كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مِنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ
وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فَذَكَرَ اللَّهُ اسْمَ " الْأَيْمَانِ " فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَفْهِمُ لِطَلَبِ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ فَإِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ وَلَكِنَّ مِثْلَ هَذَا يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ " اسْتِفْهَامَ إنْكَارٍ " وَاسْتِفْهَامُ الْإِنْكَارِ يَكُونُ بِتَضَمُّنِ الْإِنْكَارِ مَضْمُونَ الْجُمْلَةِ: إمَّا إنْكَارَ نَفْيٍ إنْ كَانَ مَضْمُونُهَا خَبَرًا وَإِمَّا إنْكَارَ نَهْيٍ إنْ كَانَ مَضْمُونُهَا إنْشَاءً.
وَالْكَلَامُ إمَّا خَبَرٌ وَإِمَّا إنْشَاءٌ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَاَللَّهُ تَعَالَى نَهَى نَبِيَّهُ عَنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ كَمَا نَهَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَرَضَ لَهُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِهِمْ كَمَا ذَكَرَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هُوَ مَا ذَكَرَهُ
فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ التَّحْرِيمِ تَحْرِيمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَلَالَ: إمَّا أَمَتَهُ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ وَإِمَّا الْعَسَلَ؛ وَإِمَّا كِلَاهُمَا.
وَكَذَلِكَ آيَةُ الْمَائِدَةِ فَإِنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَدْ حَرَّمُوا الطَّيِّبَاتِ إمَّا تَبَتُّلًا وَتَرَهُّبًا كَمَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ حَتَّى نَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؛ وَإِمَّا غَيْرَ ذَلِكَ.
وَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِمَنْ حَرَّمَ الْحَلَالَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَخْرَجًا؛ وَأَنَّ الْيَمِينَ الْمُتَضَمِّنَةَ تَحْرِيمَهُ لِلْحَلَالِ لَهُ مِنْهَا مَخْرَجٌ بِالْكَفَّارَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ.
لَيْسُوا كَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الَّذِينَ كَانُوا إذَا حَرَّمُوا شَيْئًا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُكَفِّرُوا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ وَلِذَلِكَ قَدْ قِيلَ: إنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَلَفُوا عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ لَزِمَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُكَفِّرُوا؛ وَلِهَذَا قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ أَيُّوبَ بِمَا يُحَلِّلُ يَمِينَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كَفَّارَةٌ.
فَإِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْأَشْيَاءِ: تَارَةً تَكُونُ حَضًّا وَإِلْزَامًا وَتَارَةً تَكُونُ مَنْعًا وَتَحْرِيمًا.
كَمَا أَنَّ عَهْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَحُكْمَهُ عَلَى خَلْقِهِ يَنْقَسِمُ إلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَلِذَا كَانَ " الظِّهَارُ " فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ طَلَاقًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ الْكَفَّارَةَ وَكَذَلِكَ كَانَ " الْإِيلَاءُ " طَلَاقًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ حُكْمَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الظِّهَارَ نَوْعٌ مِنْ التَّحْرِيمِ؛ فَمُوجَبُهُ رَفْعُ الْمِلْكِ؛ إذْ الزَّوْجَةُ لَا تَكُونُ مُحَرَّمَةً عَلَى التَّأْبِيدِ.
و " الْإِيلَاءُ " يَقْتَضِي عِنْدَهُمْ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ وَذَلِكَ يُنَافِي النِّكَاحَ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ " الْيَمِينِ " فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إنَّا إذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إنَّا إذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ فِي سِيَاقِ ذِكْرِ مُعَاهَدَةِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ - وَهَذَا لَفْظُ الْجَوْهَرِيِّ - الْيَمِينُ الْقَسَمُ.
وَالْجَمْعُ أَيْمُنٌ وَأَيْمَانٌ فَقَالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا يُمْسِكُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ.
فَصْلٌ:
وَلَفْظُ " الْيَمِينِ " فِي كِتَابِ اللَّهِ؛ وَكَذَا فِي لَفْظِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالْقُرْآنِ أَوَّلًا يَتَنَاوَلُ عِنْدَهُمْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ الْحَلِفُ وَبِأَيِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَانَ الْحَلِفُ.
وَكَذَلِكَ الْحَلِفُ بِصِفَاتِهِ كَعِزَّتِهِ و. . . وَأَحْكَامُهُ كَالتَّحْرِيمِ وَالْإِيجَابِ؛ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ وَالْإِيجَابَ مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَالْحَالِفُ إذَا قَالَ: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَيَكُونَنَّ.
فَهُوَ قَدْ الْتَزَمَ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَقَدَ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ؛ فَجَعَلَ لُزُومَ الْفِعْلِ مَعْقُودًا بِاَللَّهِ لِئَلَّا يُمْكِنَ فَسْخُهُ وَنَقْضُهُ فَمُوجَبُ يَمِينِهِ فِي نَفْسِهَا لُزُومُ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَهُ أَوْ انْتِقَاضُ إيمَانِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي عَقَدَ بِهِ الْيَمِينَ.
وَهَذَا الثَّانِي لَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ؛ لَكِنَّ الشَّارِعَ فِي شَرِيعَتِنَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ وِلَايَةَ التَّحْرِيمِ عَلَى نَفْسِهِ وَالْإِيجَابَ عَلَى نَفْسِهِ مُطْلَقًا؛ بَلْ شَرَعَ لَهُ تَحِلَّةَ يَمِينِهِ وَشَرَعَ لَهُ الْكَفَّارَةَ الرَّافِعَةَ لِمُوجَبِ الْإِثْمِ الْحَاصِلِ بِالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ إذَا كَانَ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ خَيْرًا مِنْ الْمُقَامِ عَلَى الْيَمِينِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي " الْيَمِينِ " هَلْ تَقْتَضِي إيجَابًا وَتَحْرِيمًا تَرْفَعُهُ الْكَفَّارَةُ؟ أَوْ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ؟ أَوْ هِيَ مُوجِبَةٌ لِذَلِكَ لَوْلَا مَا جَعَلَهُ الشَّرْعُ مَانِعًا مِنْ هَذَا الِاقْتِضَاءِ؟ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ " أَصَحُّهَا " الثَّالِثُ " كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
و " الْمَقْصُودُ " أَنْ نَذْكُرَ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ مَا يُبَيِّنُ مَعْنَى الْيَمِينِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَفِي لُغَتِهِمْ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زريع حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: إنْ عُدْت تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِك كَفِّرْ عَنْ يَمِينِك وَكَلِّمْ أَخَاك سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ﴿لَا يَمِينَ عَلَيْك وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ الرَّبِّ وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلَا فِي مَا لَا تَمْلِكُ﴾ . وَهَذَا الرَّجُلُ تَكَلَّمَ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ صِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَعَلَّقَ وُجُوبَ صَرْفِ مَالِهِ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ عَلَى مَسْأَلَتِهِ الْقِسْمَةَ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ يَقْصِدُ بِهَا " نَذْرَ التَّبَرُّرِ " كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي وَسَلِمَ مَالِي الْغَائِبُ فَثُلْثُ مَالِي صَدَقَةٌ وَيَقْصِدُ بِهَا نَذْرَ الْيَمِينِ الَّذِي يُسَمَّى " نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ " كَمَا قَصَدَ هَذَا الْمُعَلَّقَ.
وَالصِّيغَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ صِيغَةُ تَعْلِيقٍ لَكِنَّ الْمَعْنَى وَالْقَصْدَ مُتَبَايِنٌ؛ فَإِنَّهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ مَقْصُودُهُ حُصُولُ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ كَشِفَاءِ الْمَرِيضِ وَسَلَامَةِ الْمَالِ.
وَالْتِزَامِ طَاعَةِ اللَّهِ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى نِعْمَتِهِ وَتَقَرُّبًا إلَيْهِ وَفِي النَّوْعِ الْآخَرِ مَقْصُودُهُ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ يَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَحَلَفَ فَالْوُجُوبُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ وُجُوبِ هَذَا عَلَيْهِ وَكَرَاهَةِ ذَلِكَ وَبُغْضِهِ إيَّاهُ كَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْكُفْرِ وَيُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت فَهُوَ
يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ.
وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ؛ بَلْ لِفَرْطِ بُغْضِهِ لِلْكُفْرِ بِهِ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ؛ قَصْدًا لِانْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ؛ فَإِنَّ الْكُفْرَ اللَّازِمَ يَقْصِدُ نَفْيَهُ فَقَصَدَ بِهِ الْفِعْلَ لِنَفْيِ الْفِعْلِ أَيْضًا كَمَا إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ فَلِعَظَمَةِ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ عَقَدَ بِهِ الْيَمِينَ لِيَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَازِمًا لِإِيمَانِهِ بِاَللَّهِ؛ فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْمَلْزُومِ وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وُجُودُ اللَّازِمِ وَهُوَ لُزُومُ الْفِعْلِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يُفْعَلَ أَمْرًا جُعِلَ امْتِنَاعُهُ مِنْهُ لَازِمًا لِإِيمَانِهِ بِاَللَّهِ وَهَذَا هُوَ عَقْدُ الْيَمِينِ؛ وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ رَفْعَ إيمَانِهِ بَلْ مَقْصُودُهُ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ إيمَانُهُ وَلَا مَا عَقَدَهُ بِهِ مِنْ الِامْتِنَاعِ؛ فَسَمَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هَذَا " يَمِينًا " وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا يَمِينَ عَلَيْك وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَلَا فِي مَا لَا يُمْلَكُ﴾ . وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْيَمِينَ وَالنَّذْرَ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْيَمِينَ وَالنَّذْرَ؛ فَإِنَّ الْيَمِينَ - مَقْصُودُهَا الْحَضُّ أَوْ الْمَنْعُ مِنْ الْإِنْشَاءِ.
أَوْ التَّصْدِيقُ أَوْ التَّكْذِيبُ فِي الْخَبَرِ.
وَالنَّذْرَ مَا يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ وَلِهَذَا أَوْجَبَ سُبْحَانَهُ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ الْتَزَمَ طَاعَةً لِلَّهِ فَأَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ قَصْدًا لِلتَّقَرُّبِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ إلَى اللَّهِ.
وَهَذَا كَمَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إتْمَامَ ذَلِكَ لِلَّهِ؛ لِقَوْلِهِ:
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ مُتَطَوِّعًا.
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ إتْمَامِ غَيْرِهِمَا.
وَلَمْ يُوجِبْ سُبْحَانَهُ الْوَفَاءَ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِهَا الْحَضُّ وَالْمَنْعُ؛ لَيْسَ مَقْصُودُهُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَكِنَّ صِيغَةَ النَّذْرِ تَكُونُ غَالِبًا بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ صِيغَةِ الْمَجَازَاتِ كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي كَانَ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ.
وَصِيغَةُ الْيَمِينِ غَالِبًا تَكُونُ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْقَسَمُ وَالْجَزَاءُ كَقَوْلِهِ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . وَلِهَذَا تَرْجَمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى إحْدَى الصِّيغَتَيْنِ " بَابَ التَّعْلِيقِ بِالشُّرُوطِ " كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالنَّذْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَعَلَى الْأُخْرَى " بَابَ جَامِعِ الْأَيْمَانِ " كَمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ وَالظِّهَارُ وَالْحَرَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَمَسَائِلُ أَحَدِ الْبَابَيْنِ مُخْتَلِطَةٌ بِمَسَائِلِ الْآخَرِ.
وَلِهَذَا كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ ذَكَرَ مَسَائِلَ جَامِعِ الْأَيْمَانِ مَعَ مَسَائِلِ التَّعْلِيقِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهَا فِي " بَابِ الْأَيْمَانِ " وَالْمَنْفِيُّ بِإِحْدَى الصِّيغَتَيْنِ مُثْبَتٌ بِالْأُخْرَى وَالْمُقَدَّمُ فِي إحْدَاهُمَا مُؤَخَّرٌ فِي الْأُخْرَى: فَإِذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالِي حَرَامٌ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ.
أَوْ فَعَلَيَّ كَذَا وَكَذَا حَجَّةٍ أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ
فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ لَا يَفْعَلُ كَذَا أَوْ الْعِتْقُ أَوْ الْحَرَامُ يَلْزَمُهُ وَالْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ يَلْزَمُهُ لَا يَفْعَلُ كَذَا وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَفِي صِيغَةِ الْجَزَاءِ أَثْبَتَ الْفِعْلَ وَقَدَّمَهُ وَأَخَّرَ الْحُكْمَ.
وَلَمَّا أَخَّرَ الْفِعْلَ وَنَفَاهُ وَقَدَّمَ الْحُكْمَ وَالْمَحْلُوفَ بِهِ مَقْصُودُهُ أَنْ لَا يَكُونَ وَلَا يَهْتِكَ حُرْمَتَهُ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا كَافِرٌ أَوْ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لِأَنَّهُ كَذَا.
وَلِهَذَا كَانَ نَظَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إلَى مَعْنَى الصِّيغَةِ وَمَقْصُودِ الْمُتَكَلِّمِ سَوَاءً كَانَتْ بِصِيغَةِ الْمَجَازَاتِ أَوْ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ.
فَإِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ الْحَطَّ أَوْ الْمَنْعَ جَعَلُوهُ يَمِينًا وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْمَجَازَاتِ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ جَعَلُوهُ نَاذِرًا وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ؛ وَلِهَذَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاذِرَ حَالِفًا؛ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِلْفِعْلِ بِصِيغَةِ الْمُجَازَاةِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَمَرَهُ بِهِ وَإِلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
وَكَذَلِكَ الْحَالِفُ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ إذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا اعْتِبَارًا بِالْمَقْصُودِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ أُمِرَ بِهِ وَهُوَ النَّذْرُ الَّذِي يُوَفَّى بِهِ وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ وَأَرْضَى مِنْهُ أُمِرَ بِالْأَحَبِّ الْأَرْضَى لِلَّهِ وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ النَّذْرِ وَأُمِرَ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ تَحْقِيقًا لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَأَنَّ كُلَّ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ شَرْطٍ تَضَمَّنَ مَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَازِمًا بَلْ يَجِبُ تَقْدِيمُ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ.
فَكُلُّ مَا يَقْصِدُهُ الْعِبَادُ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْتُرُوكِ إنْ كَانَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِهِ وَبِالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْهَى عَنْهُ وَعَنْ الْإِعَانَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ فَهُوَ مَعَ النِّيَّةِ الْحَسَنَةِ يَكُونُ طَاعَةً وَمَعَ النِّيَّةِ السَّيِّئَةِ يَكُونُ ذَنْبًا وَمَعَ عَدَمِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
فَالشَّرْعُ دَائِمًا فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالشُّرُوطِ وَالْعُقُودِ يُبْطِلُ مِنْهَا مَا كَانَ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لَكِنْ إذَا كَانَ قَدْ عَلَّقَ تِلْكَ الْأُمُورَ بِإِيمَانِهِ بِاَللَّهِ شُرِعَتْ الْكَفَّارَةُ مَاحِيَةً لِمُقْتَضَى هَذَا الْعَقْدِ؛ فَإِنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ مُوجَبُهُ الْإِثْمَ إذَا خَالَفَ يَمِينَهُ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ " حِنْثًا " قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبَرُّ وَلَا يَتَّقِي اللَّهَ وَلَا يَصِلُ رَحِمَهُ فَإِذَا أُمِرَ بِذَلِكَ قَالَ أَنَا قَدْ حَلَفْت بِاَللَّهِ فَيَجْعَلُ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ مَانِعًا لَهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَإِذَا كَانَ قَدْ نَهَى سُبْحَانَهُ أَنْ يُجْعَلَ اللَّهُ أَيْ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ مَانِعًا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ فَغَيْرُ ذَلِكَ أَوْلَى أَنْ يُنْهَى عَنْ كَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ.
وَالْأَيْمَانُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ كُلُّهَا تَعُودُ إلَى الْحَلِفِ بِاَللَّهِ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ بَعْضِ الْآثَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَالُهُ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ
قَالَ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
قَالَ: وَسَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ الصَّدَقَةِ بِالْمُلْكِ أَوْ نَحْوِ هَذِهِ الْأَيْمَانِ فَقَالَ: إذَا حَنِثَ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ إلَّا أَنِّي لَا أَحْمِلُهُ عَلَى الْحِنْثِ مَا لَمْ يَحْنَثْ قِيلَ لَهُ لَا يَفْعَلُ.
قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَإِذَا حَنِثَ كَفَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دكين حَدَّثَنَا حَسَنٌ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ قَالَ مَالِي فِي مِيرَاثِ الْكَعْبَةِ وَكُلُّ مَالِي فَهُوَ هَدْيٌ وَكُلُّ مَالِي فَهُوَ فِي الْمَسَاكِينِ فَلْيُكَفِّرْ يَمِينَهُ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ قَالَ أَبِي: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي أَبُو رَافِعٍ قَالَ: قَالَتْ مَوْلَاتِي لَيْلَى بِنْتُ الْعَجْمَاءِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا مُحَرَّرٌ وَكُلُّ مَالٍ لَهَا هَدْيٌ وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ إنْ لَمْ تُطَلِّقْ امْرَأَتَك أَوْ تُفَرِّقْ بَيْنَك وَبَيْنَ امْرَأَتِك.
قَالَ فَأَتَيْت زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَتْ إذَا ذُكِرَتْ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ فَقِيهَةٌ ذُكِرَتْ زَيْنَبُ قَالَ: فَأَتَيْتهَا فَجَاءَتْ مَعِي إلَيْهَا فَقَالَتْ: فِي الْبَيْتِ هَارُوتُ وَمَارُوتُ.
قَالَتْ يَا زَيْنَبُ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاك؛ إنَّهَا قَالَتْ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَكُلُّ مَالٍ لَهَا هَدْيٌ وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ فَقَالَتْ: يَهُودِيَّةٌ وَنَصْرَانِيَّةٌ خَلِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ فَأَتَيْت حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهَا فَأَتَتْهَا فَقَالَتْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ جَعَلَنِي اللَّهُ
فِدَاك إنَّهَا قَالَتْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَكُلُّ مَالٍ لَهَا هَدْيٌ وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ فَقَالَتْ: يَهُودِيَّةٌ وَنَصْرَانِيَّةٌ خَلِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَالَ: فَأَتَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَجَاءَ مَعِي إلَيْهَا فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ فَقَالَتْ بَيْنًا أَنْت وَبَيْنًا أَبُوك فَقَالَ: أَمِنَ حِجَارَةٍ أَنْت أَمِنْ حَدِيدٍ أَنْت أَيُّ شَيْءٍ أَنْت أَفْتَتْك زَيْنَبُ وَأَفْتَتْك أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ تَقْبَلِي فُتْيَاهُمَا قَالَتْ.
يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاك؛ إنَّهَا قَالَتْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَكُلُّ مَالٍ لَهَا هَدْيٌ وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ فَقَالَ: يَهُودِيَّةٌ وَنَصْرَانِيَّةٌ كَفِّرِي عَنْ يَمِينِك وَخَلِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ.
وَذَكَرَ هَذَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي " مُصَنَّفِهِ " عَنْ التيمي عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المزني قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو رَافِعٍ قَالَ: قَالَتْ لِي مَوْلَاتِي لَيْلَى ابْنَةُ الْعَجْمَاءِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ وَكُلُّ مَالِهَا هَدْيٌ وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ وَنَصْرَانِيَّةٌ إنْ لَمْ تُطَلِّقْ امْرَأَتَك.
قَالَ فَأَتَتْنَا زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَكَانَ إذَا ذُكِرَتْ امْرَأَةٌ فَقِيهَةٌ ذُكِرَتْ زَيْنَبُ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ.
خَلِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِك قَالَ فَأَتَتْنَا حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاك وَذَكَرَتْ لَهَا يَمِينَهَا فَقَالَتْ: كَفِّرِي عَنْ يَمِينِك قَالَ: وَأَتَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقُلْنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَذَكَرَتْ لَهُ يَمِينَهَا فَقَالَ: كَفِّرِي يَمِينِك وَخَلِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا حُرٌّ.
هُوَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التيمي وَأَشْعَثَ الحمراني عَنْ بَكْرِ المزني مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي رِوَايَةِ أَشْعَثَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَحَفْصَةُ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ؛ وَإِنَّمَا هُوَ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أَخْبَرْنَا عِمْرَانُ؛ عَنْ قتادة عَنْ زرارة بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً جَعَلَتْ بُرْدَهَا عَلَيْهَا هَدْيًا إنْ لَبِسَتْهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفِي غَضَبٍ أَمْ فِي رِضًا؟ قَالُوا: فِي غَضَبٍ.
قَالَ.
إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالْغَضَبِ لِتُكَفِّر عَنْ يَمِينِهَا قُلْت: ابْنُ عَبَّاسٍ اسْتَفْسَرَ النَّذْرَ هَلْ مَقْصُودُهَا التَّقَرُّبُ بِالْمَنْذُورِ كَمَا قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ إنْ سَلِمَ مَالِي تَصَدَّقْت بِهِ أَوْ مَقْصُودُهَا الْحَلِفُ أَنَّهَا لَا تَلْبَسُهُ فَيَكُونُ عَلَيْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَالَ: أَفِي غَضَبٍ أَمْ رِضًا؟ فَلَمَّا قَالُوا: فِي غَضَبٍ عَلِمَ أَنَّهَا حَالِفَةٌ لَا نَاذِرَةٌ وَلِهَذَا سَمَّى الْفُقَهَاءُ هَذَا " نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ " فَهُوَ يَمِينٌ وَإِنْ كَانَ صِيغَتُهُ صِيغَةَ الْجَزَاءِ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ.
حَدَّثَنِي ابْنُ الطَّبَّاعِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ؛ عَنْ يَعْلَى بْنِ النُّعْمَانِ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ مَالَهُ فِي الْمَسَاكِينِ؟ قَالَ.
أَمْسِكْ عَلَيْك مَالَك وَأَنْفِقْهُ عَلَى
عِيَالِك وَاقْضِ بِهِ دَيْنَك وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك وَقَالَ حَرْبٌ الكرماني فِي مَسَائِلِهِ حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ أَبِي السَّفَرِ؛ عَنْ الأوزاعي؛ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: إنَّمَا الْمَشْيُ عَلَى مَنْ نَوَاهُ فَأَمَّا مَنْ حَلَفَ فِي الْغَضَبِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ؛ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ قَالَ: إذَا كَانَ نَذَرَ الشُّكْرَ فَعَلَيْهِ وَفَاءُ نَذْرِهِ وَالنَّذْرُ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالْغَضَبِ يَمِينٌ.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَد بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا ابْنُ جريج قَالَ: سُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ رَجُلٍ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ بَدَنَةٍ؟ فَقَالَ: يَمِينٌ وَعَنْ رَجُلٍ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفُ حَجَّةٍ؟ قَالَ يَمِينٌ؛ وَعَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَالِي هَدْيٌ؟ قَالَ يَمِينٌ وَعَنْ رَجُلٍ قَالَ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ؟ قَالَ يَمِينٌ.
وَقَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قتادة عَنْ الْحَسَنِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةِ؟ قَالَ لَيْسَ الْإِحْرَامُ إلَّا عَلَى مَنْ نَوَى الْحَجَّ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.
وَقَالَ أَحْمَد: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طاوس عَنْ أَبِيهِ قَالَ: يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.
وَقَالَ الْأَثْرَمُ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فِي رَجُلٍ قَالَ: هُوَ مُحْرِمٌ بِحَجَّةِ؟ قَالَ يَمِينٌ وَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الواسطي عَنْ أَيُّوبَ يَعْنِي أَبَا الْعَلَاءِ عَنْ
قتادة وَمَنْصُورٍ عَنْ الْحَسَنِ: فِي رَجُلٍ قَالَ: إنْ دَخَلَ مَنْزِلَ فُلَانٍ فَعَلَيْهِ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ؟ قَالَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَالَ: فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ وَإِنْ لَمْ يُطِقْ الْمَشْيَ رَكِبَ فَأَهْدَى.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَخِيهِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: جَاءَ إنْسَانٌ فَاسْتَفْتَى الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ جَعَلَ عَلَيْهِ مَشْيًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ أَجَعَلَهُ نَذْرًا؟ قَالَ لَا.
أَوَجَعَلَهُ لِلَّهِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ مَا ذَكَرَهُ حَنْبَلٌ قَالَ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: يُقَالُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ كَانَ عِنْدَهُ قَضَاءٌ وَكَانَ يَتْبَعُ قَضَاءَ عُمَرَ وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيّ.
قَالَ: الِاخْتِلَافُ بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيّ وَشُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَقَدْ أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ رَآهُمَا جَمِيعًا الزُّبَيْدِيّ وَشُعَيْبَ بْنَ أَبِي حَمْزَةَ.
وَرَأَيْته لِلزُّبَيْدِيِّ أَكْثَرَ تَعْظِيمًا وَهُمَا صَاحِبَا الزُّهْرِيّ بِالرَّصَافَةِ مِنْ قِبَلِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَلَى نَفَقَاتِ هِشَامٍ.
وَعَنْ بَقِيَّةَ قَالَ قَالَ لَنَا الأوزاعي: مَا فَعَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيّ؟ قَالَ قُلْت: وَلِيَ بَيْتَ الْمَالِ.
قَالَ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ
وَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ الذهلي مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عفير أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَنْحَرَ ابْنَهَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي أَمْرٍ إنْ فَعَلَتْهُ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ الْأَمْرَ فَقَدِمَتْ الْمَدِينَةَ تَسْتَفْتِي عَنْ نَذْرِهَا فَجَاءَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ: لَا أَعْلَمُ اللَّهُ أَمَرَ فِي النَّذْرِ إلَّا بِالْوَفَاءِ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: فَأَنْحَرُ ابْنِي؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَدْ نَهَاكُمْ اللَّهُ أَنْ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ لَمْ يَزِدْهَا ابْنُ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ.
فَجَاءَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَاسْتَفْتَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنَهَاكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.
وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ نَذَرَ إنْ تَوَافَى لَهُ عَشَرَةُ رَهْطٍ أَنْ يَنْحَرَ أَحَدَهُمْ فَلَمَّا تَوَافَى لَهُ عَشَرَةٌ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ أَيَّهمْ يَنْحَرُ فَصَارَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ أَحَبَّ النَّاسِ إلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ.
اللَّهُمَّ أَهُوَ أَوْ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَصَارَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى نَحْرِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلْمَرْأَةِ فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَنْحَرِي مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ مَكَانَ ابْنِك.
فَبَلَغَ الْحَدِيثُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: مَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ أَصَابَا الْفُتْيَا " إنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ " اسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إلَيْهِ وَاعْمَلِي مَا اسْتَطَعْت مِنْ الْخَيْرِ فَأَمَّا أَنْ تَنْحَرِي ابْنَك فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَاك عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ: فَسُرَّ النَّاسُ بِذَلِكَ وَأَعْجَبَهُمْ قَوْلُ مَرْوَانَ وَرَأَوْا أَنْ قَدْ أَصَابَ الْفَتْوَى فَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يُفْتُونَ بِأَنْ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
قُلْت ابْنُ عُمَرَ كَانَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَنْ النَّذْرِ لِلْمَعْصِيَةِ لَا يَأْمُرُ فِيهِ لَا بِوَفَاءِ وَلَا تَرْكٍ كَمَا سُئِلَ عَنْ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ فَقَالَ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ دَلِيلَانِ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ.
وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِوَفَاءِ النَّذْرِ مُقَيَّدٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا نَقَلَ مَالِكٌ فِي " مُوَطَّئِهِ " الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بَعْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ؛ وَمَنْ نَدَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ﴾ مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ بِلَفْظِ النَّذْرِ مُطْلَقًا؛ إذْ قَوْلُهُ ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ خَبَرٌ وَثَنَاءٌ وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ خَاصٌّ؛ لَكِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ وَالنَّذْرُ مِنْ ذَلِكَ.
فَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِمَا: أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ.
وَهَذِهِ حَالُ مَنْ يَجْعَلُ الْعُهُودَ وَالْعُقُودَ مُقْتَضِيَةً لِلْوَفَاءِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ لِبَعْضِ أَهْلِ الْوَرَعِ كَمَا عَرَضَ لِابْنِ عُمَرَ حَتَّى إنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ نَقْضِ كَثِيرٍ مِنْ الْعُهُودِ وَالْعُقُودِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرِيعَةِ وَهُمْ يَتَوَرَّعُونَ أَيْضًا عَنْ مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ فَيَبْقَوْنَ فِي الْحَيْرَةِ وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَعَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ: " إحْدَاهُمَا " هَذَا.
" وَالْأُخْرَى " عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ؛ وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ الشَّرِيعَةَ؛ دُونَ الِاحْتِجَاجِ بِقِصَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ أَصْلًا إلَّا إذَا أَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ
لَكِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ احْتَجَّ بِهِ لِكَوْنِ الدِّيَةِ أَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ وَهِيَ بَدَلُ النَّفْسِ فَرَأَى هَذَا الْبَدَلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ فِي الِافْتِدَاءِ ثُمَّ جَعَلَ الِافْتِدَاءَ بِالْكَبْشِ اتِّبَاعًا لِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ وَهُوَ الْأَنْسَبُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَد عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَسَائِرِ نُذُورِ الْمَعْصِيَةِ.
وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ مَرْوَانُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ وَكُلُّ مَنْ يَقُولُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ لَا شَيْءَ فِيهِ.
وَهَذَا النَّذْرُ ظَاهِرُهُ نَذْرُ يَمِينٍ؛ لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ نَذْرَ تَبَرُّرٍ كَنَذْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ وَلَكِنْ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَرَوَوْا الْقِصَّةَ بِالْمَعْنَى الَّذِي عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
فَصْلٌ:
قَدْ كَتَبْت فِي " قَاعِدَةِ الْعُهُودِ وَالْعُقُودِ " الْقَاعِدَةُ فِي الْعُهُودِ الدِّينِيَّةِ فِي الْقَوَاعِدِ الْمُطْلَقَةِ وَالْقَاعِدَةُ فِي الْعُقُودِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَفِي " كِتَابِ النَّذْرِ " أَيْضًا أَنَّ مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ إذَا نَذَرَهُ الْعَبْدُ أَوْ عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ أَوْ بَايَعَ عَلَيْهِ الرَّسُولَ أَوْ الْإِمَامَ أَوْ تَحَالَفَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُهُودَ
وَالْمَوَاثِيقَ تَقْتَضِي لَهُ وُجُوبًا ثَانِيًا غَيْرَ الْوُجُوبِ الثَّابِتِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَتَكُونُ وَاجِبَةً مِنْ وَجْهَيْنِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ تَارِكُهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ نَاقِضُ الْعُهُودِ وَالْمِيثَاقِ؛ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ عَاصِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهُ إذَا نَذَرَ وَاجِبًا فَهُوَ بَعْدَ النَّذْرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ النَّذْرِ؛ بِخِلَافِ نَذْرِ الْمُسْتَحَبِّ.
فَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ بَلْ النَّذْرُ إذَا كَانَ يُوجِبُ فِعْلَ الْمُسْتَحَبِّ فَإِيجَابُهُ لِفِعْلِ الْوَاجِبِ أَوْلَى؛ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ بَلْ هُمَا وجوبان مِنْ نَوْعَيْنِ لِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمٌ غَيْرُ حُكْمِ الْآخَرِ؛ مِثْلُ الْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ أُمَّ أُمِّ أُمٍّ وَأُمَّ أُمِّ أَب؛ فَإِنَّ فِيهَا سَبَبَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا تَسْتَحِقُّ بِهِ السُّدْسَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الشُّرُوطَ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهَا؛ أَوْ قَالَ تَفْسُدُ 1 حَتَّى قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ: زَوَّجْتُك عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ إمْسَاكٍ بِمَعْرُوفِ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانِ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ الطَّلَاقَ: فَهَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ جِدًّا؛ فَإِنَّ الْعُقُودَ إنَّمَا وَجَبَتْ مُوجِبَاتُهَا لِإِيجَابِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَمُطْلَقُ الْعَقْدِ لَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ فَإِذَا أُطْلِقَ كَانَا قَدْ أَوْجَبَا مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ؛ فَإِنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ هُوَ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ كَمُوجَبِ النَّذْرِ لَمْ يُوجِبْهُ الشَّارِعُ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْوَفَاءَ بِالْعُقُودِ كَمَا أَوْجَبَ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ.
فَإِذَا كَانَ لَهُ مُوجَبٌ مَعْلُومٌ بِلَفْظِ مُطْلَقٍ أَوْ بِعُرْفِ وَصَرَّحَ الْمُتَعَاقِدَانِ بِإِيجَابِهِ بِلَفْظِ خَاصٍّ كَانَ هَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فَيَكُونُ الْعَاقِدُ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
قَدْ أَوْجَبَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ جَعَلَ لَهُ إيجَابًا خَاصًّا يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الْإِيجَابِ الْعَامِّ.
وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا نَظَائِرُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ .
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ أَمَرَ أَجِيرَهُ أَنْ يَرْهَنَ شَيْئًا عِنْدَ شَخْصٍ فَرَهَنَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ فَعَدِمَ الرَّهْنَ فَحَلَفَ صَاحِبُ الرَّهْنِ إنْ لَمْ يَأْتِهِ بِهِ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَمْ يَعْدَمْ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُهُ: فَهَلْ يَحْنَثُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانَ حِينَ حَلَفَ مُعْتَقِدًا أَنَّ الرَّهْنَ بَاقٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يَعْدَمْ فَحَلَفَ لِيُحْضَرَ لَمْ يَحْنَثْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى وَلَدِهِ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ حَتَّى يُعْطِيَهُ الْكِسَاءَ الَّذِي أَخَذَهُ؛ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا: فَهَلْ يَحْنَثُ إذَا دَخَلَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْحَالَةُ مَا ذُكِرَ؛ لِكَوْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ مَاءٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ ابْنَهُ أَخَذَهُ وَتَبَيَّنَ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَمِثْلُ هَذَا فِيهِ أَيْضًا نِزَاعٌ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ فِيهِ فَصَارَ غَيْرَ حَانِثٍ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ جَهْلٌ بِصِفَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ حَلَفَتْ عَلَيْهِ وَالِدَتُهُ أَنْ لَا يُصَالِحَ زَوْجَتَهُ.
وَإِنْ صَالَحَهَا مَا تَرْجِعُ تُكَلِّمُهُ: فَمَا يَجِبُ فِي أَمْرِهِ وَصَالِحِ زَوْجَتِهِ وَأَمْرِ وَالِدَتِهِ فِي الشَّرْعِ الْمُطَهَّرِ؟
فَأَجَابَ:
إذَا صَالَحَ زَوْجَتَهُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُكَلِّمَهُ وَتُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهَا.
وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ إمَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ وَإِمَّا إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ رِطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْدِمَهُ مِمَّا يُؤْكَلُ بِالْمَوْزِ وَالْجُبْنِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِ وَإِمَّا كُسْوَةُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ثَوْبًا ثَوْبًا.
وَيَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا بِإِذْنِهَا الْحَالِفُ أَوْ زَوْجَتُهُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد بْنُ تَيْمِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
كَفَّارَةُ الْيَمِينِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ فَمَتَى كَانَ وَاجِدًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ بِإِحْدَى الثَّلَاثِ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَإِذَا اخْتَارَ أَنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَلَهُ ذَلِكَ.
" وَمِقْدَارُ مَا يُطْعِمُ " مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ إطْعَامَهُمْ: هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ؟ أَوْ بِالْعُرْفِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ " مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ " وَهَؤُلَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ.
مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُطْعِمُ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَشَعِيرٍ أَوْ رُبْعَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ؛ وَهُوَ مُدٌّ كَقَوْلِ أَحْمَد وَطَائِفَةٍ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ يُجْزِئُ فِي الْجَمِيعِ مُدٌّ مِنْ الْجَمِيعِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ.
" وَالْقَوْلُ الثَّانِي " أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالْعُرْفِ لَا بِالشَّرْعِ؛ فَيُطْعِمُ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُونَ أَهْلِيهِمْ قَدْرًا وَنَوْعًا.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ إسْمَاعِيلُ
بْنُ إسْحَاقَ: كَانَ مَالِكٌ يَرَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّ الْمُدَّ يُجْزِئُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا الْبُلْدَانُ فَإِنَّ لَهُمْ عَيْشًا غَيْرَ عَيْشِنَا فَأَرَى أَنْ يُكَفِّرُوا بِالْوَسَطِ مِنْ عَيْشِهِمْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَأَصْحَابِهِ مُطْلَقًا.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ هَذَا الْقَوْلُ؛ وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ الْأَوْسَطُ خُبْزٌ وَلَبَنٌ خُبْزٌ وَسَمْنٌ خُبْزٌ وَتَمْرٌ.
وَالْأَعْلَى خُبْزٌ وَلَحْمٌ.
وَقَدْ بَسَطْنَا الْآثَارَ عَنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ أَحْمَد وَأُصُولِهِ فَإِنَّ أَصْلَهُ أَنَّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّارِعُ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَهَذَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّارِعُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ فَإِنَّ أَحْمَد لَا يُقَدِّرُ طَعَامَ الْمَرْأَةِ وَالْوَلَدِ وَلَا الْمَمْلُوكِ؛ وَلَا يُقَدِّرُ أُجْرَةَ الْأَجِيرِ الْمُسْتَأْجَرِ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَلَا يُقَدِّرُ الضِّيَافَةَ الْوَاجِبَةَ عِنْدَهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَا يُقَدِّرُ الضِّيَافَةَ الْمَشْرُوطَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ: هَذَا مَعَ أَنَّ هَذِهِ وَاجِبَةٌ بِالشَّرْطِ فَكَيْفَ يُقَدِّرُ طَعَامًا وَاجِبًا بِالشَّرْعِ؟ بَلْ وَلَا يُقَدِّرُ الْجِزْيَةَ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَلَا الْخَرَاجَ؛ وَلَا يُقَدِّرُ أَيْضًا الْأَطْعِمَةَ الْوَاجِبَةَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ وَجَبَتْ بِشَرْعِ أَوْ شَرْطٍ وَلَا غَيْرَ الْأَطْعِمَةِ مِمَّا وَجَبَتْ مُطْلَقًا.
فَطَعَامُ الْكَفَّارَةِ أَوْلَى أَنْ لَا يُقَدَّرَ.
و " الْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ " فَمَا لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ أَوْ اللُّغَةِ رَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِمَا.
وَمَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِيهِمَا رَجَعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ؛ وَلِهَذَا لَا يُقَدِّرُ لِلْعُقُودِ أَلْفَاظًا بَلْ أَصْلُهُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ جِنْسِ أَصْلِ مَالِكٍ كَمَا أَنَّ قِيَاسَ مَذْهَبِهِ أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُهُ أَيْضًا كَمَا قَدْ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ؛ وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالصَّاعِ كَالتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ.
وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي " الْأُدْمِ " هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يُطْعِمُ أَهْلَهُ بِأُدُمِ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ بِأُدُمِ.
وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُطْعِمُ بِلَا أُدْمٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ الْمَسَاكِينَ عَلَى أَهْلِهِ بَلْ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ.
وَعَلَى هَذَا فَمِنْ الْبِلَادِ مَنْ يَكُونُ أَوْسَطُ طَعَامِ أَهْلِهِ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ كَمَا يُقَالُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِذَا صَنَعَ خُبْزًا جَاءَ نَحْوَ رِطْلَيْنِ بِالْعِرَاقِيِّ وَهُوَ بِالدِّمَشْقِيِّ خَمْسَةُ أَوَاقٍ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ فَإِنْ جَعَلَ بَعْضَهُ أُدْمًا كَمَا جَاءَ عَنْ السَّلَفِ كَانَ الْخُبْزُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوَاقٍ وَهَذَا لَا يَكْفِي أَكْثَرَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ؛ فَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: يُطْعِمُ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا: إمَّا مُدَّانِ أَوْ مُدٌّ وَنِصْفٌ عَلَى قَدْرِ طَعَامِهِمْ فَيُطْعِمُ مِنْ الْخُبْزِ إمَّا نِصْفَ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ وَإِمَّا ثُلُثَا رِطْلٍ وَإِمَّا رِطْلٌ وَإِمَّا أَكْثَرُ.
إمَّا مَعَ الْأُدْمِ عَلَى قَدْرِ عَادَتِهِمْ فِي الْأَكْلِ فِي وَقْتٍ 1 ؛ فَإِنَّ عَادَةَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ بِالرُّخْصِ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
وَالْغَلَاءِ وَالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَتَخْتَلِفُ بِالشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِذَا حُسِبَ مَا يُوجِبُهُ أَبُو حَنِيفَةَ خُبْزًا كَانَ رِطْلًا وَثُلُثًا بِالدِّمَشْقِيِّ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ نِصْفَ صَاعٍ عِنْدَهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ.
وَأَمَّا مَا يُوجِبُهُ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ فَيُوجِبُ صَاعًا ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يُوجِبُهُ الشَّافِعِيُّ سِتَّ مَرَّاتٍ وَهُوَ بِقَدْرِ مَا يُوجِبُهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ فَقَدْ يُجْزِئُ فِي بَلَدٍ مَا أَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَفِي بَلَدٍ مَا أَوْجَبَهُ أَحْمَد وَفِي بَلَدٍ آخَرَ مَا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ؛ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ . وَإِذَا جَمَعَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ وَعَشَّاهُمْ خُبْزًا وَأُدْمًا مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي الدَّلِيلِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِطْعَامِ؛ لَمْ يُوجِبْ التَّمْلِيكَ وَهَذَا إطْعَامٌ حَقِيقَةً.
وَمَنْ أَوْجَبَ " التَّمْلِيكَ " احْتَجَّ بِحُجَّتَيْنِ " إحْدَاهُمَا " أَنَّ الطَّعَامَ الْوَاجِبَ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ وَلَا يُعْلَمُ إذَا أَكَلُوا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَأْكُلُ قَدْرَ حَقِّهِ.
و " الثَّانِيَةُ " أَنَّهُ بِالتَّمْلِيكِ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ مَعَ الْإِطْعَامِ.
وَجَوَابُ الْأُولَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ؛ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهِ فَالْكَلَامُ
إنَّمَا هُوَ إذَا أَشْبَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَدَاءً وَعَشَاءً وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ حَقِّهِ وَأَكْثَرُ.
وَأَمَّا التَّصَرُّفُ بِمَا شَاءَ فَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ إنَّمَا أَوْجَبَ فِيهَا التَّمْلِيكَ لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا بِاللَّامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ وَلِهَذَا حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ التَّصَرُّفَ بِحَرْفِ الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّمْلِيكُ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ مِنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَمْلِيكًا لِلْمُعْتَقِ وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا سِلَاحًا يُعِينُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْإِطْعَامُ أَوْلَى مِنْ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ الْمُمَلَّكَ قَدْ يَبِيعُ مَا أَعْطَيْته وَلَا يَأْكُلُهُ؛ بَلْ قَدْ يَكْنِزُهُ فَإِذَا أَطْعَمَ الطَّعَامَ حَصَلَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ قَطْعًا.
وَغَايَةُ مَا يُقَالُ: أَنَّ التَّمْلِيكَ قَدْ يُسَمَّى إطْعَامًا كَمَا يُقَالُ؛ ﴿أَطْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدَّةَ السُّدْسَ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ: ﴿مَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً إلَّا كَانَتْ لِمَنْ يَلِي الْأَمْرَ بَعْدَهُ﴾ لَكِنْ يُقَالُ: لَا رَيْبَ أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ الْإِطْعَامَ الْمَعْرُوفَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُقَالُ إذَا ذُكِرَ الْمُطْعِمُ فَيُقَالُ: أَطْعَمَهُ كَذَا.
فَأَمَّا إذَا أَطْلَقَ وَقِيلَ: أَطْعِمْ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينِ.
فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا نَفْسُ الْإِطْعَامِ لَكِنْ لَمَّا كَانُوا يَأْكُلُونَ مَا يَأْخُذُونَهُ سُمِّيَ التَّمْلِيكُ لِلطَّعَامِ إطْعَامًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِطْعَامُ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مَصْرِفًا غَيْرَ الْأَكْلِ فَهَذَا لَا يُسَمَّى إطْعَامًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَقَالَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
وَأَمَّا " النَّذْرُ " فَهُوَ نَوْعَانِ: طَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ.
فَمَنْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيَ بِهِ وَإِنْ نَذَرَ مَا لَيْسَ بِطَاعَةِ مِثْلَ النَّذْرِ لِبَعْضِ الْمَقَابِرِ وَالْمَشَاهِدِ وَغَيْرِهَا زَيْتًا أَوْ شَمْعًا أَوْ نَفَقَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ وَهُوَ شَبِيهٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ بِالنَّذْرِ لِلْأَوْثَانِ؛ كَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى: فَهَذَا لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لَكِنْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُوجِبُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ كَالْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَإِذَا صَرَفَ الرَّجُلُ ذَلِكَ الْمَنْذُورَ فِي قُرْبَةٍ مَشْرُوعَةٍ مِثْلُ أَنْ يَصْرِفَ الدُّهْنَ فِي تَنْوِيرِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ بُيُوتُ اللَّهِ وَيَصْرِفَ النَّفَقَةَ إلَى صَالِحِي الْفُقَرَاءِ: كَانَ هَذَا عَمَلًا صَالِحًا يَتَقَبَّلُهُ اللَّهُ مِنْهُ؛ مَعَ أَنَّ أَصْلَ " عَقْدِ النَّذْرِ " مَكْرُوهٌ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﴿أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرِ؛ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ﴾ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ الْقَضَاءُ
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: " فَائِدَةٌ نَافِعَةٌ جَامِعَةٌ "
الْمَقْصُودُ مِنْ الْقَضَاءِ
وُصُولُ الْحُقُوقِ إلَى أَهْلِهَا وَقَطْعُ الْمُخَاصَمَةِ.
فَوُصُولُ الْحُقُوقِ هُوَ الْمَصْلَحَةُ وَقَطْعُ الْمُخَاصَمَةِ إزَالَةُ الْمَفْسَدَةِ.
فَالْمَقْصُودُ هُوَ جَلْبُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ وَإِزَالَةُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ.
وَوُصُولُ الْحُقُوقِ هُوَ مِنْ الْعَدْلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ.
وَقَطْعُ الْخُصُومَةِ هُوَ مِنْ " بَابِ دَفْعِ الظُّلْمِ وَالضَّرَرِ " وَكِلَاهُمَا يَنْقَسِمُ إلَى إبْقَاءِ مَوْجُودٍ وَدَفْعِ مَفْقُودٍ.
فَفِي وُصُولِ الْحُقُوقِ إلَى مُسْتَحِقِّهَا يُحْفَظُ مَوْجُودُهَا وَيَحْصُلُ مَقْصُودُهَا وَفِي الْخُصُومَةِ يُقْطَعُ مَوْجُودُهَا وَيُدْفَعُ مَفْقُودُهَا.
فَإِذَا حَصَلَ الصُّلْحُ زَالَتْ الْخُصُومَةُ الَّتِي هِيَ أَحَدُ الْمَقْصُودَيْنِ.
وَأَمَّا " الْحُقُوقُ " فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ وَصَلَتْ مَعَهُ أَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِتَرْكِهِ وَهُوَ جَائِزٌ وَإِذَا انْفَصَلَتْ الْحُقُوقُ بِحُكْمِ وَشَهَادَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ فِي فَصْلِهَا جَرْحُ الْحُكَّامِ وَالشُّهُودِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا لِضَرُورَةِ كَالْمُخَاصَمَةِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْفَصْلِ الْأَمْرُ صَعْبًا بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
" فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ ": إمَّا فَصْلٌ بِصُلْحِ.
فَهَذَا هُوَ الْغَايَةُ لِأَنَّهُ حَصَّلَ الْمَقَاصِدَ الثَّلَاثَ عَلَى التَّمَامِ.
وَإِمَّا فَصْلٌ بِحُكْمِ مَرَّ.
فَقَدْ حَصَلَ مَعَهُ وُصُولُ الْحَقِّ وَقَطْعُ الْخُصُومَةِ وَلَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ: وَإِمَّا صُلْحٌ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ مَا يَدَّعِي أَنَّهُ حَقٌّ.
فَهَذَا أَيْضًا قَدْ حَصَّلَ مَقْصُودَ الصُّلْحِ وَقَطَعَ النِّزَاعَ؛ وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ وُصُولِ الْحُقُوقِ؛ لَكِنْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ التَّرْكِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصُّلْحِ أَحْسَنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْفَصْلِ الْمُرِّ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي دَفْعِ الْخُصُومَةِ وَامْتَازَ ذَلِكَ بِصَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مَعَ تَرْكِ أَحَدِهِمَا لِحَقِّهِ؛ وَامْتَازَ الْآخَرُ بِأَخْذِ الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ مَعَ ضَغَائِنَ.
فَتِلْكَ الْمَصْلَحَةُ أَكْمَلُ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْحَقُّ إنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ وَقَدْ يَكُونُ الْبَاطِنُ بِخِلَافِهِ.
وَأَمَّا لَا فَضْلَ وَلَا صُلْحَ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ يَحْصُلُ بِهِ مَفْسَدَةُ تَرْكِ الْقَضَاءِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي يَدِ صَاحِبِهِ كَالْوَقْفِ وَغَيْرِهِ يَخَافُ إنْ لَمْ يُحْفَظْ بِالْبَيِّنَاتِ أَنْ يُنْسِيَهُ شَرْط وَيَجْحَد وَلَا يَأْتِيهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ فَهُنَا فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ حِفْظُ الْحَقِّ الْمَجْحُودِ عَنْ خَصْمٍ مُقَدَّرٍ وَهَذَا أَحَدُ مَقْصُودَيْ الْقَضَاءِ فَلِذَلِكَ يُسْمَعُ ذَلِكَ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ: لَا يُسْمَعُ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ فَعِنْدَهُ لَيْسَ لِلْقَضَاءِ فَائِدَةٌ إلَّا فَصْلُ الْخُصُومَةِ وَلَا خُصُومَةَ وَلَا قَضَاءَ؛ فَلِذَلِكَ لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ إلَّا فِي وَجْهٍ مُدَّعًى عَلَيْهِ لِتَظْهَرَ الْخُصُومَةُ.
وَمَنْ قَالَ بِالْخَصْمِ الْمُسَخَّرِ فَإِنَّهُ يُنْصَبُ لِلشَّرِّ ثُمَّ يَقْطَعُهُ وَمَنْ قَالَ تُسْمَعُ فَإِنَّهُ يَحْفَظُ الْحَقَّ الْمَوْجُودَ وَيَذَرُ الشَّرَّ الْمَفْقُودَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
فِيمَا جَعَلَ اللَّهُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ وَمَا لَمْ يَجْعَلْ لِوَاحِدِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ الْحُكْمَ فِيهِ بَلْ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِنْ آحَادِ الْعَامَّةِ.
وَهَذَا مِثْلُ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهَا وَيَعْمَلُوا بِهَا وَقَدْ بَيَّنَهَا فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَوْ تَنَازَعَتْ الْأُمَّةُ فِيهِ إذَا وَقَعَ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْحُكَّامِ وَبَيْنَ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْجُنْدِ أَوْ الْعَامَّةِ أَوْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا عَلَى مَنْ يُنَازِعُهُ وَيُلْزِمَهُ بِقَوْلِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْقَوْلِ الْآخَرِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُؤْذِيَهُ أَوْ يُعَاقِبَهُ.
مِثْلُ أَنْ يَتَنَازَعَ حَاكِمٌ أَوْ غَيْرُ حَاكِمٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ؟ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: إنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَا لِشَهْوَةِ وَلَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
أَوْ الْمُرَادُ بِهِ اللَّمْسُ بِجَمِيعِ الْبَشَرَةِ إمَّا لِشَهْوَةِ وَإِمَّا مُطْلَقًا؟ كَمَا نُقِلَ الْأَوَّلُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَالثَّالِثُ قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا " ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ".
وَالْأَظْهَرُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَنْتَقِضُ بِمَسِّ النِّسَاءِ مُطْلَقًا وَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَمَسُّونَ نِسَاءَهُمْ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ قَطُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ الْمُسْلِمِينَ بِالْوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ عَلَى حَيَاتِهِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ؛ وَلَا نُقِلَ عَنْهُ قَطُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي السُّنَنِ ﴿أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ وَلَا يَتَوَضَّأُ﴾ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لَكِنْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ الْمَسِّ.
وَكَذَلِكَ تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ بِالْفِصَادِ وَالْحِجَامَةِ وَالْجَرْحِ وَالرُّعَافِ وَفِي " الْقَيْءِ " وَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ؛ وَعَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَطُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ بَلْ كَانَ أَصْحَابُهُ يَخْرُجُونَ فِي الْمَغَازِي فَيُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْوُضُوءِ " مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ " و " مَسِّ الْمَرْأَةِ لِشَهْوَةِ " إنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي " الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ " و " مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ " إنَّ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ وَلَا يَجِبُ؛ فَمَنْ تَوَضَّأَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ؛ بَلْ الْمَقْصُودُ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِهَا.
وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ كَالْجَدِّ وَالْمُشْرِكَةِ وَغَيْرِهِمَا وَفِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَفِي مَسَائِلِ زِيَارَاتِ الْقُبُورِ؛ مِنْهُمْ مِنْ كَرِهَهَا مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّهَا إذَا كَانَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ.
وَتَنَازَعُوا فِي " السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ": هَلْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ؟ أَوْ مُسْتَقْبِلَ الْحُجْرَةِ؟ وَهَلْ يَقِفُ بَعْدَ السَّلَامِ يَدْعُو لَهُ أَمْ لَا؟ وَتَنَازَعُوا أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ أَفْضَلُ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَوْ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ السَّفَرُ إلَى بُقْعَةٍ لِلْعِبَادَةِ فِيهَا غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ السَّفَرَ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ وَتَنَازَعُوا فِيمَا إذَا نَذَرَ السَّفَرَ إلَى الْمَسْجِدَيْنِ إلَى أُمُورٍ أُخْرَى يَطُولُ ذِكْرُهَا.
وَتَنَازَعُوا فِي بَعْضِ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: هَلْ ثَبَتَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ؟
فَهَذِهِ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ لَيْسَ لِحَاكِمِ مِنْ الْحُكَّامِ كَائِنًا مَنْ كَانَ - وَلَوْ كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ - أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا بِقَوْلِهِ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِي قَوْلِهِ فَيَقُولُ: أَلْزَمْته أَنْ لَا يَفْعَلَ وَلَا يُفْتِيَ إلَّا بِالْقَوْلِ الَّذِي يُوَافِقُ لِمَذْهَبِي؛ بَلْ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْحَاكِمُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ تَكَلَّمَ بِمَا عِنْدَهُ وَإِذَا كَانَ عِنْدَ مُنَازِعِهِ عِلْمٌ تَكَلَّمَ بِهِ فَإِنْ ظَهَرَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ وَعُرِفَ حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ اتِّبَاعُ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ أُقِرَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِهِ - أُقِرَّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِهِ وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِهِ - وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَمْنَعَ الْآخَرَ إلَّا بِلِسَانِ الْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ فَيَقُولُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ.
وَأَمَّا " بِالْيَدِ وَالْقَهْرِ " فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا فِي الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي يُتَحَاكَمُ فِيهَا إلَيْهِ مِثْلُ مَيِّتٍ مَاتَ وَقَدْ تَنَازَعَ وَرَثَتُهُ فِي قَسْمِ تَرِكَتِهِ فَيُقَسِّمُهَا بَيْنَهُمْ إذَا تَحَاكَمُوا إلَيْهِ وَإِذَا حَكَمَ هُنَا بِأَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَلْزَمَ الْخَصْمَ بِحُكْمِهِ.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا لَا أَرْضَى حَتَّى يَحْكُمَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ.
وَكَذَلِكَ إذَا تَحَاكَمَ إلَيْهِ اثْنَانِ فِي دَعْوَى يَدَّعِيهَا أَحَدُهُمَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَأَلْزَمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِمَا حَكَمَ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَنْت حَكَمْت عَلَيَّ بِالْقَوْلِ الَّذِي لَا أَخْتَارُهُ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ﴾ وَقَدْ يَخُصُّ اللَّهُ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ
وَالْحُكَّامِ بِعِلْمِ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ .
وَعَلَى الْحُكَّامِ أَنْ لَا يَحْكُمُوا إلَّا بِالْعَدْلِ.
" وَالْعَدْلُ " هُوَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ فَأَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَةَ أُولِي الْأَمْرِ مَعَ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَأَوْجَبَ عَلَى الْأُمَّةِ إذَا تَنَازَعُوا أَنْ يَرُدُّوا مَا تَنَازَعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْحَكَمُ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِهِ وَالْحُكْمُ لَهُ وَحْدَهُ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْكُتُبَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ؛ فَمَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ كَانَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ وَكَانَتْ لَهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ عَصَى الرَّسُولَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ وَالْعَذَابِ؛ قَالَ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا
بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَامَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جبرائيل وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْت تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا أَخْتَلِفُ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك؛ إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ هَدَاهُمْ وَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقَّ؛ لَكِنَّ بَعْضَهُمْ يَبْغِي عَلَى بَعْضٍ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِالْحَقِّ فَيَتَّبِعُ هَوَاهُ وَيُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُ الْحَقَّ وَيَزِيغُ عَنْهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وَقَالَ يُوسُفُ: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ
سُلْطَانٍ إنِ الْحُكْمُ إلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} فَالْحُكْمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَرُسُلُهُ يُبَلِّغُونَ عَنْهُ؛ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُهُ وَأَمْرُهُمْ أَمْرُهُ وَطَاعَتُهُمْ طَاعَتُهُ فَمَا حَكَمَ بِهِ الرَّسُولُ وَأَمَرَهُمْ بِهِ وَشَرَعَهُ مِنْ الدِّينِ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ اتِّبَاعُهُ وَطَاعَتُهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.
وَالرَّسُولُ يُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنْ يُحَكِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَأَفْضَلَ الْمُرْسَلِينَ وَأَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حُكْمِهِ فِي شَيْءٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْمُلُوكِ أَوْ الشُّيُوخِ أَوْ غَيْرِهِمْ.
وَلَوْ أَدْرَكَهُ مُوسَى أَوْ عِيسَى وَغَيْرُهُمَا مِنْ الرُّسُلِ كَانَ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ - عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا - قَالُوا: لَمْ
يَبْعَثْ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ عَهْدِ نُوحٍ إلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهْم أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّ الْمُتَقَدِّمِ أَنْ يُصَدِّقَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ وَعَلَى النَّبِيِّ الْمُتَأَخِّرِ أَنْ يُصَدِّقَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَنْبِيَاءُ بَلْ دِينُهُمْ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ أَيْ مِلَّتُكُمْ مِلَّةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أَيْ مِلَّةٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ﴾ فَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ مُؤْمِنُونَ كَمَا قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لَكِنَّ بَعْضَ الشَّرَائِعِ تَتَنَوَّعُ فَقَدْ يُشَرِّعُ فِي وَقْتٍ أَمْرًا لِحِكْمَةِ ثُمَّ يُشَرِّعُ فِي وَقْتٍ آخَرَ أَمْرًا آخَرَ لِحِكْمَةِ؛ كَمَا شَرَعَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ
الصَّلَاةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ فَتَنَوَّعَتْ الشَّرِيعَةُ وَالدِّينُ وَاحِدٌ وَكَانَ اسْتِقْبَالُ الشَّامِ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ السَّبْتُ لِمُوسَى مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَمَّا نُسِخَ صَارَ دِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ النَّاسِخَ وَهُوَ الصَّلَاةُ إلَى الْكَعْبَةِ فَمَنْ تَمَسَّكَ بِالْمَنْسُوخِ دُونَ النَّاسِخِ فَلَيْسَ هُوَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَلَا هُوَ مُتَّبِعٌ لِأَحَدِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ بَدَّلَ شَرْعَ الْأَنْبِيَاءِ وَابْتَدَعَ شَرْعًا فَشَرْعُهُ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وَلِهَذَا كَفَرَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِشَرْعِ مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ.
وَاَللَّهُ أَوْجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمُ الرُّسُلِ؛ فَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُ وَاتِّبَاعُ مَا شَرَعَهُ مِنْ الدِّينِ وَهُوَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ الشَّرْعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُ؛ - وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْهُ وَهُوَ الشَّرْعُ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ الْمُجَاهِدُونَ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَسُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ تَنْصُرُ هَذَا الشَّرْعَ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَمَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نَضْرِبَ بِهَذَا - يَعْنِي السَّيْفَ - مَنْ خَرَجَ عَنْ هَذَا.
يَعْنِي الْمُصْحَفَ﴾ قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا
الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَنْزَلَ الْعَدْلَ وَمَا بِهِ يُعْرَفُ الْعَدْلُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ.
فَمَنْ خَرَجَ عَنْ الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ قُوتِلَ بِالْحَدِيدِ.
فَالْكِتَابُ وَالْعَدْلُ مُتَلَازِمَانِ وَالْكِتَابُ هُوَ الْمُبَيِّنُ لِلشَّرْعِ؛ فَالشَّرْعُ هُوَ الْعَدْلُ وَالْعَدْلُ هُوَ الشَّرْعُ وَمَنْ حَكَمَ بِالْعَدْلِ فَقَدْ حَكَمَ بِالشَّرْعِ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَنْسُبُونَ مَا يَقُولُونَهُ إلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَ مِنْ الشَّرْعِ؛ بَلْ يَقُولُونَ ذَلِكَ إمَّا جَهْلًا وَإِمَّا غَلَطًا وَإِمَّا عَمْدًا وَافْتِرَاءً وَهَذَا هُوَ الشَّرْعُ الْمُبَدَّلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَصْحَابُهُ الْعُقُوبَةَ؛ لَيْسَ هُوَ الشَّرْعَ الْمُنَزَّلَ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إلَى خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْعَ الْمُنَزَّلَ كُلُّهُ عَدْلٌ لَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ وَلَا جَهْلٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فَاَلَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ هُوَ الْقِسْطُ وَالْقِسْطُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ فَاَلَّذِي أَرَاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ هُوَ الْعَدْلُ.
وَقَدْ يَقُولُ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ أَقْوَالًا بِاجْتِهَادِهِمْ؛ فَهَذِهِ يَسُوغُ
الْقَوْلُ بِهَا وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَلْتَزِمَ إلَّا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَهَذَا شَرْعٌ دَخَلَ فِيهِ التَّأْوِيلُ وَالِاجْتِهَادُ وَقَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ الْمُنَزَّلِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ أَجْرَانِ وَقَدْ لَا يَكُونُ مُوَافِقًا لَهُ؛ لَكِنْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا؛ فَإِذَا اتَّقَى الْعَبْدُ اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ آجَرَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَغَفَرَ لَهُ خَطَأَهُ.
وَمَنْ كَانَ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ أَنْ يَذُمَّهُ وَلَا يَعِيبَهُ وَلَا يُعَاقِبَهُ وَلَكِنْ إذَا عُرِفَ الْحَقُّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ تَرْكُ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ وَذَلِكَ هُوَ الشَّرْعُ الْمُنَزَّلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ دِينُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ لَا يُجَاهِدُونَ عَلَى قَوْلِ عَالِمٍ وَلَا شَيْخٍ وَلَا مُتَأَوِّلٍ؛ بَلْ يُجَاهِدُونَ لِيُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ وَيَكُونَ الدِّينُ لَهُ كَمَا فِي الْمُسْنَدِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿بُعِثْت بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمِ فَهُوَ مِنْهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ ﴿قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً: فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .