كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَإِذَا قَالَ أَحْمَد أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ لَزِمَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْحَلِفِ بِهِمَا.
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد فَقَالَ: يَصِحُّ فِي الْحَلِفِ بِهِمَا الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا تَصِحُّ الْكَفَّارَةُ.
فَهَذَا الْفَرْقُ لَمْ أَعْلَمْهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ عَنْ أَحْمَد؛ وَلَكِنَّهُمْ مَعْذُورُونَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَجِدُوهُ نَصَّ فِي تَكْفِيرِ الْحَلِفِ بِهِمَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ كَمَا نَصَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحَلِفِ بِهِمَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَازِمٌ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ الَّتِي يَنْصُرُونَهَا.
وَمَنْ سِوَى الْأَنْبِيَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ قَوْلَهُ لَوَازِمُ لَا يَتَفَطَّنُ لِلُزُومِهَا وَلَوْ تَفَطَّنَ لَكَانَ إمَّا أَنْ يَلْتَزِمَهَا أَوْ لَا يَلْتَزِمَهَا بَلْ يَرْجِعُ عَنْ الْمَلْزُومِ أَوْ لَا يَرْجِعُ عَنْهُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهَا غَيْرُ لَوَازِمَ.
وَالْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إذَا خَرَجُوا عَلَى قَوْلِ عَالِمٍ لَوَازِمِ قَوْلِهِ وَقِيَاسِهِ.
فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ اللَّازِمِ لَا بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ أَوْ نَصَّ عَلَى نَفْيِهِ.
وَإِذَا نَصَّ عَلَى نَفْيِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَصَّ عَلَى نَفْيِ لُزُومِهِ أَوْ لَمْ يَنُصَّ فَإِنْ كَانَ قَدْ نَصَّ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ اللَّازِمِ وَخَرَّجُوا عَنْهُ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُ أَنْ يَنُصَّ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ يُعَلِّلَ مَسْأَلَةً بِعِلَّةِ يَنْقُضُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَمَا عَلَّلَ أَحْمَد هُنَا عَدَمَ التَّكْفِيرِ بِعَدَمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَعَنْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ رِوَايَتَانِ.
فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَخْرِيجِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ بِنَفْيِ وَلَا إثْبَاتٍ هَلْ يُسَمَّى ذَلِكَ مَذْهَبًا؟ أَوْ لَا يُسَمَّى؟ وَلِأَصْحَابِنَا فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.
فَالْأَثْرَمُ والخرقي وَغَيْرُهُمَا يَجْعَلُونَهُ مَذْهَبًا لَهُ وَالْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ وَغَيْرُهُمَا لَا يَجْعَلُونَهُ مَذْهَبًا لَهُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ وَلَازِمُ قَوْلِهِ؛ فَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ؛ وَلَا أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَيْسَ بِلَازِمِ قَوْلُهُ؛ بَلْ هُوَ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ.
هَذَا حَيْثُ أَمْكَنَ أَنْ لَا يُلَازِمَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ الطَّلَاقَ مُبِيحًا لَهُ أَوْ آمِرًا بِهِ أَوْ مُلْزِمًا لَهُ إذَا أَوْقَعَهُ صَاحِبُهُ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ وَكَذَلِكَ النَّذْرُ.
وَهَذِهِ الْعُقُودُ مِنْ النُّذُورِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ تَقْتَضِي وُجُوبَ أَشْيَاءَ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ تَحْرِيمَ أَشْيَاءَ عَلَيْهِ.
وَالْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ إذَا قَصَدَهُ أَوْ قَصَدَ سَبَبَهُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ هَذَا الْكَلَامُ بِغَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلَوْ تَكَلَّمَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ مُكْرَهًا لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَآثَارُ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ إنَّمَا هُوَ دَفْعُ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ؛ لَمْ يَقْصِدْ حُكْمَهَا؛ وَلَا قَصَدَ التَّكَلُّمَ بِهَا ابْتِدَاءً.
فَكَذَلِكَ الْحَالِفُ إذَا قَالَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الطَّلَاقُ لَيْسَ يَقْصِدُ الْتِزَامَ حَجٍّ وَلَا طَلَاقٍ وَلَا تَكَلَّمَ بِمَا يُوجِبُهُ ابْتِدَاءً؛ وَإِنَّمَا قَصْدُهُ الْحَضُّ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ.
أَوْ مَنْعُ نَفْسِهِ مِنْهُ كَمَا أَنَّ قَصْدَ الْمُكْرَهِ دَفْعُ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ؛ ثُمَّ قَالَ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَضِّ وَالْمَنْعِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَهَذَا لِي لَازِمٌ أَوْ هَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ؛ لِشِدَّةِ امْتِنَاعِهِ مِنْ هَذَا اللُّزُومِ وَالتَّحْرِيمِ عُلِّقَ ذَلِكَ بِهِ فَقَصْدُهُ مَنْعُهُمَا جَمِيعًا لَا ثُبُوتُ أَحَدِهِمَا وَلَا ثُبُوتُ سَبَبِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِلْحُكْمِ وَلَا لِسَبَبِهِ وَإِنَّمَا قَصْدُهُ عَدَمُ الْحُكْمِ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَلْزَمَهُ الْحُكْمُ.
و " أَيْضًا " فَإِنَّ الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ فِي الْأُمَّةِ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّهُ كَانَ يُحْلَفُ بِهَا عَلَى عَهْدِ قُدَمَاءِ الصَّحَابَةِ؛ وَلَكِنْ قَدْ ذَكَرُوهَا فِي أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ الَّتِي رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَصَدَقَةِ الْمَالِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ.
وَلَمْ أَقِفْ إلَى السَّاعَةِ عَلَى كَلَامٍ لِأَحَدِ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَإِنَّمَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْهُمْ الْجَوَابُ فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ هَذِهِ " الْبِدْعَةُ " قَدْ شَاعَتْ فِي الْأُمَّةِ وَانْتَشَرَتْ انْتِشَارًا عَظِيمًا؛ ثُمَّ لَمَّا اعْتَقَدَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهَا لَا مَحَالَةَ: صَارَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَا مِنْ الْأَغْلَالِ عَلَى الْأُمَّةِ مَا هُوَ شَبِيهٌ بِالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ " خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْحِيَلِ وَالْمَفَاسِدِ " فِي الْأَيْمَانِ حَتَّى اتَّخَذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ عَلَى تَرْكِ أُمُورٍ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ فِعْلِهَا إمَّا شَرْعًا وَإِمَّا طَبْعًا وَعَلَى فِعْلِ أُمُورٍ يَصْلُحُ فِعْلُهَا إمَّا شَرْعًا وَإِمَّا طَبْعًا وَغَالِبُ مَا يَحْلِفُونَ بِذَلِكَ فِي حَالِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ.
ثُمَّ فِرَاقُ الْأَهْلِ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَا يَزِيدُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَغْلَالِ الْيَهُودِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ إنَّمَا حَرَّمَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لِئَلَّا يُسَارِعَ النَّاسُ إلَى الطَّلَاقِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ.
فَإِذَا حَلَفُوا بِالطَّلَاقِ عَلَى الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ أَوْ الْمَمْنُوعَةِ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَى فِعْلِ تِلْكَ الْأُمُورِ أَوْ تَرْكِهَا مَعَ عَدَمِ فِرَاقِ الْأَهْلِ قَدَحَتْ الْأَفْكَارُ لَهُمْ " أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنْ الْحِيَلِ " أُخِذَتْ عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
" الْحِيلَةُ الْأُولَى " فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَتَأَوَّلُ لَهُمْ خِلَافَ مَا قَصَدُوهُ وَخِلَافَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَصَفَهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْفِقْهِ وَيُسَمُّونَهُ " بَابَ الْمُعَايَاةِ " و " بَابَ الْحِيَلِ فِي الْأَيْمَانِ " وَأَكْثَرُهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي الدِّينِ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِ الْحَالِفِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ يُشَدِّدُونَ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ يَحْتَالُ فِي هَذِهِ الْأَيْمَانِ.
" الْحِيلَةُ الثَّانِيَةُ " إذَا تَعَذَّرَ الِاحْتِيَالُ فِي الْكَلَامِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ احْتَالُوا لِلْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ؛ بِأَنْ يَأْمُرُوهُ بِمُخَالَعَةِ امْرَأَتِهِ لِيَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ الْبَيْنُونَةِ وَهَذِهِ الْحِيلَةُ أَحْدَثُ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا وَأَظُنُّهَا حَدَثَتْ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ الْحِيَلِ إنَّمَا نَشَأَتْ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَحِيلَةُ الْخُلْعِ لَا تَمْشِي عَلَى أَصْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي الْعِدَّةِ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ فُرْقَةٍ بَائِنَةٌ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ عِنْدَهُمْ فَيَحْتَاجُ الْمُحْتَالُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يَتَرَبَّصَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ ثُمَّ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا وَهَذَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ طُولِ الْمُدَّةِ.
فَصَارَ يُفْتِي بِهَا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَرُبَّمَا رَكَّبُوا مَعَهَا أَحَدَ قَوْلَيْهِ الْمُوَافِقَ لِأَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد مِنْ: أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ؛ وَلَيْسَ بِطَلَاقِ.
فَيَصِيرُ الْحَالِفُ كُلَّمَا أَرَادَ الْحِنْثَ خَلَعَ زَوْجَتَهُ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ فَإِمَّا أَنْ يُفْتُوهُ بِنَقْصِ عَدَدِ الطَّلَاقِ؛ أَوْ يُفْتُوهُ بِعَدَمِهِ وَهَذَا الْخُلْعُ الَّذِي هُوَ " خُلْعُ الْأَيْمَانِ " شَبِيهٌ بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ سَوَاءٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ
عَقَدَ عَقْدًا لَمْ يَقْصِدْهُ وَإِنَّمَا قَصَدَ إزَالَتِهِ وَهَذَا فَسَخَ فَسْخًا لَمْ يَقْصِدْهُ وَإِنَّمَا قَصَدَ إزَالَتَهُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ مُحْدَثَةٌ بَارِدَةٌ قَدْ صَنَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ جُزْءًا فِي إبْطَالِهَا وَذَكَرَ عَنْ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ مَا قَدْ ذَكَرْت بَعْضَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
" الْحِيلَةُ الثَّالِثَةُ " إذَا تَعَذَّرَ الِاحْتِيَالُ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ احْتَالُوا فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ فَيُبْطِلُونَهُ بِالْبَحْثِ عَنْ شُرُوطِهِ.
فَصَارَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَبْحَثُونَ عَنْ صِفَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ لَعَلَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى أَمْرٍ يَكُونُ بِهِ فَاسِدًا؛ لِيُرَتِّبُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَقَعُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَحْمَد فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ أَنَّ الْوَلِيَّ الْفَاسِقَ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَالْفُسُوقُ غَالِبٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَيَنْفُقُ سُوقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِسَبَبِ الِاحْتِيَالِ لِرَفْعِ يَمِينِ الطَّلَاقِ حَتَّى رَأَيْت مَنْ صَنَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُصَنَّفًا مَقْصُودُهُ بِهِ الِاحْتِيَالُ لِرَفْعِ الطَّلَاقِ.
ثُمَّ تَجِدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَحْتَالُونَ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إنَّمَا يَنْظُرُونَ فِي صِفَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَكَوْنِ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ لَا تَصِحُّ عِنْدَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ الَّذِي قَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْفَاسِدِ فِي الْجُمْلَةِ وَأَمَّا عِنْدَ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَلَا يَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَ الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ؛ بَلْ عِنْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ خَاصَّةً.
وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ اتِّخَاذِ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَمِنْ الْمَكْرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ؛ إنَّمَا أَوْجَبَهُ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالضَّرُورَةُ إلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ.
" الْحِيلَةُ الرَّابِعَةُ " الشَّرْعِيَّةُ فِي إفْسَادِ الْمَحْلُوفِ بِهِ أَيْضًا؛ لَكِنْ لِوُجُودِ مَانِعٍ؛ لَا لِفَوَاتِ شَرْطٍ؛ فَإِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ وَطَائِفَةً بَعْدَهُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي وَإِذَا طَلَّقْتُك فَأَنْت طَالِقٌ قَبْلُ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَاقٌ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ لَزِمَ وُقُوعُ الْمُعَلَّقِ وَإِذَا وَقَعَ الْمُعَلَّقُ امْتَنَعَ وُقُوعُ الْمُنَجَّزِ فَيُفْضِي وُقُوعُهُ إلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ فَلَا يَقَعُ وَأَمَّا عَامَّةُ فُقَهَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ؛ بَلْ رَأَوْهُ مِنْ الزَّلَّاتِ الَّتِي يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ كَوْنُهَا لَيْسَتْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ؛ حَيْثُ قَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الطَّلَاقَ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ نِكَاحٍ وَأَنَّهُ مَا مِنْ نِكَاحٍ إلَّا وَيُمْكِنُ فِيهِ الطَّلَاقُ: وَسَبَبُ الْغَلَطِ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا صِحَّةَ هَذَا الْكَلَامِ فَقَالُوا: إذَا وَقَعَ الْمُنَجَّزُ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ.
وَهَذَا الْكَلَامُ لَيْسَ بِصَحِيحِ فَإِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ وُقُوعَ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثِ وَوُقُوعَ طَلْقَةٍ مَسْبُوقَةٍ بِثَلَاثِ مُمْتَنِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ.
فَالْكَلَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ وَإِذَا كَانَ بَاطِلًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ وُقُوعُ الْمُعَلَّقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَقَعُ مِنْ الْمُعَلَّقِ تَمَامُ الثَّلَاثِ؟ أَمْ يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ وَلَا يَقَعُ إلَّا الْمُنَجَّزُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَمَا أَدْرِي هَلْ اسْتَحْدَثَ ابْنُ سُرَيْجٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِلِاحْتِيَالِ عَلَى رَفْعِ الطَّلَاقِ؟ أَمْ قَالَهُ طَرْدًا لِقِيَاسِ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ وَاحْتَالَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ؟ لَكِنِّي رَأَيْت
مُصَنَّفًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ صَنَّفَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَقْصُودُهُ بِهَا الِاحْتِيَالُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ.
وَلِهَذَا صَاغُوهَا بِقَوْلِهِ: إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْت طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا.
لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْت طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا لَمْ تَنْفَعْهُ هَذِهِ الصِّيغَةُ فِي الْحِيلَةِ وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا فِي الدَّوْرِ سَوَاءٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ فَأَنْت طَالِقٌ: لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِتَطْلِيقِ يُنَجِّزُهُ بَعْدَ هَذِهِ الْيَمِينُ؛ أَوْ يُعَلِّقُهُ بَعْدَهَا عَلَى شَرْطٍ فَيُوجَدُ.
فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ التَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ الَّذِي وُجِدَ شَرْطُهُ تَطْلِيقٌ.
أَمَّا إذَا كَانَ قَدْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا قَبْلَ هَذِهِ الْيَمِينِ بِشَرْطِ وَوُجِدَ الشَّرْطُ بَعْدَ هَذِهِ الْيَمِينَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ وُجُودِ الشَّرْطِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ تَطْلِيقًا؛ لِأَنَّ التَّطْلِيقَ لَا بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ الْمُطَلِّقِ وَوُقُوعَ الطَّلَاقِ بِصِفَةِ يَفْعَلُهَا غَيْرُهُ لَيْسَ فِعْلًا مِنْهُ.
فَأَمَّا إذَا قَالَ: إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي.
فَهَذَا يَعُمُّ الْمُنَجَّزَ وَالْمُعَلَّقَ بَعْدَ هَذَا بِشَرْطِ وَالْوَاقِعُ بَعْدَ هَذَا بِشَرْطِ تَقَدَّمَ تَعْلِيقُهُ.
فَصَوَّرُوا الْمَسْأَلَةَ بِصُورَةِ قَوْلِهِ: إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي.
حَتَّى إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِالطَّلَاقِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا قَالُوا لَهُ: قُلْ إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْت طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا.
فَيَقُولُ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ لَهُ: افْعَلْ الْآنَ مَا حَلَفْت عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْك طَلَاقٌ فَهَذَا " التَّسْرِيجُ " الْمُنْكَرُ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمَعْلُومُ يَقِينًا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَفْقُه فِي الْغَالِبِ وَأَحْوَجُ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ إلَّا الْحَلِف بِالطَّلَاقِ وَإِلَّا فَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكَادُ يَقْصِدُ انْسِدَادَ بَابِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ إلَّا نَادِرًا.
" الْحِيلَةُ الْخَامِسَةُ " إذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَمْ يُمْكِنْ الِاحْتِيَالُ لَا فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَوْلًا وَلَا فِعْلًا وَلَا فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ إبْطَالًا وَلَا مَنْعًا: احْتَالُوا لِإِعَادَةِ النِّكَاحِ " بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ " الَّذِي دَلَّتْ السُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مَعَ دِلَالَةِ الْقُرْآنِ وَشَوَاهِدِ الْأُصُولِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَفَسَادِهِ ثُمَّ قَدْ تَوَلَّدَ مِنْ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ كَمَا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِهِ فِي " كِتَابِ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى بُطْلَانِ التَّحْلِيلِ " وَأَغْلَب مَا يحوج النَّاسَ إلَى نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ هُوَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ؛ وَإِلَّا فَالطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فِي الْغَالِبِ إلَّا إذَا قَصَدَهُ وَمَنْ قَصَدَهُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مِنْ النَّدَمِ وَالْفَسَادِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَنْ اضْطَرَّ لِوُقُوعِهِ لِحَاجَتِهِ إلَى الْحِنْثِ.
فَهَذِهِ " الْمَفَاسِدُ الْخَمْسُ " الَّتِي هِيَ الِاحْتِيَالُ عَلَى نَقْضِ الْأَيْمَانِ وَإِخْرَاجِهَا مِنْ مَفْهُومِهَا وَمَقْصُودِهَا ثُمَّ الِاحْتِيَالُ بِالْخُلْعِ وَإِعَادَةِ النِّكَاحِ ثُمَّ الِاحْتِيَالُ بِالْبَحْثِ عَنْ فَسَادِ النِّكَاحِ ثُمَّ الِاحْتِيَالُ بِمَنْعِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ثُمَّ الِاحْتِيَالُ بِنِكَاحِ الْمُحَلِّلِ: فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ الْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّعِبِ الَّذِي يُنَفِّرُ الْعُقَلَاءَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَيُوجِبُ طَعْنَ الْكُفَّارِ فِيهِ كَمَا رَأَيْته فِي بَعْضِ كُتُبِ النَّصَارَى وَغَيْرِهَا وَتَبَيَّنَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ صَحِيحِ الْفِطْرَةِ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ بَرِيءٌ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ الْخُزَعْبَلَاتِ الَّتِي تُشْبِهُ حِيَلَ الْيَهُودِ ومخاريق الرُّهْبَانِ.
وَأَكْثَرُ مَا أَوْقَعَ النَّاسَ فِيهَا وَأَوْجَبَ كَثْرَةَ إنْكَارِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا وَاسْتِخْرَاجِهِمْ لَهَا هُوَ حَلِفُ النَّاسِ بِالطَّلَاقِ وَاعْتِقَادُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْحِنْثِ لَا مَحَالَةَ؛ حَتَّى لَقَدْ فَرَّعَ الْكُوفِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ فُرُوعِ الْأَيْمَانِ شَيْئًا كَثِيرًا مَبْنَاهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُرُوعِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي يُفَرِّعُهَا هَؤُلَاءِ وَنَحْوُهُمْ هِيَ كَمَا كَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: مِثَالُهَا مِثَالُ رَجُلٍ بَنَى دَارًا حَسَنَةً عَلَى حِجَارَةٍ مَغْصُوبَةٍ فَإِذَا نُوزِعَ فِي اسْتِحْقَاقِ تِلْكَ الْحِجَارَةِ الَّتِي هِيَ الْأَسَاسُ فَاسْتَحَقَّهَا غَيْرُهُ انْهَدَمَ بِنَاؤُهُ؛ فَإِنَّ الْفُرُوعَ الْحَسَنَةَ إنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى أُصُولٍ مُحْكَمَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْفَعَةٌ.
فَإِذَا كَانَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَاعْتِقَادُ لُزُومِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْحِنْثِ قَدْ أَوْجَبَ هَذِهِ الْمَفَاسِدَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي قَدْ غَيَّرَتْ بَعْضَ أُمُورِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَصَارَ فِي هَؤُلَاءِ شُبَهٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّ لُزُومَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْحَلِفِ بِهِ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا أَفْتَى بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ وَلَا أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيمَا أَعْلَمُهُ وَلَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَالْعُلَمَاءُ بَعْدَهُمْ وَلَا هُوَ مُنَاسِبٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ قَالَهُ أَكْثَرَ مِنْ عَادَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ أُسْنِدَتْ إلَى قِيَاسٍ مُعْتَضِدٍ بِتَقْلِيدِ لِقَوْمِ أَئِمَّةٍ عُلَمَاءَ مَحْمُودِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ وَهُمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَوْقَ مَا يُظَنُّ بِهِمْ؛ لَكِنْ لَمْ نُؤْمَرْ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَّا بِالرَّدِّ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ وَقَدْ خَالَفَهُمْ مَنْ لَيْسَ دُونَهُمْ؛ بَلْ مِثْلُهُمْ أَوْ فَوْقَهُمْ.
فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَعْيَانٍ مِنْ الصَّحَابَةِ
كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُجْمَعِ عَلَى إمَامَتِهِ وَفِقْهِهِ وَدِينِهِ وَأُخْتِهِ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَزَيْنَبَ رَبِيبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مِنْ أَمْثَلِ فَقِيهَاتِ الصَّحَابَةِ الْإِفْتَاءَ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ أَوْلَى مِنْهُ.
وَذَكَرْنَا عَنْ طاوس وَهُوَ مِنْ أَفَاضِلِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ عِلْمًا وَفِقْهًا وَدِينًا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ مُوقِعَةً لَهُ.
فَإِذَا كَانَ لُزُومُ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِهِ مُقْتَضِيًا لِهَذِهِ الْمَفَاسِدِ وَحَالُهُ فِي الشَّرِيعَةِ هَذِهِ الْحَالُ: كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ مَا أَفْضَى إلَى هَذَا الْفَسَادِ لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي ضَمَانِ الْحَدَائِقِ مَنْ يَزْدَرِعُهَا وَيَسْتَثْمِرُهَا وَيَبِيعُ الْخُضَرَ وَنَحْوَهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ إذَا حَلَفَ لَيَقْطَعَنَّ رَحِمَهُ وَلَيَعُقَّنَّ أَبَاهُ وَلَيَقْتُلَنَّ عَدُوَّهُ الْمُسْلِمَ الْمَعْصُومَ وَلَيَأْتِيَنَّ الْفَاحِشَةَ وَلَيَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ وَلَيُفَرِّقَنَّ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ فَهُوَ بَيْنَ " ثَلَاثَةِ أُمُورٍ " إمَّا أَنْ يَفْعَلَ هَذَا الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ: فَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ بَلْ وَالْمُفْتِينَ إذَا رَأَوْهُ قَدْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَخْفِيفِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَإِقَامَةِ عُذْرِهِ.
وَإِمَّا أَنْ يَحْتَالَ بِبَعْضِ تِلْكَ الْحِيَلِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا اسْتَخْرَجَهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُفْتِينَ: فَفِي ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَمُخَادَعَتِهِ وَالْمَكْرِ فِي دِينِهِ وَالْكَيْدِ لَهُ وَضَعْفِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالِاعْتِدَاءِ لِحُدُودِهِ وَالِانْتِهَاكِ لِمَحَارِمِهِ وَالْإِلْحَادِ فِي آيَاتِهِ: مَا لَا خَفَاءَ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي إخْوَانِنَا الْفُقَهَاءِ مَنْ قَدْ يَسْتَجِيزُ بَعْضَ ذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ مِنْ الْغَلَطِ فِي ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ مَغْفُورًا لِصَاحِبِهِ الْمُجْتَهِدِ الْمُتَّقِي لِلَّهِ - مَا فَسَادُهُ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ حَقِيقَةَ الدِّينِ.
وَإِمَّا أَنْ لَا يَحْتَالَ وَلَا يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ؛ بَلْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ إذَا اعْتَقَدَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ.
فَفِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَا لَا يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ.
أَمَّا " فَسَادُ الدِّينِ " فَإِنَّ الطَّلَاقَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَعَ اسْتِقَامَةِ حَالِ الزَّوْجِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّ الْمُخْتَلَعَاتِ وَالْمُنْتَزَعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ﴾ وَقَالَ: ﴿أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ﴾ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ؟ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد.
وَقَدْ اسْتَحْسَنُوا جَوَابَ أَحْمَد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا سُئِلَ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَحَرَّمَ لَيَطَأَنَّ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ.
فَقَالَ: يُطَلِّقُهَا وَلَا يَطَؤُهَا قَدْ أَبَاحَ اللَّهُ الطَّلَاقَ وَحَرَّمَ وَطْءَ الْحَائِضِ.
وَهَذَا الِاسْتِحْسَانُ يَتَوَجَّهُ عَلَى أَصْلَيْنِ: إمَّا عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِحَرَامِ.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ دُونَ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ.
وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ كِلَاهُمَا حَرَامًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ حَرَامٍ إلَّا إلَى حَرَامٍ.
وَأَمَّا " ضَرَرُ الدُّنْيَا " فَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ؛ فَإِنَّ لُزُومَ الطَّلَاقِ وَالْمَحْلُوفَ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ يُوجِبُ مِنْ الضَّرَرِ مَا لَمْ تَأْتِ بِهِ الشَّرِيعَةُ فِي مِثْلِ هَذَا قَطُّ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ تَكُونُ فِي صُحْبَةِ زَوْجِهَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ سِنِينَ كَثِيرَةً وَهِيَ مَتَاعُهُ الَّذِي قَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الْمُؤْمِنَةُ إنْ نَظَرْت إلَيْهَا أَعْجَبَتْك؛ وَإِنْ أَمَرْتهَا أَطَاعَتْك وَإِنْ غِبْت عَنْهَا حَفِظَتْك فِي نَفْسِهَا وَمَالِك﴾ وَهِيَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ ﴿لَمَّا سَأَلَهُ الْمُهَاجِرُونَ أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ: لِسَانًا ذَاكِرًا؛ وَقَلْبًا شَاكِرًا أَوْ امْرَأَةً صَالِحَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى إيمَانِهِ﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثوبان وَيَكُونُ مِنْهَا مِنْ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ مَا امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي كِتَابِهِ فَيَكُونُ أَلَمُ الْفِرَاقِ أَشَدَّ عَلَيْهَا مِنْ الْمَوْتِ أَحْيَانًا وَأَشَدَّ مِنْ ذَهَابِ الْمَالِ وَأَشَدَّ مِنْ فِرَاقِ الْأَوْطَانِ؛ خُصُوصًا إنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا عِلَاقَةٌ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَطْفَالٌ يَضِيعُونَ بِالْفِرَاقِ وَيَفْسُدُ حَالُهُمْ ثُمَّ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى الْقَطِيعَةِ بَيْنَ أَقَارِبِهَا وَوُقُوعِ الشَّرِّ لَمَّا زَالَتْ نِعْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ الْحَرَجِ الدَّاخِلِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وَمِنْ الْعُسْرِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ " وَأَيْضًا " فَإِذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ فِعْلَ بِرٍّ وَإِحْسَانٍ: مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ؛ وَصِلَةِ رَحِمٍ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ
وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَيَرْضَاهَا؛ فَإِنَّهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ فِي الطَّلَاقِ أَعْظَمُ أَلَا يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ بَلْ وَلَا يُؤْمَرُ بِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْفَسَادُ النَّاشِئُ مِنْ الطَّلَاقِ أَعْظَمَ مِنْ الصَّلَاحِ الْحَاصِلِ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ.
وَهَذِهِ الْمَفْسَدَةُ هِيَ الَّتِي أَزَالَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَأَنْ يَلِجَ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ الْكَفَّارَةَ﴾ . فَإِنْ قِيلَ: فَهُوَ الَّذِي أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي أَحَدٍ هَذِهِ الضَّرَائِرِ الثَّلَاثِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِفَ؟ قِيلَ: لَيْسَ فِي شَرِيعَتِنَا ذَنْبٌ إذَا فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ إلَّا بِضَرَرِ عَظِيمٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا.
فَهَبْ هَذَا قَدْ أَتَى كَبِيرَةً مِنْ الْكَبَائِرِ فِي حَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ تَابَ مِنْ تِلْكَ الْكَبِيرَةِ فَكَيْفَ يُنَاسِبُ أُصُولَ شَرِيعَتِنَا أَنْ يَبْقَى أَثَرُ ذَلِكَ الذَّنْبِ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ مِنْهُ مَخْرَجًا وَهَذَا بِخِلَافِ الَّذِي يُنْشِئُ الطَّلَاقَ لَا بِالْحَلِفِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا وَهُوَ مُرِيدٌ الطَّلَاقَ: إمَّا لِكَرَاهَةِ الْمَرْأَةِ أَوْ غَضَبٍ عَلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ثَلَاثَةً فَإِذَا كَانَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِالطَّلَاقِ بِاخْتِيَارِهِ وَلَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: كَانَ وُقُوعُ الضَّرَرِ بِمِثْلِ هَذَا نَادِرًا؛ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَهُ لَمْ يَكُنْ الطَّلَاقَ؛ إنَّمَا كَانَ أَنْ
يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ ثُمَّ قَدْ يَأْمُرُهُ الشَّرْعُ أَوْ تَضْطَرُّهُ الْحَاجَةُ إلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ لَا لَهُ وَلَا لِسَبَبِهِ.
" وَأَيْضًا " فَإِنَّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي " بَابِ الْأَيْمَانِ " تَخْفِيفُهَا بِالْكَفَّارَةِ؛ لَا تَثْقِيلُهَا بِالْإِيجَابِ أَوْ التَّحْرِيمِ.
فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الظِّهَارَ طَلَاقًا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى ظَاهَرَ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ مِنْ امْرَأَتِهِ.
" وَأَيْضًا " فَالِاعْتِبَارُ بِنَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ وَسَنُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَدَمَ تَأْثِيرِهِ.
وَالْقِيَاسُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَصَحُّ مَا يَكُونُ مِنْ الِاعْتِبَارِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ: إنْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت فَعَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي أَوْ فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي أَوْ فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ فَأَنَا مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ أَوْ فَمَالِي صَدَقَةٌ أَوْ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدِ الْجُمْهُورِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ بِدِلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ: فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ إنْ أَكَلْت هَذَا أَوْ شَرِبْت هَذَا فَعَلَيَّ الطَّلَاقُ.
أَوْ فَالطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ.
أَوْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
أَوْ: فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا: فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ عَلَيَّ الْحَجُّ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ الْحَجُّ لِي لَازِمٌ لَا أَفْعَلُ كَذَا.
وَكِلَاهُمَا يَمِينَانِ مُحْدَثَانِ لَيْسَتَا مَأْثُورَتَيْنِ عَنْ الْعَرَبِ وَلَا مَعْرُوفَتَيْنِ عَنْ الصَّحَابَةِ؛ وَإِنَّمَا
الْمُتَأَخِّرُونَ صَاغُوا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي أَيْمَانًا وَرَبَطُوا إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى كَالْأَيْمَانِ الَّتِي كَانَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَحْلِفُونَ بِهَا وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَحْلِفُ بِهَا؛ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: إنْ فَعَلْت فَمَالِي صَدَقَةٌ.
يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْفِعْلِ.
وَقَوْلُهُ: فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
يَقْتَضِي وُجُودَ الطَّلَاقِ.
فَالْكَلَامُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِنَفْسِ الشَّرْطِ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ هَذَا طَلَاقًا وَلَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الصَّدَقَةِ حَتَّى يُحْدِثَ صَدَقَةً.
وَجَوَابُ هَذَا الْفَرْقِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْفُقَهَاءُ الْمُفَرِّقُونَ مِنْ " وَجْهَيْنِ " " أَحَدُهُمَا " مَنْعُ الْوَصْفِ الْفَارِقِ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا وَفِي بَعْضِ صُوَرِ الْفُرُوعِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا.
" وَالثَّانِي " بَيَانُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ.
أَمَّا " الْأَوَّلُ " فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالِي صَدَقَةٌ أَوْ فَأَنَا مُحْرِمٌ أَوْ فَبَعِيرِي هَدْيٌ.
فَالْمُعَلَّقُ بِالصِّفَةِ وُجُودُ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْرَامِ وَالْهَدْيِ لَا وُجُوبُهُمَا كَمَا أَنَّ الْمُعَلَّقَ فِي قَوْلِهِ: فَعَبْدِي حُرٌّ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
وُجُودُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ لَا وُجُوبُهُمَا؛ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِيمَا إذَا قَالَ هَذَا: هَدْيٌ وَهَذَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ: هَلْ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ لَا يَخْرُجُ؟ فَمَنْ قَالَ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ فَهُوَ كَخُرُوجِ زَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ عَنْ مِلْكِهِ.
وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الصَّدَقَةَ
وَالْهَدْيَ يَتَمَلَّكُهُمَا النَّاسُ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ.
وَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُوَ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ الْحَجُّ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُوَ جَعَلَ الْمَحْلُوفَ بِهِ هَاهُنَا وُجُوبَ الطَّلَاقِ؛ لَا وُجُودَهُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ.
فَبَعْضُ صُوَرِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ يَكُونُ الْمَحْلُوفُ بِهِ صِيغَةَ وُجُوبٍ.
كَمَا أَنَّ بَعْضَ صُوَرِ الْحَلِفِ بِالنَّذْرِ يَكُونُ الْمَحْلُوفُ بِهِ صِيغَةَ وُجُودٍ.
و " أَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي " فَنَقُولُ: هَبْ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالْفِعْلِ هُنَا وُجُودُ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْمُعَلَّقَ هُنَاكَ وُجُوبُ الصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالْإِهْدَاءِ أَلَيْسَ مُوجَبُ الشَّرْطِ ثُبُوتَ هَذَا الْوُجُوبِ؟ بَلْ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ هَذَا الْوُجُوبُ بَلْ يَجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدَ وُجُوبِ الشَّرْطِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ الْوُجُوبُ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّرْطِ لَا يَثْبُتُ هَذَا الْوُجُودُ؛ بَلْ كَمَا لَوْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ إنْ فَعَلَ كَذَا؛ فَإِنَّ الْمُعَلَّقَ هُنَا وُجُودُ الْكُفْرِ عِنْدَ الشَّرْطِ؛ ثُمَّ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ لَمْ يُوجَدْ الْكُفْرُ بِالِاتِّفَاقِ؛ بَلْ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ يَلْزَمُهُ الْكُفْرُ؛ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ابْتِدَاءً: عَبْدِي حُرٌّ؛ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ؛ وَهَذِهِ الْبَدَنَةُ هَدْيٌ وَعَلَيَّ هَدْيٌ؛ وَعَلَيَّ صَوْمُ
يَوْمِ الْخَمِيسِ.
وَلَوْ عَلَّقَ الْكُفْرَ بِشَرْطِ يَقْصِدُ وُجُودَهُ كَقَوْلِهِ: إذَا هَلَّ الْهِلَالُ فَقَدْ بَرِئْت مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَكَانَ الْوَاجِبُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ؛ لَكِنْ لَا يُنَاجَزُ الْكُفْرَ؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَهُ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ.
قِيلَ: فَالْحَلِفُ بِالنَّذْرِ إنَّمَا عَلَيْهِ فِيهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ قِيلَ: مِثْلُهُ فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ؛ وَكَذَلِكَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ كَمَا لَوْ قَالَ فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي.
وَمَنْ قَالَ إنَّهُ إذَا قَالَ: فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي.
لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
فَقِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ وَلِهَذَا تَوَقَّفَ طاوس فِي كَوْنِهِ يَمِينًا.
وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِهِ وَالتَّكْفِيرِ فَكَذَلِكَ هُنَا يُخَيَّرُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَبَيْنَ التَّكْفِيرِ فَإِنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ كَانَ اخْتِيَارًا لِلتَّكْفِيرِ؛ كَمَا أَنَّهُ فِي الظِّهَارِ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ التَّكْفِيرِ وَبَيْنَ تَطْلِيقِهَا؛ فَإِنْ وَطِئَهَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ؛ لَكِنْ فِي الظِّهَارِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى يُكَفِّرَ لِأَنَّ الظِّهَارَ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ حَرَّمَهَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا هُنَا فَقَوْلُهُ: إنْ فَعَلْت فَهِيَ طَالِقٌ.
بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا.
أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُطَلِّقَنَّهَا.
إنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ طَلَّقَهَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
يَبْقَى أَنْ يُقَالَ: هَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْفَوْرِ إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا حِينَئِذٍ؟ كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأُطَلِّقَنَّهَا السَّاعَةَ وَلَمْ يُطَلِّقْهَا؟ أَوْ لَا تَجِبُ إلَّا إذَا عَزَمَ عَلَى إمْسَاكِهَا؟ أَوْ لَا تَجِبُ حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَاَلَّذِي يُخَيَّرُ
بَيْنَ فِرَاقِهَا وَإِمْسَاكِهَا لِعَيْبِ وَنَحْوِهِ وَكَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدِهِ؟ أَوْ لَا تَجِبُ بِحَالِ حَتَّى يَفُوتَ الطَّلَاقُ؟ قِيلَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ: فَثُلْثُ مَالِي صَدَقَةٌ أَوْ هَدْيٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَالْأَقْيَسُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِأَحَدِهِمَا كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخِيَارِ.
فَصْلٌ:
مُوجَبُ " نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ " عِنْدَنَا أَحَدُ شَيْئَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ إمَّا التَّكْفِيرُ وَإِمَّا فِعْلُ الْمُعَلَّقِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مُوجَبَ اللَّفْظِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ أَوْ صَدَقَةُ أَلْفٍ أَوْ فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ صَوْمُ شَهْرٍ: هُوَ الْوُجُوبُ عِنْدَ الْفِعْلِ.
فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذَا الْوُجُوبِ وَبَيْنَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
فَإِذَا لَمْ يَلْتَزِمُ الْوُجُوبَ الْمُعَلَّقَ ثَبَتَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ.
فَاللَّازِمُ لَهُ أَحَدُ الوجوبين؛ كُلٌّ مِنْهُمَا ثَابِتٌ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْآخَرِ؛ كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ عِتْقُ هَذَا الْعَبْدِ؛ أَوْ تَطْلِيقُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ أَوْ أَهْدِيَ.
فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ لِلْإِعْتَاقِ؛ وَالْمَالِ لِلتَّصَدُّقِ وَالْبَدَنَةِ لِلْهَدْيِ.
وَلَوْ أَنَّهُ نَجَّزَ ذَلِكَ فَقَالَ: هَذَا الْمَالُ صَدَقَةٌ وَهَذِهِ الْبَدَنَةُ هَدْيٌ وَعَلَيَّ عِتْقُ هَذَا الْعَبْدِ: فَهَلْ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِذَلِكَ؟ أَوْ يَسْتَحِقُّ الْإِخْرَاجَ؟ فِيهِ خِلَافٌ
وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَهُ: هَذَا وَقْفٌ.
فَأَمَّا إذَا قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ حُرٌّ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ طَالِقٌ.
فَهُوَ إسْقَاطٌ؛ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: ذِمَّةُ فُلَانٍ بَرِيئَةٌ مِنْ كَذَا أَوْ مِنْ دَمِ فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَذْفِي فَإِنَّ إسْقَاطَ حَقِّ الدَّمِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ مِنْ بَابِ إسْقَاطِ حَقِّ الْمِلْكِ بِمِلْكِ الْبُضْعِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ.
فَإِنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت فَعَلَيَّ الطَّلَاقُ أَوْ فَعَلَيَّ الْعِتْقُ أَوْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ.
وَقُلْنَا إنَّ مُوجَبَهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ وُقُوعِ ذَلِكَ وَبَيْنَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: فَهَذَا الْمَالُ صَدَقَةٌ أَوْ هَذِهِ الْبَدَنَةُ هَدْيٌ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ: إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ أَوْ نِسَائِي طَوَالِقُ.
وَقُلْنَا التَّخْيِيرُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اخْتِيَارِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْوُقُوعِ أَوْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
وَمِثَالٌ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ؛ أَوْ أُخْتَانِ فَاخْتَارَ إحْدَاهُمَا.
فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَكُونُ الْفُرْقَةُ أَحَدَ اللَّازِمَيْنِ: إمَّا فُرْقَةُ مُعَيَّنٍ أَوْ نَوْعُ الْفُرْقَةِ؛ لَا يَحْتَاجُ إنْشَاءَ طَلَاقٍ؛ لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ إلَّا بِمَا يُوجِبُ تَعْيِينَهُ كَمَا فِي النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ.
ثُمَّ إذَا اخْتَارَ الطَّلَاقَ فَهَلْ يَقَعُ مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ؟ أَوْ مِنْ حِينِ الْحِنْثِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى نَظِيرِ ذَلِكَ.
فَلَوْ قَالَ فِي جِنْسِ مَسَائِلِ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ: اخْتَرْت
التَّكْفِيرَ أَوْ اخْتَرْت فِعْلَ الْمَنْذُورِ: هَلْ يَتَعَيَّنُ بِالْقَوْلِ؟ أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِالْفِعْلِ؟ إنْ كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الوجوبين تَعَيَّنَ بِالْقَوْلِ كَمَا فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ لَمْ يَتَعَيَّنْ إلَّا بِالْفِعْلِ كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ امْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ دَمِي هَدْرٌ أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ أَوْ بَدَنَتِي هَدْيٌ: تَعَيَّنَ الْحُكْمُ بِالْقَوْلِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْفِعْلُ إلَّا بِالْفِعْلِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
فَصْلٌ:
جَلِيلُ الْقَدْرِ الْيَمِينُ الْمُتَضَمِّنَةُ حَضًّا أَوْ مَنْعًا لِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ؛ لَأَفْعَلَنَّ وَلَا أَفْعَلُ.
فِيهَا مَعْنَى الطَّلَبِ وَالْخَبَرِ؛ وَكَذَلِكَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِخِلَافِ الْخَبَرِ الْمَحْضِ كَقَوْلِهِ ﴿وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْزِلَنَّ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا﴾ أَوْ وَاَللَّهِ لَيَقْدَمَنَّ الرَّكْبُ.
فَإِنَّ هَذَا إخْبَارٌ مَحْضٌ بِأَمْرِ سَيَكُونُ كَمَا يُخْبَرُ عَنْ الْمَاضِي بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ وَبِخِلَافِ الطَّلَبِ الْمَحْضِ؛ كَقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ أَوْ بِاَللَّهِ افْعَلْ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إلَّا مُجَرَّدُ الطَّلَبِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيُطِيعُهُ أَمْ يَعْصِيهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذَا الضَّرْبِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ
فَإِنَّهُ طَلَبٌ مَحْضٌ مُؤَكَّدٌ بِاَللَّهِ كَقَوْلِهِ: سَأَلْتُك بِاَللَّهِ إلَّا مَا فَعَلْت أَوْ سَأَلْتُك بِاَللَّهِ لَا تَفْعَلْ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ أَوْ الْمَمْنُوعُ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مُوَافَقَتُهُ لَهُ - كَعَبْدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ - فَهُوَ كَنَفْسِهِ فِيهَا مَعْنَى الطَّلَبِ وَالْخَبَرِ؛ فَإِنَّهُ لِكَوْنِهِ مُطِيعًا لَهُ فِي الْعَادَةِ جَرَى مَجْرَى طَاعَةِ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فَطَلَبَ الْفِعْلَ مِنْهُمَا طَلَبًا قَرَنَهُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِهِ.
فَقَوْلُهُ: لَأَقُومَنَّ غَدًا.
يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ " أَحَدَهُمَا " أَنِّي مُرِيدٌ الْقِيَامَ غَدًا.
و " الثَّانِي " سَيَكُونُ الْقِيَامُ غَدًا؛ بِخِلَافِ الْقَسَمِ الْخَبَرِيِّ الْمَحْضِ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى سَيَكُونُ وَبِخِلَافِ الْقَسَمِ الطَّلَبِيِّ الْمَحْضِ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى أُرِيدُ مِنْك وَأَطْلُبُ مِنْك أَنْ تَقُومَ وَالْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ لَمْ يَجِئْ لِمُخَالَفَةِ الْمَطْلُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَبِ الْمَحْضِ وَإِنَّمَا جَاءَ لِمُخَالَفَةِ الْخَبَرِ كَمَا لَوْ كَانَ خَبَرًا مَحْضًا عَنْ مُسْتَقْبَلٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ يُعَلِّقُ الْفِعْلَ بِالْمَشِيئَةِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى لَيَكُونَنَّ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ لَمْ يَكُنْ مُخْبِرًا بِكَوْنِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ فَلَا حِنْثَ؛ وَلِهَذَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ " فَالْخَبَرُ الْمَحْضُ " كَقَوْلِهِ: " لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً فَلَتَأْتِيَنَّ كُلُّ امْرَأَةٍ بِفَارِسِ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَالْوِلَادَةُ لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِهِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَكَمَا تَقُولُ: وَاَللَّهِ لَيَجِيءُ زَيْدٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَصَارَ لِقَائِلِ: لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ " ثَلَاثُ نِيَّاتٍ "
" تَارَةً " يَكُونُ غَرَضُهُ تَعْلِيقُ الْإِرَادَةِ وَالْمَعْنَى إنْ شَاءَ اللَّهُ كُنْت السَّاعَةَ مُرِيدًا لَهُ وَطَالِبًا؛ وَإِلَّا فَلَا.
فَهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا وَلَا تَرْتَفِعُ الْكَفَّارَةُ بِهَذَا وَحْدَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَنْت طَالِقٌ إنْ شِئْت فَقَالَتْ قَدْ شِئْت إنْ شِئْت.
أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا فَكَذَا هَذَا.
فَمَتَى قَالَ هَذَا لَمْ تَكُنْ إرَادَتُهُ حَاصِلَةً فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يُطْلَبُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَقُولُ: أُعْطِيك إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَلَا وَعْدَ لَهُ وَإِذَا نَوَى هَذَا فِي الْيَمِينِ صَحَّ لَكِنْ لَا يَرْفَعُ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الطَّلَبِ لَمْ تُوجِبْ الْكَفَّارَةَ وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ مُخَالَفَةُ الْخَبَرِ فَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَا طَلَبَ مَعَهُ غَيْرَ تَعْلِيقٍ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ.
فَأَكْثَرَ مَا فِي هَذَا انْتِفَاءُ الطَّلَبِ وَالْحَضِّ مِنْ الْيَمِينِ.
" الثَّانِي " أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ تَعْلِيقَ الْإِخْبَارِ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ قِيَامِي كَائِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ أَنَّ قِيَامَك كَائِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَنَا مُخْبِرٌ بِوُقُوعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وُقُوعَهُ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَلَا أُخْبِرُ بِهِ.
وَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ فَلَا حِنْثَ وَإِنْ كُنْت مُرِيدًا لَهُ السَّاعَةَ جَزْمًا فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَرْفَعُ الْكَفَّارَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا شَاكٌّ فِي الْوُقُوعِ فَلَسْت أُخْبِرُ بِوُقُوعِهِ جَزْمًا وَإِنَّمَا أُخْبِرُ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ هَذِهِ الصِّفَةِ.
كَقَوْلِهِ: لَأَقُومَنَّ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ وَإِنْ أَعْطَيْتنِي مِائَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ وَهُوَ وَعْدٌ أَوْ وَعِيدٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ وَإِنْ كَانَ الْوَاعِدُ أَوْ الْمُتَوَاعِدُ مُرِيدًا فِي الْحَالِ لِإِنْفَاذِهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ قَوْلَهُ: لَأَصُومَنَّ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَقْدَحُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ عَادَ إلَى الْإِخْبَارِ لَا إلَى الْإِرَادَةِ.
وَمِنْ الْفُقَهَاءِ
مَنْ قَالَ: هَذَا يَقْدَحُ فِي إرَادَتِهِ.
وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إنَّهُ إذَا نَوَى عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى طَلَبِهِ وَإِرَادَتِهِ نَفَعَهُ فِي الْكَفَّارَةِ أَوْ لَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ.
وَعَلَى خَاطِرِي هُنَا قَوْلٌ لَا أَسْتَثْبِتُهُ.
" الثَّالِثُ " أَنْ لَا يَكُونَ غَرَضُهُ تَعْلِيقَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ جَازِمٌ بِإِرَادَتِهِ وَجَازِمٌ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ كَمَا لَوْ كَانَ خَبَرًا مَحْضًا مِثْلُ قَوْلِهِ: لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ وَلَيَخْرُجَنَّ الدَّجَّالُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ.
وَهَذِهِ أَيْمَانٌ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِنَوْعِ مِنْهَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبِّي﴾ فَهَذَا مَاضٍ وَحَاضِرٌ وَقَالَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وَقَالَ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى وُقُوعِ إتْيَانِ السَّاعَةِ وَبَعْثِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَهُمَا مُسْتَقِلَّانِ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ وَهَذَا ﴿كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرِ: لَآتِيَنَّهُ وَلَأَطُوفَنَّ بِهِ﴾ فَهُنَا إذَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ لَا يَكُونُ غَرَضُهُ تَعْلِيقَ الْإِخْبَارِ وَإِنَّمَا غَرَضُهُ تَحْقِيقُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فَإِنَّ هَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ؛ إذْ الْحَوَادِثُ كُلُّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ مِثْلَ مَا لَوْ قَالَ: لَيَكُونَنَّ إنْ اتَّفَقَتْ أَسْبَابُ كَوْنِهِ.
وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَإِنْ اتَّفَقَتْ أَسْبَابُ كَوْنِهِ كَانَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُخْبِرًا لَهُمْ بِذَلِكَ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِمَا لَا يُفِيدُ.
فَهَذَا إذَا نَوَاهُ هَلْ يَرْفَعُ الْكَفَّارَةَ؟ فَبِالنَّظَرِ إلَى قَصْدِهِ وَجَزْمِهِ فِي الْخَبَرِ قَدْ حَصَلَتْ الْمُخَالَفَةُ وَبِالنَّظَرِ إلَى لَفْظِهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا جَزَمَ بِمَشْرُوطِ لَا بِمُطْلَقِ لَمْ تَقَعْ الْمُخَالَفَةُ؛ وَإِنْ أَخْطَأَ اعْتِقَادُهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى مَنْ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ الْمَاضِي بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَمَّدَ الْكَذِبَ.
وَكَذَلِكَ هَذَا لَمْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ؛ لَكِنْ يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشُكَّ فَلَمَّا تَأَلَّى عَلَى اللَّهِ وَأَكَّدَ الْمَشِيئَةَ قَاصِدًا بِهَا تَحْقِيقَ جَزْمِهِ بِالْإِخْبَارِ صَارَ وَجُودُهَا زَائِدًا لَهُ فِي التَّأَلِّي لَا مُعَلَّقًا.
فَقَدْ يُقَالُ فِي مُعَارَضَةِ هَذَا: الْجَزْمِ يُرْجَعُ إلَى اعْتِقَادِهِ؛ لَا إلَى كَلَامِهِ وَأَمَّا كَلَامُهُ فَلَمْ يَتَأَلَّ فِيهِ عَلَى اللَّهِ؛ بَلْ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ: أَنَا مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ يَكُونُ جَازِمًا بِهِ.
فَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ لِمُخَالَفَةِ خَبَرِي مُخْبَرِهِ أَوْ لِمُخَالَفَةِ اعْتِقَادِي مُعْتَقَدِهِ؟ إنَّمَا وَجَبَتْ لِمُخَالَفَةِ الْخَبَرِ فَإِنِّي لَوْ قُلْت إنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ وَأَنَا جَازِمٌ بِاعْتِقَادِي لَمْ يَكُنْ عَلَيَّ حِنْثٌ إذَا لَمْ يَكُنْ.
وَمَعْنَى كَلَامِي أَنِّي جَازِمٌ بِأَنَّ هَذَا سَيَكُونُ وَأُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ يَكُونُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَعَلَّقْت لَكُمْ إخْبَارِي لَا اعْتِقَادِي وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فَائِدَةٌ؛ إذْ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنِّي جَازِمٌ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ أَكُنْ جَازِمًا مُطْلَقًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ اعْتِقَادِي وَإِخْبَارِي إنْ شَاءَ اللَّهُ كَانَ هُوَ الْقَسَمَ الْأَوَّلَ؛ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ اعْتِقَادِي ثَابِتٌ بِهِ وَإِخْبَارِي لَكُمْ مُعَلَّقٌ بِهِ عَلَّقْته بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يُخْبِرَ بالمستقبلات إلَّا مُعَلِّقًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ.
وَبِهَذَا التَّقْسِيمِ يَظْهَرُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنْ نَوَى بِالِاسْتِثْنَاءِ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فَإِنَّ الرَّجُلَ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَقُولَ لَأَفْعَلَنَّهُ غَدًا إلَّا أَنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا الْبَحْثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الرَّافِعَ لِلْكَفَّارَةِ إنَّمَا يُعَلِّقُ مَا فِي الْيَمِينِ مِنْ مَعْنَى الْخَبَرِ الْمَحْضِ أَوْ الْمَشُوبِ؛ لَا يُعَلِّقُ مَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الطَّلَبِ الْمَحْضِ أَوْ الْمَشُوبِ؛ إذْ مُخَالَفَةُ الطَّلَبِ لَا تُوجِبُ كَفَّارَةً وَإِنَّمَا يُوجِبُهَا مُخَالَفَةُ الْخَبَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّفْعَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ فِي الْمَشِيئَةِ تَعْلِيقٌ وَالتَّعْلِيقُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ؛ بِخِلَافِ مَا قَدْ وَقَعَ.
وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَرْفَعُ الْإِنْشَاءَاتِ بِأَسْرِهَا لَا الطَّلَاقَ وَلَا غَيْرَهُ كَمَا لَا يَرْفَعُ مُوجَبَ الطَّلَبِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذِهِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ الْمُغَلَّبُ عَلَيْهَا حُكْمُ الْإِنْشَاءَاتِ؛ لِامْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهَا وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهَا بِأَسْرِهَا اسْتِثْنَاءُ تَحْقِيقٌ؛ لَا تَعْلِيقٍ كَقَوْلِهِ: كَانَ هَذَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَكَانَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ.
وَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا
" الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَيْمَانِ "
إنْ عَادَ إلَى الْمُوَافَاةِ فَعَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الِاسْمِ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَخَالَفَهُ فِيهِ صَاحِبُ مُعَاذٍ بِتَأْوِيلِ صَحِيحٍ وَتَرْكُهُ جَائِزٌ.
وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ أَحْسَنَ
مِنْ تَرْكِهِ.
وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَحْمَد فِي.
. . 1 وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَوْجَبَهُ كَمَا أَنَّ الْمُرْجِئَةَ تَحْظُرُهُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَدْ يَرَى تَرْكَهُ أَحْسَنَ.
فَالْإِقْسَامُ فِيهِ: إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَمْنُوعٌ.
حَظْرًا أَوْ كَرَاهَةً أَوْ مَسْنُونًا أَوْ مُسْتَوِي الْحَالَتَيْنِ.
وَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْيَمِينِ يَظْهَرُ مَعْنَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مِنْ جَوَازِ نَسْخِ ذَلِكَ أَوْ الْخَلْفِ فِيهِ؛ فَإِنَّ مَنْ رَآهُمَا خَبَرًا: قَالَ النَّسْخُ يَقْتَضِي الْكَذِبَ وَالْآخَرُ يَقُولُ هُوَ خَبَرٌ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الطَّلَبِ.
فَإِذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت هَذَا ضَرَبْتُك.
تَضَمَّنَ إنِّي مُرِيدٌ السَّاعَةَ لِضَرْبِك إذَا فَعَلْته وَمُخْبِرُك بِهِ؛ فَلَيْسَ هُوَ خَبَرًا مَحْضًا فَيَكُونُ النَّسْخُ عَائِدًا إلَى مَا فِيهِ مِنْ الطَّلَبِ تَغْلِيبًا لِلطَّلَبِ عَلَى الْخَبَرِ كَمَا أَنَّهُ فِي بَابِ الْمَشِيئَةِ وَالْكَفَّارَةِ غَلَبَ الْخَبَرُ عَلَى الطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا تَضَمَّنَ مَعْنَيَانِ فَقَدْ يَغْلِبُ أَحَدُهُمَا بِحَسَبِ الضمائم؛ وَلِهَذَا فَرَّقَ فِي الْخَلْفِ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لِأَنَّ الْوَاعِدَ لَمَّا تَضَمَّنَ كَلَامُهُ طَلَبَ الْخَبَرِ الْمَوْعُودِ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فِي مَعْرِضِ الْمُقَابَلَةِ صَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِهِ الْأَعْوَاضَ مِنْ الْعُقُودِ؛ فَإِنَّهُ أَمْرٌ وَجَبَ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ وَالْمُتَوَعِّدُ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ طَلَبَ الشَّرِّ الْمُتَوَعَّدِ بِهِ فِي مَعْرِضِ الْمُقَابَلَةِ بِمَنْزِلَةِ إلْزَامِهِ لِغَيْرِهِ عِوَضًا إذَا بَذَلَ هُوَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا وَجَبَ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ فَلَهُ الْتِزَامُهُ وَلَهُ تَرْكُ الْتِزَامِهِ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
قال الشيخ ناصر بن حمد الفهد (ص 247) : وموضع البياض هو أحد الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله في الاستثناء في الإيمان، وانظر رواياته في هذا الباب في: 7 / 253 - 257. ولعل الرواية هي قوله عن المستثني: إذا كان يقول: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص مخافة واحتياطا، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثني للعمل.
فَقَوْلُك: بِعْتُك هَذَا بِأَلْفِ.
فِي مَعْنَى الْمُوَاعِدِ بِالْأَلْفِ عِنْدَ حُصُولِ الْمَبِيعِ وَفِي مَعْنَى الْمُطَالِبِ بِالْمَبِيعِ عِنْدَ بَذْلِ الْأَلْفِ.
فَمُطَالَبَتُهُ بِالْوَعِيدِ الَّذِي هُوَ الْعُقُوبَةُ لَيْسَ بِأَحْسَنَ حَالًا مِنْ مُطَالَبَتِهِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَ الْحُقُوقِ مِنْ النَّاسِ فِيهَا شَوْبُ الْأَلَمِ فَلَا يَخْلُصُ مِنْ نَوْعِ عُقُوبَةٍ وَإِنْ لَمْ تُسَمَّ بِهَا فَإِنَّمَا الْغَرَضُ تَمْثِيلُ هَذَا بِهَذَا فِيمَا يَجِبُ لِلْمُتَكَلِّمِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَإِنْ تَضَمَّنَا خَبَرًا فَهُمَا مُتَضَمِّنَيْنِ طَلَبًا صَيَّرَهُمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ الَّذِي وَإِنْ كَانَ صِيغَتُهُ صِيغَةَ الْخَبَرِ عَنْ الْمَاضِي فَهُوَ إنْشَاءٌ لِأَمْرِ حَاضِرٍ.
وَهَذَانِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُمَا لَفْظَ الْخَبَرِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ فَهُمَا إنْشَاءٌ لِلْإِرَادَةِ وَالطَّلَبِ فَإِذَا كَانَ وَعْدٌ وَجَبَ فَسُمِّيَ خَلْفُهُ كَذِبًا كَمَا قَالَ لِمَنْ قَالَ: ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وَإِذَا كَانَ وَعِيدًا لَمْ يَجِبْ إنْفَاذُهُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى بَيَانِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ نَسْخُ الْوَعِيدِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّلَفُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ وَأَمَّا الْوَعْدُ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ لِأَنَّهُ مُوجَبُ الْمَشْرُوطِ.
وَأَمَّا قَبْلَ الْعَمَلِ فَيَتَوَجَّهُ جَوَازُ نَسْخِهِ كَفَسْخِ التَّعْلِيقَاتِ الْجَائِزَةِ غَيْرِ اللَّازِمَةِ مِنْ الْجَعَالَةِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ دِرْهَمٌ.
فَلَهُ فَسْخُ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَمَلِ.
وَالْفَسْخُ كَالنَّسْخِ.
هَذَا فَسْخٌ لِإِنْشَاءَاتِ هِيَ الْعُقُودُ الْمُتَضَمِّنَةُ الْتِزَامَ إرَادَةٍ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ وَهَذَا فَسْخٌ لِطَلَبِ أَيْضًا.
وَكَمَا أَنَّ الْمُتَصَوَّرَ فِي الْفَسْخِ أَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ أَوْ الْإِذْنُ
فَالْفَسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْإِرَادَةُ أَوْ الْإِبَاحَةُ وَكَذَلِكَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ رَفْعُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ إرَادَةُ الْإِعْطَاءِ أَوْ الْإِبَاحَةِ.
فَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ مِنْ الْكَلَامِ مَا تَضَمَّنَ مَعْنَى الطَّلَبِ وَالْخَبَرِ وَهُوَ الْأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْعُقُودُ.
فَهَذَا " الْقِسْمُ الثَّالِثُ " الْمُرَكَّبُ هُوَ الَّذِي اضْطَرَبَ النَّاسُ فِي أَحْكَامِهِ وَلِهَذَا قَسَّمَ بَعْضُهُمْ الْكَلَامَ إلَى خَبَرٍ وَإِنْشَاءٍ لِيَكُونَ الْإِنْشَاءُ أَعَمَّ مِنْ الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ يُنْشِئُ طَلَبًا وَإِذْنًا وَمَا ثَمَّ غَيْرُ الطَّلَبِ وَالْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَطْلُبَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا.
وَقَدْ يُقَالُ: الْإِذْنُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الطَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ نَفْسِهِ تَمْكِينَ الْمَأْذُونِ لَهُ كَمَا أَنَّ الِالْتِزَامَ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الطَّلَبِ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَقًّا يَطْلُبُهُ الْمُسْتَحِقُّ وُجُوبًا وَهُنَاكَ جَعَلَهُ لَهُ مُبَاحًا.
فَهَذَا هَذَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: فَيَعُودُ الْأَمْرُ إلَى طَلَبٍ أَوْ خَبَرٍ؛ أَوْ مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَصْلٌ:
وَبِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَصْلِ تَظْهَرُ مَسْأَلَةُ " الِاسْتِثْنَاءِ فِي الظِّهَارِ " فَإِنَّ قَوْلَهُ أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ.
وَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
قَالَ أَحْمَد: يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ بِالْعَوْدِ.
وَأَصْلُ أَحْمَد: أَنَّ كُلَّ مَا شُرِعَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ شُرِعَ فِيهِ الْيَمِينُ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ ابْنُ بَطَّةَ والعكبري وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ بِمَنْزِلَةِ التَّطْلِيقِ وَالْإِعْتَاقِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَتَيْنِ كَالْقَسَمِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ كَسَائِرِ الْإِنْشَاءَاتِ؛ فَقَوْلُهُ: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ كَقَوْلِهِ: أَنْت طَالِقٌ.
لَيْسَ هُنَا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ يُعَلَّقُ بِالْمَشِيئَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَأَخْرُجَنَّ.
وَهَذَا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَقْوَى لِلْمُشَابَهَةِ الصُّورِيَّةِ.
لَكِنَّ قَوْلَ أَحْمَد أَفْقَهُ وَأَدْخَلُ فِي الْمَعْنَى.
وَإِنَّمَا هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَدَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ كَنَذْرِ التَّبَرُّرِ؛ لِلِاسْتِوَاءِ فِي الصُّورَةِ اللَّفْظِيَّةِ.
وَمَنْ عَدَّهُ يَمِينًا لِمُشَابَهَةِ الْيَمِينِ فِي مَعْنَى وَصْفِهَا وَهُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَمَنْ أَعْطَاهُ حُكْمَهُمَا لِجَمْعِهِ مَعْنَاهُمَا.
فَإِنَّ نِصْفَهُ يُشْبِهُ الْيَمِينَ فِي الْمَعْنَى وَنِصْفَهُ يُشْبِهُ النَّذْرَ.
وَلِهَذَا سَائِرُ الْأَلْفَاظِ الْمُعَلَّقِ بِهَا الْأَحْكَامُ قَدْ يَنْظُرُ نَاظِرٌ إلَى صُورَتِهَا وَآخَرُ إلَى مَعْنَاهَا وَآخَرُ إلَيْهِمَا مَعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ لَأَفْعَلَنَّ.
الصُّورَةُ صُورَةُ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى قَدْ يَكُونُ خَبَرًا وَقَدْ يَكُونُ طَلَبًا وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ.
فَقَوْلُهُ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إنْشَاءً مَحْضًا لِلتَّحْرِيمِ وَالتَّحْرِيمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الطَّلَاقِ فَكَانَ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا عَلَى مُوجَبِ ظَاهِرِ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيمَ.
فَجَعَلُوا اللَّازِمَ دَلِيلًا عَلَى الْمَلْزُومِ فَأَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ فَإِنَّ الْحَلَالَ لَا يَكُونُ كَالْحَرَامِ الْمُؤَبَّدِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ طَلَاقًا وَإِنْ عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَعْنَى الْفَاسِدِ وَهُوَ الْمُشَابَهَةُ
الْمُحَرَّمَةُ؛ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْت يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ.
إذَا عَنَى بِهِ الطَّلَاقَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْكُفْرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُثْبِتَهُ فِيهَا.
أَوْ أَنْت أَتَانٌ أَوْ نَاقَةٌ أَوْ أَنْت عَلَيَّ كَالْأَتَانِ وَالنَّاقَةِ.
وَمِنْ هُنَا قَالَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ إنَّ قَوْلَهُ: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ.
أَيْضًا يَمِينٌ لَيْسَ بِطَلَاقِ وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ كَالظِّهَارِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد.
فَصَارَ قَوْلُهُ أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
بِمَنْزِلَةِ لَا أَقْرَبَنَّك؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْمُشَابَهَةِ لِلْأُمِّ يَقْتَضِي امْتِنَاعَهُ عَنْ وَطْئِهَا وَيَقْتَضِي رَفْعَ الْعَقْدِ.
فَأَبْطَلَ الشَّارِعُ رَفْعَ الْعَقْدِ لِأَنَّ هَذَا إلَى الشَّارِعِ؛ لَا إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعُقُودَ والفسوخ أثبات اللَّهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِإِذْنِ الشَّارِعِ وَأَثْبَتَ امْتِنَاعَهُ مِنْ الْفِعْلِ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَطْءِ وَتَرْكَهُ إلَيْهِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ فَلَمَّا صَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: لَا يَنْبَغِي مِنِّي وَطْؤُك.
فَهَذَا مَعْنَى الْيَمِينِ؛ لَكِنَّهُ جَعَلَهُ يَمِينًا كُبْرَى لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ لِأَنَّ تِلْكَ الْيَمِينَ شُرِعَ الْحَلِفُ بِهَا فَلَمْ يَعْصِ فِي عَقْدِهَا وَهَذِهِ الْيَمِينُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ تَرْكُهَا وَاجِبٌ فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ لَا تُوجِبُ تَحْرِيمَ الْفِعْلِ إلَى التَّكْفِيرِ وَهَذِهِ الْيَمِينُ تُوجِبُ تَحْرِيمَ الْحِنْثِ إلَى التَّكْفِيرِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْنَثَ فِيهَا حَتَّى يُحِلَّهَا وَوَجَبَتْ فِيهَا الْكَفَّارَةُ الْكُبْرَى.
وَكَوْنُهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً لَا يَمْتَنِعُ انْدِرَاجُهَا فِي اسْمِ الْيَمِينِ كَلَفْظِ النَّذْرِ هُوَ يَمِينٌ وَجُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَا تَضَمَّنَ عَهْدًا
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ كُلَّ تَحْرِيمٍ " يَمِينًا " بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ كَمَا سَمَّى الصَّحَابَةُ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ " يَمِينًا " وَهُوَ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ؛ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الظِّهَارَ لَوْ كَانَ إنْشَاءً مَحْضًا لَأُوجِبَ حُكْمُهُ؛ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ كَفَّارَةٌ؛ إذْ الْكَفَّارَةُ لَا تَكُونُ لِرَفْعِ عَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ؛ وَإِنَّمَا تَكُونُ لِرَفْعِ إثْمِ الْمُخَالَفَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا عَقْدُهُ؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ كُلٌّ مِنْ عَقْدِ الْيَمِينِ وَعَقْدِ الظِّهَارِ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ إلَّا إذَا وُجِدْت الْمُخَالَفَةُ عُلِمَ أَنَّهُ يَمِينٌ.
وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ يُوجِبُ لَفْظُ الظِّهَارِ تَرْكَ الْعَقْدِ فَإِذَا أَمْسَكَهَا مِقْدَارَ مَا يُمْكِنُهُ إزَالَتُهُ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ.
وَأَمَّا أَحْمَد وَالْجُمْهُورُ فَعِنْدَهُمْ يُوجِبُ لَفْظُهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْوَطْءِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ حَرَامًا فَالْكَفَّارَةُ تَرْفَعُ هَذَا التَّحْرِيمَ فَلَا يَجُوزُ الْوَطْءُ قَبْلَ ارْتِفَاعِهِ.
وَكَذَلِكَ يَقُولُ أَحْمَد فِي قَوْله: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ.
أَنَّ مُوجَبَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْوَطْءِ عَلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ؛ لَكِنَّ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا يَقُولُ: إنَّهُ فِي الظِّهَارِ مَا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعْطِيَ اللَّفْظَ ظَاهِرَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا تَصِيرُ مِثْلَ أُمِّهِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ فَاقْتَصَرَ بِهِ عَلَى بَعْضِهِ وَهُوَ تَرْكُ الْوَطْءِ؛ دُونَ تَرْكِ الْعَقْدِ كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَلَفْظُ الْحَرَامِ يُمْكِنُ إثْبَاتُ مُوجَبِهِ.
وَقَدْ يَقُولُ أَحْمَد: إنَّ الْحَرَامَ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ مُوجَبِهِ؛ فَإِنَّ تَحْرِيمَ الْعَيْنِ لَا يَثْبُتُ أَبَدًا وَالتَّحْرِيمُ الْعَارِضُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ شَبِيهٍ؛ إذْ لَيْسَ هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْ مُطْلَقِ التَّحْرِيمِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيمٌ مُقَيَّدٌ فَاسْتُعْمِلَ بَعْضُ مُوجَبِ اللَّفْظِ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ وَطْءٌ وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْعَيْنِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ فَكَأَنَّهُ [قَالَ] 1 وَطْؤُك حَرَامٌ.
وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك.
فَكَمَا أَنَّ الْإِيلَاءَ لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَكَذَلِكَ التَّحْرِيمُ؛ إذْ الْإِيلَاءُ نَوْعٌ مِنْ الْأَيْمَانِ القسمية وَالظِّهَارَ نَوْعٌ مِنْ الْأَيْمَانِ التحريمية.
وَالْبَحْثُ فِيهِ يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: نَضَعُهُ عَلَى أَدْنَى دَرَجَاتِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَلَا تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ إلَّا بِسَبَبِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَنْت طَالِقٌ.
لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً؛ وَكَمَا اُكْتُفِيَ فِي التَّشْبِيهِ بِالتَّحْرِيمِ.
أَمَّا إذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَيُقَالُ: وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ بِالظِّهَارِ.
فَصْلٌ:
وَيَتَّصِلُ بِهَذَا " إذَا حَلَفَ بِالظِّهَارِ أَوْ بِالْحَرَامِ " عَلَى حَظٍّ أَوْ مَنْعٍ كَقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت هَذَا فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ حَرَامٌ؛ أَوْ الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي أَوْ الظِّهَارُ لَا أَفْعَلُهُ أَوْ لَأَفْعَلَنَّهُ.
فَهَذَا أَصْحَابُنَا فِيهِ إذَا حَنِثَ بِالظِّهَارِ كَمَا أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ؛ وَلِهَذَا قَالُوا فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْهَا الظِّهَارُ.
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
أسامة بن الزهراء - منسق الكتاب للموسوعة الشاملة
وَكُنْت أُفْتِي بِهَذَا تَقْلِيدًا؛ وَلِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُجَّةِ مِنْ أَنَّهُ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت هَذَا فَأَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ.
عُقُوبَةً لَهَا عَلَى فِعْلِهِ.
وَأَفْتَيْت بَعْدَ هَذَا أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ عَدَمَ الْفِعْلِ وَعَدَمَ التَّحْرِيمِ كَمَا قُلْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ " نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ " وَكَمَا قُلْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا وَقَوْلِهِ: هُوَ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ إنْ فَعَلَ كَذَا.
فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّرْطِ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلٍ؛ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلَ كَذَا؛ وَلَيْسَ غَرَضُهُ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ عِنْدَ الْفِعْلِ؛ وَإِنَّمَا غَرَضُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْفِعْلِ وَذِكْرُ الْتِزَامِ ذَلِكَ تَقْدِيرًا تَحْقِيقًا لِلْمَنْعِ كَمَا ذُكِرَ الْتِزَامُ التَّهَوُّدِ وَالتَّنَصُّرِ تَقْدِيرًا كَمَا أَنَّهُ مَعْنَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ هَتَكْت حُرْمَةَ الْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ إنْ فَعَلْت هَذَا أَوْ نَقَصْت حُرْمَةَ اللَّهِ أَوْ اسْتَخْفَفْت بِحُرْمَةِ اللَّهِ إنْ فَعَلْت.
وَمُوجَبُ الْأَيْمَانِ كُلِّهَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ الْوَفَاءُ وَأَنَّهُ مَتَى حَنِثَ فَقَدْ هَتَكَ أَيْمَانَهُ وَأَنَّهُ تَهَوَّدَ وَتَنَصَّرَ كَمَا أَنَّ مُوجَبَ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ مِنْ اللَّفْظِ وُجُوبُ الْوَفَاءِ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطِ يَجِبُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَالْحَالِفُ بِشَيْءِ عَلَى فِعْلٍ قَدْ الْتَزَمَ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَجَعَلَهُ مُعَلَّقًا بِمُعَظَّمِهِ الْمَحْلُوفِ بِهِ.
فَمَتَى لَمْ يَفْعَلْهُ فَقَدْ هَتَكَ تِلْكَ الْحُرْمَةَ.
وَقَوْلُهُ: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ بِكَذَا.
فِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَعْقِدُهُ بِهِ وَأُلْصِقُهُ بِهِ؛ وَلِهَذَا يُسَمَّى الْمُصَاحِبُ " حَلِيفًا " كَمَا كَانَ يُقَالُ لِعُثْمَانِ: " حَلِيفُ الْمِحْرَابِ " وَعِلَّتُهُ لَا يَتَخَلَّفُ؛ وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ الْبَاءَ لِإِلْصَاقِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ؛ وَإِنَّمَا أَتَى بِلَامِ الْقَسَمِ تَوْكِيدًا ثَانِيًا كَأَنَّهُ قَالَ: أُلْصِقُ وَأَعْتَقِدُ بِاَللَّهِ مَضْمُونَ قَوْلِي لَأَفْعَلَنَّ.
وَلِهَذَا سُمِّي
َ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ "
تَحِلَّةً " لِأَنَّهُ يَحِلُّ هَذَا الْعَقْدَ الَّذِي عُقِدَ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ مِثْلَ فَسْخِ الْبَيْعِ الَّذِي يَحِلُّ مَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ الِانْعِقَادِ.
فَالشَّارِعُ جَعَلَ الْأَيْمَانَ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ بِهَذَا الْبَدَلِ؛ لَا مِنْ اللَّازِمَةِ مُطْلَقًا كَمَا كَانَ الْعَقْدُ بَيْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَحْلُوفِ بِهِ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ سَوَّغَ سُبْحَانَهُ لِعَبْدِهِ أَنْ يَحِلَّ هَذَا الْعَقْدَ الَّذِي عُقِدَ لِي وَبِي بِالْكَفَّارَةِ الَّتِي هِيَ عِبَادَةٌ وَقُرْبَةٌ وَكَانَ الْعَبْدُ مُخَيَّرًا بَيْنَ تَمَامِ عَقْدِهِ وَبَيْنَ حَلِّهِ بِالْبَدَلِ الْمَشْرُوعِ؛ إذْ كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الَّذِي عَقَدَ هَذَا الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا كَانُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ الصِّيَامِ الَّذِي أَوْجَبَهُ وَبَيْنَ تَرْكِهِ بِالْكَفَّارَةِ وَكَمَا أَنَّ الْمُعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُنْشِئَ لِلْحَجِّ سَفَرًا وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ بِهَدْيِ التَّمَتُّعِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي إكْمَالِ الْحَجِّ بِالسَّفَرِ أَوْ بِالْهَدْيِ.
وَلِهَذَا قُلْنَا: لَيْسَ جبرانا.
لِأَنَّ دَمَ الْجُبْرَانِ لَا يُخَيَّرُ فِي سَبَبِهِ كَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ؛ وَإِنَّمَا هُوَ هَدْيٌ وَاجِبٌ كَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ الْمَحْضَةِ
أَوْ الْبَدَنِيَّةِ الْمَالِيَّةِ وَهُوَ الْهَدْيُ؛ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إذَا كَانَ وَاجِبًا فَلَا يُؤْكَلُ مِنْهُ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ؟ قُلْنَا هَدْيُ النَّذْرِ أَيْضًا فِيهِ خِلَافٌ وَمَا وَجَبَ مُعَيَّنًا يَأْكُلُ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الذَّابِحِ لِلَّهِ مُهْدِيًا إلَى بَيْتِهِ أَعْظَمَ الْمَقْصُودَيْنِ؛ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ تَفْرِقَتِهِ فِي الْحَرَمِ؛ وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ نُوجِبُ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ هَدْيٌ دُونَ مَا هُوَ نُسُكٌ؛ لِيَظْهَرَ تَحْقِيقُهُ بِتَسْمِيَتِهِ هَدْيًا وَهُوَ الْإِهْدَاءُ إلَى الْكَعْبَةِ.
فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُقْتَضِي لِلْوَفَاءِ قَائِمٌ وَإِنَّمَا الشَّارِعُ جَعَلَ الْكَفَّارَةَ رُخْصَةً ثُمَّ قَدْ يَجِبُ وَقَدْ يُسْتَحَبُّ كَمَا فِي أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ: فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي " نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ " وَمَا أَشْبَهَهُ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ " إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ "؛ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَادَ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ عُقُوبَةً لَهَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهَا أَوْ لِأُمِّهَا: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ.
فَهُنَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ كَمَا أَنَّ فِي " نَذْرِ التَّبَرُّرِ " مَقْصُودُهُ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ وَكَمَا فِي " الْخُلْعِ " مَقْصُودُهُ أَخْذُ الْعِوَضِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَهَذَا التَّفْرِيقُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى أَصْلِنَا فَإِنَّا كَمَا فَرَّقْنَا فِي الْتِزَامِ الْإِيجَابِ الْمُعَلَّقِ يَنْبَغِي أَنْ نُفَرِّقَ فِي الْتِزَامِ التَّحْرِيمِ الْمُعَلَّقِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ نُخَيِّرَهُ إذَا حَنِثَ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِالتَّحْرِيمِ وَبَيْنَ تَكْفِيرِ يَمِينِهِ كَمَا خَيَّرْنَاهُ فِي النَّذْرِ.
ثُمَّ إنَّ طَرَدْنَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ - كَمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى أُصُولِنَا وَكَمَا يُؤْثَرُ عَنْ الصَّحَابَةِ جُعِلَ الْعِتْقُ دَاخِلًا فِي " نَذْرِ اللَّجَاجِ " وَعَنْ طاوس وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ شَيْئًا وَتَوَقَّفَ الرَّاوِي: هَلْ كَانَ طاوس يَعُدُّهَا يَمِينًا؟ - فَهُوَ مُتَوَجِّهٌ وَهُوَ أَقْوَى إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ.
وَإِنْ فَرَّقْنَا بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَبَيْنَ الْحَرَامِ وَالظِّهَارِ فَمُتَوَجِّهٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ هُنَاكَ عَلَّقَ نَفْسَ الْوُقُوعِ الَّذِي لَا يُعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ وَهُنَاكَ عَلَّقَ يَمِينًا كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ فَعَلْت هَذَا فَعَلَيَّ يَمِينُ حَرَامٍ أَوْ فَعَلَيَّ يَمِينُ ظِهَارٍ أَوْ إنْ فَعَلْت هَذَا صِرْت مُظَاهِرًا وَمُحَرِّمًا.
وَهُوَ إذَا صَارَ مُظَاهِرًا مُحَرِّمًا لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ؛ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُ تَزَيُّلِهِ الْكَفَّارَةَ فَصَارَ مِثْلَ قَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ فَأَنَا حَاجٌّ أَوْ أَنَا مُحْرِمٌ.
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَحَقَّقْ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي رَجُلٍ حَلَفَ أَنَّهُ مِنْ حِينِ عَقَلَ لَمْ يَفْعَلْ الذَّنْبَ وَكَانَ قَدْ فَعَلَ هَذَا الذَّنْبَ وَلَهُ نَحْوُ عِشْرِينَ سَنَةً؛ وَنَوَى بِقَلْبِهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ حِينِ بَلَغَ.
فَهَذَا يُنْظَرُ إلَى مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ: مِنْ حِينِ عَقَلَ.
فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ مِنْ حِينِ بَلَغَ الْحُلُمَ.
فَهُوَ بَارٌّ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ.
وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ: أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ حِينِ مَيَّزَ.
فَابْنُ عَشْرِ سِنِينَ يُمَيِّزُ.
فَهَذَا إذَا كَانَ يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ فَيَمِينُهُ غَمُوسٌ وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ مِنْهَا.
فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَيْمَانِ الْمُكَفَّرَةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ؛ وَإِنَّمَا تُمْحَى بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
و " الْقَوْلُ الثَّانِي " أَنَّ فِيهَا الْكَفَّارَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ فَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ مُكَفَّرَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالْكُفْرِ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ أَوْ عَلَيَّ الْحَرَامُ أَوْ الطَّلَاقُ
يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَإِنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ أَوْ إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا فَإِنِّي يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ.
فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا " ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ " فَقِيلَ: إذَا حَنِثَ يَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ.
وَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: بَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ كَمَا بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَفَ بِهَذِهِ الْأَيْمَانِ يَمِينًا غَمُوسًا فَمَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَقَالَ إنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ تُكَفَّرُ فَإِنَّهُ يُوجِبُ فِيهَا كَفَّارَةً.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ فَلَهُمْ " قَوْلَانِ " " أَحَدُهُمَا " أَنَّ هَذِهِ يَلْزَمُهُ فِيهَا مَا الْتَزَمَهُ مِنْ نَذْرٍ وَطَلَاقٍ وَعِتَاقٍ وَكُفْرٍ.
وَإِنْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ الْمَغْفُورَةُ وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ﴾ قَالُوا لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ بَلْ الْحِنْثُ فِيهَا مُقَارِنٌ لِلْعَفْوِ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَقَدْ الْتَزَمَ فِيهَا مَا الْتَزَمَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ فَيَجِبُ إلْزَامُهُ بِذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى كَذِبِهِ وَزَجْرًا لِمَنْ يَحْلِفُ يَمِينًا كَاذِبَةً بِخِلَافِ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ فَإِنَّ صَاحِبَهَا مُطِيعٌ لِلَّهِ لَيْسَ بِعَاصٍ.
و " الْقَوْلُ الثَّانِي " وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ كُفْرٍ وَغَيْرِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنَّمَا قَصَدَ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ الْيَمِينَ.
فَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ إذَا كَانَ كَاذِبًا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا وَلَا أَنْ يَلْزَمَهُ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ نَذْرٍ وَطَلَاقٍ وَعِتَاقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا لَمْ يَقْصِدْ إذَا حَنِثَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ بَلْ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ وَمَقْصُودُهُ هُوَ الْيَمِينُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: فَمَا فُرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالنَّذْرِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ بِذَلِكَ يُفَرَّقُ بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ؛ لَكِنْ هُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ قَدْ أَتَى كَبِيرَةً مِنْ الْكَبَائِرِ بِيَمِينِهِ الْغَمُوسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ مِنْهَا كَمَا يَتُوبُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِذَا تَابَ مِنْ الذَّنْبِ كَانَ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ؛ وَلَا يَصْدُرُ كُفْرٌ وَلَا نَذْرٌ وَلَا طَلَاقٌ وَلَا عِتَاقٌ بَلْ إنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ الْحَلِفُ بِذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَمَّنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ هَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ؟ أَوْ الْحَجُّ رَاكِبًا وَيَفْتَدِي؟ أَوْ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ يَجْزِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ عِنْدِ جَمَاهِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ: مِثْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وَزَيْنَبَ رَبِيبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ الْقَاسِمِ ابْنَهُ لَمَّا حَنِثَ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
كَمَا بُسِطَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.