كِتَابُ النِكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَسْتَحِلُّ بِهِ الْفُرُوجَ مِنْ الشُّرُوطِ أَحَقَّ بِالْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا نَصٌّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الشُّرُوطِ؛ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ شَرْطٌ يُوَفَّى بِهِ بِالْإِجْمَاعِ غَيْرَ الصَّدَاقِ وَالْكَلَامِ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ هَذِهِ الشُّرُوطَ.
وَأَمَّا شَرْطُ مُقَامِ وَلَدِهَا عِنْدَهَا وَنَفَقَتِهِ عَلَيْهِ: فَهَذَا مِثْلُ الزِّيَادَةِ فِي الصَّدَاقِ وَالصَّدَاقُ يَحْتَمِلُ مِنْ الْجَهَالَةِ فِيهِ - فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَد وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ - مَا لَا يَحْتَمِلُ فِي الثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ وَكُلُّ جَهَالَةٍ تَنْقُصُ عَلَى جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ تَكُونُ أَحَقَّ بِالْجَوَازِ؛ لَا سِيَّمَا مِثْلَ هَذَا يَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: إنْ اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ.
فَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُ النَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَمَتَى لَمْ يُوفِ لَهَا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فَتَزَوَّجَ وَتَسَرَّى: فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ.
لَكِنْ فِي تَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ نِزَاعٌ؛ لِكَوْنِهِ خِيَارًا مُجْتَهَدًا فِيهِ كَخِيَارِ الْعُنَّةِ وَالْعُيُوبِ؛ إذْ فِيهِ خِلَافٌ.
أَوْ يُقَالُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ فِي ثُبُوتِهِ وَإِنْ وَقَعَ نِزَاعٌ فِي الْفَسْخِ بِهِ؛ كَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ: يَثْبُتُ فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ مِثْلَ أَنْ يَفْسَخَ عَلَى التَّرَاخِي.
وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ تَوَقُّفَ الْفَسْخِ عَلَى الْحُكْمِ هَلْ هُوَ الِاجْتِهَادُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ أَيْضًا؟ أَوْ أَنَّ الْفُرْقَةَ يُحْتَاطُ لَهَا؟ وَالْأَقْوَى أَنَّ الْفَسْخَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ كَالْعُنَّةِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؛ لَكِنْ إذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى فِيهِ إمْضَاءَهُ أَمْضَاهُ وَإِنْ رَأَى إبْطَالَهُ أَبْطَلَهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ شَرَطَ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَلَا يَتَسَرَّى وَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ مِنْ بَلَدِهَا.
فَإِذَا شَرَطَتْ عَلَى الزَّوْجِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَاتَّفَقَا عَلَيْهَا وَخَلَا الْعَقْدُ عَنْ ذِكْرِهَا: هَلْ تَكُونُ صَحِيحَةً لَازِمَةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا كَالْمُقَارَنَةِ أَوْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَعَمْ تَكُونُ صَحِيحَةً لَازِمَةً إذَا لَمْ يُبْطِلَاهَا حَتَّى لَوْ قَارَنَتْ عَقْدَ الْعَقْدِ.
هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ مَالِك وَغَيْرِهِمَا فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: يُخَرَّجُ مِنْ مَسْأَلَةِ " صَدَاقِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ " وَكَذَا يَطْرُدُهُ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عِنْدَهُمَا كَالْمُقَارَنَةِ.
وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَد قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَا تُؤَثِّرُ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ الَّذِي يُجْعَلُ غَيْرَ مَقْصُودٍ كَالتَّوَاطُؤِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ تَلْجِئَةٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَبَيْنَ الشَّرْطِ الَّذِي لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ وَنَحْوِهِ.
وَأَمَّا عَامَّةُ نُصُوصِ أَحْمَد وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ وَمُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ: عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ وَالْمُوَاطَأَةَ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَبْلَ الْعَقْدِ إذَا لَمْ يَفْسَخَاهَا حَتَّى عَقَدَا الْعَقْدَ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ
مُقَيَّدًا بِهَا وَعَلَى هَذَا جَوَابُ أَحْمَد فِي مَسَائِلِ الْحِيَلِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْقَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا كَثِيرٌ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ أَصْحَابِهِ تَضِيقُ الْفَتْوَى عَنْ تَعْدِيدِ أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ.
وَكَثِيرٌ مِنْهَا مَشْهُورٌ عِنْدَ مَنْ لَهُ أَدْنَى خِبْرَةٍ بِأُصُولِ أَحْمَد وَنُصُوصِهِ؛ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَقَدْ قَرَّرْنَا دَلَائِلَ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي " مَسْأَلَةِ التَّحْلِيلِ ". وَمَنْ تَأَمَّلَ الْعُقُودَ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ مِثْلَ عَقْدِ الْبَيْعَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْن الْأَنْصَارِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَعَقْدِ الْهُدْنَةِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْن قُرَيْشٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَغَيْرِ ذَلِكَ: عَلِمَ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى الشُّرُوطِ ثُمَّ عَقَدُوا الْعَقْدَ بِلَفْظِ مُطْلَقٍ وَكَذَلِكَ عَامَّةُ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ وَالشُّرُوطِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْغَدْرِ وَالثَّلَاثُ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ تَنَاوُلًا وَاحِدًا؛ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ مُتَّفِقُونَ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَالْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةُ تُوَافِقُ ذَلِكَ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِنْتًا عُمْرُهَا عَشْرُ سِنِينَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَهْلُهَا أَنَّهُ يَسْكُنُ عِنْدَهُمْ وَلَا يَنْقُلُهَا عَنْهُمْ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ.
فَأَخَذَهَا إلَيْهِ وَأَخْلَفَ ذَلِكَ وَدَخَلَ عَلَيْهَا وَذَكَرَ الدَّايَاتُ: أَنَّهُ نَقَلَهَا ثُمَّ
سَكَنَ بِهَا فِي مَكَانٍ يَضْرِبُهَا فِيهِ الضَّرْبَ الْمُبَرِّحَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَافَرَ بِهَا ثُمَّ حَضَرَا بِهَا وَمَنَعَ أَنْ يَدْخُلَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا مَعَ مُدَاوَمَتِهِ عَلَى ضَرْبِهَا: فَهَلْ يَحِلُّ أَنْ تَدُومَ مَعَهُ عَلَى هَذَا الْحَالِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فَلَا يَحِلُّ إقْرَارُهَا مَعَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ.
بَلْ إذَا تَعَذَّرَ أَنْ يُعَاشِرَهَا بِالْمَعْرُوفِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَطْئًا يَضُرُّ بها؛ بَلْ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ الْعُدْوَانِ عَلَيْهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ شَرَطَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالشُّهُودِ أَنْ لَا يُسْكِنَهَا فِي مَنْزِلِ أَبِيهِ فَكَانَتْ مُدَّةَ السُّكْنَى مُنْفَرِدَةً وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ: فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؟ وَهَلْ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ النِّكَاحَ إذَا أَرَادَ إبْطَالَ الشَّرْطِ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَ أُمَّهَا أَوْ أُخْتَهَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَالْمَبِيتِ عِنْدَهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا هُوَ عَاجِزٌ عَنْهُ؛ لَا سِيَّمَا إذَا شَرَطَتْ الرِّضَا بِذَلِكَ بَلْ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى مَسْكَنٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - كَمَالِكِ وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمَا - غَيْرُ مَا شَرَطَ لَهَا فَكَيْفَ إذَا كَانَ عَاجِزًا؟ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ النِّكَاحَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا.
فَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ السَّكَنُ يَصْلُحُ لِسُكْنَى الْفَقِيرِ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْ الدُّخُولِ إلَى مَنْزِلِهِ: لَا أُمَّهَا وَلَا أُخْتَهَا: إذَا كَانَ مُعَاشِرًا لَهَا بِالْمَعْرُوفِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ وَشَرَطُوا عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُ بِهَا تَكُونُ طَالِقًا وَكُلَّ جَارِيَةٍ يَتَسَرَّى بِهَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ إنَّهُ تَزَوَّجَ وَتَسَرَّى: فَمَا الْحُكْمُ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ؟
فَأَجَابَ:
هَذَا الشَّرْطُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَازِمٌ لَهُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: مَتَى تَزَوَّجَ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ وَمَتَى تَسَرَّى عَتَقَتْ عَلَيْهِ الْأَمَةُ وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَحْمَد فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَلَا الْعِتَاقُ؛ لَكِنْ إذَا تَزَوَّجَ وَتَسَرَّى كَانَ الْأَمْرُ بِيَدِهَا: إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ﴾ وَلِأَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ.
فَالْأَقْوَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةٌ: " أَحَدُهَا " يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ.
و " الثَّانِي " لَا يَقَعُ بِهِ وَلَا تَمْلِكُ امْرَأَتُهُ فِرَاقَهُ.
و " الثَّالِثُ " - وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَا عِتَاقٌ؛ لَكِنْ لِامْرَأَتِهِ مَا شَرَطَ لَهَا: فَإِنْ شَاءَتْ تُقِيمُ مَعَهُ؛ وَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تُفَارِقَهُ.
وَهَذَا أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ.
وَسُئِلَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ.
أَنَّهُ مَا يَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا: فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَفِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً؛ وَشَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ: فَهَلْ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إذَا تَزَوَّجَهَا عِنْدَ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَإِذَا شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا وَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا: كَانَ هَذَا الشَّرْطُ صَحِيحًا لَازِمًا فِي مَذْهَبِ مَالِك وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَمَتَى تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلِ فَلَمَّا دَخَلَ رَأَتْ بِجِسْمِهِ بَرَصًا: فَهَلْ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ عَلَيْهِ النِّكَاحَ؟
فَأَجَابَ:
إذَا ظَهَرَ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ: فَلِلْآخَرِ فَسْخُ النِّكَاحِ؛ لَكِنْ إذَا رَضِيَ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ فَلَا فَسْخَ لَهُ.
وَإِذَا فَسَخَتْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ جِهَازِهَا وَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا وَإِنْ فَسَخَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَةٍ فَظَهَرَ مَجْذُومًا: فَهَلْ لَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا ظَهَرَ أَنَّ الزَّوْجَ مَجْذُومٌ.
فَلِلْمَرْأَةِ فَسْخُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِكْرًا فَوَجَدَهَا مُسْتَحَاضَةً لَا يَنْقَطِعُ دَمُهَا مِنْ بَيْتِ أُمِّهَا وَأَنَّهُمْ غَرُّوهُ: فَهَلْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ بِالصَّدَاقِ؟ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى أُمِّهَا وَأَبِيهَا يَمِينٌ إذَا أَنْكَرُوا أَمْ لَا؟ وَهَلْ يَكُونُ لَهُ وَطْؤُهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
هَذَا عَيْبٌ يَثْبُتُ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ فِي أَظْهَرْ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ لِوَجْهَيْنِ " أَحَدُهُمَا " أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْوَطْءُ مَعَهُ إلَّا بِضَرَرِ يَخَافُهُ وَأَذًى يَحْصُلُ لَهُ.
" وَالثَّانِي " أَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَحَاضَةِ عِنْدَ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ؛ إلَّا لِضَرُورَةِ.
وَمَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ حِسًّا: كَاسْتِدَادِ الْفَرْجِ.
أَوْ طَبْعًا كَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ: يُثْبِتُ الْفَسْخَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد؛ كَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ.
وَأَمَّا مَا يَمْنَعُ كَمَالَ الْوَطْءِ كَالنَّجَاسَةِ فِي الْفَرْجِ: فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَالْمُسْتَحَاضَةُ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهَا وَإِذَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَهُ؟ قِيلَ: إنَّ الصَّدَاقَ يَسْتَقِرُّ بِمِثْلِ هَذِهِ الْخَلْوَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ.
وَقِيلَ: لَا يَسْتَقِرُّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ مَنْ ادَّعَى الْغُرُورَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ.
وَوَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ وَطْؤُهَا؛ كَقَوْلِ
الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ.
وَلَهُ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِقَوْلِ أَوْ فِعْلٍ؛ فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهْلَ: فَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ؟ فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَالْأَظْهَرُ ثُبُوتُ الْفَسْخِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَبَانَتْ ثَيِّبًا فَهَلْ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِأَرْشِ الصَّدَاقِ - وَهُوَ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ مَهْرِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَيُنْقِصُ بِنِسْبَتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى وَإِذَا فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ الْمَهْرُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ نِكَاحُ الْكُفَّارِ
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ؛ لَا مِنْ سِفَاحٍ﴾ مَا مَعْنَاهُ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ مِنْ مَرَاسِيلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَغَيْرِهِ.
وَلَفْظُهُ: ﴿وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ لَمْ يُصِبْنِي مِنْ نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ﴾ فَكَانَتْ مَنَاكِحُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَنْحَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ النِّكَاحِ قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ: أَهْوَ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: *
كَانَتْ مَنَاكِحُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَنْحَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ: مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ.
وَذَلِكَ النِّكَاحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ صَحِيحٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنَاكِحِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ فِي الْإِسْلَامِ وَيَلْحَقُهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ: مِنْ الْإِرْثِ وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: نِكَاحُ أَهْلِ الشِّرْكِ لَيْسَ بِصَحِيحِ.
وَمَعْنَى هَذَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
الْكَافِرُ ثَلَاثًا لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ وَلَوْ طَلَّقَ الْمُسْلِمُ زَوْجَتَهُ الذِّمِّيَّةَ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا ذِمِّيٌّ وَوَطِئَهَا لَمْ يُحِلَّهَا عِنْدَهُ وَلَوْ وَطِئَ ذِمِّيًّ ذِمِّيَّةً بِنِكَاحِ لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مُحْصِنًا.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذَا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ صَحِيحًا فِي لُحُوقِ النَّسَبِ وَثُبُوتِ - الْفِرَاشِ: فَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ؛ بَلْ لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ الْكَافِرَانِ أُقِرَّا عَلَى نِكَاحِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَا لَا يُقَرَّانِ عَلَى وَطْءِ شُبْهَةٍ وَقَدْ احْتَجَّ النَّاسُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ نِكَاحٌ صَحِيحٌ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ وَقَالُوا: قَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ " امْرَأَةً " وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ: كَانُوا مُشْرِكِينَ أَهْلَ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ.
وَمُشْرِكِينَ أَهْلَ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ.
وَكَانَ إذَا هَاجَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ؛ فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُنْكَحَ رُدَّتْ إلَيْهِ.
فَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدَّ وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَتْ قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ وَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَتْ أُمُّ الْحَكَمِ ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الفهري فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ.
ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَابٍ بَعْدَهُ: وَقَالَ: ابْنُ جريج: قُلْت لِعَطَاءِ: امْرَأَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ جَاءَتْ إلَى الْمُسْلِمِينَ أَيُعَاضُ زَوْجُهَا مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ ؟ قَالَ: لَا.
إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا كُلُّهُ فِي صُلْحٍ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ.
قُلْت: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ فُصُولٌ.
" أَحَدُهَا " أَنَّ الْمُهَاجِرَةَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ؛ إنَّمَا عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ بِحَيْضَةِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِيهَا حَقٌّ لِلزَّوْجِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ وَلِهَذَا قُلْنَا: لَا تَتَدَاخَلُ.
وَهَذِهِ مَلَكَتْ نَفْسَهَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ كَمَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ نَفْسَهُ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا حَقٌّ؛ لَكِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ فِيهَا كَالْأَمَةِ الْمُعْتَقَةِ وَقَدْ يُقَوِّي هَذَا قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: الْمُخْتَلَعَةُ يَكْفِيهَا حَيْضَةٌ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا مُتَخَلِّصَةٌ.
" الثَّانِي " أَنَّ زَوْجَهَا إذَا هَاجَرَ قَبْلَ النِّكَاحِ رُدَّتْ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ حَاضَتْ وَمَعَ هَذَا فَقَدَ رَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْدَ هَذَا عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إذَا أَسْلَمَتْ النَّصْرَانِيَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْمُهَاجِرَةِ يُوَافِقُ الْمَشْهُورَ مِنْ ﴿أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُدَّتْ عَلَى أَبِي العاص بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ﴾ وَقَدْ كَتَبْت فِي الْفِقْهِ فِي هَذَا آثَارًا وَنُصُوصًا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
" الثَّالِثُ " قَوْلُهُ: إنَّ الْمُهَاجِرَ مِنْ عَبِيدِهِمْ يَكُونُ حُرًّا لَهُ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ؛ كَمَا فِي قِصَّةِ أَبِي بَكْرَةَ وَمَنْ هَاجَرَ مَعَهُ مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الطَّائِفِ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ مَلَكَ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ مَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مَالُ إبَاحَةٍ فَمَنْ غَلَبَ عَلَى شَيْءٍ مَلَكَهُ؛ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَمْلِكَهَا وَالْإِسْلَامُ يَعْصِمُ ذَلِكَ.
" الرَّابِعُ " أَنَّ الْمُهَاجِرَ مِنْ رَقِيقِ الْمُعَاهِدِينَ: يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ثَمَنُهُ دُونَ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَالَهُمْ مَعْصُومٌ: فَهُوَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الذِّمِّيِّ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِبَيْعِ أَوْ هِبَةٍ أَوْ عِتْقٍ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْهِ وَلَا يُرَدُّ عَيْنَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَرِقُّونَ الْمُسْلِمَ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ بِخِلَافِ رَدِّ الْحُرِّ إلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَرِقُّونَهُ وَلِهَذَا لَمَّا شَرَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَرُدَّ النِّسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ فَقَالَ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ لِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ فِي الْكُفْرِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ مَا لَا يُسْتَبَاحُ مِنْ الرَّجُلِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْأَسِيرَةَ كَالرَّجُلِ الْأَسِيرِ وَأَمَرَهُ بِرَدِّ الْمَهْرِ عِوَضًا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: *
عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وَقَدْ أَبَاحَ الْعُلَمَاءُ التَّزْوِيجَ بالنصرانية وَالْيَهُودِيَّةِ: فَهَلْ هُمَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ جَائِزٌ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَرِهَ نِكَاحَ النَّصْرَانِيَّةِ.
وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شُرَكَاءَ أَعْظَمَ مِمَّنْ تَقُولُ إنَّ رَبَّهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
وَهُوَ الْيَوْمُ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَقَدْ احْتَجُّوا بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ . وَالْجَوَابُ عَنْ آيَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: " أَحَدُهَا " أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُشْرِكِينَ فَجُعِلَ أَهْلُ الْكِتَابِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ .
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ وَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . قِيلَ: إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ بِالتَّوْحِيدِ فَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ وَلَكِنَّ النَّصَارَى ابْتَدَعُوا الشِّرْكَ كَمَا قَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فَحَيْثُ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا فَلِأَجْلِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الشِّرْكِ الَّذِي لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَجَبَ تَمَيُّزُهُمْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ اتِّبَاعُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِالتَّوْحِيدِ؛ لَا بِالشِّرْكِ: فَإِذَا قِيلَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ مُشْرِكِينَ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أُضِيفُوا إلَيْهِ لَا شِرْكَ فِيهِ كَمَا إذَا قِيلَ: الْمُسْلِمُونَ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ.
لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ لَا اتِّحَادٌ وَلَا رَفْضٌ وَلَا تَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الدَّاخِلِينَ فِي الْأُمَّةِ قَدْ ابْتَدَعَ هَذِهِ الْبِدَعَ؛ لَكِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَلَا يَزَالُ فِيهَا مَنْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْحِيدِ؛ بِخِلَافِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَلَمْ يُخْبِرْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ بِالِاسْمِ بَلْ قَالَ: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالْفِعْلِ وَآيَةُ الْبَقَرَةِ قَالَ فِيهَا: (الْمُشْرِكِينَ) وَ (الْمُشْرِكَاتِ) بِالِاسْمِ.
وَالِاسْمُ أَوْكَدُ مِنْ الْفِعْلِ
" الْوَجْهُ الثَّانِي " أَنْ يُقَالَ: إنْ شَمِلَهُمْ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ كَمَا وَصَفَهُمْ بِالشِّرْكِ: فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ دَلَالَةِ اللَّفْظِ مُفْرَدًا وَمَقْرُونًا؛ فَإِذَا أُفْرِدُوا دَخَلَ فِيهِمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَإِذَا قُرِنُوا مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِمْ كَمَا قِيلَ مِثْلُ هَذَا فِي اسْمِ " الْفَقِيرِ " و " الْمِسْكِينِ " وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَعَلَى هَذَا يُقَالُ: آيَةُ الْبَقَرَةِ عَامَّةٌ وَتِلْكَ خَاصَّةٌ.
وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ.
" الْوَجْهُ الثَّالِثُ " أَنْ يُقَالَ: آيَةُ الْمَائِدَةِ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَائِدَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْبَقَرَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ﴿الْمَائِدَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا﴾ وَالْآيَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ تَنْسَخُ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ إذَا تَعَارَضَتَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ " سُورَةَ الْمُمْتَحَنَةِ " وَأَمَرَ بِامْتِحَانِ الْمُهَاجِرِينَ.
وَهُوَ خِطَابٌ لِمَنْ كَانَ فِي عِصْمَتِهِ كَافِرَةٌ.
و " اللَّامُ " لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ وَالْكَوَافِرُ الْمَعْهُودَاتُ هُنَّ الْمُشْرِكَاتُ مَعَ أَنَّ الْكُفَّارَ قَدْ يُمَيِّزُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ فَإِنَّ أَصْلَ دِينِهِمْ هُوَ الْإِيمَانُ؛ وَلَكِنْ هُمْ
كَفَّرُوا مُبْتَدِعِينَ الْكُفْرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ .
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ الْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وَطْئِهِنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاعْتِبَارِ؟ وَعَلَى تَحْرِيمِ الْإِمَاءِ الْمَجُوسِيَّاتِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَطْءُ " الْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ " بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ وَطْئِهِنَّ بِمِلْكِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ تَحْرِيمُ ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ الْمَنْعُ مِنْ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ؛ وَإِنْ كَانَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَدْ قَالَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَوَائِل أَنَّهُ حَرَّمَ نِكَاحَهُنَّ.
وَلَكِنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ؛ وَلَكِنْ فِي كَرَاهَةِ نِكَاحِهِنَّ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ نِزَاعٌ وَالْكَرَاهَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَكَذَلِكَ كَرَاهَةُ وَطْءِ الْإِمَاءِ؟ فِيهِ نِزَاعٌ.
رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ كَرِهَهُ.
وَالْكَرَاهَةُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيَّةٌ
عَلَى كَرَاهَةِ التَّزَوُّجِ.
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ؛ بَلْ قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ: جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَحَرَّمَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِي وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ: أَشْهَرُهُمَا كَالثَّانِي؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْمُحْصَنَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْآيَةُ.
فَأَبَاحَ الْمُحْصَنَاتِ مِنْهُمْ وَقَالَ فِي آيَةِ الْإِمَاءِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فَإِنَّمَا أَبَاحَ النِّسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ؛ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا " الْأَمَةُ الْمَجُوسِيَّةُ " فَالْكَلَامُ فِيهَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ.
" أَحَدُهُمَا " أَنَّ نِكَاحَ الْمَجُوسِيَّاتِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْوَثَنِيَّاتِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَنْ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ خِلَافِ أَهْلِ الْبِدَعِ.
و " الْأَصْلُ الثَّانِي " أَنَّ مَنْ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالْوَثَنِيَّاتِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ: أَنَّهُ: قَالَ يُبَاحُ وَطْءُ الْإِمَاءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى أَيِّ دِينٍ كُنَّ
وَأَظُنُّ.
هَذَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ فِي وَطْءِ الْأَمَةِ الْوَثَنِيَّةِ نِزَاعًا.
وَأَمَّا الْأَمَةُ الْكِتَابِيَّةُ فَلَيْسَ فِي وَطْئِهَا مَعَ إبَاحَةِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ نِزَاعٌ؛ بَلْ فِي التَّزَوُّجِ بِهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقَوْلَ بِجَوَازِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ مَعَ الْمَنْعِ مِنْ التَّسَرِّي بِهِنَّ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ وَلَا يَقُولُهُ فَقِيهٌ.
وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ التَّسَرِّي بِهِنَّ وُجُوهٌ: " أَحَدُهَا " أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ وَلَمْ يَقُمْ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ دَلِيلٌ مِنْ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ فَبَقِيَ حِلُّ وَطْئِهِنَّ عَلَى الْأَصْلِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يُنَازِعُ فِي حِلِّ نِكَاحِهِنَّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ النِّكَاحَ؛ لَا يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي الْقِيَاسِ مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهُنَّ فَيَبْقَى الْحِلُّ عَلَى الْأَصْلِ.
" الثَّانِي " أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ ﴿إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يَقْتَضِي عُمُومَ جَوَازِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُطْلَقًا إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيلُ؛ حَتَّى إنَّ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ جَعَلُوا مِثْلَ هَذَا النَّصِّ مُتَنَاوِلًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حِينَ قَالُوا: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ.
فَإِذَا كَانُوا قَدْ جَعَلُوهُ عَامًّا فِي صُورَةٍ حُرِّمَ فِيهَا النِّكَاحُ فَلَأَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي صُورَةٍ لَا يَحْرُمُ فِيهَا النِّكَاحُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
" الثَّالِثُ " أَنْ يُقَالَ: قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حِلِّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ وَيَحْرُمُ التَّسَرِّي بِهِنَّ؛ بَلْ قَدْ قِيلَ: يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ حَيْثُ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي النِّكَاحِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْأَمَةَ مُجْمَعٌ عَلَى التَّسَرِّي بِهَا وَلَمْ يَكُنْ أَرْجَحَ مِنْ حِلِّ النِّكَاحِ؛ وَلَمْ يَكُنْ دُونَهُ.
فَلَوْ حَرُمَ التَّسَرِّي دُونَ النِّكَاحِ كَانَ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ " الرَّابِعُ " أَنْ يُقَالَ: إنَّ حِلَّ نِكَاحِهِنَّ يَقْتَضِي حِلَّ التَّسَرِّي بِهِنَّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ وَطْؤُهَا بِالنِّكَاحِ جَازَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِلَا نِزَاعٍ.
وَأَمَّا الْعَكْسُ فَقَدْ تَنَازَعَ فِيهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَوْسَعُ؛ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى عَدَدٍ؛ وَالنِّكَاحُ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى عَدَدٍ.
وَمَا حُرِّمَ فِيهِ الْجَمْعُ بِالنِّكَاحِ قَدْ نُوزِعَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ فِيهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ؛ وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِع بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَسَمٍ وَلَا اسْتِئْذَانٍ فِي عَزْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ.
وَمِلْكُ النِّكَاحِ نَوْعُ رِقٍّ وَمِلْكُ الْيَمِينِ رِقٌّ تَامٌّ وَأَبَاحَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا أَهْلَ الْكِتَابِ؛ وَلَا يَتَزَوَّجُ أَهْلُ الْكِتَابِ نِسَاءَهُمْ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ نَوْعُ رِقٍّ كَمَا قَالَ عُمَرُ: النِّكَاحُ رِقٌّ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقُّ كَرِيمَتَهُ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: الزَّوْجُ سَيِّدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ﴾ فَجُوِّزَ
لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَرِقَّ هَذِهِ الْكَافِرَةَ وَلَمْ يُجَوَّزْ لِلْكَافِرِ أَنْ يَسْتَرِقَّ هَذِهِ الْمُسْلِمَةَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ كَمَا جُوِّزَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَمْلِكَ الْكَافِرَ وَلَمْ يُجَوَّزْ لِلْكَافِرِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُسْلِمَ.
فَإِذًا جَوَازُ وَطْئِهِنَّ مِنْ مِلْكٍ تَامٍّ أَوْلَى وَأَحْرَى.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمَانِعَ: إمَّا الْكُفْرُ؛ وَإِمَّا الرِّقُّ.
وَهَذَا الْكُفْرُ لَيْسَ بِمَانِعِ؛ وَالرِّقُّ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ الْوَطْءِ بِالْمِلْكِ؛ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ التَّزَوُّجِ.
فَإِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلْوَطْءِ قَائِمًا وَالْمَانِعُ مُنْتَفِيًا: جَازَ الْوَطْءُ.
فَهَذَا الْوَجْهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى " قِيَاسِ التَّمْثِيلِ " وَعَلَى " قِيَاس الْأَوْلَى " وَيَخْرُجُ مِنْهُ " وَجْهٌ رَابِعٌ " يُجْعَلُ " قِيَاسَ التَّعْلِيلِ ". فَيُقَالُ: الرِّقُّ مُقْتَضٍ لِجَوَازِ وَطْءِ الْمَمْلُوكَةِ؛ كَمَا نَبَّهَ النَّصُّ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْوَطْءُ بِسَبَبِ.
يُوجِبُ التَّحْرِيمَ؛ بِأَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً بِالرِّضَاعِ؛ أَوْ بِالصِّهْرِ أَوْ بِالشِّرْكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا مَا يَصْلُحُ لِلْمَنْعِ إلَّا كَوْنُهَا كِتَابِيَّةً وَهَذَا لَيْسَ بِمَانِعِ فَإِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلْحِلِّ قَائِمًا وَالْمَانِعُ الْمَذْكُورُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا: وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمَعَارِضِ الْمُقَاوِمِ.
وَهَذِهِ الْوُجُوهُ بَعْدَ تَمَامِ تَصَوُّرِهَا تُوجِبُ الْقَطْعَ بِالْحِلِّ.
" الْوَجْهُ الْخَامِسُ " أَنَّ مَنْ تَدَبَّرَ سِيَرَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَجَدَ آثَارًا كَثِيرَةً تُبَيِّنُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ مَانِعًا؛ بَلْ هَذِهِ كَانَتْ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةَ خُلَفَائِهِ: مِثْلُ الَّذِي كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَكَانَتْ تَسُبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَقْتُلُهَا
وَقَدْ رَوَى حَدِيثَهَا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ مُسْلِمَةً لَكِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَائِل مَقْدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ يَحْرُمُ نِكَاحُ الْمُشْرِكَاتِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وَطَلَّقَ عُمَرُ امْرَأَتَهُ كَانَتْ بِمَكَّةَ وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ فَلَا يُعْلَمُ تَارِيخُ نُزُولِهَا وَفِي الْبَقَرَةِ مَا نَزَلَ مُتَأَخِّرًا كَآيَاتِ الزِّنَا وَفِيهَا مَا نَزَلَ مُتَقَدِّمًا: كَآيَاتِ الصِّيَامِ.
وَمِثْلَ مَا رُوِيَ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ قَالَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: هَلْ لَك فِي نِسَاءِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: {ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ } وَمِثْلَ فَتْحِهِ لِخَيْبَرِ وَقَسْمِهِ لِلرَّقِيقِ وَلَمْ يَنْهَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ وَطْئِهِنَّ حَتَّى يُسْلِمْنَ كَمَا أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِبْرَاءِ.
بَلْ مَنْ يُبِيحُ " وَطْءَ الْوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ " قَدْ يَسْتَدِلُّ بِمَا جَرَى يَوْمَ أوطاس مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةِ﴾ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْوَثَنِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
وَفِي هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ وَالصَّحَابَةُ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَادَ لَمْ يَكُونُوا يَمْتَنِعُونَ عَنْ وَطْءِ النَّصْرَانِيَّاتِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا " الْمَجُوسِيَّةُ " فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ:
" أَحَدُهُمَا " أَنَّ الْمَجُوسَ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا وُجُوهٌ.
" أَحَدُهَا " أَنْ يُقَالَ: لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَحِلَّ طَعَامُهُ وَلَا نِسَاؤُهُ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَفِيهَا نِزَاعٌ شَاذٌّ فَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ كَرَاهَةَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ وَمَنْعًا لِأَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ وَدَفْعًا لِأَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ طَائِفَتَيْنِ لَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ كَذِبًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَانِعٍ مِنْ قَوْلِهِ.
(وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فَذَكَرَ الْمِلَلَ السِّتَّ وَذَكَرَ أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمَّا ذَكَرَ الْمِلَلَ الَّتِي فِيهَا سَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ قَالَ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى
وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا} فِي مَوْضِعَيْنِ.
فَلَمْ يَذْكُرْ الْمَجُوسَ وَلَا الْمُشْرِكِينَ: فَلَوْ كَانَ فِي هَاتَيْنِ الْمِلَّتَيْنِ سَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي الصَّابِئِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَذَكَرَهُمْ فَلَوْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ لَكَانُوا قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ عَلَى هُدًى؛ وَكَانُوا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إذَا عَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِمْ كَمَا كَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْ الْمَجُوسَ فِي هَؤُلَاءِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ؛ بَلْ ذَكَرَ الصَّابِئِينَ دُونَهُمْ مَعَ أَنَّ الصَّابِئِينَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ إلَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ.
وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَجُوسَ أَبْعَدُ عَنْ الْكِتَابِ مِنْهُمْ.
وَأَيْضًا فَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِي وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْمَغَازِي الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: ﴿لَمَّا اقْتَتَلَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ وَانْتَصَرَتْ الْفُرْسُ: فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ وَاسْتَبْشَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِ النَّصَارَى أَقْرَبَ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ لَهُمْ كِتَابًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ الْآيَةَ} . وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَجُوسَ لَمْ يَكُونُوا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ لَهُمْ كِتَابٌ.
" وَأَيْضًا " فَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّة وَغَيْرِهِ مِنْ التَّابِعِينَ: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ وَقَالَ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ﴾ وَهَذَا مُرْسَلٌ.
وَعَنْ خَمْسَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تُوَافِقُهُ وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُمْ خِلَافٌ وَأَمَّا حُذَيْفَةُ فَذَكَرَ أَحْمَد: أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِيَهُودِيَّةٍ.
وَقَدْ عَمِلَ بِهَذَا الْمُرْسَلِ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ.
" وَالْمُرْسَلُ " فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ حُجَّةٌ؛ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَفِي الْآخَرِ هُوَ حُجَّةٌ إذَا عَضَّدَهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَوْ أُرْسِلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
فَمِثْلُ هَذَا الْمُرْسَلِ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَهَذَا الْمُرْسَلُ نَصٌّ فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ.
قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ وَإِنْ صَحَّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ لَا أَنَّهُ الْآنَ بِأَيْدِيهِمْ كِتَابٌ؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ (أَهْلِ الْكِتَابِ إذْ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ كِتَابٌ؛ لَا مُبَدَّلٌ وَلَا غَيْرُ مُبَدَّلٍ وَلَا مَنْسُوخٌ وَلَا غَيْرُ مَنْسُوخٍ؛ وَلَكِنْ إذَا كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ ثُمَّ رُفِعَ بَقِيَ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ وَهَذَا الْقَدْرُ يُؤَثِّرُ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ بِالْجِزْيَةِ إذَا قُيِّدَتْ بِأَهْلِ الْكِتَابِ.
وَأَمَّا الْفُرُوجُ وَالذَّبَائِحُ: فَحِلُّهَا مَخْصُوصٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّتُهُمْ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ خَاصَّةً كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ إلَّا هَذَا الْحُكْمَ وَقَدْ رُوِيَ مُقَيَّدًا: ﴿غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ؛ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ﴾ فَمَنْ جَوَّزَ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ قَاسَ
عَلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ فِي الْجِزْيَةِ وَمَنْ خَصَّهُمْ بِذَلِكَ قَالَ: إنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ وَالدِّمَاءُ تُعْصَمُ بِالشُّبُهَاتِ؛ وَلَا تَحِلُّ الْفُرُوجُ وَالذَّبَائِحُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَبَائِحِ بَنِي تَغْلِبَ قَالَ عَلِيٌّ: إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ فَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنَعَ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ مَعَ عِصْمَةِ دِمَائِهِمْ وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ كِتَابِ الْمَجُوسِ فَعُلِمَ أَنَّ التَّشَبُّهَ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ يَقْتَضِي حَقْنَ الدِّمَاءِ دُونَ الذَّبَائِحِ وَالنِّسَاءِ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مِنْ امْرَأَتِهِ ثَلَاثًا: فَإِذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيلٍ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا ارْتَدَّ وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ امْرَأَتِهِ؛ فَإِنَّهَا تَبِينُ مِنْهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
وَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: فَقَدْ طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ.
فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ: فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ
لِلْعُلَمَاءِ " أَحَدُهُمَا " أَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَحْصُلُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الطَّلَاقُ بَعْدَ هَذَا طَلَاقَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَلَا يَقَعُ.
" وَالثَّانِي " أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَزُولُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْهُ.
فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْعِدَّةِ وَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ: تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ.
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ.
تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَلَّقَ أَجْنَبِيَّةً فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ الصَّدَاقِ
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
السُّنَّةُ: تَخْفِيفُ الصَّدَاقِ
وَأَلَّا يَزِيدَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَنَاتِهِ: فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إنَّ أَعْظَمَ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً﴾ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُهُنَّ أَيَسَرُهُنَّ صَدَاقًا﴾ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَلْزِمُوا النِّسَاءَ الرِّجَالَ وَلَا تُغَالُوا فِي الْمُهُورِ﴾ . وَخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ فَقَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا فِي مُهُورِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرَمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ: كَانَ أَوْلَاكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصْدَقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ صَدَاقًا يَضُرُّ بِهِ إنْ نَقَدَهُ وَيَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ إنْ كَانَ دَيْنًا.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: {جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ.
فَقَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ فَكَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيك؛ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَك فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إلَى بَنِي عَبْسٍ فَبَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
" وَالْأُوقِيَّةُ " عِنْدَهُمْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَهِيَ مَجْمُوعُ الصَّدَاقِ لَيْسَ فِيهِ مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ.
وَعَنْ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ: ﴿أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينُهُ فِي صَدَاقِهَا فَقَالَ: كَمْ أَصْدَقْت؟ قَالَ: فَقُلْت؛ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
فَقَالَ: لَوْ كُنْتُمْ تَغْرِفُونَ الدَّرَاهِمَ مِنْ أَوْدِيَتِكُمْ مَا زِدْتُمْ﴾ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ.
وَإِذَا أَصْدَقَهَا دَيْنًا كَثِيرًا فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ يَنْوِي أَلَّا يُعْطِيَهَا إيَّاهُ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِصَدَاقِ يَنْوِي أَلَّا يُؤَدِّيَهُ إلَيْهَا فَهُوَ زَانٍ وَمَنْ ادَّانَ دَيْنًا يَنْوِي أَلَّا يَقْضِيَهُ فَهُوَ سَارِقٌ﴾ . وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْخُيَلَاءِ وَالرِّيَاءِ مِنْ تَكْثِيرِ الْمَهْرِ لِلرِّيَاءِ وَالْفَخْرِ وَهُمْ لَا يَقْصِدُونَ أَخْذَهُ مِنْ الزَّوْجِ وَهُوَ يَنْوِي أَلَّا يُعْطِيَهُمْ إيَّاهُ: فَهَذَا مُنْكَرٌ قَبِيحٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ خَارِجٌ عَنْ الشَّرِيعَةِ.
وَإِنْ قَصَدَ الزَّوْجُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَهُوَ فِي الْغَالِبِ لَا يُطِيقُهُ فَقَدْ حَمَّلَ نَفْسَهُ وَشَغَلَ ذِمَّتَهُ وَتَعَرَّضَ لِنَقْصِ حَسَنَاتِهِ وَارْتِهَانِهِ بِالدَّيْنِ؛ وَأَهْلُ الْمَرْأَةِ قَدْ آذَوْا صِهْرَهُمْ وَضَرُّوهُ.
و
َالْمُسْتَحَبُّ فِي " الصَّدَاقِ "
مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ: أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بَنَاتِهِ وَكَانَ مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ.
بِالدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ نَحْوًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا.
فَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَنَّ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَاقِ ﴿قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ: صَدَاقُنَا إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرُ أَوَاقٍ وَطَبَّقَ بِيَدَيْهِ.
وَذَلِكَ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ﴾ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ.
﴿وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قُلْت لِعَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا.
قَالَتْ أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْت: لَا قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ: فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ﴾ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ صَدَاقَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ فَمَنْ دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى أَنْ يَزِيدَ صَدَاقَ ابْنَتِهِ عَلَى صَدَاقِ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّوَاتِي هُنَّ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ وَهُنَّ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ صِفَةٍ: فَهُوَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ.
وَكَذَلِكَ صَدَاقُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَهَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ فَأَمَّا الْفَقِيرُ وَنَحْوُهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ إلَّا مَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ.
و
َالْأَوْلَى تَعْجِيلُ الصَّدَاقِ كُلِّهِ
لِلْمَرْأَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا أَمْكَنَ فَإِنْ قَدَّمَ الْبَعْضَ وَأَخَّرَ الْبَعْضَ: فَهُوَ جَائِزٌ.
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ الطَّيِّبُ يُرَخِّصُونَ الصَّدَاقَ.
﴿فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ . قَالُوا: وَزْنُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ.
وَزَوَّجَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ بِنْتَه عَلَى دِرْهَمَيْنِ وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ أَيِّمٍ مِنْ قُرَيْشٍ بَعْدَ أَنْ خَطَبَهَا الْخَلِيفَةُ لِابْنِهِ فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا بِهِ.
وَاَلَّذِي نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ تَكْثِيرِ صَدَاقِ النِّسَاءِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالَ اتَّسَعَ عَلَيْهِمْ وَكَانُوا يُعَجِّلُونَ الصَّدَاقَ كُلَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لَمْ يَكُونُوا يُؤَخِّرُونَ مِنْهُ شَيْئًا.
وَمَنْ كَانَ لَهُ يَسَارٌ وَوَجَدَ فَأَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ امْرَأَتَهُ صَدَاقًا كَثِيرًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ . أَمَّا مَنْ يَشْغَلُ ذِمَّتَهُ بِصَدَاقِ لَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ أَوْ يَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ: فَهَذَا مَكْرُوهٌ.
كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ فِي ذِمَّتِهِ صَدَاقًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ وَفَاءٍ لَهُ: فَهَذَا لَيْسَ بِمَسْنُونِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ الرَّجُل يَتَزَوَّجُ عَلَى صَدَاقٍ مُعَيَّنٍ مَكْتُوبٍ وَيَتَّفِقَا عَلَى مُقَدَّمٍ فَيُعْطِيهِ ثُمَّ يَمُوتُ: هَلْ يُحْسَبُ الْمُقَدَّمُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّدَاقِ الْمَكْتُوبِ؟
فَأَجَابَ:
وَأَمَّا مَا يُقَدِّمُهُ الزَّوْجُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ النَّقْدِ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ غَيْرَ الصَّدَاقِ الَّذِي يُكْتَبُ فِي الْكِتَابِ إذَا أَعْطَاهَا الزَّوْجُ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ أَوْ
بَدَلَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهَا مِنْ الصَّدَاقِ الْمَكْتُوبِ؛ بَلْ لَوْ لَمْ يُعْطِهَا ذَلِكَ لَكَانَ لَهَا أَنْ تَطْلُبَهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَكَانَ مِنْ الصَّدَاقِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ تَأْخُذُهُ كُلَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَإِنَّهَا إذَا رَضِيَتْ بِأَنْ يَكُونَ لَهَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ؛ يُسَمِّيهِ السَّلَفُ عَاجِلًا وَآجِلًا وَشَارَطَتْهُ عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ لَهَا كَذَا وَيُؤَخِّرَ كَذَا.
وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ حِينَ الْعَقْدِ فَالشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْعَقْدِ إذَا لَمْ يُفْسَخْ حِينَ عَقْدِ الْعَقْدِ كَالْمَشْرُوطِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ الَّذِي صَنَّفْته فِي " مَسَائِلَ الذرايع وَالْحِيَلِ " و " بَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى بُطْلَانِ التَّحْلِيلِ " إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِهَا يُعْطِيهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ مَا شَرَطَ لَهَا تَعْجِيلَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ امْرَأَةٍ عَجَّلَ لَهَا زَوْجُهَا نَقْدًا وَلَمْ يُسَمِّهِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا فَطَلَبَ الْحَاكِمُ أَنْ يُحْسَبَ الْمُعَجَّلُ مِنْ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ؛ لِكَوْنِ الْمُعَجَّلِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الصَّدَاقِ.
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إنْ كَانَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْعَاجِلِ الْمُقَدَّمِ وَالْآجِلِ الْمُؤَخَّرِ - كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ - فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَطْلُبَ الْمُؤَخَّرَ كُلَّهُ إنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُعَجَّلَ فِي الْعَقْدِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ أَهْدَى لَهَا - كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ أَقْبَضَهَا مِنْ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى حُسِبَ عَلَى الزَّوْجَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ اعْتَقَلَتْهُ زَوْجَتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى الصَّدَاقِ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَوْجُودٌ: فَهَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُبْقِيَهُ أَوْ يُطْلِقُهُ؟
فَأَجَابَ:
إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ حَلَفَهُ الْحَاكِمُ عَلَى إعْسَارِهِ وَأَطْلَقَهُ.
وَلَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ وَتَكْلِيفُهُ الْبَيِّنَةَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ امْرَأَةٍ بِكْرٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا وَتَحَاكَمَا إلَى حَاكِمٍ فَأَرْسَلَ مَعَهَا امْرَأَتَيْنِ وَجَدُوهَا كانت بِكْرًا فَأَنْكَرَ.
وَنَكَلَ عَنْ الْمَهْرِ: مَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟
فَأَجَابَ:
لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ بَلْ عَلَيْهِ كَمَالُ الْمَهْرِ كَمَا قَالَ زرارة وَقَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ: أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ الْبَابَ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْعِدَّةُ وَالْمَهْرُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً فَاتَّفَقُوا عَلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَأَعْطَى أَبَاهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ شَيْئًا فَمَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ: هَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَعْطَى؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانُوا قَدْ وَفَّوْا بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَمْنَعُوهُ مِنْ نِكَاحِهَا حَتَّى مَاتَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؛ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ مَا أَعْطَاهُمْ كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ الصَّدَاقِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ لَهُمْ ذَلِكَ لِيُمَكِّنُوهُ مِنْ نِكَاحِهَا وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَهَذَا غَايَةُ الْمُمْكِنِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا: فَهَلْ لَهَا مَهْرٌ؟ وَهَلْ هُوَ الْمُسَمَّى؛ أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا مُزَوَّجَةٌ وَلَمْ تَسْتَشْعِرْ؛ لَا مَوْتَهُ وَلَا طَلَاقَهُ: فَهَذِهِ زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ لَا مَهْرَ لَهَا.
وَإِذَا اعْتَقَدَتْ مَوْتَهُ وَطَلَاقَهُ فَهُوَ وَطْءُ شُبْهَةٍ بِنِكَاحِ فَاسِدٍ فَلَهَا الْمَهْرُ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ أَنَّ لَهَا الْمُسَمَّى؛ وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ مُعْسِرٍ: هَلْ يُقَسَّطُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ مُعْسِرًا قُسِّطَ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَلَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ؛ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ يَقْبَلُونَ قَوْلَهُ فِي الْإِعْسَارِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ إلَّا بَعْدَ الْحَبْسِ؛ كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةُ.
فَإِذَا كَانَتْ الْحُكُومَةُ عِنْدَ مَنْ يَحْكُمُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد لَمْ يُحْبَسْ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَأَعْطَاهَا الْمَهْرَ وَكَتَبَ عَلَيْهِ صَدَاقًا أَلْفَ دِينَارٍ وَشَرَطُوا عَلَيْهِ أَنَّنَا مَا نَأْخُذُ مِنْك شَيْئًا إلَّا عِنْدَنَا هَذِهِ عَادَةٌ وَسُمْعَةٌ وَالْآنَ تُوُفِّيَ الزَّوْجُ وَطَلَبَتْ الْمَرْأَةُ كِتَابَهَا مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَتْ الصُّورَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُطَالِبَ إلَّا مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَحِلُّ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ بَلْ يَجِبُ لَهَا مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِرَجُلِ؛ فَهَرَبَ وَتَرَكَهَا مِنْ مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ وَلَمْ يَتْرُكْ عِنْدَهَا نَفَقَةً ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا وَدَخَلَ بِهَا فَلَمَّا اطَّلَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا فَسَخَ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا: فَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ الصَّدَاقُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ فُسِخَ لِتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ الثَّانِيَ: فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ.
وَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ الثَّانِيَ قَبْلَ فَسْخِ نِكَاحِ الْأَوَّلِ: فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ.
وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ عَلِمَا أَنَّ نِكَاحَ الْأَوَّلِ بَاقٍ؛ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا النِّكَاحُ: فَيَجِبُ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ جَهِلَ الزَّوْجُ نِكَاحَ الْأَوَّلِ أَوْ نَفَاهُ أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَ نِكَاحِهِ قَبْلَ الْفَسْخِ: فَنِكَاحُهُ نِكَاحُ شُبْهَةٍ؛ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الصَّدَاقُ وَيَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ وَلَا حَدَّ فِيهِ وَإِنْ كَانَتْ غَرَّتْهُ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا خَلِيَّةٌ عَنْ الْأَزْوَاجِ: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالصَّدَاقِ الَّذِي أَدَّاهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
إذَا خَلَا الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا مِنْ الْوَطْءِ
وَلَمْ يَطَأْهَا؛ لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد - الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ: كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَغَيْرِهِمَا - وَغَيْرِهِ مَنَّ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَإِذَا اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ وَطْئِهَا لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا بِاتِّفَاقِهِمْ.
وَلَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ مَا دَامَتْ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمْ.
وَإِذَا كَانَتْ مُبْغِضَةً لَهُ مُخْتَارَةً سِوَاهُ فَإِنَّهَا تَفْتَدِي نَفْسَهَا مِنْهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ مَمْلُوكٍ فِي الرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ: تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتْ عُبُودِيَّتُهُ؛ وَكَانَ قَدْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ حُرٌّ؛ وَأَنَّ لَهُ خَيْرًا فِي مِصْرَ؛ وَقَدْ ادَّعَوْا عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَاقْتَرَضَ مِنْ زَوْجَتِهِ شَيْئًا: فَهَلْ يَلْزَمُ شَيْءٌ أَوْ لَا؟
الْجَوَابُ
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
تَزَوُّجُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إذَا لَمْ يُجْزِهِ السَّيِّدُ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ﴾ لَكِنْ إذَا أَجَازَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحَّ فِي
مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَإِذَا طَلَبَ النِّكَاحَ فَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . وَإِذَا غَرَّ الْمَرْأَةَ وَذَكَرَ أَنَّهُ حُرٌّ وَتَزَوَّجَهَا؛ وَدَخَلَ بِهَا: وَجَبَ الْمَهْرُ لَهَا بِلَا نِزَاعٍ؛ لَكِنْ هَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى: كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ؟ أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ؟ أَوْ يَجِبُ الْخُمُسَانِ: كَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ؟ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ يَتَعَلَّقُ هَذَا الْوَاجِبُ بِرَقَبَتِهِ كَقَوْلِ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ؛ وَأَظُنُّهُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ.
أَوْ يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ فَيُتْبَعُ بِهِ إذَا أُعْتِقَ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا؟ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَهُمْ: إنَّهُ حُرٌّ تَلْبِيسٌ عَلَيْهِمْ؛ وَكَذِبٌ عَلَيْهِمْ ثُمَّ دُخُولُهُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْكَذِبِ عُدْوَانٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ.
وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَوْ تَعَدَّى عَلَى أَحَدٍ فَأَتْلَفَ مَالَهُ؛ أَوْ جَرَحَهُ أَوْ قَتَلَهُ: كَانَتْ جِنَايَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِرَقَبَتِهِ؛ لَا تَجِبُ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ بَلْ يُقَالُ لِلسَّيِّدِ: إنْ شِئْت أَنْ تَفُكَّ مَمْلُوكَك مِنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ؛ وَإِنْ شِئْت أَنْ تُسَلِّمَهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ هَذِهِ الْجِنَايَةَ مِنْ رَقَبَتِهِ.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَعَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ: مَنْ قَدْرِ الْجِنَايَةِ أَوْ قِيمَةِ الْعَبْدِ: فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا.
وَعِنْد مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ يَفْدِيهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ فَهَذَا الْعَبْدُ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ جَارَ عَلَى هَؤُلَاءِ: فَتَتَعَلَّقُ جِنَايَتُهُ بِرَقَبَتِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا اقْتَرَضَهُ مِنْ مَالِ الزَّوْجَةِ مَعَ قَوْلِهِ إنَّهُ حُرٌّ: فَهُوَ عُدْوَانٌ عَلَيْهِمْ فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ امْرَأَةٍ اعْتَاضَتْ عَنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ مَوْتِ الزَّوْجِ فَبَاعَتْ الْعِوَضَ وَقَبَضَتْ الثَّمَنَ ثُمَّ أَقَرَّتْ أَنَّهَا قَبَضَتْ الصَّدَاقَ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِ الْمِلْكِ: فَهَلْ يَبْطُلُ حَقُّ الْمُشْتَرِي؟ أَوْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِاَلَّذِي اعْتَرَفَتْ أَنَّهَا قَبَضَتْهُ مِنْ غَيْرِ الْمِلْكِ؟
فَأَجَابَ:
لَا يَبْطُلُ حَقٌّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهَا ثَمَنَ الْمِلْكِ الَّذِي اعْتَاضَتْ بِهِ؛ إذَا أَقَرَّتْ بِأَنَّ قَبْضَ صَدَاقِهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَكَانَ قَدْ أَفْتَى طَائِفَةٌ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِاَلَّذِي اعْتَرَفَتْ بِقَبْضِهِ مِنْ التَّرِكَةِ وَلَيْسَ بِشَيْءِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ تَضَمَّنَ أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ صَدَاقَهَا وَأَنَّهَا بَعْدَ هَذَا الِاسْتِيفَاءِ لَهُ أَحْدَثَتْ مِلْكًا آخَرَ؛ فَإِنَّمَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِمْ الْعَقَارَ؛ لَا عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً؛ وَكَتَبَ كِتَابَهَا وَدَفَعَ لَهَا الْحَالَ بِكَمَالِهِ وَبَقِيَ الْمُقَسَّطُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ تَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ وَطَلَبَهَا لِلدُّخُولِ فَامْتَنَعَتْ؛ وَلَهَا خَالَةٌ تَمْنَعُهَا: فَهَلْ تُجْبَرُ عَلَى الدُّخُولِ؟ وَيَلْزَمُ خَالَتَهَا الْمَذْكُورَةَ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ؟
فَأَجَابَ: لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا وَالْحَالُ هَذِهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَلَا لِخَالَتِهَا وَلَا غَيْرِ خَالَتِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا؛ بَلْ تُعَزَّرُ الْخَالَةُ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ فِعْلِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَتُجْبَرُ الْمَرْأَةِ عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِلزَّوْجِ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَهَا كِتَابٌ إلَى مُدَّةٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَجُزْ مُطَالَبَتُهَا لَهُ حَتَّى يُوسِرَ وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ سُمِعَتْ؛ بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَفِي ظَاهِرِ الْحَالِ أَنَّهُ حُرٌّ فَأَقَامَتْ فِي صُحْبَتِهِ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا وَطَالَبَتْهُ بِحُقُوقِهَا فَقَالَ: أَنَا مَمْلُوكٌ يَجِبُ الْحَجْرُ عَلَيَّ: فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِحَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ؟