مجموع الفتاوىصفحات 355-394

كِتَابُ الصِّيَامِ

صفحات 355-394
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

طِفْلًا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً} . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ مِنْ قَتْلِ النُّفُوسِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي صَلَاحِ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ . أَيْ أَنَّ الْقَتْلَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَرٌّ وَفَسَادٌ فَفِي فِتْنَةُ الْكُفَّارِ مِنْ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ فَمَنْ لَمْ يَمْنَعْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إقَامَةِ دِينٍ لِلَّهِ لَمْ تَكُنْ مَضَرَّةَ كُفْرِهِ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ الدَّاعِيَةَ إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُعَاقَبُ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ السَّاكِتُ.
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿أَنَّ الْخَطِيئَةَ إذَا أُخْفِيَتْ لَمْ تُضَرَّ إلَّا صَاحِبَهَا؛ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّتْ الْعَامَّةَ﴾ . وَلِهَذَا أَوْجَبَتْ الشَّرِيعَةُ قِتَالَ الْكُفَّارِ وَلَمْ تُوجِبْ قَتْلَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ؛ بَلْ إذَا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرِ الْقِتَالِ مِثْلَ أَنْ تُلْقِيَهُ السَّفِينَةُ إلَيْنَا أَوْ يَضِلَّ الطَّرِيقَ أَوْ يُؤْخَذَ بِحِيلَةِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِيهِ الْإِمَامُ الْأَصْلَحَ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ اسْتِعْبَادَهُ أَوْ الْمَنَّ عَلَيْهِ أَوْ مُفَادَاتَهُ بِمَالِ أَوْ نَفْسٍ عِنْدِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَرَى الْمَنَّ عَلَيْهِ وَمُفَادَاتَهُ مَنْسُوخًا.
فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ فَيُقَاتَلُونَ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

وَمَنْ سِوَاهُمْ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ إلَّا أَنَّ عَامَّتَهُمْ لَا يَأْخُذُونَهَا مِنْ الْعَرَبِ وَأَيُّمَا طَائِفَةٍ انْتَسَبَتْ إلَى الْإِسْلَامِ وَامْتَنَعَتْ مِنْ بَعْضِ شَرَائِعِهِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ جِهَادُهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ كَمَا قَاتَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَكَانَ قَدْ تَوَقَّفَ فِي قِتَالِهِمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ اتَّفَقُوا حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا؛ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا.
وَاَللَّهُ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعِهَا قَالَ عُمَرُ: فَمَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْت اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ: فَعَلِمْت أَنَّهُ الْحَقُّ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ

مِنْ الرَّمِيَّةِ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ ﴿عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءِ وَلَا صَلَاتُكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا تُجَاوِزُ قِرَاءَتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قَضَى لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لَنَكَلُوا عَنْ الْعَمَلِ﴾ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ﴿يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ؛ لَئِنْ أَدْرَكْتهمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: ﴿يَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي فَتُلْهِمَ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ﴾ . فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الحرورية.
بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ كِلَا الطَّائِفَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْن مِنْ أُمَّتِهِ وَأَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَلَمْ يُحَرِّضْ إلَّا عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ الْإِسْلَامِ وَفَارَقُوا الْجَمَاعَةَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ.
فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ يُقَاتِلُ مَنْ خَرَجَ عَنْ

شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّائِفَة الْمُمْتَنِعَةِ لَوْ تَرَكَتْ السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ هَلْ يَجُوزُ قِتَالُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ الظَّاهِرَةُ وَالْمُسْتَفِيضَةُ فَيُقَاتَلُ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى يَلْتَزِمُوا أَنْ يُقِيمُوا الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ وَيُؤَدُّوا الزَّكَاةَ وَيَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ وَيَحُجُّوا الْبَيْتَ وَيَلْتَزِمُوا تَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ: مِنْ نِكَاحِ الْأَخَوَاتِ وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقِتَالُ هَؤُلَاءِ وَاجِبٌ ابْتِدَاءً بَعْدَ بُلُوغِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ بِمَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إذَا بَدَءُوا الْمُسْلِمِينَ فَيَتَأَكَّدُ قِتَالُهُمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ قُطَّاعِ الطُّرُقِ.
وَأَبْلَغُ الْجِهَادِ الْوَاجِبِ لِلْكَفَّارِ وَالْمُمْتَنِعِينَ عَنْ بَعْضِ الشَّرَائِعِ كَمَا نَعِي الزَّكَاةَ وَالْخَوَارِجَ وَنَحْوَهُمْ: يَجِبُ ابْتِدَاءً وَدَفْعًا.
فَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءً فَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ كَانَ الْفَضْلُ لِمَنْ قَامَ بِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الْآيَةَ.
فَأَمَّا إذَا أَرَادَ الْعَدُوُّ الْهُجُومَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ دَفْعُهُ وَاجِبًا عَلَى الْمَقْصُودِينَ كُلِّهِمْ وَعَلَى غَيْرِ الْمَقْصُودِينَ؛ لِإِعَانَتِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ وَكَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنْصِرِ الْمُسْلِمِ وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُرْتَزِقَةِ لِلْقِتَالِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَهَذَا يَجِبُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مَعَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ كَمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ عَامَ الْخَنْدَقِ لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ فِي تَرْكِهِ لِأَحَدِ كَمَا أَذِنَ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ ابْتِدَاءً لِطَلَبِ الْعَدُوِّ الَّذِي قَسَمَهُمْ فِيهِ إلَى قَاعِدٍ وَخَارِجٍ.
بَلْ ذَمَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا﴾ . فَهَذَا دَفْعٌ عَنْ الدِّينِ وَالْحُرْمَةِ وَالْأَنْفَسِ وَهُوَ قِتَالٌ اضْطِرَارٌ وَذَلِكَ قِتَالٌ اخْتِيَارٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ وَإِعْلَائِهِ وَلِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ كَغُزَاةِ تَبُوكَ وَنَحْوِهَا فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعُقُوبَةِ هُوَ لِلطَّوَائِفِ الْمُمْتَنِعَةِ.
فَأَمَّا غَيْرُ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ أَهْلِ دِيَارِ الْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِمْ فَيَجِبُ إلْزَامُهُمْ بِالْوَاجِبَاتِ الَّتِي هِيَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَمَنَّ كَانَ لَا يُصَلِّي مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ: مِنْ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ امْتَنَعَ عُوقِبَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يُوجِبُونَ قَتْلَهُ إذَا لَمْ يُصَلِّ فَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.
وَهَلْ يُقْتَلُ كَافِرًا أَوْ

مُرْتَدًّا أَوْ فَاسِقًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَكْثَرِ السَّلَفِ يَقْتَضِي كُفْرَهُ وَهَذَا مَعَ الْإِقْرَارِ بِالْوُجُوبِ.
فَأَمَّا مَنْ جَحَدَ الْوُجُوبَ فَهُوَ كَافِرٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَأْمُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعًا وَيَضْرِبُوهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: ﴿مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ وَكَذَلِكَ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ مِنْ الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهَا.
وَمِنْ تَمَامِ ذَلِكَ تَعَاهُدُ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ وَأَمْرُهُمْ بِأَنْ يُصَلُّوا بِهِمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: ﴿صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي﴾ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
﴿وَصَلَّى مَرَّةً بِأَصْحَابِهِ عَلَى طَرَفِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إنَّمَا فَعَلْت هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي﴾ . وَعَلَى إمَامِ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا أَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ فَلَا يَفُوتُهُمْ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ مِنْ كَمَالِ دِينِهِمْ؛ بَلْ عَلَى كُلِّ إمَامٍ لِلصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاةً كَامِلَةً وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَجُوزُ لِلْمُنْفَرِدِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ مِنْ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ إلَّا لِعُذْرِ؛ وَكَذَلِكَ عَلَى إمَامِهِمْ فِي الْحَجِّ وَأَمِيرِهِمْ فِي الْحَرْبِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْوَلِيَّ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِمُوَكِّلِهِ وَلِمُوَلِّيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَصْلَحِ لَهُ فِي مَالِهِ؟ وَهُوَ فِي مَالِ نَفْسِهِ يُفَوِّتُ نَفْسَهُ مَا شَاءَ فَأَمْرُ

الدِّينِ أَهَمُّ وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَمَتَى اهْتَمَّتْ الْوُلَاةُ بِإِصْلَاحِ دِينِ النَّاسِ: صَلَاحٌ لِلطَّائِفَتَيْنِ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ؛ وَإِلَّا اضْطَرَبَتْ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ.
وَمِلَاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ صَلَاحُ النِّيَّةِ لِلرَّعِيَّةِ وَإِخْلَاصُ الدِّينِ كُلِّهِ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ.
فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ وَالتَّوَكُّلَ جِمَاعُ صَلَاحِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ كَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ فِي صَلَاتِنَا: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَإِنَّ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ قَدْ قِيلَ: إنَّهُمَا يَجْمَعَانِ مَعَانِيَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ السَّمَاءِ.
وَقَدْ رُوِيَ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَرَّةً فِي بَعْضِ مُغَازِيهِ فَقَالَ: يَا مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فَجَعَلَتْ الرُّءُوسُ تَنْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِهَا﴾ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ - يَقُولُ: اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك﴾ . وَأَعْظَمُ عَوْنٍ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ خَاصَّةً وَلِغَيْرِهِ عَامَّةً ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَأَصْلُ ذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ.
الثَّانِي: الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ بِالنَّفْعِ وَالْمَالِ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ.
الثَّالِثُ: الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْخَلْقِ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّوَائِبِ.
وَلِهَذَا يَجْمَعُ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّبْرِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ

النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وقَوْله تَعَالَى ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وَكَذَلِكَ فِي " سُورَةِ ق ": ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ . وَأَمَّا قَرْنُهُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِي الْقُرْآنِ فَكَثِيرٌ جِدًّا.
فَبِالْقِيَامِ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّبْرِ يَصْلُحُ حَالُ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ إذَا عَرَفَ الْإِنْسَانُ مَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْجَامِعَةِ: يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَاؤُهُ وَتِلَاوَةُ كِتَابِهِ وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ.
وَفِي الزَّكَاةِ الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ بِالْمَالِ وَالنَّفْعِ: مِنْ نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ﴾ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ إحْسَانٍ.
وَلَوْ بِبَسْطِ الْوَجْهِ وَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَاجِبٌ وَلَا تَرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى

إلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ فَيَنْظُرُ أَمَامه فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةِ طَيِّبَةٍ} . وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿لَا تُحَقِّرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك وَوَجْهَك إلَيْهِ مُنْبَسِطٌ وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِك فِي إنَاءِ الْمُسْتَقَى﴾ . وَفِي السُّنَنِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ أَثْقَلَ مَا يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ﴾ . وَرُوِيَ ﴿عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: يَا أُمَّ سَلَمَةَ ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ . وَفِي الصَّبْرِ احْتِمَالُ الْأَذَى وَكَظْمُ الْغَيْظِ وَالْعَفْوُ عَنْ النَّاسِ وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى وَتْرُك الْأَشِرِ وَالْبَطَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ﴿إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي

هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ . قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَلَا لِيَقُمْ مَنْ وَجَبَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلَا يَقُومُ إلَّا مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ.
فَلَيْسَ حُسْنُ النِّيَّةِ بِالرَّعِيَّةِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ: أَنْ يَفْعَلَ مَا يَهْوُونَهُ وَيَتْرُكَ مَا يَكْرَهُونَهُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى لِلصَّحَابَةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ . وَإِنَّمَا الْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ فِعْلُ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَلَوْ كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ؛ لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِهِمْ فِيمَا يَكْرَهُونَهُ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ وَلَا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ﴾ . وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأُرِيدُ

أَنْ أُخْرِجَ لَهُمْ الْمُرَّةَ مِنْ الْحَقِّ فَأَخَافُ أَنْ يَنْفِرُوا عَنْهَا فَاصْبِرْ حَتَّى تَجِيءَ الْحُلْوَةُ مِنْ الدُّنْيَا فَأُخْرِجَهَا مَعَهَا فَإِذَا نَفَرُوا لِهَذِهِ سَكَنُوا لِهَذِهِ.
وَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورِ مِنْ الْقَوْلِ.
﴿وَسَأَلَهُ مَرَّةً بَعْضُ أَقَارِبِهِ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَيَرْزُقَهُ مِنْهَا فَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدِ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ﴾ . فَمَنَعَهُمْ إيَّاهَا وَعَوَّضَهُمْ مِنْ الْفَيْءِ.
﴿وَتَحَاكَمَ إلَيْهِ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ فَلَمْ يَقْضِ بِهَا لِوَاحِدِ مِنْهُمْ؛ وَلَكِنْ قَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا ثُمَّ إنَّهُ طَيَّبَ قَلْبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِكَلِمَةِ حَسَنَةٍ فَقَالَ لِعَلِيِّ: أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْك.
وَقَالَ لِجَعْفَرِ: أَشْبَهْت خَلْقِي وَخُلُقِي.
وَقَالَ لِزَيْدِ: أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا﴾ . فَهَكَذَا يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الْأَمْرِ فِي قَسَمِهِ وَحُكْمِهِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ دَائِمًا يَسْأَلُونَ وَلِيَّ الْأَمْرِ مَا لَا يُصْلِحُ بَذْلُهُ مِنْ الْوِلَايَاتِ وَالْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ وَالْأُجُورِ وَالشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُعَوِّضُهُمْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى إنْ أَمْكَنَ أَوْ يَرُدُّهُمْ بِمَيْسُورِ مِنْ الْقَوْلِ مَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْإِغْلَاظِ؛ فَإِنَّ رَدَّ السَّائِلِ يُؤْلِمُهُ خُصُوصًا مَنْ يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ

ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} . وَإِذَا حَكَمَ عَلَى شَخْصٍ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَأَذَّى فَإِذَا طَيَّبَ نَفْسَهُ بِمَا يَصْلُحُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ كَانَ ذَلِكَ تَمَامَ السِّيَاسَةِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا يُعْطِيهِ الطَّبِيبُ لِلْمَرِيضِ؛ مِنْ الطِّبِّ الَّذِي يَسُوغُ الدَّوَاءُ الْكَرِيهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَرْسَلَهُ إلَى فِرْعَوْنَ -: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ . ﴿وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ -: يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا﴾ . ﴿وَبَالَ مَرَّةً أَعْرَابِيٌّ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ أَصْحَابُهُ إلَيْهِ فَقَالَ: لَا تَزْرِمُوهُ أَيْ لَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ؛ ثُمَّ أَمَرَ بِدَلْوِ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ﴾ وَالْحَدِيثَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الرَّجُلُ فِي سِيَاسَةِ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَرَعِيَّتِهِ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ لَا تَقْبَلُ الْحَقَّ إلَّا بِمَا تَسْتَعِينُ بِهِ مِنْ حُظُوظِهَا الَّتِي هِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَيْهَا فَتَكُونُ تِلْكَ الْحُظُوظُ عِبَادَةً لِلَّهِ وَطَاعَةً لَهُ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَاللِّبَاسَ وَاجِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ؟ حَتَّى لَوْ

اضْطَرَّ إلَى الْمَيْتَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تُؤَدَّى إلَّا بِهَذَا وَمَا لَا يَتِمَّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَلِهَذَا كَانَتْ نَفَقَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى غَيْرِهَا.
فَفِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿تَصَدَّقُوا.
فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ.
فَقَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِك.
قَالَ عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ بِهِ﴾ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿دِينَارٌ أَنْفَقْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْته فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك.
أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْته عَلَى أَهْلِك﴾ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي أمامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿يَا ابْنَ آدَمَ إنَّك إنْ تَبْذُلْ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَك وَإِنْ تُمْسِكْهُ شَرٌّ لَك وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ؛ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ.
وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى﴾ . وَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ أَيْ الْفَضْلَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ فَرْضُ عَيْنٍ؛ بِخِلَافِ

النَّفَقَةِ فِي الْغَزْوِ وَالْمَسَاكِينِ؛ فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ إمَّا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَصِيرُ مُتَعَيَّنًا إذَا لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ بِهِ؛ فَإِنَّ إطْعَامَ الْجَائِعِ وَاجِبٌ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ﴿لَوْ صَدَقَ السَّائِلُ لَمَا أَفْلَحَ مَنْ رَدَّهُ﴾ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَذَكَرَ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ صِدْقَهُ وَجَبَ إطْعَامُهُ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو حَاتِمٍ البستي فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الطَّوِيلَ " عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ - وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِأَصْحَابِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيُحَدِّثُونَهُ عَنْ ذَاتِ نَفْسِهِ وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِلَذَّتِهِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ﴾ . فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اللَّذَّاتِ الْمُبَاحَةِ الْجَمِيلَةِ فَإِنَّهَا تُعِينُ عَلَى تِلْكَ الْأُمُورِ.
وَلِهَذَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةُ؛ بِاسْتِعْمَالِ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ وَتَجَنُّبِ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ.
وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إنِّي لَأَسْتَجِمُّ نَفْسِي بِالشَّيْءِ مِنْ الْبَاطِلِ لِأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى الْحَقِّ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ إنَّمَا خَلَقَ اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ فِي الْأَصْلِ لِتَمَامِ مَصْلَحَةِ الْخَلْقِ؛ فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَجْتَلِبُونَ مَا يَنْفَعُهُمْ كَمَا خَلَقَ الْغَضَبَ لِيَدْفَعُوا بِهِ

مَا يَضُرُّهُمْ وَحَرَّمَ مِنْ الشَّهَوَاتِ مَا يَضُرُّ تَنَاوُلُهُ وَذَمَّ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا مَنْ اسْتَعَانَ بِالْمُبَاحِ الْجَمِيلِ عَلَى الْحَقِّ فَهَذَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿فِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ.
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: فَلِمَ تَحْتَسِبُونَ بِالْحَرَامِ وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْحَلَالِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: إنَّك لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَّا ازْدَدْت بِهَا دَرَجَةً وَرِفْعَةً حَتَّى اللُّقْمَةُ تَضَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِك﴾ . وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ.
فَالْمُؤْمِنُ إذَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ أَتَتْ عَلَى عَامَّةِ أَفْعَالِهِ وَكَانَتْ الْمُبَاحَاتُ مِنْ صَالِحِ أَعْمَالِهِ لِصَلَاحِ قَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ وَالْمُنَافِقُ - لِفَسَادِ قَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ - يُعَاقَبُ عَلَى مَا يُظْهِرُهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ رِيَاءً فَإِنَّ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ﴾ . وَكَمَا أَنَّ الْعُقُوبَاتِ شُرِّعَتْ دَاعِيَةً إلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ فَقَدْ شُرِّعَ أَيْضًا كُلُّ مَا يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ.
فَيَنْبَغِي تَيْسِيرُ طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ؛ مِثْلَ أَنْ يَبْذُلَ

لِوَلَدِهِ وَأَهْلِهِ أَوْ رَعِيَّتِهِ مَا يُرَغِّبُهُمْ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ: مِنْ مَالٍ أَوْ ثَنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا شُرِّعَتْ الْمُسَابَقَةُ بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْمُفَاضَلَةِ بِالسِّهَامِ وَأَخْذِ الْجُعْلِ عَلَيْهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرْغِيبِ فِي إعْدَادِ الْقُوَّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْلِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَابِقُ بَيْنَ الْخَيْلِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ وَيُخْرِجُونَ الْأَسْبَاقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ عَطَاءُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فَقَدْ ﴿رُوِيَ: أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُسْلِمُ أَوَّلَ النَّهَارِ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا فَلَا يَجِيءُ آخِرُ النَّهَارِ إلَّا وَالْإِسْلَامُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ﴾ . وَكَذَلِكَ الشَّرُّ وَالْمَعْصِيَةُ: يَنْبَغِي حَسْمُ مَادَّتِهِ وَسَدُّ ذَرِيعَتِهِ وَدَفْعُ مَا يُفْضِي إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ.
مِثَالُ ذَلِكَ مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ﴿لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةِ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ . وَقَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ﴾ . فَنَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالسَّفَرِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى الشَّرِّ.
وَرُوِيَ ﴿عَنْ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيهِمْ غُلَامٌ ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ فَأَجْلَسَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ.
وَقَالَ: إنَّمَا كَانَتْ خَطِيئَةُ دَاوُد النَّظَرُ﴾ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا كَانَ يَعُسُّ بِالْمَدِينَةِ فَسَمِعَ امْرَأَةً تَتَغَنَّى بِأَبْيَاتِ تَقُولُ فِيهَا:

هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... هل من سبيل إلى نصر بن حجاج هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى خَمْرٍ فَأَشْرَبَهَا ... هَلْ مِنْ سَبِيلٍ إلَى نَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ فَدَعَا بِهِ فَوَجَدَهُ شَابًّا حَسَنًا فَحَلَقَ رَأْسَهُ فَازْدَادَ جَمَالًا فَنَفَاهُ إلَى الْبَصْرَةِ لِئَلَّا تَفْتَتِنُ بِهِ النِّسَاءُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَجْلِسُ إلَيْهِ الصِّبْيَانُ فَنَهَى عَنْ مُجَالَسَتِهِ.
فَإِذَا كَانَ مِنْ الصِّبْيَانِ مَنْ تُخَافُ فِتْنَتُهُ عَلَى الرِّجَالِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ مَنَعَ وَلَيَّهُ مِنْ إظْهَارِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ أَوْ تَحْسِينِهِ؛ لَا سِيَّمَا بترييحه فِي الْحَمَّامَاتِ وَإِحْضَارِهِ مَجَالِسَ اللَّهْوِ وَالْأَغَانِي؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَنْبَغِي التَّعْزِيرُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الْفُجُورُ يُمْنَعُ مِنْ تَمَلُّكِ الْغِلْمَانِ الْمُرِدَّانِ الصُّبَاحِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَكَانَ قَدْ اسْتَفَاضَ عَنْهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفُسُوقِ الْقَادِحَةِ فِي الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْرَحَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ فَقَدْ ثَبَتَ {عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا.
فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ.
ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةِ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجُبْت وَجَبَتْ.
فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ.
أَنْتُمْ

شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ} . مَعَ أَنَّهُ ﴿كَانَ فِي زَمَانِهِ امْرَأَةٌ تُعْلِنُ الْفُجُورَ.
فَقَالَ: لَوْ كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْت هَذِهِ﴾ . فَالْحُدُودُ لَا تُقَامُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ.
وَأَمَّا الْحَذَرُ مِنْ الرَّجُلِ فِي شَهَادَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْمُعَايَنَةِ؛ بَلْ الِاسْتِفَاضَةُ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ وَمَا هُوَ دُونَ الِاسْتِفَاضَةِ حَتَّى أَنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأَقْرَانِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَخْدَانِهِمْ ". فَهَذَا لِدَفْعِ شَرِّهِ مِثْلَ الِاحْتِرَازِ مِنْ الْعَدُوِّ.
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " احْتَرِسُوا مِنْ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ ". فَهَذَا أَمْرُ عُمَرَ مَعَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ عُقُوبَةُ الْمُسْلِمِ بِسُوءِ الظَّنِّ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحُدُودُ وَالْحُقُوقُ الَّتِي لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ فَمِنْهَا النُّفُوسُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ {وَلَا تَقْرَبُوا

مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ﴾ . فَالْقَتْلُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: الْعَمْدُ الْمَحْضُ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْ يَعْلَمُهُ مَعْصُومًا بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا سَوَاءٌ كَانَ يَقْتُلُ بِحَدِّهِ كَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ أَوْ بِثَقَلِهِ كَالسِّنْدَانِ وكوذين الْقَصَّارِ؛ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالتَّحْرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ وَالْإِلْقَاءِ مِنْ مَكَانٍ شَاهِقٍ وَالْخَنْقِ؛ وَإِمْسَاكِ الْخُصْيَتَيْنِ حَتَّى تَخْرُجَ الرُّوحُ وَغَمِّ الْوَجْهِ حَتَّى يَمُوتَ وَسَقْيِ السُّمُومِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ.
فَهَذَا إذَا فَعَلَهُ وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ وَهُوَ أَنْ يُمَكَّنَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ مِنْ الْقَاتِلِ؛ فَإِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا

وَإِنْ أَحَبُّوا عَفَوْا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ.
وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا غَيْرَ قَاتِلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ . قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: لَا يُقْتَلُ غَيْرُ قَاتِلِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي شريح الخزاعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ أُصِيبَ بِدَمِ أَوْ خَبَلٍ - الْخَبَلُ الْجِرَاحُ - فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ.
أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ.
فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَادَ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا﴾ . رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَ الْعَفْوِ أَوْ أَخَذَ الدِّيَةَ فَهُوَ أَعْظَمُ جُرْمًا مِمَّنْ قَتَلَ ابْتِدَاءً حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَدًّا وَلَا يَكُونُ أَمْرُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ تَغْلِي قُلُوبُهُمْ بِالْغَيْظِ حَتَّى يُؤْثِرُوا أَنْ يَقْتُلُوا الْقَاتِلَ وَأَوْلِيَاءَهُ وَرُبَّمَا لَمْ يَرْضَوْا بِقَتْلِ الْقَاتِلِ بَلْ يَقْتُلُونَ

كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ الْقَاتِلِ كَسَيِّدِ الْقَبِيلَةِ وَمُقَدَّمِ الطَّائِفَةِ فَيَكُونُ الْقَاتِلُ قَدْ اعْتَدَى فِي الِابْتِدَاءِ وَتَعَدَّى هَؤُلَاءِ فِي الِاسْتِيفَاءِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ الْخَارِجُونَ عَنْ الشَّرِيعَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مِنْ الْأَعْرَابِ وَالْحَاضِرَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ يَسْتَعْظِمُونَ قَتْلَ الْقَاتِلِ لِكَوْنِهِ عَظِيمًا أَشْرَفَ مِنْ الْمَقْتُولِ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ يَقْتُلُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْقَاتِلِ وَرُبَّمَا خَالَفَ هَؤُلَاءِ قَوْمًا وَاسْتَعَانُوا بِهِمْ وَهَؤُلَاءِ قَوْمًا فَيُفْضِي إلَى الْفِتَنِ وَالْعَدَاوَاتِ الْعَظِيمَةِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ خُرُوجُهُمْ عَنْ سُنَنِ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى فَكَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا الْقِصَاصَ - وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُعَادَلَةُ فِي الْقَتْلَى - وَأَخْبَرَ أَنَّ فِيهِ حَيَاةٌ؛ فَإِنَّهُ يَحْقِنُ دَمَ غَيْرِ الْقَاتِلِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الرَّجُلَيْنِ.
وَأَيْضًا فَإِذَا عَلِمَ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ أَنَّهُ يُقْتَلُ كَفَّ عَنْ الْقَتْلِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ.
أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرِ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ﴾ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ - أَيْ تَتَسَاوَى وَتَتَعَادَلُ - فَلَا يُفَضَّلُ عَرَبِيٌّ عَلَى عَجَمِيٌّ وَلَا قُرَشِيٌّ أَوْ هَاشِمِيٌّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ

الْمُسْلِمِينَ.
وَلَا حُرٌّ أَصْلِيٌّ عَلَى مَوْلًى عَتِيقٍ وَلَا عَالِمٌ أَوْ أَمِيرٌ عَلَى أُمِّيٍّ أَوْ مَأْمُورٍ.
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَحُكَّامُ الْيَهُودِ فَإِنَّهُ كَانَ بِقُرْبِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِنْفَانِ مِنْ الْيَهُودِ: قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَكَانَتْ النَّضِيرُ تُفَضِّلُ عَلَى قُرَيْظَةَ فِي الدِّمَاءِ فَتَحَاكَمُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَفِي حَدِّ الزِّنَا فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ غَيَّرُوهُ مِنْ الرَّجْمِ إلَى التَّحْمِيمِ وَقَالُوا إنْ حَكَمَ بَيْنَكُمْ بِذَلِكَ كَانَ لَكُمْ حُجَّةٌ وَإِلَّا فَأَنْتُمْ قَدْ تَرَكْتُمْ حُكْمَ التَّوْرَاةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ . فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ نُفُوسِهِمْ وَلَمْ يُفَضِّلْ مِنْهُمْ نَفْسًا عَلَى أُخْرَى كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ إلَى قَوْلِهِ {وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ

مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . فَحُكْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا كُلَّهَا سَوَاءٌ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَأَكْثَرُ سَبَبِ الْأَهْوَاءِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْبَوَادِي وَالْحَوَاضِرِ إنَّمَا هُوَ الْبَغْيُ وَتَرْكُ الْعَدْلِ؛ فَإِنَّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ يُصِيبُ بَعْضُهَا بَعْضًا مِنْ الْأُخْرَى: دَمًا أَوْ مَالًا أَوْ تَعْلُو عَلَيْهِمْ بِالْبَاطِلِ وَلَا تُنْصِفُهَا وَلَا تَقْتَصِرُ الْأُخْرَى عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ؛ فَالْوَاجِبُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْحَكَمُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا بِالْقِسْطِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمَحْوِ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِذَا أَصْلَحَ مُصْلِحٌ بَيْنَهُمَا فَلْيُصْلِحْ بِالْعَدْلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ . وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ الْعَفْوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ . {قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا رُفِعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أَمْرٌ فِيهِ الْقِصَاصُ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوِ إلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّكَافُؤِ: هُوَ فِي الْمُسْلِمِ الْحُرِّ مَعَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ.
فَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءِ لِلْمُسْلِمِ كَمَا أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ الَّذِي يَقْدَمُ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ رَسُولًا أَوْ تَاجِرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ لَيْسَ بِكُفْءِ لَهُ وِفَاقًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ كُفْءٌ لَهُ وَكَذَلِكَ النِّزَاعُ فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْخَطَأُ الَّذِي يُشْبِهُ الْعَمْدَ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَلَا إنَّ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ فِي السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا﴾ . سَمَّاهُ شِبْهَ الْعُمَدِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْعُدْوَانَ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ؛ لَكِنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا.
فَقَدْ تَعَمَّدَ الْعُدْوَانَ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ مَا يَقْتُلُ.
وَالثَّالِثُ: الْخَطَأُ الْمَحْضُ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ: مِثْلَ أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا أَوْ هَدَفًا: فَيُصِيبُ إنْسَانًا بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَلَا قَصْدِهِ.
فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ قَوَدٌ.
وَإِنَّمَا فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَهُنَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبَيْنَهُمْ.

فَصْلٌ: وَالْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ أَيْضًا ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ بِشَرْطِ الْمُسَاوَاةِ؛ فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلٍ فَلَهُ أَنْ يُقْطَعَ يَدُهُ كَذَلِكَ.
وَإِذَا قَلَعَ سِنَّهُ فَلَهُ أَنْ يُقْلَعَ سِنُّهُ.
وَإِذَا شَجَّهُ فِي رَأْسِهِ أَوْ وَجْهِهِ فَأَوْضَحَ الْعَظْمَ فَلَهُ أَنْ يَشُجَّهُ كَذَلِكَ.
وَإِذَا لَمْ تُمَكَّنْ الْمُسَاوَاةُ: مِثْلَ أَنْ يَكْسِرَ لَهُ عَظْمًا بَاطِنًا أَوْ يَشُجَّهُ دُونَ الْمُوضِحَةِ فَلَا يُشْرَعُ الْقِصَاصُ؛ بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ الْمَحْدُودَةُ أَوْ الْأَرْشُ.
وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الضَّرْبِ بِيَدِهِ أَوْ بِعَصَاهُ أَوْ سَوْطِهِ مِثْلَ أَنْ يَلْطِمَهُ أَوْ يَلْكُمَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ بِعَصَا وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ؛ بَلْ فِيهِ التَّعْزِيرُ لِأَنَّهُ لَا تُمَكَّنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ.
وَالْمَأْثُورُ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّ الْقِصَاصَ مَشْرُوعٌ فِي ذَلِكَ وَهُوَ نَصُّ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَبِذَلِكَ جَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ أَبُو فِرَاسٍ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَ حَدِيثًا قَالَ فِيهِ: أَلَا إنِّي وَاَللَّهِ مَا أُرْسِلُ عُمَّالِي إلَيْكُمْ لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلَا

لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ؛ وَلَكِنْ أُرْسِلُهُمْ إلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّكُمْ.
فَمَنْ فُعِلَ بِهِ سِوَى ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إلَيَّ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إذًا لَأَقُصَّنَّهُ مِنْهُ فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ العاص فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: إنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُمِّرَ عَلَى رَعِيَّةٍ فَأَدَبَّ رَعِيَّتَهُ أَإِنَّك لَتَقُصَّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إي وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إذًا لَأَقُصَّنَّهُ مِنْهُ وَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُصُّ مِنْ نَفْسِهِ.
أَلَّا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ.
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ.
وَمَعْنَى هَذَا إذَا ضَرَبَ الْوَالِي رَعِيَّتَهُ ضَرْبًا غَيْرَ جَائِزٍ.
فَأَمَّا الضَّرْبُ الْمَشْرُوعُ فَلَا قِصَاصُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ إذْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ جَائِزٌ.
فَصْلٌ: وَالْقِصَاصُ فِي الْأَعْرَاضِ مَشْرُوعٌ أَيْضًا: وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَعَنَ رَجُلًا أَوْ دَعَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ إذَا شَتَمَهُ: بِشَتْمَةِ لَا كَذِبَ فِيهَا.
وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

﴿الْمُسْتَبَّانِ: مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ﴾ . وَيُسَمَّى هَذَا الِانْتِصَارُ.
وَالشَّتِيمَةُ الَّتِي لَا كَذِبَ فِيهَا مِثْلَ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْقَبَائِحِ أَوْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَلْبِ أَوْ الْحِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ افْتَرَى عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَفَّرَهُ أَوْ فَسَّقَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَهُ أَوْ يُفَسِّقَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَوْ لَعَنَ أَبَاهُ أَوْ قَبِيلَتَهُ أَوْ أَهْلَ بَلَدِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى عَلَى أُولَئِكَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَظْلِمُوهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَلَّا يَحْمِلَهُمْ بُغْضُهُمْ لِلْكُفَّارِ عَلَى أَلَّا يَعْدِلُوا.
وَقَالَ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . فَإِنْ كَانَ الْعُدْوَانُ عَلَيْهِ فِي الْعِرْضِ مُحَرَّمًا لَحِقَهُ؛ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْأَذَى جَازَ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِمِثْلِهِ كَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا دَعَاهُ؛ وَأَمَّا إذَا كَانَ مُحَرَّمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْكَذِبِ لَمْ يَجُزْ بِحَالِ وَهَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إذَا قَتَلَهُ بِتَحْرِيقِ أَوْ تَغْرِيقٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ مَا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُحَرَّمًا فِي نَفْسِهِ كَتَجْرِيعِ الْخَمْرِ وَاللِّوَاطِ بِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ إلَّا بِالسَّيْفِ.
وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ.

فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْفِرْيَةُ وَنَحْوُهَا لَا قِصَاصَ فِيهَا؛ فَفِيهَا الْعُقُوبَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
فَمِنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ الثَّابِتِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فَإِذَا رَمَى الْحُرُّ مُحْصَنًا بِالزِّنَا وَاللِّوَاطِ فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَإِنْ رَمَاهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ عُوقِبَ تَعْزِيرًا.
وَهَذَا الْحَدُّ يَسْتَحِقُّهُ الْمَقْذُوفُ فَلَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِطَلَبِهِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
فَإِنْ عَفَا عَنْهُ سَقَطَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ كَالْقَصَّاصِ وَالْأَمْوَالِ.
وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ تَغْلِيبًا لِحَقِّ اللَّهِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
وَإِنَّمَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ مُحْصَنًا وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْعَفِيفُ.
فَأَمَّا الْمَشْهُورُ بِالْفُجُورِ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالرَّقِيقُ؛

لَكِنْ يُعَزَّرُ الْقَاذِفُ؛ إلَّا الزَّوْجَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْذِفَ امْرَأَتَهُ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تَحْبَلْ مِنْ الزِّنَا.
فَإِنْ حَبَلَتْ مِنْهُ وَوَلَدَتْ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْذِفَهَا وَيَنْفِيَ وَلَدَهَا؛ لِئَلَّا يَلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ.
وَإِذَا قَذَفَهَا فَإِمَّا أَنْ تُقِرَّ بِالزِّنَا وَإِمَّا أَنَّ تُلَاعِنُهُ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَلَوْ كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا فَعَلَيْهِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ وَكَذَلِكَ فِي جَلْدِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْإِمَاءِ: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ . وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَاجِبُ الْقَتْلَ أَوْ قَطْعَ الْيَدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَصَّفُ.
فَصْلٌ: وَمِنْ الْحُقُوقِ الْأَبْضَاعِ فَالْوَاجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ إمْسَاكٍ بِمَعْرُوفِ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانِ.
فَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْآخَرِ حُقُوقَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ وَانْشِرَاحِ صَدْرٍ؛ فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا فِي مَالِهِ وَهُوَ الصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ.
وَحَقًّا فِي بَدَنِهِ وَهُوَ الْعِشْرَةُ وَالْمُتْعَةُ؛ بِحَيْثُ لَوْ آلَى مِنْهَا اسْتَحَقَّتْ الْفُرْقَةَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا لَا يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا فَلَهَا الْفُرْقَةُ؛ وَوَطْؤُهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.

وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَجِبُ اكْتِفَاءٌ بِالْبَاعِثِ الطَّبِيعِيِّ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْأُصُولُ.
وَقَدْ ﴿قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا رَآهُ يُكْثِرُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ -: إنَّ لِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا﴾ . ثُمَّ قِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا كُلَّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُرَّةً.
وَقِيلَ: يَجِبُ وَطْؤُهَا بِالْمَعْرُوفِ عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِ وَحَاجَتِهَا.
كَمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ كَذَلِكَ؛ وَهَذَا أَشْبَهُ.
وَلِلرَّجُلِ عَلَيْهَا أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا أَوْ يَشْغَلْهَا عَنْ وَاجِبٍ.
فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ كَذَلِكَ.
وَلَا تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ أَوْ بِإِذْنِ الشَّارِعِ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ عَلَيْهَا خِدْمَةُ الْمَنْزِلِ كَالْفَرْشِ وَالْكَنْسِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهَا.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ.
وَقِيلَ: يَجِبُ الْخَفِيفُ مِنْهُ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيهَا بِالْعَدْلِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِثْلَ قَسْمِ الْمَوَارِيثِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ

الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَسَائِلَ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَاتِ مِنْ الْمُبَايَعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْوِكَالَاتِ وَالْمُشَارَكَاتِ وَالْهِبَاتِ وَالْوُقُوفِ وَالْوَصَايَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعُقُودِ والقبوض؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ فِيهَا هُوَ قِوَامُ الْعَالَمِينَ لَا تَصْلُحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ إلَّا بِهِ.
فَمِنْ الْعَدْلِ فِيهَا مَا هُوَ ظَاهِرٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ بِعَقْلِهِ كَوُجُوبِ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَتَحْرِيمِ تَطْفِيفِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ وَوُجُوبِ الصِّدْقِ وَالْبَيَانِ وَتَحْرِيمِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ وَأَنَّ جَزَاءَ الْقَرْضِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ.
وَمِنْهُ مَا هُوَ خَفِيٌّ جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ أَوْ شَرِيعَتُنَا - أَهْلُ الْإِسْلَامِ - فَإِنَّ عَامَّةَ مَا نَهَى عَنْهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ يَعُودُ إلَى تَحْقِيقِ الْعَدْلِ وَالنَّهْيِ عَنْ الظُّلْمِ: دِقِّهِ وَجِلِّهِ؛ مِثْلَ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ.
وَجِنْسِهِ مِنْ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ.
وَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ بَيْعِ الْغَرَرِ وَبَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَبَيْعِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَالْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى وَبَيْعِ الْمُصَرَّاةِ وَبَيْعِ الْمُدَلِّسِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالنَّجْشِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُشَارَكَاتِ

الْفَاسِدَةِ.
كَالْمُخَابَرَةِ بِزَرْعِ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ الْأَرْضِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ لِخَفَائِهِ وَاشْتِبَاهِهِ فَقَدْ يُرَى هَذَا الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ صَحِيحًا عَدْلًا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَرَى فِيهِ جَوْرًا يُوجِبُ فَسَادَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا إلَّا مَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَمَا لَا يُشَرِّعُ لَهُمْ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّهِ إلَّا مَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى شَرْعِهِ؛ إذْ الدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ؛ بِخِلَافِ الَّذِينَ ذَمَّهُمْ اللَّهُ حَيْثُ حَرَّمُوا مِنْ دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وَأَشْرَكُوا بِهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَشَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِأَنْ نَجْعَلَ الْحَلَالَ مَا حَلَّلْته وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمْته وَالدِّينَ مَا شَرَعْته.
فَصْلٌ: لَا غِنَى لِوَلِيِّ الْأَمْرِ عَنْ الْمُشَاوَرَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ تَعَالَى {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ

وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} وَقَدْ رُوِيَ ﴿عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴾ . وَقَدْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهَا نَبِيَّهُ لِتَأْلِيفِ قُلُوبِ أَصْحَابِهِ وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ وَلِيَسْتَخْرِجَ بِهَا مِنْهُمْ الرَّأْيَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ: مِنْ أَمْرِ الْحُرُوبِ وَالْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَغَيْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِالْمَشُورَةِ.
وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ . وَإِذَا اسْتَشَارَهُمْ فَإِنْ بَيَّنَ لَهُ بَعْضُهُمْ مَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أَوْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُ ذَلِكَ وَلَا طَاعَةَ لِأَحَدِ فِي خِلَافِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ . وَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ رَأْيَهُ وَوَجْهَ رَأْيِهِ فَأَيُّ الْآرَاءِ كَانَ أَشْبَهَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَمِلَ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ

إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} . وَأُولُو الْأَمْرِ صِنْفَانِ: الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَهُمْ الَّذِينَ إذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَّاسُ فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَحَرَّى بِمَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتِّبَاعَ كِتَابِ اللَّهِ.
وَمَتَى أَمْكَنَ فِي الْحَوَادِثِ الْمُشْكِلَةِ مُعَرَّفَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ؛ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ عَجْزِ الطَّالِبِ أَوْ تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ يَرْتَضِي عِلْمَهُ وَدِينَهُ.
هَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ.
وَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ لَهُ التَّقْلِيدُ بِكُلِّ حَالٍ وَقِيلَ: لَهُ التَّقْلِيدُ بِكُلِّ حَالٍ.
وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ مِنْ الشُّرُوطِ يَجِبُ فِعْلُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ بَلْ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ مَعَ الْقُدْرَةِ.
فَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ الْمُصَلِّيَ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِالْمَاءِ فَإِنْ عَدِمَهُ أَوْ خَافَ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِهِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ تَيَمَّمَ صَعِيدًا طَيِّبًا فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ مِنْهُ.
﴿وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ: صَلِّ قَائِمًا.
فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ﴾ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ عَلَى أَيِّ حَالٍ أَمْكَنَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {حَافِظُوا

عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ . فَأَوْجَبَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى الْآمِنِ وَالْخَائِفِ وَالصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ وَالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ وَخَفَّفَهَا عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْخَائِفِ وَالْمَرِيضِ كَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَكَذَلِكَ أَوْجَبَ فِيهَا وَاجِبَاتٍ: مِنْ الطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَأَسْقَطَ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ.
فَلَوَا انْكَسَرَتْ سَفِينَةُ قَوْمٍ أَوْ سَلَبَهُمْ الْمُحَارِبُونَ ثِيَابَهُمْ صَلَّوْا عُرَاةً بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ وَقَامَ إمَامُهُمْ وَسَطَهُمْ؛ لِئَلَّا يُرَى الْبَاقُونَ عَوْرَتَهُ.
وَلَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِمْ الْقِبْلَةُ اجْتَهَدُوا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا.
فَلَوْ عَمِيَتْ الدَّلَائِلُ صَلَّوْا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمْ كَمَا قَدْ رَوَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَكَذَا الْجِهَادُ وَالْوِلَايَاتُ وَسَائِرُ أُمُورِ الدِّينِ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ الْمَطَاعِمَ الْخَبِيثَةَ قَالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ

حَرَجٍ} فَلَمْ يُوجِبْ مَا لَا يُسْتَطَاعُ وَلَمْ يُحَرِّمْ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ إذَا كَانَتْ الضَّرُورَةُ بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ مِنْ الْعَبْدِ.
فَصْلٌ: يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ؛ بَلْ لَا قِيَامَ لِلدِّينِ وَلَا لِلدُّنْيَا إلَّا بِهَا.
فَإِنَّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ وَلَا بُدَّ لَهُمْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ رَأْسٍ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ﴾ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةٍ يَكُونُونَ بِفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ﴾ فَأَوْجَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ تَنْبِيهًا بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِقُوَّةِ وَإِمَارَةٍ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا أَوْجَبَهُ مِنْ الْجِهَادِ وَالْعَدْلِ وَإِقَامَةِ الْحَجِّ وَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ.
وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقُوَّةِ وَالْإِمَارَةِ؛ وَلِهَذَا رُوِيَ: ﴿أَنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ﴾ .

وَيُقَالُ ﴿سِتُّونَ سَنَةً مِنْ إمَامٍ جَائِرٍ أَصْلَحُ مِنْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا سُلْطَانٍ﴾ . وَالتَّجْرِبَةُ تُبَيِّنُ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ - كالْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا - يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِلسُّلْطَانِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مِنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ﴾ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ: ﴿ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ﴾ . رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ﴿الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ.
قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ﴾ . فَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُ الْأَمَارَةِ دِينًا وَقُرْبَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ فِيهَا بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ.
وَإِنَّمَا يَفْسُدُ فِيهَا حَالُ أَكْثَرِ النَّاسِ لِابْتِغَاءِ الرِّيَاسَةِ أَوْ الْمَالِ بِهَا.
وَقَدْ رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ﴾ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
فَأَخْبَرَ أَنَّ حِرْصَ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ

يُفْسِدُ دِينَهُ مِثْلَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ فَسَادِ الذِّئْبَيْنِ الْجَائِعَيْنِ لِزَرِيبَةِ الْغَنَمِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الَّذِي يُؤْتَى كِتَابَهُ بِشَمَالِهِ أَنَّهُ يَقُولُ: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ . وَغَايَةُ مُرِيدِ الرِّيَاسَةِ أَنْ يَكُونَ كَفِرْعَوْنَ وَجَامِعُ الْمَالِ أَنْ يَكُونَ كقارون وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حَالَ فِرْعَوْنَ وَقَارُونَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . فَإِنَّ النَّاسَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يُرِيدُونَ الْعُلُوَّ عَلَى النَّاسِ وَالْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ وَالرُّؤَسَاءُ الْمُفْسِدُونَ كَفِرْعَوْنَ وَحِزْبِهِ.
وَهَؤُلَاءِ هُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ

فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبِي حَسَنًا وَنَعْلِي حَسَنًا.
أَفَمِنْ الْكِبْرِ ذَاكَ؟ قَالَ: لَا؛ إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسَ} فَبَطَرُ الْحَقِّ دَفْعُهُ وَجَحْدُهُ.
وَغَمْطُ النَّاسِ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ وَهَذَا حَالُ مَنْ يُرِيدُ الْعُلُوَّ وَالْفَسَادَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْفَسَادَ بِلَا عُلُوٍّ كَالسُّرَّاقِ وَالْمُجْرِمِينَ مِنْ سَفَلَةِ النَّاسِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: يُرِيدُونَ الْعُلُوَّ بِلَا فَسَادٍ كَاَلَّذِينَ عِنْدَهُمْ دِينٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَعْلُوا بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . فَكَمْ مِمَّنْ يُرِيدُ الْعُلُوَّ وَلَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إلَّا سُفُولًا وَكَمْ مِمَّنْ جُعِلَ مِنْ الْأَعْلَيْنَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْعُلُوَّ وَلَا الْفَسَادَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إرَادَةَ الْعُلُوِّ

عَلَى الْخَلْقِ ظُلْمٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِرَادَةُ الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَعْلَى وَنَظِيرُهُ تَحْتَهُ ظُلْمٌ وَمَعَ أَنَّهُ ظُلْمٌ فَالنَّاسُ يُبْغِضُونَ مَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ وَيُعَادُونَهُ؛ لِأَنَّ الْعَادِلَ مِنْهُمْ لَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَقْهُورًا لِنَظِيرِهِ وَغَيْرُ الْعَادِلِ مِنْهُمْ يُؤْثِرُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقَاهِرُ ثُمَّ إنَّهُ مَعَ هَذَا لَا بُدَّ لَهُ - فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ - مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِرَأْسِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ . فَجَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِصَرْفِ السُّلْطَانِ وَالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِالسُّلْطَانِ وَالْمَالِ هُوَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ وَإِنْفَاقَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِهِ كَانَ ذَلِكَ صَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَإِنْ انْفَرَدَ السُّلْطَانُ عَنْ الدِّينِ أَوْ الدِّينُ عَنْ السُّلْطَانِ فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ وَإِنَّمَا يَمْتَازُ أَهْلُ طَاعَةِ اللَّهِ عَنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إلَى أَمْوَالِكُمْ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ﴾ . وَلَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ إرَادَةُ الْمَالِ وَالشَّرَفِ [وَ] 1 صَارُوا بِمَعْزِلِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ فِي وِلَايَتِهِمْ: رَأَى كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الْإِمَارَةَ

تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة

أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة

جارٍ التحميل