَاغِ فَلَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ قَطُّ بَلْ بَيَّنَ أَنَّ دِبَاغَهُ طَهُورُهُ وَذَكَاتُهُ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِدُونِ الدِّبَاغِ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلِلنَّاسِ فِيمَا يُطَهِّرُهُ الدِّبَاغُ أَقْوَالٌ: قِيلَ: إنَّهُ يُطَهِّرُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْحَمِيرَ.
كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ودَاوُد.
وَقِيلَ: يُطَهِّرُ كُلَّ شَيْءٍ سِوَى الْحَمِيرِ.
كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: يُطَهِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْكَلْبَ وَالْحَمِيرَ.
كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد عَلَى الْقَوْلِ بِتَطْهِيرِ الدِّبَاغِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِي مَذْهَبِهِ - وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ - أَنَّهُ إنَّمَا يُطَهِّرُ مَا يُبَاحُ بِالذَّكَاةِ فَلَا يُطَهِّرُ جُلُودَ السِّبَاعِ.
وَمَأْخَذُ التَّرَدُّدِ: أَنَّ الدِّبَاغَ هَلْ هُوَ كَالْحَيَاةِ فَيُطَهِّرُ مَا كَانَ طَاهِرًا.
فِي الْحَيَاةِ أَوْ هُوَ كَالذَّكَاةِ فَيُطَهِّرُ مَا طَهُرَ بِالذَّكَاةِ؟ وَالثَّانِي أَرْجَحُ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ: نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ كَمَا رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الذهلي أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ﴾ . رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي.
زَادَ التِّرْمِذِيُّ " أَنْ تُفْرَشَ ". وَعَنْ خَالِدِ بْنِ معدان قَالَ: ﴿وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كرب عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: أَنْشُدُك بِاَللَّهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ﴾ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي.
وَهَذَا لَفْظُهُ.
وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ ﴿نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ﴾ . رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ﴾ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي هَذَا الْقَوْلِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَنْ عِظَامِ الْمَيْتَةِ وَحَافِرِهَا؛ وَقَرْنِهَا؛ وَظُفْرِهَا؛ وَشَعْرِهَا؛ وَرِيشِهَا؛ وَإِنْفَحَتِهَا: هَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ نَجِسٌ أَمْ طَاهِرٌ أَمْ الْبَعْضُ مِنْهُ طَاهِرٌ وَالْبَعْضُ نَجِسٌ؟
فَأَجَابَ: أَمَّا عَظْمُ الْمَيْتَةِ وَقَرْنُهَا؛ وَظُفْرُهَا؛ وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ
ذَلِكَ كَالْحَافِرِ وَنَحْوِهِ وَشَعْرِهَا وَرِيشِهَا؛ وَوَبَرِهَا: فَفِي هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: نَجَاسَةُ الْجَمِيعِ.
كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ؛ وَذَلِكَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَد.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِظَامَ وَنَحْوَهَا نَجِسَةٌ وَالشُّعُورَ وَنَحْوَهَا طَاهِرَةٌ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجَمِيعَ طَاهِرٌ.
كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الطَّهَارَةُ؛ وَلَا دَلِيلَ عَلَى النَّجَاسَةِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ هِيَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَيْسَتْ مِنْ الْخَبَائِثِ فَتَدْخُلُ فِي آيَةِ التَّحْلِيلِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَهَذِهِ الْأَعْيَانُ لَا تَدْخُلُ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى: أَمَّا اللَّفْظُ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الشُّعُورُ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَيِّتَ ضِدُّ الْحَيِّ وَالْحَيَاةُ نَوْعَانِ:
حَيَاةُ الْحَيَوَانِ وَحَيَاةُ النَّبَاتِ فَحَيَاةُ الْحَيَوَانِ خَاصَّتُهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ وَحَيَاةُ النَّبَاتِ خَاصَّتُهَا النُّمُوُّ وَالِاغْتِذَاءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إنَّمَا هُوَ بِمَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ دُونَ النَّبَاتِيَّةِ؛ فَإِنَّ الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ إذَا يَبِسَ لَمْ يَنْجُسْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وَقَالَ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فَمَوْتُ الْأَرْضِ لَا يُوجِبُ نَجَاسَتَهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا الْمَيْتَةُ الْمُحَرَّمَةُ: مَا فَارَقَهَا الْحِسُّ وَالْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالشَّعْرُ حَيَاتُهُ مَنْ جِنْسِ حَيَاةِ النَّبَاتِ؛ لَا مِنْ جِنْسِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّهُ يَنْمُو وَيَغْتَذِي وَيَطُولُ كَالزَّرْعِ وَلَيْسَ فِيهِ حِسٌّ وَلَا يَتَحَرَّكُ بِإِرَادَتِهِ فَلَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ حَتَّى يَمُوتَ بِمُفَارَقَتِهَا فَلَا وَجْهَ لِتَنْجِيسِهِ.
وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ الشَّعْرُ جُزْءًا مِنْ الْحَيَوَانِ لَمَا أُبِيحَ أَخْذُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ يُحِبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ وَأَلْيَاتِ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ مَا أُبِينَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ﴾ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الشَّعْرِ حُكْمَ السَّنَامِ وَالْأَلْيَةِ لَمَا جَازَ قَطْعُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَا كَانَ طَاهِرًا حَلَالًا.
فَلَمَّا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ وَالصُّوفَ إذَا جُزَّ مِنْ الْحَيَوَانِ كَانَ طَاهِرًا حَلَالًا: عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ اللَّحْمِ.
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى شَعْرَهُ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنْجِي وَيَسْتَجْمِرُ﴾ . فَمَنْ سَوَّى بَيْنَ الشَّعْرِ وَالْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً بَيِّنًا.
وَأَمَّا الْعِظَامُ وَنَحْوُهَا: فَإِذَا قِيلَ: إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْتَةِ لِأَنَّهَا تُحِسُّ وَتَأْلَمُ.
قِيلَ لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ: أَنْتُمْ لَمْ تَأْخُذُوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ لَا يُنَجِّسُ عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مَعَ أَنَّهَا مَيِّتَةٌ مَوْتًا حَيَوَانِيًّا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ﴾ . وَمَنْ نَجَّسَ هَذَا قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: إنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَاتِ الْوَاقِعَ فِيهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: عُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ إنَّمَا هُوَ احْتِبَاسُ الدَّمِ فِيهَا فَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ فَإِذَا مَاتَ لَمْ يَحْتَبِسْ فِيهِ الدَّمُ؛ فَلَا يُنَجِّسُ.
فَالْعَظْمُ وَنَحْوُهُ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّنْجِيسِ مِنْ هَذَا؛ فَإِنَّ الْعَظْمَ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ وَلَا كَانَ مُتَحَرِّكًا بِالْإِرَادَةِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ.
فَإِذَا كَانَ الْحَيَوَانُ الْكَامِلُ الْحَسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِالْإِرَادَةِ لَا يُنَجِّسُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ: فَكَيْفَ يُنَجِّسُ الْعَظْمُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ دَمٌ سَائِلٌ؟
وَمِمَّا يُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا الدَّمَ الْمَسْفُوحَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَإِذَا عُفِيَ عَنْ الدَّمِ غَيْرِ الْمَسْفُوحِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الدَّمِ: عُلِمَ أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - فَرَّقَ بَيْنَ الدَّمِ الَّذِي يَسِيلُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَضَعُونَ اللَّحْمَ فِي الْمَرَقِ وَخُطُوطُ الدَّمِ فِي الْقُدُورِ بَيِّنٌ وَيَأْكُلُونَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ وَلَوْلَا هَذَا لَاسْتَخْرَجُوا الدَّمَ مِنْ الْعُرُوقِ كَمَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ وَاَللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِسَبَبِ غَيْرِ جَارِحٍ مُحَدَّدٍ فَحَرَّمَ الْمُنْخَنِقَةَ وَالْمَوْقُوذَةَ وَالْمُتَرَدِّيَةَ وَالنَّطِيحَةَ ﴿وَحَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا صِيدَ بِعَرْضِ الْمِعْرَاضِ وَقَالَ: إنَّهُ وَقِيذٌ﴾ دُونَ مَا صِيدَ بِحَدِّهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ سَفْحُ الدَّمِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ هُوَ احْتِقَانُ الدَّمِ وَاحْتِبَاسُهُ وَإِذَا سُفِحَ بِوَجْهِ خَبِيثٍ بِأَنْ يُذْكَرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ كَانَ الْخُبْثُ هُنَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ التَّحْرِيمَ يَكُونُ تَارَةً لِوُجُودِ الدَّمِ وَتَارَةً لِفَسَادِ التَّذْكِيَةِ كَذَكَاةِ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَالذَّكَاةِ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْعَظْمُ وَالْقَرْنُ وَالظُّفْرُ وَالظِّلْفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ مَسْفُوحٌ فَلَا وَجْهَ لِتَنْجِيسِهِ وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ قَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَ خِيَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَمْتَشِطُونَ بِأَمْشَاطِ مِنْ عِظَامِ الْفِيلِ وَقَدْ
رُوِيَ فِي الْعَاجِ حَدِيثٌ مَعْرُوفٌ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ؛ فَإِنَّا لَا نَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ﴿النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ قَالُوا: إنَّهَا مَيِّتَةٌ؟ قَالَ: إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا﴾ . وَلَيْسَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ذِكْرُ الدِّبَاغِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَامَّةُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ وَلَكِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَقَدْ طَعَنَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي ذَلِكَ وَأَشَارَ إلَى غَلَطِ ابْنِ عُيَيْنَة فِيهِ وَذَكَرَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ وَغَيْرَهُ كَانُوا يُبِيحُونَ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ بِلَا دِبَاغٍ لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَحِينَئِذٍ فَهَذَا النَّصُّ يَقْتَضِي جَوَازَ الِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدَّبْغِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَكِنْ إذَا قِيلَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ الِانْتِفَاعَ بِالْجُلُودِ حَتَّى تُدْبَغَ أَوْ قِيلَ: إنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ: لَمْ يَلْزَمْ تَحْرِيمُ الْعِظَامِ وَنَحْوُهَا لِأَنَّ الْجِلْدَ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ فِيهِ الدَّمُ كَمَا فِي سَائِرِ أَجْزَائِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ دِبَاغَهُ ذَكَاتَهُ؛ لِأَنَّ الدِّبَاغَ يُنَشِّفُ رُطُوبَاتِهِ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ هُوَ الرُّطُوبَاتُ وَالْعَظْمُ لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَةٌ سَائِلَةٌ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَجِفُّ وَيَيْبَسُ وَهُوَ يَبْقَى وَيُحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْ الْجِلْدِ فَهُوَ أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْجِلْدِ.
وَالْعُلَمَاءُ تَنَازَعُوا فِي الدِّبَاغِ: هَلْ يَطْهُرُ؟
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا: أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ: أَنَّهُ يَطْهُرُ.
وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ رَجَعَ أَحْمَد كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَد بْنِ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عكيم يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابِ أَوْ عَصَبٍ﴾ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَذِنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَيَكُونُ قَدْ أَرْخَصَ فَإِنَّ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ الصَّحِيحَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَخَّصَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ فَيَكُونُ قَدْ أَرْخَصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا نَهَى عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ لِمَا لَمْ يُدْبَغْ وَلِهَذَا قَرَنَ مَعَهُ الْعَصَبَ وَالْعَصَبُ لَا يُدْبَغُ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ.
كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ.
كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد.
وَعَلَى هَذَا النِّزَاعِ انْبَنَى نِزَاعُهُمْ فِي جُبْنِ الْمَجُوسِ فَإِنَّ ذَبَائِحَ الْمَجُوسِ حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَإِذَا صَنَعُوا جُبْنًا - وَالْجُبْنُ يُصْنَعُ بِالْإِنْفَحَةِ - كَانَ فِيهِ هَذَانِ الْقَوْلَانِ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ جُبْنَهُمْ حَلَالٌ وَأَنَّ إنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ وَلَبَنَهَا طَاهِرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا فَتَحُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ أَكَلُوا جُبْنَ الْمَجُوسِ وَكَانَ هَذَا ظَاهِرًا شَائِعًا بَيْنَهُمْ وَمَا يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنْ كَرَاهَةِ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِ الْحِجَازِيِّينَ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَعْلَمَ بِهَذَا فَإِنَّ الْمَجُوسَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا بِأَرْضِ الْحِجَازِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ كَانَ هُوَ نَائِبَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى الْمَدَائِنِ وَكَانَ يَدْعُو الْفُرْسَ إلَى الْإِسْلَامِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ؟ فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عفى عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ السُّؤَالُ عَنْ جُبْنِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ
بَيِّنٌ وَإِنَّمَا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَلْمَانَ كَانَ يُفْتِي بِحِلِّهَا وَإِذَا كَانَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْقَطَعَ النِّزَاعُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَيْضًا فَاللَّبَنُ وَالْإِنْفَحَةُ لَمْ يَمُوتَا وَإِنَّمَا نَجَّسَهُمَا مَنْ نَجَّسَهُمَا لِكَوْنِهِمَا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ مَائِعًا فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَالتَّنْجِيسُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَائِعَ لَاقَى وِعَاءً نَجِسًا وَعَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ نَجِسًا.
فَيُقَالُ أَوَّلًا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَائِعَ يَنْجُسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَى طَهَارَتِهِ لَا عَلَى نَجَاسَتِهِ.
وَيُقَالُ ثَانِيًا: إنَّ الْمُلَاقَاةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ وَلِهَذَا يَجُوزُ حَمْلُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مَا فِي بَطْنِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ الِاسْتِنْجَاءُ
سُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَّنْ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿غَرِّبُوا وَلَا تُشَرِّقُوا﴾ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ﴿شَرِّقُوا وَلَا تُغَرِّبُوا﴾ ؟ .
فَأَجَابَ: الْحَدِيثَانِ كَذِبٌ وَلَكِنْ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطِ وَلَا بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا﴾ . وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ﴾ وَهَذَا خِطَابٌ مِنْهُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ كَأَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ وَأَمَّا مِصْرُ فَقِبْلَتُهُمْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْجَنُوبِ مِنْ مَطْلِعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ عَنْ:
الِاسْتِنْجَاءِ هَلْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ وَيَمْشِيَ وَيَتَنَحْنَحَ وَيَسْتَجْمِرَ بِالْأَحْجَارِ وَغَيْرِهَا بَعْدَ كُلِّ قَلِيلٍ فِي ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ: فَهَلْ فَعَلَ هَذَا السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
أَوْ هُوَ بِدْعَةٌ أَوْ هُوَ مُبَاحٌ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، التَّنَحْنُحُ بَعْدَ الْبَوْلِ وَالْمَشْيُ وَالطَّفْرُ إلَى فَوْقٍ وَالصُّعُودُ فِي السُّلَّمِ وَالتَّعَلُّقُ فِي الْحَبْلِ وَتَفْتِيشُ الذَّكَرِ بِإِسَالَتِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ: كُلُّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ وَكَذَلِكَ نَتْرُ الذَّكَرِ بِدْعَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ سَلْتُ الْبَوْلِ بِدْعَةٌ لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَالْبَوْلُ يَخْرُجُ بِطَبْعِهِ وَإِذَا فَرَغَ انْقَطَعَ بِطَبْعِهِ وَهُوَ كَمَا قِيلَ: كَالضَّرْعِ إنْ تَرَكْته قَرَّ وَإِنْ حَلَبْته دَرَّ.
وَكُلَّمَا فَتَحَ الْإِنْسَانُ ذَكَرَهُ فَقَدْ يَخْرُجُ مِنْهُ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ.
وَقَدْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ وَسْوَاسٌ وَقَدْ يُحِسُّ مَنْ يَجِدُهُ بَرْدًا لِمُلَاقَاةِ رَأْسِ الذَّكَرِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَخْرُجْ.
وَالْبَوْلُ يَكُونُ وَاقِفًا مَحْبُوسًا فِي رَأْسِ الْإِحْلِيلِ لَا يَقْطُرُ فَإِذَا عَصَرَ الذَّكَرَ أَوْ الْفَرْجَ أَوْ الثُّقْبَ بِحَجَرِ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ خَرَجَتْ الرُّطُوبَةُ فَهَذَا أَيْضًا بِدْعَةٌ وَذَلِكَ الْبَوْلُ الْوَاقِفُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لَا بِحَجَرِ وَلَا أُصْبُعٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ بَلْ كُلَّمَا أَخْرَجَهُ جَاءَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَرْشَحُ دَائِمًا.
وَالِاسْتِجْمَارُ بِالْحَجَرِ كَافٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِ الذَّكَرِ بِالْمَاءِ وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ اسْتَنْجَى أَنْ يَنْضَحَ عَلَى فَرْجِهِ مَاءً فَإِذَا أَحَسَّ بِرُطُوبَتِهِ قَالَ: هَذَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ - وَهُوَ أَنْ يَجْرِيَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَا يَنْقَطِعُ - فَهَذَا يَتَّخِذُ حِفَاظًا يَمْنَعُهُ فَإِنْ كَانَ الْبَوْلُ يَنْقَطِعُ مِقْدَارَ مَا يَتَطَهَّرُ وَيُصَلِّي وَإِلَّا صَلَّى وَإِنْ جَرَى الْبَوْلُ - كَالْمُسْتَحَاضَةِ - تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ السِّوَاكُ
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ السِّوَاكِ، هَلْ هُوَ بِالْيَدِ الْيُسْرَى أَوْلَى مِنْهُ بِالْيَدِ الْيُمْنَى أَوْ بِالْعَكْسِ؟ وَهَلْ يَسُوغُ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ يَسْتَاكُ بِالْيُسْرَى؟ وَأَيُّمَا أَفْضَلُ؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْأَفْضَلُ أَنْ يُسْتَاكَ بِالْيُسْرَى؛ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ الْكَوْسَجِ ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي مَسَائِلِهِ وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ خَالَفَ فِي ذَلِكَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِيَاكَ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى فَهُوَ كَالِاسْتِنْثَارِ وَالِامْتِخَاطِ؛ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إزَالَةُ الْأَذَى وَذَلِكَ بِالْيُسْرَى كَمَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَاتِ كَالِاسْتِجْمَارِ وَنَحْوِهِ بِالْيُسْرَى وَإِزَالَةُ الْأَذَى وَاجِبُهَا وَمُسْتَحَبُّهَا بِالْيُسْرَى.
وَالْأَفْعَالُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْعُضْوَيْنِ.
وَالثَّانِي: مُخْتَصٌّ بِأَحَدِهِمَا.
وَقَدْ اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي تَشْتَرِكُ فِيهَا
الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى: تُقَدَّمُ فِيهَا الْيُمْنَى إذَا كَانَتْ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ؛ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالِابْتِدَاءِ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي السِّوَاكِ؛ وَنَتْفِ الْإِبِطِ؛ وَكَاللِّبَاسِ؛ وَالِانْتِعَالِ وَالتَّرَجُّلِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْمَنْزِلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَتُقَدَّمُ الْيُسْرَى فِي ضِدِّ ذَلِكَ كَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَخَلْعِ النَّعْلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا: إنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ كَانَ بِالْيَمِينِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُصَافَحَةِ؛ وَمُنَاوَلَةِ الْكُتُبِ وَتَنَاوُلِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ ضِدَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْيُسْرَى كَالِاسْتِجْمَارِ وَمَسِّ الذَّكَرِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَالِامْتِخَاطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: السِّوَاكُ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ تُشْرَعُ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَسَخٌ وَمَا كَانَ عِبَادَةً مَقْصُودَةً كَانَ بِالْيَمِينِ.
قِيلَ: كُلٌّ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ الِاسْتِيَاكَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ مَا فِي دَاخِلِ الْفَمِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ؛ وَلِهَذَا شُرِعَ عِنْدَ الْأَسْبَابِ الْمُغَيِّرَةِ لَهُ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَعِنْدَ الْعِبَادَةِ الَّتِي يُشْرَعُ لَهَا تَطْهِيرٌ كَالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَلَمَّا كَانَ الْفَمُ فِي مَظِنَّةِ التَّغَيُّرِ شُرِعَ عِنْدَ
الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ كَمَا شُرِعَ غَسْلُ الْيَدِ لِلْمُتَوَضِّئِ قَبْلَ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّهَا آلَةٌ لِصَبِّ الْمَاءِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ نَظَافَتُهَا: هَلْ يُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ.
وَمَنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ - كَالْمَعْرُوفِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد - يُسْتَحَبُّ عَلَى النَّادِرِ بَلْ الْغَالِبِ وَإِزَالَةِ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ.
وَقَدْ يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي السِّوَاكِ إذَا قِيلَ بِاسْتِحْبَابِهِ مَعَ نَظَافَةِ الْفَمِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ غَسْلَ الْيَدِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ الْمَقْصُودُ بِهَا النَّظَافَةُ فَهَذَا تَوْجِيهُ الْمَنْعِ لِلْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ بِالْيُمْنَى؟ وَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا بَلْ قَدْ يُقَالُ: الْعِبَادَاتُ تُفْعَلُ بِمَا يُنَاسِبُهَا وَيُقَدَّمُ فِيهَا مَا يُنَاسِبُهَا.
ثُمَّ قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ: إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ لَا تُعْقَلُ عِلَّتُهُ: فَلَيْسَ هَذَا بِصَوَابِ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ مَعْقُولٌ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ رَمْيِ الْجِمَارِ.
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ كَالطَّهَارَةِ وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ مَعَ تَيَقُّنِ النَّظَافَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَهَذَا الْوَصْفُ إذَا سَلِمَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ كَوْنَهَا بِالْيُمْنَى إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّ كَوْنَهَا مَنَوِيَّةً أَوْ مَشْرُوعَةً مَعَ تَيَقُّنِ النَّظَافَةِ
لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ تَخْتَصُّ بِهَا الْيُمْنَى بَلْ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا مَعَ هَذَا الْوَصْفِ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ مِنْ أَجْلِ الْعِبَادَاتِ الْمَقْصُودَةِ؟ وَيُسْتَحَبُّ الْقُرْبُ فِيهِ مِنْ الْبَيْتِ؛ وَمَعَ هَذَا فَالْجَانِبُ الْأَيْسَرُ فِيهِ أَقْرَبُ إلَى الْبَيْتِ لِكَوْنِ الْحَرَكَةِ الدَّوْرِيَّةِ تَعْتَمِدُ فِيهَا الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَامُ فِي ذَلِكَ لِلْخَارِجِ جُعِلَ لِلْيَمِينِ وَلَمْ يُنْقَلْ إذَا كَانَتْ مَقْصُودَةً فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْيُمْنَى فِيهَا إلَى الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ إكْرَامَ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْخَارِجَةَ.
وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْثَارُ جَعْلُهُ بِالْيُسْرَى إكْرَامٌ لِلْيَمِينِ وَصِيَانَةٌ لَهَا وَكَذَلِكَ السِّوَاكُ.
ثُمَّ إذَا قِيلَ: هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْأَذَى وَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ مَشْرُوعٌ فِيهِ الْعُدُولُ عَنْ الْيُمْنَى إلَى الْيُسْرَى أَعْظَمُ فِي إكْرَامِ الْيَمِينِ بِدُونِ ذَلِكَ: لَمْ يُمْنَعْ أَنْ يَكُونَ إزَالَةُ الْأَذَى فِيهِ ثَابِتَةً مَقْصُودَةً كَالِاسْتِجْمَارِ بِالثَّلَاثِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهُ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْحَجَرَ الثَّالِثَ مَعَ حُصُولِ الْإِنْقَاءِ بِمَا دُونَهُ.
وَكَذَلِكَ التَّثْلِيثُ وَالتَّسْبِيعُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ حَيْثُ وَجَبَ وَعِنْدَ مَنْ يُوجِبُهُ يَأْمُرُ بِهِ وَإِنْ حَصَلَتْ الْإِزَالَةُ بِمَا دُونَهُ.
وَكَذَلِكَ التَّثْلِيثُ فِي الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ تَنَظَّفَ الْعُضْوُ بِمَا دُونَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ مَقْصُودَةٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَالْحَجَرِ.
فَكَذَلِكَ إمَاطَةُ الْأَذَى مِنْ الْفَمِ مَقْصُودَةٌ بِالسِّوَاكِ قَطْعًا وَإِنْ شُرِعَ مَعَ عَدَمِهِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ؛ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ بِالْيُسْرَى كَمَا أَنَّ الْحَجَرَ الثَّالِثَ فِي الِاسْتِجْمَارِ يَكُونُ بِالْيُسْرَى وَالْمَرَّةَ السَّابِعَةَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ تَكُونُ بِالْيُسْرَى وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ فِي الْأَصْلِ إزَالَةَ الْأَذَى وَإِنْ قِيلَ: يُشْرَعُ مَعَ عَدَمِهِ تَكْمِيلًا لِلْمَقْصُودِ بِهِ وَإِزَالَةً لِلشَّكِّ بِالْيَقِينِ إلْحَاقًا لِلنَّادِرِ بِالْغَالِبِ؛ وَلِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ قَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً فَعُلِّقَ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْمَظِنَّةِ إذْ زَوَالُ الْأَذَى بِالْكُلِّيَّةِ قَدْ يَظُنُّهُ الظَّانُّ مِنْ غَيْرِ تَيَقُّنٍ وَيَعْسُرُ الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ فَأُقِيمَتْ الْمَظِنَّةُ فِيهِ مَقَامَ الْحِكْمَةِ فَجُعِلَ مَشْرُوعًا لِلْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ مَعَ عَدَمِ النَّظَرِ إلَى التَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ حُصُولُ التَّغَيُّرِ.
فَهَذَا إذَا قِيلَ بِهِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَذَلِكَ لَا يُخْرِجُ جِنْسَ هَذَا الْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْأَذَى وَإِنْ كَانَ عِبَادَةً مَقْصُودَةً تُشْرَعُ فِيهَا النِّيَّةُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ بِالْيُسْرَى كَالِاسْتِنْثَارِ وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ وَمُبَاشَرَةِ مَحَلِّ الْوُلُوغِ بِالدَّلْكِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ صَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ وَلِهَذَا كَانَ الْمُتَوَضِّئُ يَسْتَنْشِقُ بِالْيُمْنَى وَيَسْتَنْثِرُ بِالْيُسْرَى وَالْمُسْتَنْجِي يَصُبُّ الْمَاءَ بِالْيَمِينِ وَيُدَلِّكُ بِالْيُسْرَى.
وَكَذَلِكَ الْمُغْتَسِلُ وَالْمُتَوَضِّئُ مِنْ الْمَاءِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَيَصُبُّ بِهَا عَلَى الْيُسْرَى مَعَ أَنَّ
مُبَاشَرَةَ الْعَوْرَةِ فِي الْغُسْلِ بِالْيُسْرَى وَهَكَذَا غَاسِلُ مَوْرِدِ النَّجَاسَةِ يَصُبُّ بِالْيُمْنَى وَإِذَا احْتَاجَ إلَى مُبَاشَرَةِ الْمَحَلِّ بَاشَرَهُ بِالْيُسْرَى وَشَوَاهِدُ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولِهَا عَلَى ذَلِكَ مُتَظَاهِرَةٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ الْخِتَانِ: مَتَى يَكُونُ؟ .
فَأَجَابَ:
أَمَّا الْخِتَانُ فَمَتَى شَاءَ اخْتَتَنَ لَكِنْ إذَا رَاهَقَ الْبُلُوغَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَتِنَ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُ لِئَلَّا يَبْلُغَ إلَّا وَهُوَ مَخْتُونٌ.
وَأَمَّا الْخِتَانُ فِي السَّابِعِ فَفِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد: قِيلَ: لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ خَتَنَ إسْحَاقَ فِي السَّابِعِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِأَنَّهُ عَمَلُ الْيَهُودِ فَيُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَهُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ وَلَيْسَ مُطَهَّرًا هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ وَمَنْ تَرَكَ الْخِتَانَ كَيْفَ حُكْمُهُ؟ .
فَأَجَابَ:
إذَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ضَرَرَ الْخِتَانِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَتِنَ فَإِنَّ
ذَلِكَ مَشْرُوعٌ مُؤَكَّدٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَقَدْ اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ثَمَانِينَ مِنْ عُمْرِهِ وَيُرْجَعُ فِي الضَّرَرِ إلَى الْأَطِبَّاءِ الثِّقَاتِ وَإِذَا كَانَ يَضُرُّهُ فِي الصَّيْفِ أَخَّرَهُ إلَى زَمَانِ الْخَرِيفِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ:
هَلْ تَخْتَتِنُ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ تَخْتَتِنُ وَخِتَانُهَا أَنْ تَقْطَعَ أَعْلَى الْجِلْدَةِ الَّتِي كَعُرْفِ الدِّيكِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخَافِضَةِ - وَهِيَ الْخَاتِنَةُ -: ﴿أَشِمِّي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَبْهَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى لَهَا عِنْدَ الزَّوْجِ﴾ يَعْنِي: لَا تُبَالِغِي فِي الْقَطْعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِخِتَانِ الرَّجُلِ تَطْهِيرُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي الْقُلْفَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ خِتَانِ الْمَرْأَةِ تَعْدِيلُ شَهْوَتِهَا فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ قلفاء كَانَتْ مُغْتَلِمَةً شَدِيدَةَ الشَّهْوَةِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمُشَاتَمَةِ: يَا ابْنَ القلفاء فَإِنَّ القلفاء تَتَطَلَّعُ إلَى الرِّجَالِ أَكْثَرَ وَلِهَذَا يُوجَدُ مِنْ الْفَوَاحِشِ فِي نِسَاءِ التتر وَنِسَاءِ الْإِفْرِنْجِ مَا لَا يُوجَدُ فِي نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا حَصَلَتْ الْمُبَالَغَةُ فِي الْخِتَانِ ضَعُفَتْ الشَّهْوَةُ فَلَا يَكْمُلُ مَقْصُودُ الرَّجُلِ فَإِذَا قُطِعَ مِنْ غَيْرِ مُبَالِغَةٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِاعْتِدَالِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
إذَا مَاتَ الصَّبِيُّ وَهُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ: هَلْ يُخْتَنُ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ .
فَأَجَابَ: وَلَا يُخْتَنُ أَحَدٌ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَسُئِلَ:
كَمْ مِقْدَارُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ حَتَّى يَحْلِقَ عَانَتَهُ؟ .
فَأَجَابَ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لَهُمْ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: أَلَّا يَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا﴾ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؟ .
مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ فِي أَقْوَامٍ يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ عَلَى أَيْدِي الْأَشْيَاخِ؛ وَعِنْدَ الْقُبُورِ الَّتِي
يُعَظِّمُونَهَا وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ قُرْبَةً وَعِبَادَةً: فَهَلْ هَذَا سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ؟ وَهَلْ حَلْقُ الرَّأْسِ مُطْلَقًا سُنَّةٌ أَوْ بِدْعَةٌ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ .
فَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَلْقُ الرَّأْسِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهُمَا: حَلْقُهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ وَهُوَ مَشْرُوعٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجِّهِ وَفِي عُمَرِهِ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْهُمْ مَنْ حَلَقَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ.
وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِيرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ﴾ . وَقَدْ أَمَرَ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ لَمْ يَسُوقُوا الْهَدْيَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنْ يُقَصِّرُوا رُءُوسَهُمْ لِلْعُمْرَةِ إذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ؛ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ ثُمَّ يَحْلِقُوا إذَا قَضَوْا الْحَجَّ.
فَجَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْصِيرِ أَوَّلًا وَبَيْنَ الْحَلْقِ ثَانِيًا.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: حَلْقُ الرَّأْسِ لِلْحَاجَةِ مِثْلُ أَنْ يَحْلِقَهُ لِلتَّدَاوِي فَهَذَا أَيْضًا جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ رَخَّصَ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ أَنْ يَحْلِقَهُ إذَا كَانَ بِهِ أَذًى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ حَدِيثُ ﴿كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ لَمَّا مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ - وَالْقُمَّلُ يَنْهَالُ مِنْ رَأْسِهِ - فَقَالَ: أَيُؤْذِيك هَوَامُّك؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: احْلِقْ رَأْسَك وَانْسُكْ شَاةً؛ أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ أَوْ أَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ؛ مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: حَلْقُهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ وَالتَّدَيُّنِ وَالزُّهْدِ؛ مِنْ غَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ مِثْلَ مَا يَأْمُرُ بَعْضُ النَّاسِ التَّائِبَ إذَا تَابَ بِحَلْقِ رَأْسِهِ وَمِثْلَ أَنْ يُجْعَلَ حَلْقُ الرَّأْسِ شِعَارَ أَهْلِ النُّسُكِ وَالدِّينِ؛ أَوْ مِنْ تَمَامِ الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ أَوْ يُجْعَلَ مَنْ يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يَحْلِقْهُ أَوْ أدين أَوْ أَزْهَدَ أَوْ أَنْ يُقَصَّرَ مِنْ شِعْرِ التَّائِبِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْمَشْيَخَةِ إذَا توب أَحَدًا: أَنْ يَقُصَّ بَعْضَ شَعْرِهِ وَيُعَيِّنُ الشَّيْخُ صَاحِبَ مِقَصٍّ وَسَجَّادَةٍ؛ فَيَجْعَلُ صَلَاتَهُ عَلَى السَّجَّادَةِ وَقَصَّهُ رُءُوسَ النَّاسِ مِنْ تَمَامِ الْمَشْيَخَةِ الَّتِي يَصْلُحُ بِهَا أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً يتوب
التَّائِبِينَ: فَهَذَا بِدْعَةٌ لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهَا وَلَا رَسُولُهُ؛ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ؛ وَلَا فَعَلَهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا شُيُوخِ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ لَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ وَلَا تَابِعِيهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ الْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ؛ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ؛ وَأَبِي سُلَيْمَانَ الداراني وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِي وَأَحْمَد بْنِ أَبِي الْحِوَارِيِّ؛ وَالسَّرِيِّ السقطي؛ والْجُنَيْد بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التستري وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ يَقُصُّونَ شَعْرَ أَحَدٍ إذَا تَابَ وَلَا يَأْمُرُونَ التَّائِبَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ.
وَقَدْ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُمْ بِحَلْقِ رُءُوسِهِمْ إذَا أَسْلَمُوا وَلَا قَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَ أَحَدٍ.
وَلَا كَانَ يُصَلِّي عَلَى سَجَّادَةٍ بَلْ كَانَ يُصَلِّي إمَامًا بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يُصَلِّي عَلَى مَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَقْعُدُ عَلَى مَا يَقْعُدُونَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا عَنْهُمْ بِشَيْءِ يَقْعُدُ عَلَيْهِ لَا سَجَّادَةٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَسْجُدُ أَحْيَانًا عَلَى الْخَمِيرَةِ - وَهِيَ شَيْءٌ يُصْنَعُ مِنْ الْخُوصِ صَغِيرٌ - يَسْجُدُ عَلَيْهَا أَحْيَانًا لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوشًا بَلْ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَكَانَ أَكْثَرَ الْأَوْقَاتِ يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَبِينَ الطِّينُ فِي جَبْهَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
وَمَنْ اعْتَقَدَ الْبِدَعَ الَّتِي لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً: قُرْبَةً وَطَاعَةً
وَطَرِيقًا إلَى اللَّهِ وَجَعَلَهَا مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَمِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ التَّائِبُ وَالزَّاهِدُ وَالْعَابِدُ فَهُوَ ضَالٌّ خَارِجٌ عَنْ سَبِيلِ الرَّحْمَنِ مُتَّبِعٌ لِخُطُوَاتِ الشَّيَاطِينِ.
وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ فِي غَيْرِ النُّسُكِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ وَالتَّدَيُّنِ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُبَاحٌ.
وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى غُلَامًا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ فَقَالَ: احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوْ دَعُوهُ كُلَّهُ﴾ ﴿وَأُتِيَ بِأَوْلَادِ صِغَارٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ﴾ . وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَالْقَزَعُ: حَلْقُ الْبَعْضِ: فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ حَلْقِ الْجَمِيعِ.
وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: حَلْقُ الرَّأْسِ شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ فَإِنَّ الْخَوَارِجَ كَانُوا يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ وَبَعْضُ الْخَوَارِجِ يَعُدُّونَ حَلْقَ الرَّأْسِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ وَالنُّسُكِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ يَقْسِمُ جَاءَهُ رَجُلٌ عَامَ الْفَتْحِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ﴾ .
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ جُنْدِيٍّ يُقَلِّعُ بَيَاضَ لِحْيَتِهِ: فَهَلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إثْمٌ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
نَتْفُ الشَّيْبِ مَكْرُوهٌ لِلْجُنْدِيِّ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿نَهَى عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ وَقَالَ: إنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ﴾ .
وَسُئِلَ:
عَنْ الرَّجُلِ إذَا كَانَ جُنُبًا وَقَصَّ ظُفْرَهُ أَوْ شَارِبَهُ أَوْ مَشَطَ رَأْسَهُ هَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ؟ فَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى هَذَا وَقَالَ: إذَا قَصَّ الْجُنُبُ شَعْرَهُ أَوْ ظُفْرَهُ فَإِنَّهُ تَعُودُ إلَيْهِ أَجْزَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ فَيَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِ قِسْطٌ مِنْ الْجَنَابَةِ بِحَسَبِ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ شَعْرَةٍ قِسْطٌ مِنْ الْجَنَابَةِ: فَهَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ
وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ﴿: أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ الْجُنُبَ قَالَ: إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ﴾ . وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ: ﴿حَيًّا وَلَا مَيِّتًا﴾ . وَمَا أَعْلَمُ عَلَى كَرَاهِيَةِ إزَالَةِ شَعْرِ الْجُنُبِ وَظُفْرِهِ دَلِيلًا شَرْعِيًّا بَلْ قَدْ ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي أَسْلَمَ: أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ﴾ فَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَأْخِيرِ الِاخْتِتَانِ.
وَإِزَالَةِ الشَّعْرِ عَنْ الِاغْتِسَالِ فَإِطْلَاقُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْأَمْرَيْنِ.
وَكَذَلِكَ تُؤْمَرُ الْحَائِضُ بِالِامْتِشَاطِ فِي غُسْلِهَا مَعَ أَنَّ الِامْتِشَاطَ يَذْهَبُ بِبَعْضِ الشَّعْرِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ الْوُضُوءُ
سُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ: مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَ جَمِيعَ الرَّأْسِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ رُبُعَ الرَّأْسِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَعْضُ شَعْرِهِ يُجْزِئُ: فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ؟ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا وُضُوءَهُ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - كالقدوري فِي أَوَّلِ مُخْتَصَرِهِ وَغَيْرِهِ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ: إنَّمَا هُوَ بَعْضُ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ عَامَ تَبُوكَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ﴾ . وَلِهَذَا ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى جَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ وَهُوَ
مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى وُجُوبِ مَسْحِ جَمِيعِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ لَفْظُ الْمَسْحِ فِي الْآيَتَيْنِ وَحَرْفُ الْبَاءِ فِي الْآيَتَيْنِ: فَإِذَا كَانَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ لَا تَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الْبَعْضِ مَعَ أَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَهُوَ مَسْحٌ بِالتُّرَابِ لَا يُشْرَعُ فِيهِ تَكْرَارٌ: فَكَيْفَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ آيَةُ الْوُضُوءِ مَعَ كَوْنِ الْوُضُوءِ هُوَ الْأَصْلَ وَالْمَسْحُ فِيهِ بِالْمَاءِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ التَّكْرَارُ؟ هَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ يَعْقِلُ مَا يَقُولُ.
وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ مَنْ قَالَ بِإِجْزَاءِ الْبَعْضِ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ أَوْ دَالَّةٌ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ: فَهُوَ خَطَأٌ أَخْطَأَهُ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَعَلَى اللُّغَةِ وَعَلَى دَلَالَةِ الْقُرْآنِ.
وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ وَهِيَ لَا تَدْخُلُ إلَّا لِفَائِدَةٍ: فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ أَفَادَتْ قَدْرًا زَائِدًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ: يَشْرَبُ مِنْهَا لَمْ تَدُلَّ عَلَى الرِّيِّ فَضُمِّنَ يَشْرَبُ مَعْنَى يُرْوَى فَقِيلَ: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ فَأَفَادَ ذَلِكَ أَنَّهُ شُرْبٌ يَحْصُلُ مَعَهُ الرِّيُّ.
وَبَابُ تَضْمِينِ الْفِعْلِ مَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ حَتَّى يَتَعَدَّى بِتَعْدِيَتِهِ - كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ﴾ وَقَوْلِهِ {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} وَقَوْلِهِ: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ - كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ يُغْنِي عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ النُّحَاةِ عَمَّا يَتَكَلَّفُهُ الْكُوفِيُّونَ مِنْ دَعْوَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُرُوفِ.
وَكَذَلِكَ الْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ لَوْ قَالَ: فَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ أَوْ وُجُوهَكُمْ: لَمْ تَدُلَّ عَلَى مَا يَلْتَصِقُ بِالْمَسْحِ فَإِنَّك تَقُولُ: مَسَحْت رَأْسَ فُلَانٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِك بَلَلٌ.
فَإِذَا قِيلَ: فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَبِوُجُوهِكُمْ ضُمِّنَ الْمَسْحُ مَعْنَى الْإِلْصَاقِ فَأَفَادَ أَنَّكُمْ تُلْصِقُونَ بِرُءُوسِكُمْ وَبِوُجُوهِكُمْ شَيْئًا بِهَذَا الْمَسْحِ وَهَذَا يُفِيدُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَلْتَصِقَ الصَّعِيدُ بِالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ . وَإِنَّمَا مَأْخَذُ مَنْ جَوَّزَ الْبَعْضُ: الْحَدِيثَ.
ثُمَّ تَنَازَعُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُجْزِئُ قَدْرُ النَّاصِيَةِ كَرِوَايَةِ عَنْ أَحْمَد وَقَوْلِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُجْزِئُ الْأَكْثَرُ.
كَرِوَايَةِ عَنْ أَحْمَد وَقَوْلِ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُجْزِئُ الرُّبْعُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ.
وَهُمَا قَوْلَانِ لِلْحَنَفِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ أَوْ بَعْضُهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: شَعْرَةٌ أَوْ بَعْضُهَا.
وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا الِاسْتِيعَابَ - كَمَالِكِ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ مِنْ
مَذْهَبِهِمَا - فَحُجَّتُهُمْ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ.
وَإِذَا سَلَّمَ لَهُمْ مُنَازِعُوهُمْ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ فِي مَسْحِ التَّيَمُّمِ: كَانَ فِي مَسْحِ الْوُضُوءِ أَوْلَى وَأَحْرَى لَفْظًا وَمَعْنًى وَلَا يُقَالُ: التَّيَمُّمُ وَجَبَ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْوَجْهِ وَاسْتِيعَابُهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ إنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ فِي حُكْمِهِ لَا فِي وَصْفِهِ؛ وَلِهَذَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ مَعَ وُجُوبِهِ فِي الرِّجْلَيْنِ وَأَيْضًا لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ مِنْ عَمَلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَعِنْدَ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ وَإِذَا مَسَحَ عِنْدَهُ بِنَاصِيَتِهِ وَكَمَّلَ الْبَاقِيَ بِعِمَامَتِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِلَا رَيْبٍ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَا جَوَابَ لَهُ عَنْ الْحَدِيثِ إلَّا أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا لَا يُمْكِنُهُ كَشْفُ الرَّأْسِ فَتَيَمَّمَ عَلَى الْعِمَامَةِ لِلْعُذْرِ.
وَمَنْ فَعَلَ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ الْمَسْحِ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ أَجْزَأَهُ مَعَ الْعُذْرِ بِلَا نِزَاعٍ وَأَجْزَأَهُ بِدُونِ الْعُذْرِ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ مَرَّةً مَرَّةً يَكْفِي بِالِاتِّفَاقِ كَمَا يَكْفِي تَطْهِيرُ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً.
وَتَنَازَعُوا فِي مَسْحِهِ ثَلَاثًا: هَلْ يُسْتَحَبُّ؟ فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: يُسْتَحَبُّ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَهَذَا عَامٌّ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَسُنَّ فِيهِ الثَّلَاثُ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلِهَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد السجستاني: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا رَوَاهُ مِنْ مَسْحِهِ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً وَهَذَا الْمُفَصَّلُ يَقْضِي عَلَى الْمُجْمَلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا﴾ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا: مِثْلَ مَا يَقُولُ﴾ كَانَ هَذَا مُجْمَلًا وَفَسَّرَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﴿أَنَّهُ يَقُولُ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ﴾ فَإِنَّ الْخَاصَّ الْمُفَسَّرَ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ الْمُجْمَلِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا مَسْحٌ وَالْمَسْحُ لَا يُسَنُّ فِيهِ التَّكْرَارُ كَمَسْحِ الْخُفِّ وَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ وَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ وَإِلْحَاقُ الْمَسْحِ بِالْمَسْحِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ إذَا كُرِّرَ كَانَ كَالْغَسْلِ.
وَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ أَنَّهُ يَمْسَحُ بَعْضَ رَأْسِهِ بَلْ بَعْضَ شَعْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: مِنْ جِهَةِ مَسْحِهِ بَعْضَ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ.
وَمِنْ جِهَةِ تَكْرَارِهِ فَإِنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَنْ يَسْتَحِبُّ التَّكْرَارَ - كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي قَوْلٍ - لَا يَقُولُونَ:
امْسَحْ الْبَعْضَ وَكَرِّرْهُ بَلْ يَقُولُونَ: امْسَحْ الْجَمِيعَ وَكَرِّرْ الْمَسْحَ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْلَى مِنْ مَسْحِ بَعْضِهِ ثَلَاثًا بَلْ إذَا قِيلَ: إنَّ مَسْحَ الْبَعْضِ يُجْزِئُ وَأَخَذَ رَجُلٌ بِالرُّخْصَةِ كَيْفَ يُكَرِّرُ الْمَسْحَ.
ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ مُتَنَازِعُونَ فِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ وَفِي اسْتِحْبَابِ تَكْرَارِ الْمَسْحِ: فَكَيْفَ يُعْدَلُ إلَى فِعْلٍ لَا يُجْزِئُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ وَلَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ وَيُتْرَكُ فِعْلٌ يُجْزِئُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ وَهُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
هَلْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؟.
فَأَجَابَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى عُنُقِهِ فِي الْوُضُوءِ بَلْ وَلَا رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ بَلْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي فِيهَا صِفَةُ وَضَوْءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ عَلَى عُنُقِهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمْ وَمَنْ اسْتَحَبَّهُ فَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى أَثَرٍ يُرْوَى عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْ حَدِيثٍ يَضْعُفُ نَقْلُهُ: ﴿أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ﴾ وَمِثْلَ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ عُمْدَةً وَلَا يُعَارِضُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ وَمَنْ تَرَكَ مَسْحَ الْعُنُقِ فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ فِي الْوُضُوءِ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا مَنْقُولٌ عَمَلُهُ بِذَلِكَ وَأَمْرُهُ بِهِ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ: ﴿وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ﴾ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: ﴿وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنْ النَّارِ﴾ . فَمَنْ تَوَضَّأَ كَمَا تَتَوَضَّأُ الْمُبْتَدِعَةُ - فَلَمْ يَغْسِلْ بَاطِنَ قَدَمَيْهِ وَلَا عَقِبَهُ بَلْ مَسَحَ ظَهْرَهُمَا - فَالْوَيْلُ لِعَقِبِهِ وَبَاطِنِ قَدَمَيْهِ مِنْ النَّارِ.
وَتَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي قَدَمَيْهِ نَعْلَانِ يَشُقُّ نَزْعُهُمَا.
وَأَمَّا مَسْحُ الْقَدَمَيْنِ مَعَ ظُهُورِهِمَا جَمِيعًا فَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
أَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِلسُّنَّةِ فَظَاهِرٌ
مُتَوَاتِرٌ.
وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِلْقُرْآنِ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فِيهِ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ: النَّصْبُ وَالْخَفْضُ.
فَمَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْمَعْنَى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ.
وَمَنْ قَرَأَ بِالْخَفْضِ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ وَامْسَحُوا أَرْجُلَكُمْ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ؛ لِأَوْجُهِ: أَحَدُهَا: أَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ قَالُوا: عَادَ الْأَمْرُ إلَى الْغَسْلِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الرُّءُوسِ لَكَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَسْحَ الْأَرْجُلِ لَا الْمَسْحَ بِهَا وَاَللَّهُ إنَّمَا أَمَرَ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ بِالْمَسْحِ بِالْعُضْوِ لَا مَسْحِ الْعُضْوِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وَلَمْ يَقْرَأْ الْقُرَّاءُ الْمَعْرُوفُونَ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ وَأَيْدِيَكُمْ بِالنَّصْبِ كَمَا قَرَءُوا فِي آيَةِ الْوُضُوءِ فَلَوْ كَانَ عَطْفًا لَكَانَ الْمَوْضِعَانِ سَوَاءً؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ يَقْتَضِي إلْصَاقَ الْمَمْسُوحِ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ وَهَذَا يَقْتَضِي إيصَالَ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ إلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ.
وَإِذَا قِيلَ: امْسَحْ رَأْسَك وَرِجْلَك: لَمْ يَقْتَضِ إيصَالَ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ.
وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْبَاءَ حَرْفٌ جَاءَ لِمَعْنًى لَا زَائِدَةٌ كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ:
مُعَاوِيَ إنَّنَا بَشَرٌ فَاسْجَحْ ... فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا
فَإِنَّ الْبَاءَ هُنَا مُؤَكِّدَةٌ فَلَوْ حُذِفَتْ لَمْ يَخْتَلَّ الْمَعْنَى وَالْبَاءُ فِي آيَةِ الطَّهَارَةِ إذَا حُذِفَتْ اخْتَلَّ الْمَعْنَى فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ عَلَى مَحَلِّ الْمَجْرُورِ بِهَا بَلْ عَلَى لَفْظِ الْمَجْرُورِ بِهَا أَوْ مَا قَبْلَهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الْمَحَلِّ لَقُرِئَ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَامْسَحُوا أَيْدِيَكُمْ: فَكَانَ فِي الْآيَةِ مَا يُبَيِّنُ فَسَادَ مَذْهَبِ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ بِالنَّصْبِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَيْنِ سَوَاءٌ فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى الْجَرِّ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ مَعَ إمْكَانِ الْعَطْفِ عَلَى الْمَحَلِّ لَوْ كَانَ صَوَابًا: عُلِمَ أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى اللَّفْظِ وَلَمْ يَكُنْ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ مَنْصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلَى اللَّفْظِ كَمَا فِي آيَةِ الْوُضُوءِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: إلَى الْكِعَابِ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْمَحَلِّ كَالْقَوْلِ الْآخَرِ؛ وَأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ فِي كُلِّ رِجْلَيْنِ كَعْبَيْنِ؛ وَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ وَاحِدٌ: لَقِيلَ: إلَى الْكَعْبِ كَمَا قِيلَ: ﴿إلَى الْمَرَافِقِ﴾ لَمَّا كَانَ فِي كُلِّ يَدٍ مِرْفَقٌ وَحِينَئِذٍ فَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظَمَات النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيْ السَّاقِ؛ لَيْسَ هُوَ مَعْقِدَ الشِّرَاكِ مَجْمَعَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِطَهَارَةِ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ النَّاتِئَيْنِ؛