ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
كَانَ يَنْهَى عَنْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ كَمَا ثَبَتَ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ التيمي عَنْ الْمَعْرُور 1 بْنِ سويد قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ أَتَى عَلَى مَكَانٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمْرُ: إنَّمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ فَاِتَّخَذُوهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا فَمَنْ عَرَضَتْ لَهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ.
فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ تَخْصِيصَهُ بِالصَّلَاةِ فِيهِ بَلْ صَلَّى فِيهِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ نُزُولِهِ رَأَى عُمَرُ أَنَّ مُشَارَكَتَهُ فِي صُورَةِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةٍ لَهُ فِي قَصْدِهِ لَيْسَ مُتَابَعَةً بَلْ تَخْصِيصُ ذَلِكَ الْمَكَانِ بِالصَّلَاةِ مِنْ بِدَعِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّتِي هَلَكُوا بِهَا وَنَهَى الْمُسْلِمِينَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ فَفَاعِلُ ذَلِكَ مُتَشَبِّهٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصُّورَةِ وَمُتَشَبِّهٌ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي الْقَصْدِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ.
وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ فِي السُّنَّةِ أَبْلَغُ مِنْ الْمُتَابَعَةِ فِي صُورَةِ الْعَمَلِ وَلِهَذَا لَمَّا اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ جَلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ: هَلْ فَعَلَهَا اسْتِحْبَابًا أَوْ لِحَاجَةِ عَارِضَةٍ تَنَازَعُوا فِيهَا وَكَذَلِكَ نُزُولُهُ بِالْمُحَصَّبِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مَنْ مِنًى لَمَّا اشْتَبَهَ: هَلْ فَعَلَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ سُنَّةً؟ تَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ.
وَمِنْ هَذَا وَضْعُ ابْنِ عُمَرَ يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْرِيفُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ وَعَمْرِو بْنِ زاذان بِالْكُوفَةِ فَإِنَّ هَذَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ
تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة
مِمَّا يَفْعَلُهُ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَعَهُ لِأُمَّتِهِ؛ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقَالَ هَذَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ؛ بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا مِمَّا سَاغَ فِيهِ اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ أَوْ مِمَّا لَا يُنْكَرُ عَلَى فَاعِلِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ لَا لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ أَوْ يُقَالُ فِي التَّعْرِيفِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ أَحْيَانًا لِعَارِضِ إذَا لَمْ يُجْعَلْ سُنَّةً رَاتِبَةً.
وَهَكَذَا يَقُولُ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ: تَارَةً يَكْرَهُونَهُ وَتَارَةً يُسَوِّغُونَ فِيهِ الِاجْتِهَادَ وَتَارَةً يُرَخِّصُونَ فِيهِ إذَا لَمْ يُتَّخَذْ سُنَّةً وَلَا يَقُولُ عَالِمٌ بِالسُّنَّةِ: إنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُقَالُ فِيمَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَسُنَّ وَلَا أَنْ يَشْرَعَ؛ وَمَا سَنَّهُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ فَإِنَّمَا سَنُّوهُ بِأَمْرِهِ فَهُوَ مِنْ سُنَنِهِ وَلَا يَكُونُ فِي الدِّينِ وَاجِبًا إلَّا مَا أَوْجَبَهُ وَلَا حَرَامًا إلَّا مَا حَرَّمَهُ وَلَا مُسْتَحَبًّا إلَّا مَا اسْتَحَبَّهُ وَلَا مَكْرُوهًا إلَّا مَا كَرِهَهُ وَلَا مُبَاحًا إلَّا مَا أَبَاحَهُ.
وَهَكَذَا فِي الْإِبَاحَاتِ كَمَا اسْتَبَاحَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْلَ الْبَرْدِ وَهُوَ صَائِمٌ وَاسْتَبَاحَ حُذَيْفَةُ السَّحُورَ بَعْدَ ظُهُورِ الضَّوْءِ الْمُنْتَشِرِ حَتَّى قِيلَ هُوَ النَّهَارُ إلَّا أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ.
وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ فَوَجَبَ الرَّدُّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْكَرَاهَةُ وَالتَّحْرِيمُ مِثْلُ كَرَاهَةِ عُمَرَ وَابْنِهِ لِلطِّيبِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَكَرَاهَةِ مَنْ كَرِهَ مِنْ الصَّحَابَةِ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى التَّمَتُّعِ أَوْ التَّمَتُّعَ مُطْلَقًا؛
أَوْ رَأَى تَقْدِيرَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بِحَدِّ حَدَّهُ وَأَنَّهُ لَا يَقْصُرُ بِدُونِ ذَلِكَ؛ أَوْ رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي السَّفَرِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ سَلْمَانَ: إنَّ الرِّيقَ نَجِسٌ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: إنَّ الْكِتَابِيَّةَ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَتَوْرِيثُ مُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ لِلْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ وَمَنْعُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ لِلْجُنُبِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْمُفَوَّضَةِ: إنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا إذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلِ: إنَّهَا تَعْتَدُّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: إنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ بَطَلَ إحْرَامُهُ وَفُعِلَ بِهِ مَا يُفْعَلُ بِالْحَلَالِ.
وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا: لَيْسَ عَلَيْهَا لُزُومُ الْمَنْزِلِ وَقَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ.
وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ فَلَا يَكُونُ شَرِيعَةً لِلْأُمَّةِ إلَّا مَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ " إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ " فَإِنَّمَا قَالَهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا عُرِفَ نَصٌّ يُخَالِفُهُ ثُمَّ إذَا اشْتَهَرَ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ كَانَ إقْرَارًا عَلَى الْقَوْلِ فَقَدْ يُقَالُ " هَذَا إجْمَاعٌ إقراري " إذَا عُرِفَ أَنَّهُمْ أَقَرُّوهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهُمْ لَا يُقِرُّونَ عَلَى بَاطِلٍ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ فَهَذَا إنْ عُرِفَ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يُخَالِفْهُ فَقَدْ يُقَالُ " هُوَ حُجَّةٌ ".
وَأَمَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ خَالَفَهُ فَلَيْسَ بِحُجَّةِ بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْرَفْ هَلْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ أَوْ خَالَفَهُ لَمْ يَجْزِمْ بِأَحَدِهِمَا وَمَتَى كانت السُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ كَانَتْ الْحُجَّةُ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا فِيمَا يُخَالِفُهَا بِلَا رَيْبٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ جَعَلَ مِنْ الْمَشْرُوعِ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يُتَوَسَّلَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاعِيًا لَهُ وَلَا شَافِعًا فِيهِ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ عُمَرَ وَأَكَابِرَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَرَوْا هَذَا مَشْرُوعًا بَعْدَ مَمَاتِهِ كَمَا كَانَ يُشْرَعُ فِي حَيَاتِهِ بَلْ كَانُوا فِي الِاسْتِسْقَاءِ فِي حَيَاتِهِ يَتَوَسَّلُونَ بِهِ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ.
بَلْ قَالَ عُمَرُ فِي دُعَائِهِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ الثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَحْضَرِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ الْمَشْهُورِ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِمْ الْجَدْبُ حَتَّى حَلَفَ عُمَرُ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا حَتَّى يُخْصَبَ النَّاسُ ثُمَّ لَمَّا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ قَالَ: " اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا " فَيُسْقَوْنَ.
وَهَذَا دُعَاءٌ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مَعَ شُهْرَتِهِ وَهُوَ مِنْ أَظْهَرَ الإجماعات الإقرارية.
وَدَعَا بِمِثْلِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي خِلَافَتِهِ لَمَّا اسْتَسْقَى بِالنَّاسِ.
فَلَوْ كَانَ تَوَسُّلُهُمْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَمَاتِهِ كَتَوَسُّلِهِمْ بِهِ فِي حَيَاتِهِ لَقَالُوا: كَيْفَ نَتَوَسَّلُ بِمِثْلِ الْعَبَّاسِ وَيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ وَنَحْوِهِمَا؟ وَنَعْدِلُ عَنْ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ وَهُوَ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ
وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ فِي حَيَاتِهِ إنَّمَا تَوَسَّلُوا بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ تَوَسَّلُوا بِدُعَاءِ غَيْرِهِ وَشَفَاعَةِ غَيْرِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمَشْرُوعَ عِنْدَهُمْ التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الْمُتَوَسَّلِ بِهِ لَا بِذَاتِهِ.
وَحَدِيثُ الْأَعْمَى حُجَّةٌ لِعُمَرِ وَعَامَّةِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ الْأَعْمَى أَنْ يَتَوَسَّلَ إلَى اللَّهِ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُعَائِهِ لَا بِذَاتِهِ وَقَالَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ﴾ . وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَمَرَ غَيْرَهُ أَنْ يَتَوَسَّلَ بِذَاتِهِ لَا بِشَفَاعَتِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِالدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ بَلْ بِبَعْضِهِ وَتَرَكَ سَائِرَهُ الْمُتَضَمِّنَ لِلتَّوَسُّلِ بِشَفَاعَتِهِ كَانَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هُوَ الْمُوَافِقَ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْمُخَالِفُ لِعُمَرِ مَحْجُوجًا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةً عَلَيْهِ لَا لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِمَّا يُسَمَّى " تَوَسُّلًا " فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ - كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ - وَهُوَ الْإِقْسَامُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَوْ السُّؤَالُ بِأَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ثَابِتًا لَا فِي الْإِقْسَامِ أَوْ السُّؤَالِ بِهِ.
وَلَا فِي الْإِقْسَامِ أَوْ السُّؤَالِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْعُلَمَاءِ مَنْ سَوَّغَهُ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ نَهَى
عَنْهُ فَتَكُونُ مَسْأَلَةَ نِزَاعٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَيُرَدُّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُبْدِي كُلُّ وَاحِدٍ حُجَّتَهُ كَمَا فِي سَائِرِ مَسَائِلِ النِّزَاعِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَسَائِلِ الْعُقُوبَاتِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ الْمُعَاقِبُ عَلَى ذَلِكَ مُعْتَدٍ جَاهِلٌ ظَالِمٌ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِهَذَا قَدْ قَالَ مَا قَالَتْ الْعُلَمَاءُ وَالْمُنْكِرُ عَلَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ نَقْلٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ لَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ؛ لَا بِالْأَنْبِيَاءِ وَلَا بِغَيْرِهِمْ كَمَا سَبَقَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَنْذِرَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا لِنَبِيِّ وَلَا لِغَيْرِ نَبِيٍّ وَأَنَّ هَذَا النَّذْرَ شِرْكٌ لَا يُوَفِّي بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بَلْ نَهَى عَنْ الْحَلِفِ بِهَذِهِ الْيَمِينِ.
فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا الرَّجُلُ وَلَا يُقْسِمَ بِهَا عَلَى مَخْلُوقٍ فَكَيْفَ يُقْسِمُ بِهَا عَلَى الْخَالِقِ جَلَّ جَلَالُهُ؟ . وَأَمَّا السُّؤَالُ بِهِ مِنْ غَيْرِ إقْسَامٍ بِهِ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا مَنَعَ مِنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالسُّنَنُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَفْعَلُهُ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَأَنَّهُ مِمَّا يُسْتَجَابُ بِهِ الدُّعَاءُ.
وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا
وَكُلُّ مَا كَانَ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْأَدْعِيَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ فَإِذَا لَمْ يَشْرَعْ هَذَا لِأُمَّتِهِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا وَلَا يَكُونُ قُرْبَةً وَطَاعَةً وَلَا سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا كُلِّهِ.
فَمَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي هَذَا أَوْ فِي هَذَا فَهُوَ ضَالٌّ وَكَانَتْ بِدْعَتُهُ مِنْ الْبِدَعِ السَّيِّئَةِ وَقَدْ تَبَيَّنَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَمَا اُسْتُقْرِئَ مِنْ أَحْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا عِنْدَهُمْ.
وَأَيْضًا فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سُؤَالٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ لَا يُنَاسِبُ إجَابَةَ الدُّعَاءِ وَأَنَّهُ كَالسُّؤَالِ بِالْكَعْبَةِ وَالطُّورِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ سُؤَالَ اللَّهِ بِالْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ هُوَ مَشْرُوعًا كَمَا أَنَّ الْإِقْسَامَ بِهَا لَيْسَ مَشْرُوعًا بَلْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لِأَحَدِ أَنْ يَحْلِفَ بِمَخْلُوقِ فَلَا يَحْلِفُ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقِ وَلَا يَسْأَلُهُ بِنَفْسِ مَخْلُوقٍ؛ وَإِنَّمَا يَسْأَلُ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي تُنَاسِبُ إجَابَةَ الدُّعَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
لَكِنْ قَدْ رُوِيَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ آثَارٌ وَأَقْوَالٌ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْمَنْقُولِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ ثَابِتٌ بَلْ كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ.
وَأَمَّا النَّقْلُ عَمَّنْ لَيْسَ قَوْلُهُ حُجَّةً فَبَعْضُهُ ثَابِتٌ وَبَعْضُهُ لَيْسَ بِثَابِتِ وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه وَفِيهِ: {بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ
مَمْشَايَ هَذَا} رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ فضيل بْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿مَنْ قَالَ إذَا خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِك وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِك أَسْأَلُك أَنْ تُنْقِذَنِي مِنْ النَّارِ وَأَنْ تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَأَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ﴾ . وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ الصالحية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَلَفْظُهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ فَإِنَّ حَقَّ السَّائِلِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُمْ وَحَقَّ الْعَابِدِينَ أَنْ يُثِيبَهُمْ وَهُوَ حَقٌّ أَحَقَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ سَأَلُوهُ فِي الْغَارِ بِأَعْمَالِهِمْ: فَإِنَّهُ سَأَلَهُ هَذَا بِبِرِّهِ الْعَظِيمِ لِوَالِدَيْهِ؛ وَسَأَلَهُ هَذَا بِعِفَّتِهِ الْعَظِيمَةِ عَنْ الْفَاحِشَةِ؛ وَسَأَلَهُ هَذَا بِأَدَائِهِ الْعَظِيمِ لِلْأَمَانَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا وَوَعَدَ الْجَزَاءَ لِأَصْحَابِهَا فَصَارَ هَذَا كَمَا حَكَاهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ.
﴿رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ فِي السَّحَرِ: اللَّهُمَّ دَعَوْتَنِي فَأَجَبْت وَأَمَرْتَنِي فَأَطَعْت وَهَذَا سَحَرٌ فَاغْفِرْ لِي.
وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: الْإِقْسَامُ عَلَى اللَّهِ بِشَيْءِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ السُّؤَالُ لَهُ بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ أَوْ مُبَاحًا لَا مَأْمُورًا بِهِ وَلَا مَنْهِيًّا عَنْهُ.
وَإِذَا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ مُبَاحٌ فَإِمَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْن مَخْلُوقٍ وَمَخْلُوقٍ أَوْ يُقَالَ: بَلْ يَشْرَعُ بِالْمَخْلُوقَاتِ الْمُعَظَّمَةِ أَوْ بِبَعْضِهَا.
فَمَنْ قَالَ إنَّ هَذَا مَأْمُورٌ بِهِ أَوْ مُبَاحٌ فِي الْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعِهَا: لَزِمَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ.
فَإِنْ قَالَ: بَلْ يَسْأَلُ بِالْمَخْلُوقَاتِ الْمُعَظَّمَةِ كَالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي أَقْسَمَ بِهَا فِي كِتَابِهِ لَزِمَ مِنْ هَذَا أَنْ يَسْأَلَ بِاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إذَا تَلَاهَا وَالنَّهَارِ إذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى وَيُقْسِمَ عَلَيْهِ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ وَيَسْأَلَ بِالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا - وَيَسْأَلَ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ - وَيَسْأَلَ وَيُقْسِمَ عَلَيْهِ بِالصَّافَّاتِ صَفًّا وَسَائِرِ مَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ.
فَإِنَّ اللَّهَ يُقْسِمُ بِمَا يُقْسِمُ بِهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لِأَنَّهَا آيَاتُهُ وَمَخْلُوقَاتُهُ.
فَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَظْمَتِهِ وَعِزَّتِهِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُقْسِمُ بِهَا لِأَنَّ إقْسَامَهُ بِهَا تَعْظِيمٌ لَهُ سُبْحَانَهُ.
وَنَحْنُ الْمَخْلُوقُونَ لَيْسَ لَنَا أَنْ نُقْسِمَ بِهَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
بَلْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ بِشَيْءِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَذَكَرُوا إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ شِرْكٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ بِهَا: لَزِمَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ بِكُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَبِكُلِّ نَفْسٍ أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا وَيَسْأَلَهُ بِالرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ وَالْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَيَسْأَلَهُ بِالْبَلَدِ الْأَمِينِ مَكَّةَ وَيَسْأَلُهُ حِينَئِذٍ بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَيَلْزَمُ أَنْ يَسْأَلَهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ وَالْعُزَيْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمِمَّا لَمْ يُعْبَدْ مِنْ دُونِهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّؤَالَ لِلَّهِ بِهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ الْإِقْسَامَ عَلَيْهِ بِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَمِمَّا يَظْهَرُ قُبْحُهُ لِلْخَاصِّ وَالْعَامِّ.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِقْسَامِ وَالْعَزَائِمِ الَّتِي تُكْتَبُ فِي
الحروز وَالْهَيَاكِلِ الَّتِي تَكْتُبُهَا الطرقية وَالْمُعَزِّمُونَ؛ بَلْ وَيُقَالُ: إذَا جَازَ السُّؤَالُ وَالْإِقْسَامُ عَلَى اللَّهِ بِهَا فَعَلَى الْمَخْلُوقَاتِ أَوْلَى فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْعَزَائِمُ وَالْإِقْسَامُ الَّتِي يُقْسَمُ بِهَا عَلَى الْجِنِّ مَشْرُوعَةً فِي دِينِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا الْكَلَامُ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ وَالْخُرُوجَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بَلْ وَمِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ أَجْمَعِينَ.
وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: بَلْ أَنَا أَسْأَلُهُ أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْهِ بِمُعَظِّمِ دُونِ مُعَظِّمٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ إمَّا الْأَنْبِيَاءُ دُونَ غَيْرِهِمْ أَوْ نَبِيٌّ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا جَوَّزَ بَعْضُهُمْ الْحَلِفَ بِذَلِكَ أَوْ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
قِيلَ لَهُ: بَعْضُ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ فَكُلُّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي أَنَّهُ لَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْهَا نِدًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يُعْبَدُ وَلَا يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُخْشَى وَلَا يُتَّقَى وَلَا يُصَامُ لَهُ وَلَا يُسْجَدُ لَهُ وَلَا يُرْغَبُ إلَيْهِ وَلَا يُقْسَمُ بِمَخْلُوقِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ﴿مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ﴾ وَقَالَ ﴿لَا تَحْلِفُوا إلَّا بِاَللَّهِ﴾ وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ﴿مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ﴾ .
فَقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِشَيْءِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَبِيٍّ وَنَبِيٍّ.
وَهَذَا كَمَا قَدْ سَوَّى اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي ذَمِّ الشِّرْكِ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُعَظَّمَةً.
قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ . قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَسِيحَ وَالْعُزَيْرَ وَالْمَلَائِكَةَ فَقَالَ تَعَالَى: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَدْعُونَهُمْ عِبَادِي يَرْجُونَ رَحْمَتِي كَمَا تَرْجُونَ رَحْمَتِي وَيَخَافُونَ عَذَابِي كَمَا تَخَافُونَ عَذَابِي وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيَّ كَمَا تَتَقَرَّبُونَ إلَيَّ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فَبَيَّنَ أَنَّ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ: فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَبَيَّنَ أَنَّ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ فَلَمْ يَأْمُرْ أَنْ يُخْشَى مَخْلُوقٌ وَلَا يُتَّقَى مَخْلُوقٌ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَرْضَوْا بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيَقُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ فَذَكَرَ
الرِّضَا بِمَا آتَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لِأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ فِي تَبْلِيغِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَتَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.
فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأَمْوَالِ إلَّا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْأَمْوَالُ الْمُشْتَرَكَةُ لَهُ كَمَالِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْضَى بِمَا آتَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهَا وَهُوَ مِقْدَارُ حَقِّهِ لَا يَطْلُبُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ " وَرَسُولُهُ " فَإِنَّ الحسب هُوَ الْكَافِي وَاَللَّهُ وَحْدَهُ كَافٍ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ هُوَ وَحْدَهُ حَسْبُك وَحَسْبُ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.
هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ كَمَا بُيِّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ كَافٍ لِلرَّسُولِ وَلِمَنْ اتَّبَعَهُ فَكُلُّ مَنْ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فَاَللَّهُ كَافِيهِ وَهَادِيهِ وَنَاصِرُهُ وَرَازِقُهُ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ فَذَكَرَ الْإِيتَاءَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَكِنْ وَسَّطَهُ بِذِكْرِ الْفَضْلِ فَإِنَّ الْفَضْلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فَجَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ الرَّسُولِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ سَوَّى بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدِ مِنْ
الْمَخْلُوقِينَ - سَوَاءٌ كَانَ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا - أَنْ يُقْسِمَ بِهِ وَلَا يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَلَا يَرْغَبَ إلَيْهِ وَلَا يَخْشَى وَلَا يَتَّقِيَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . فَقَدْ تَهَدَّدَ سُبْحَانَهُ مَنْ دَعَا شَيْئًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا مِلْكَ لَهُمْ مَعَ اللَّهِ وَلَا شِرْكًا فِي مُلْكِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَوْنٌ وَلَا ظَهِيرٌ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ؛ فَقَطَعَ تَعَلُّقَ الْقُلُوبِ بِالْمَخْلُوقَاتِ: رَغْبَةً وَرَهْبَةً وَعِبَادَةً وَاسْتِعَانَةً وَلَمْ يُبْقِ إلَّا الشَّفَاعَةَ وَهِيَ حَقٌّ؛ لَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . وَهَكَذَا دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿إذَا أَتَى النَّاسُ آدَمَ وَأُولِي الْعَزْمِ نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَرُدَّهُمْ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى الَّذِي بَعْدَهُ إلَى أَنْ يَأْتُوا الْمَسِيحَ فَيَقُولُ لَهُمْ: اذْهَبُوا إلَى مُحَمَّدٍ عَبْدٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْتُونِي فَأَذْهَبُ إلَى رَبِّي فَإِذَا رَأَيْته خَرَرْت سَاجِدًا وَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يَفْتَحُهَا عَلَيَّ لَا أُحْسِنُهَا الْآنَ فَيُقَالُ لِي: أَيْ مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَك وَقُلْ يُسْمَعْ وَسَلْ تعطه وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ - قَالَ - فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ﴾ وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ.
فَبَيَّنَ الْمَسِيحُ أَنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ لِأَنَّهُ عَبْدٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؛ وَبَيَّنَ مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَوْجَهُ الشُّفَعَاءِ
وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ وَيَحْمَدُ لَا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ فَيُقَالَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَك وَسَلْ تعطه وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَذَكَرَ أَنَّ رَبَّهُ يَحُدُّ لَهُ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ هُوَ الَّذِي يُكْرِمُ الشَّفِيعَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَالشَّفِيعُ لَا يَشْفَعُ إلَّا فِيمَنْ يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ يَحُدُّ لِلشَّفِيعِ حَدًّا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ.
فَالْأَمْرُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ.
وَأَوْجَهُ الشُّفَعَاءِ وَأَفْضَلُهُمْ هُوَ عِنْدَهُ الَّذِي فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ بِكَمَالِ عُبُودِيَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَإِنَابَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِرَبِّهِ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
وَإِذَا كَانَ الْإِقْسَامُ بِغَيْرِ اللَّهِ وَالرَّغْبَةُ إلَيْهِ وَخَشْيَتُهُ وَتَقْوَاهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ هِيَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي اشْتَرَكَتْ الْمَخْلُوقَاتُ فِيهَا فَلَيْسَ لِمَخْلُوقِ أَنْ يُقْسِمَ بِهِ وَلَا يَتَّقِيَ وَلَا يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالصَّالِحِينَ.
فَسُؤَالُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَخْلُوقَاتِ: إنْ كَانَ بِمَا أَقْسَمَ بِهِ وَعَظَّمَهُ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَيَسُوغُ السُّؤَالُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِغًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْأَلَ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ وَالتَّفْرِيقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُعَظِّمٍ وَمُعَظِّمٍ؛ كَتَفْرِيقِ مَنْ فَرَّقَ فَزَعَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَكَمَا أَنَّ هَذَا فَرْقٌ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ.
وَلَوْ فَرَّقَ مُفَرِّقٌ بَيْنَ مَا يُؤْمِنُ بِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يُؤْمِنُ بِهِ قِيلَ لَهُ فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَيُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِثْلَ مُنَكَّر وَنَكِيرٍ وَالْحُورِ
الْعِينِ وَالْوِلْدَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ بِهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ لِكَوْنِهِ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا؟ أَمْ يَجُوزُ السُّؤَالُ بِهَا كَذَلِكَ؟ . فَتَبَيَّنَ أَنَّ السُّؤَالَ بِالْأَسْبَابِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَسْئُولُ بِهِ سَبَبًا لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ السُّؤَالِ بِمَخْلُوقِ وَمَخْلُوقٍ كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَسَمِ بِمَخْلُوقِ وَمَخْلُوقٍ وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَكَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ: سَوْفَ يُبْعَثُ هَذَا النَّبِيُّ وَنُقَاتِلُكُمْ مَعَهُ فَنَقْتُلُكُمْ؛ لَمْ يَكُونُوا يُقْسِمُونَ عَلَى اللَّهِ بِذَاتِهِ وَلَا يَسْأَلُونَ بِهِ؛ أَوْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ لِنَتَّبِعَهُ وَنَقْتُلَ هَؤُلَاءِ مَعَهُ.
هَذَا هُوَ النَّقْلُ الثَّابِتُ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ وَالِاسْتِفْتَاحُ الِاسْتِنْصَارُ وَهُوَ طَلَبُ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ؛ فَطَلَبُ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ بِهِ هُوَ أَنْ يُبْعَثَ فَيُقَاتِلُونَهُمْ مَعَهُ فَبِهَذَا يُنْصَرُونَ لَيْسَ هُوَ بِإِقْسَامِهِمْ بِهِ وَسُؤَالِهِمْ بِهِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانُوا إذَا سَأَلُوا أَوْ أَقْسَمُوا بِهِ نُصِرُوا؛ وَلَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَرَ اللَّهُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَجَاهَدَ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقْسِمُونَ بِهِ أَوْ يَسْأَلُونَ بِهِ فَهُوَ نَقْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلنُّقُولِ الْكَثِيرَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُخَالَفَةِ لَهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَفِي كِتَابِ (الِاسْتِغَاثَةِ
الْكَبِيرِ.
وَ (كُتُبُ السِّيَرِ وَ (دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ وَ (التَّفْسِيرُ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُ: كَانَ الْيَهُودُ إذَا اسْتَنْصَرُوا بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا حَتَّى نَغْلِبَ الْمُشْرِكِينَ وَنَقْتُلَهُمْ.
فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قتادة الْأَنْصَارِيُّ عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: مِمَّا دَعَانَا إلَى الْإِسْلَامِ - مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وَهُدَاهُ - مَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالٍ يَهُودٍ وَكُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ وَأَصْحَابَ أَوْثَانٍ وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ؛ فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا: قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ - كَثِيرًا مَا كُنَّا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ - فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إلَى اللَّهِ وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَا بِهِ فَبَادَرْنَاهُمْ إلَيْهِ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ . وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ جَمَعَ كَلَامَ مُفَسِّرِي السَّلَفِ إلَّا هَذَا وَهَذَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ السُّؤَالُ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ؛ بَلْ ذَكَرُوا الْإِخْبَارَ بِهِ أَوْ سُؤَالَ اللَّهِ أَنْ يَبْعَثَهُ؛ فَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي رزين عَنْ الضَّحَّاكِ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ: يَسْتَظْهِرُونَ؛ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُعِينُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِمْ وَلَيْسُوا كَذَلِكَ يَكْذِبُونَ.
وَرُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قتادة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ سَيَأْتِي نَبِيٌّ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ . وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ - أَوْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنْ الْعَرَبِ كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ودَاوُد بْنُ سَلَمَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ وَتُخْبِرُونَا بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ فَقَالَ سَلَامُ بْنُ مُشْكِمٍ أَخُو بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءِ نَعْرِفُهُ وَمَا هُوَ بِاَلَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ . وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: كَانَتْ الْيَهُودُ تَسْتَنْصِرُ بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا حَتَّى نُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَنَقْتُلَهُمْ.
فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا
وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اللَّهُ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ يَهُودَ خَيْبَرَ تُقَاتِلُ بِسُكَيْنَةِ فَكُلَّمَا الْتَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ فَعَاذَتْ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي وَعَدْتنَا أَنْ تُخْرِجَهُ لَنَا آخِرَ الزَّمَانِ إلَّا نَصَرْتنَا عَلَيْهِمْ فَكَانُوا إذَا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ هَزَمُوا غطفان.
فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَرُوا بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: أَدَّتْ الضَّرُورَةُ إلَّا إخْرَاجِهِ.
وَهَذَا مِمَّا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ هَارُونَ مِنْ أَضْعَفِ النَّاسِ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرِّجَالِ مَتْرُوكٌ؛ بَلْ كَذَّابٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي حَقِّهِ.
قُلْت: وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جُمْلَتِهَا وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إنَّمَا نَزَلَتْ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ وَالسِّيَرِ فِي الْيَهُودِ الْمُجَاوِرِينَ لِلْمَدِينَةِ أَوَّلًا كَبَنِي قَيْنُقَاعَ وَقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَهُمْ الَّذِينَ كَانُوا يُحَالِفُونَ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ وَهُمْ الَّذِينَ عَاهَدَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ لَمَّا نَقَضُوا الْعَهْدَ حَارَبَهُمْ
فَحَارَبَ أَوَّلًا بَنِي قَيْنُقَاعَ ثُمَّ النَّضِيرِ - وَفِيهِمْ نَزَلَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ - ثُمَّ قُرَيْظَةَ عَامَ الْخَنْدَقِ فَكَيْفَ يُقَالُ نَزَلَتْ فِي يَهُودِ خَيْبَرَ كالبيهقي؟ فَإِنَّ هَذَا مِنْ كَذَّابٍ جَاهِلٍ لَمْ يُحْسِنْ كَيْفَ يَكْذِبُ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ انْتِصَارَ الْيَهُودِ عَلَى غطفان لَمَّا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ؛ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُ هَذَا الْكَذَّابِ وَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا وَقَعَ لَكَانَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ دَوَاعِي الصَّادِقِينَ عَلَى نَقْلِهِ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ لَوْ كَانَ مِمَّا يَقْتَضِي السُّؤَالُ بِهِ وَالْإِقْسَامُ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ مِثْلَ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُ أَوَّلًا لَمْ يَثْبُتْ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ هَذَا شَرْعًا لَنَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ عَنْ سُجُودِ إخْوَةِ يُوسُفَ وَأَبَوَيْهِ وَأَخْبَرَ عَنْ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَهْلِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ وَنَحْنُ قَدْ نُهِينَا عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَلَفْظُ الْآيَةِ إنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ وَالِاسْتِفْتَاحُ طَلَبُ الْفَتْحِ وَهُوَ النَّصْرُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمَأْثُورُ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ أَيْ يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ أَيْ بِدُعَائِهِمْ كَمَا قَالَ هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ بِصَلَاتِهِمْ وَدُعَائِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ؟﴾ . وَهَذَا قَدْ يَكُونُ بِأَنْ يَطْلُبُوا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَنْصُرَهُمْ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِأَنْ يُعَجِّلَ بَعْثَ ذَلِكَ النَّبِيِّ إلَيْهِمْ لِيَنْتَصِرُوا بِهِ عَلَيْهِمْ؛ لَا لِأَنَّهُمْ أَقْسَمُوا عَلَى اللَّهِ وَسَأَلُوا بِهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الْكَافِرِينَ} فَلَوْ لَمْ تَرِدْ الْآثَارُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِ أَنْ يَحْمِلَ الْآيَةَ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِلَا دَلِيلٍ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَيْهِ فَكَيْفَ وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ بِذَلِكَ؟ . وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ الْيَهُودِ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْصَرُونَ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ شَاذٌّ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْآثَارِ الْمَعْرُوفَةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ الْيَهُودَ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهَا غَلَبَتْ الْعَرَبَ بَلْ كَانُوا مَغْلُوبِينَ مَعَهُمْ وَكَانُوا يُحَالِفُونَ الْعَرَبَ فَيُحَالِفُ كُلُّ فَرِيقٍ فَرِيقًا كَمَا كَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ وَكَانَتْ النَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْيَهُودِ كَانُوا يَنْتَصِرُونَ عَلَى الْعَرَبِ فَهَذَا لَا يُعْرَفُ بَلْ الْمَعْرُوفُ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ . فَالْيَهُودُ - مِنْ حِينِ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ - لَمْ يَكُونُوا بِمُجَرَّدِهِمْ يَنْتَصِرُونَ لَا عَلَى الْعَرَبِ وَلَا غَيْرِهِمْ وَإِنَّمَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَ حُلَفَائِهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالذِّلَّةُ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ حِينِ بُعِثَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَذَّبُوهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} وَكَانُوا قَدْ قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ .
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ كَعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَ مَوْتِهِ يُقْسِمُونَ بِذَاتِهِ؛ بَلْ إنَّمَا كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِطَاعَتِهِ أَوْ بِشَفَاعَتِهِ فَكَيْفَ يُقَالُ فِي دُعَاءِ الْمَخْلُوقِينَ الْغَائِبِينَ وَالْمَوْتَى وَسُؤَالِهِمْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ . قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ كَالْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ وَغَيْرِهِمَا فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ وَيَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ وَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْ الدَّاعِينَ وَلَا تَحْوِيلَهُ عَنْهُمْ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
وَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا وَأَنْ يُتَّخَذَ عِيدًا وَقَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ﴿: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ﴾ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَقَالَ: ﴿اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ﴾ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَقَالَ: ﴿لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: ﴿لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ.
بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ﴾ . ﴿وَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأَعْرَابِ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . وَهَذَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ.
وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِي فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ ﴿أَنَّ مُنَافِقًا كَانَ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُومُوا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ.
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ﴾ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي آخِرِهِ أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ {إنَّ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ} . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - وَلَهُ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ عَنْ غَيْرِهِمَا - أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا تُشَدُّ الرَّحَّالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ أَرَادَ الْقَبْرَ فَلَا يَأْتِهِ وَإِنْ أَرَادَ الْمَسْجِدَ فَلْيَأْتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ ﴿لَا تُشَدُّ الرَّحَّالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ﴾ ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ فِي مَبْسُوطِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ حَالِفٌ بِحَقِّ الْمَخْلُوقِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَا فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَلِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَقٌّ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ أَحَدٌ لَا الْأَنْبِيَاءُ وَلَا غَيْرُهُمْ وَلِلْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ حَقٌّ وَلِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ حَقٌّ.
فَحَقُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَعْبُدُوهُ لَا يُشْرِكُوا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَمِنْ عِبَادَتِهِ تَعَالَى أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ وَيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَيَرْغَبُوا إلَيْهِ وَلَا يَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا: لَا فِي مَحَبَّتِهِ وَلَا خَشْيَتِهِ وَلَا دُعَائِهِ وَلَا الِاسْتِعَانَةِ بِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو نِدًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ دَخَلَ النَّارَ﴾ ﴿وَسُئِلَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك﴾ . ﴿وَقِيلَ لَهُ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت فَقَالَ: أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ الَّتِي هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلَّا اللَّهَ﴾ . وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُخَوِّفُونَ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ﴿عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا ذَاكَ الشِّرْكُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ } . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ .
فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ.
وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ فَلَا يَخْشَى إلَّا اللَّهَ وَلَا يَتَّقِي إلَّا اللَّهَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ . فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الْإِيتَاءَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ مَعَ جَعْلِهِ الْفَضْلَ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَالرَّغْبَةَ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ.
وَهُوَ تَعَالَى وَحْدَهُ حَسْبُهُمْ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَ: قَالَهَا إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ حِينَ ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ حَسْبُك وَحَسْبُ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا بُسِطَ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُمْ الْوَسَائِطُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
فَعَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَنُطِيعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَنُرْضِيَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّنْ سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ . فَالْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَالرَّسُولِ وَالتَّعْزِيرُ وَالتَّوْقِيرُ لِلرَّسُولِ وَتَعْزِيرُهُ نَصْرُهُ وَمَنْعُهُ وَالتَّسْبِيحُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا لِلَّهِ وَحْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَالْعِبَادَةُ هِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ: فَلَا يُصَلَّى إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُصَامُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُحَجُّ إلَّا إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَا تُشَدُّ الرَّحَّالُ إلَّا إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ بَنَاهَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَا يُنْذَرُ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُحْلَفُ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا يُدْعَى إلَّا اللَّهُ وَلَا يُسْتَغَاثُ إلَّا بِاَللَّهِ.
وَأَمَّا مَا خَلَقَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَطَرِ وَالسَّحَابِ وَسَائِرِ
الْمَخْلُوقَاتِ فَلَمْ يَجْعَلْ غَيْرَهُ مِنْ الْعِبَادِ وَاسِطَةً فِي ذَلِكَ الْخَلْقِ كَمَا جَعَلَ الرُّسُلَ وَاسِطَةً فِي التَّبْلِيغِ بَلْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ شَيْءٌ يَسْتَقِلُّ بِإِبْدَاعِ شَيْءٍ بَلْ لَا بُدَّ لِلسَّبَبِ مِنْ أَسْبَابٍ أُخَرَ تُعَاوِنُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ الْمُعَارِضِ عَنْهُ وَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ فَإِنَّ الرَّسُولَ وَحْدَهُ كَانَ وَاسِطَةً فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ إلَى عِبَادِهِ.
وَأَمَّا جَعْلُ الْهُدَى فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَهُوَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إلَى الرَّسُولِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ . وَكَذَلِكَ دُعَاءُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاسْتِغْفَارُهُمْ وَشَفَاعَتُهُمْ هُوَ سَبَبٌ يَنْفَعُ إذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى: الْمَحَلَّ قَابِلًا لَهُ وَإِلَّا فَلَوْ اسْتَغْفَرَ النَّبِيُّ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لَمْ يَغْفِرْ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ . وَأَمَّا الرُّسُلُ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ هُمْ الْوَسَائِطُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَخَبَرِهِ فَعَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُمْ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرُوا بِهِ وَنُطِيعَهُمْ فِيمَا أَوْجَبُوا وَأَمَرُوا وَعَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَ بِجَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَمَنْ سَبَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا مُبَاحَ الدَّمِ.
وَإِذَا تَكَلَّمْنَا فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ التَّوْحِيدِ بَيَّنَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ مَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ خَصَائِصَ: فَلَا يُشْرَكُ بِهِمْ وَلَا يُتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُسْتَغَاثُ بِهِمْ كَمَا يُسْتَغَاثُ بِاَللَّهِ وَلَا يُقْسَمُ
عَلَى اللَّهِ بِهِمْ وَلَا يُتَوَسَّلُ بِذَوَاتِهِمْ وَإِنَّمَا يُتَوَسَّلُ بِالْإِيمَانِ بِهِمْ وَبِمَحَبَّتِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ وَتَعْزِيرِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُمْ وَطَاعَتِهِمْ فِيمَا أَمَرُوا وَتَصْدِيقِهِمْ فِيمَا أَخْبَرُوا وَتَحْلِيلِ مَا حَلَّلُوهُ وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوهُ.
وَالتَّوَسُّلُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ وَإِعْطَاءِ السُّؤَالِ كَحَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَوَوْا إلَى الْغَارِ فَإِنَّهُمْ تَوَسَّلُوا بِأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ لِيُجِيبَ دُعَاءَهُمْ وَيُفَرِّجَ كَرْبَتَهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: التَّوَسُّلُ بِذَلِكَ إلَى حُصُولِ ثَوَابِ اللَّهِ وَجَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ الْوَسِيلَةُ التَّامَّةُ إلَى سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِثْلُ هَذَا كَقَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا ذِكْرَ الْإِيمَانِ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَكَذَلِكَ التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَفَاعَتِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ وَالشَّفَاعَةَ فَيَدْعُو وَيَشْفَعُ كَمَا كَانَ يَطْلُبُ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ وَكَمَا يَطْلُبُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَأْتُونَ آدَمَ وَنُوحًا ثُمَّ الْخَلِيلَ ثُمَّ
مُوسَى الْكَلِيمَ ثُمَّ عِيسَى ثُمَّ يَأْتُونَ مُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ فَيَطْلُبُونَ مِنْهُ الشَّفَاعَةَ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ التَّوَسُّلُ مَعَ ذَلِكَ بِأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِشَفَاعَتِهِ وَدُعَائِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْأَعْمَى الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ وَذِكْرُهُ فَإِنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ وَالشَّفَاعَةَ فَدَعَا لَهُ الرَّسُولُ وَشَفَعَ فِيهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيَقُولَ ﴿اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك وَأَتَوَجَّهُ إلَيْك بِهِ اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ﴾ فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى قَبُولَ شَفَاعَتِهِ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَتَوَسَّلُ بِدُعَاءِ الرَّسُولِ وَشَفَاعَةِ الرَّسُولِ - وَالرَّسُولُ لَمْ يَدْعُ لَهُ وَلَمْ يَشْفَعْ فِيهِ - فَهَذَا تَوَسُّلٌ بِمَا لَمْ يُوجَدْ وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ مَنْ دَعَا لَهُ وَشَفَعَ فِيهِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقْتَ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ عُمَرَ وَالْمُسْلِمِينَ تَوَسَّلُوا بِدُعَاءِ الْعَبَّاسِ وَسَأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى مَعَ دُعَاءِ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُمْ اسْتَشْفَعُوا جَمِيعًا وَلَمْ يَكُنْ الْعَبَّاسُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي دَعَا لَهُمْ فَصَارَ التَّوَسُّلُ بِطَاعَتِهِ وَالتَّوَسُّلُ بِشَفَاعَتِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَكُونُ مَعَ دُعَاءِ الْمُتَوَسِّلِ وَسُؤَالِهِ وَلَا يَكُونُ بِدُونِ ذَلِكَ.
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ كُلُّهَا مَشْرُوعَةٌ لَا يُنَازِعُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.
وَدِينُ الْإِسْلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ وَهُمَا: تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ: وَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ لَا تَجْعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَلَا تُحِبُّ مَخْلُوقًا كَمَا تُحِبُّ اللَّهَ وَلَا تَرْجُوهُ كَمَا تَرْجُو اللَّهَ وَلَا تَخْشَاهُ كَمَا تَخْشَى اللَّهَ وَمَنْ سَوَّى
بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِاَللَّهِ وَهُوَ مِنْ الَّذِينَ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ وَقَدْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ.
فَإِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ مُشْرِكِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قَالَ تَعَالَى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَصَارُوا مُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ أَحَبُّوهُمْ كَحُبِّهِ لَا أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ آلِهَتَهُمْ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ . وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ بِمَعْنَى النَّفْيِ أَيْ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَإِنَّهُمْ مُقِرُّونَ أَنَّ آلِهَتَهُمْ لَمْ يَخْلُقُوا كَخَلْقِهِ.
وَإِنَّمَا كَانُوا يَجْعَلُونَهُمْ شُفَعَاءَ وَوَسَائِطَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وَقَالَ صَاحِبُ يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّي إذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ . (الْأَصْلُ الثَّانِي أَنْ نَعْبُدَهُ بِمَا شَرَعَ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ لَا نَعْبُدُهُ إلَّا بِوَاجِبِ أَوْ مُسْتَحَبٍّ وَالْمُبَاحُ إذَا قُصِدَ بِهِ الطَّاعَةُ دَخَلَ فِي ذَلِكَ.
وَالدُّعَاءُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ فَمَنْ دَعَا الْمَخْلُوقِينَ مِنْ الْمَوْتَى وَالْغَائِبِينَ وَاسْتَغَاثَ بِهِمْ - مَعَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ أَمْرَ إيجَابٍ وَلَا اسْتِحْبَابٍ - كَانَ مُبْتَدِعًا فِي الدِّينِ مُشْرِكًا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ مُتَّبِعًا غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْمَخْلُوقِينَ أَوْ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِالْمَخْلُوقِينَ كَانَ مُبْتَدِعًا بِدْعَةً مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَإِنْ ذَمَّ مَنْ خَالَفَهُ وَسَعَى فِي عُقُوبَتِهِ كَانَ ظَالِمًا جَاهِلًا مُعْتَدِيًا.
وَإِنْ حَكَمَ بِذَلِكَ فَقَدْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَكَانَ حُكْمُهُ مَنْقُوضًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ إلَى أَنْ يُسْتَتَابَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ وَيُعَاقَبَ عَلَيْهِ أَحْوَجَ مِنْهُ إلَى أَنْ يُنَفَّذَ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ وَيُعَانَ عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ لَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فِي مُجَلَّدَاتٍ مِنْ جُمْلَتِهَا مُصَنَّفٌ ذَكَرْنَا فِيهِ قَوَاعِدَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الْحُكَّامِ وَمَا يَجُوزُ لَهُمْ الْحُكْمُ فِيهِ وَمَا لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ مُؤَلَّفٌ مُفْرَدٌ يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ هَذَا الْبَابِ لَا يَحْسُنُ إيرَادُ شَيْءٍ مِنْ فُصُولِهِ هَاهُنَا؛ لِإِفْرَادِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى قَوَاعِدِ التَّوْحِيدِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ وَسَيَأْتِي إيرَادُ مَا اُخْتُصِرَ مِنْهُ وَحُرِّرَتْ فُصُولُهُ فِي ضِمْنِ أَوْرَاقٍ مُفْرَدَةٍ يَقِفُ عَلَيْهَا الْمُتَأَمِّلُ لِمَزِيدِ الْفَائِدَةِ وَمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْأَمْرِ الْمُهِمِّ.
وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَكُنْت وَأَنَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي سَنَةِ إحْدَى عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ قَدْ اُسْتُفْتِيت عَنْ
التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبْت فِي ذَلِكَ جَوَابًا مَبْسُوطًا وَقَدْ أَحْبَبْت إيرَادَهُ هُنَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَزِيدِ الْفَائِدَةِ فَإِنَّ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ - الْمُتَعَلِّقَةَ بِتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ وَحَسْمِ مَادَّةِ الشِّرْكِ وَالْغُلُوِّ - كُلَّمَا تَنَوَّعَ بَيَانُهَا وَوَضَحَتْ عِبَارَاتُهَا كَانَ ذَلِكَ نُورًا عَلَى نُورٍ.
وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَصُورَةُ السُّؤَالِ:
الْمَسْئُولُ مِنْ السَّادَةِ الْعُلَمَاءِ أَئِمَّةِ الدِّينِ أَنْ يُبَيِّنُوا مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الِاسْتِشْفَاعِ وَالتَّوَسُّلِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَصُورَةُ الْجَوَابِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْفَعُ لِلْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ النَّاسُ ذَلِكَ وَبَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ.
ثُمَّ إنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَاسْتَفَاضَتْ بِهِ السُّنَنُ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ وَيَشْفَعُ أَيْضًا لِعُمُومِ الْخُلُقِ.
فَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَفَاعَاتٌ يَخْتَصُّ بِهَا لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا أَحَدٌ وَشَفَاعَاتٌ يَشْرَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لَكِنْ مَا لَهُ فِيهَا أَفْضَلُ مِمَّا لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَهُ مِنْ الْفَضَائِلِ الَّتِي مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ مَا يَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ بَسْطِهِ وَمِنْ ذَلِكَ " الْمَقَامُ
الْمَحْمُودُ " الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون وَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ كَثِيرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ وَفِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ مِمَّا يَكْثُرُ عَدَدُهُ.
وَأَمَّا الوعيدية مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فَزَعَمُوا أَنَّ الشَّفَاعَةَ إنَّمَا هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً فِي رَفْعِ بَعْضِ الدَّرَجَاتِ وَبَعْضُهُمْ أَنْكَرَ الشَّفَاعَةَ مُطْلَقًا.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ وَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بِحَضْرَتِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ " اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا أَجْدَبْنَا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا " فَيُسْقَوْنَ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: رُبَّمَا ذَكَرْت قَوْلَ الشَّاعِرِ - وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ - وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَالتَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي سَائِرِ أَحَادِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الِاسْتِشْفَاعِ بِهِ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ وَالشَّفَاعَةَ وَيَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَ دُعَاءَهُ وَشَفَاعَتَهُ وَنَحْنُ نُقَدِّمُهُ بَيْنَ أَيْدِينَا شَافِعًا وَسَائِلًا لَنَا بِأَبِي وَأُمِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - لَمَّا أَجْدَبَ النَّاسُ بِالشَّامِ - اسْتَسْقَى بيزيد بْنِ الْأَسْوَدِ الجرشي فَقَالَ: " اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَشْفِعُ - وَنَتَوَسَّلُ - بِخِيَارِنَا.
يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيْك " فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا النَّاسَ حَتَّى سُقُوا.
وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَسْتَحِبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِأَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَإِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ أَحْسَنُ.
وَهَذَا الِاسْتِشْفَاعُ وَالتَّوَسُّلُ حَقِيقَتُهُ التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو لِلْمُتَوَسِّلِ بِهِ الْمُسْتَشْفِعِ بِهِ وَالنَّاسُ يَدْعُونَ مَعَهُ كَمَا ﴿أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَجْدَبُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا.
فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزَعَةٌ؛ فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ مِنْ جِهَةِ الْبَحْرِ فَمُطِرُوا أُسْبُوعًا لَا يَرَوْنَ فِيهِ الشَّمْسَ؛ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ الْأَعْرَابِيُّ - أَوْ غَيْرُهُ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْقَطَعَتْ السُّبُلُ وَتَهَدَّمَ الْبُنْيَانُ فَادْعُ اللَّهَ يَكْشِفْهَا عَنَّا.
فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ فَانْجَابَتْ عَنْ الْمَدِينَةِ كَمَا يَنْجَابُ الثَّوْبُ﴾ . وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ ﴿أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إنَّا نَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ وَنَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك.
فَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ وَيْحَك أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟ إنَّ اللَّهَ لَا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ﴾ . وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِشْفَاعِ بِالشَّخْصِ - فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ - هُوَ اسْتِشْفَاعٌ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ لَيْسَ هُوَ السُّؤَالُ بِذَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا
السُّؤَالُ بِذَاتِهِ لَكَانَ سُؤَالُ الْخَلْقِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى مِنْ سُؤَالِ اللَّهِ بِالْخَلْقِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ هُوَ الْأَوَّلُ أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ: " نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْك " وَلَمْ يُنْكِرْ قَوْلَهُ نَسْتَشْفِعُ بِك عَلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَسْأَلُ الْمَشْفُوعَ إلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَةَ الطَّالِبِ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَسْأَلُ أَحَدًا مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَقْضِيَ حَوَائِجَ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ ذَكَرَ اسْتِشْفَاعَهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: - شَفِيعِي إلَيْك اللَّهُ لَا رَبَّ غَيْرَهُ وَلَيْسَ إلَى رَدِّ الشَّفِيعِ سَبِيلُ فَهَذَا كَلَامٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ عَالِمٌ.
وَكَذَلِكَ بَعْضُ الِاتِّحَادِيَّةِ ذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَشْفَعَ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِلَاهُمَا خَطَأٌ وَضَلَالٌ؛ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ الْمَسْئُولُ الْمَدْعُوُّ الَّذِي يَسْأَلُهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ وَلَكِنْ هُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُ عِبَادَهُ فَيُطِيعُونَهُ وَكُلُّ مَنْ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ فَإِنَّمَا وَجَبَتْ لِأَنَّ ذَلِكَ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَالرُّسُلُ يُبَلِّغُونَ عَنْ اللَّهِ أَمْرَهُ؛ فَمَنْ أَطَاعَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ بَايَعَهُمْ فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ . وَأُولُو الْأَمْرِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْإِمَارَةِ إنَّمَا تَجِبُ طَاعَتُهُمْ إذَا أَمَرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ﴿عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرَهِهِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ﴾ .
وَأَمَّا الشَّافِعُ فَسَائِلٌ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ بَرِيرَةَ أَنْ تُمْسِكَ زَوْجَهَا وَلَا تُفَارِقَهُ لَمَّا أُعْتِقَتْ وَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ وَكَانَ زَوْجُهَا يُحِبُّهَا فَجَعَلَ يَبْكِي فَسَأَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُمْسِكَهُ فَقَالَتْ أَتَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ لَا إنَّمَا أَنَا شَافِعٌ﴾ . وَإِنَّمَا قَالَتْ " أَتَأْمُرُنِي؟ " وَقَالَ: " إنَّمَا أَنَا شَافِعٌ " لِمَا اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ طَاعَةَ أَمْرِهِ وَاجِبَةٌ بِخِلَافِ شَفَاعَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُ شَفَاعَتِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَلُمْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَرْكِ قَبُولِ شَفَاعَتِهِ فَشَفَاعَةُ غَيْرِهِ مِنْ الْخَلْقِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ قَبُولُهَا.
وَالْخَالِقُ جَلَّ جَلَالُهُ أَمْرُهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَافِعًا إلَى مَخْلُوقٍ بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَى شَأْنًا مِنْ أَنْ يَشْفَعَ أَحَدٌ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ . وَدَلَّ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْتَشْفَعُ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: أَيْ يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ الشَّفَاعَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَيَطْلُبُ مِنْهُ الْخَلْقُ الشَّفَاعَةَ فِي أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَفِي أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَيَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا وَيَشْفَعُ فِي بَعْضِ مَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا.
وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ جَمَاهِيرِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوَابِ.
وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنْكَرُوا شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَقَالُوا: لَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عِنْدَهُمْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلُوهَا لَا بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا وَمَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَحَدٌ؛ بَلْ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ لَكِنَّ هَذَا الِاسْتِسْقَاءَ وَالِاسْتِشْفَاعَ وَالتَّوَسُّلَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ كَانَ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ فَيَدْعُو لَهُمْ فَكَانَ تَوَسُّلُهُمْ بِدُعَائِهِ وَالِاسْتِشْفَاعُ بِهِ طَلَبَ شَفَاعَتِهِ وَالشَّفَاعَةُ دُعَاءٌ.
فَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِذَاتِهِ فِي حُضُورِهِ أَوْ مَغِيبِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ - مِثْلَ الْإِقْسَامِ بِذَاتِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ السُّؤَالِ بِنَفْسِ ذَوَاتِهِمْ بِدُعَائِهِمْ - فَلَيْسَ هَذَا مَشْهُورًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَلْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَنْ بِحَضْرَتِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ لَمَّا أَجْدَبُوا اسْتَسْقَوْا وَتَوَسَّلُوا وَاسْتَشْفَعُوا بِمَنْ كَانَ حَيًّا كَالْعَبَّاسِ وكيزيد بْنِ الْأَسْوَدِ وَلَمْ يَتَوَسَّلُوا وَلَمْ يَسْتَشْفِعُوا وَلَمْ يَسْتَسْقُوا فِي هَذِهِ الْحَالِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا غَيْرِ قَبْرِهِ بَلْ عَدَلُوا إلَى الْبَدَلِ كَالْعَبَّاسِ
وكيزيد بَلْ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي دُعَائِهِمْ وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا.
فَجَعَلُوا هَذَا بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ لَمَّا تَعَذَّرَ أَنْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَقَدْ كَانَ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَأْتُوا إلَى قَبْرِهِ فَيَتَوَسَّلُوا بِهِ وَيَقُولُوا فِي دُعَائِهِمْ فِي الصَّحْرَاءِ بِالْجَاهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْقَسَمَ بِمَخْلُوقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ السُّؤَالِ بِهِ؛ فَيَقُولُونَ: نَسْأَلُك أَوْ نُقْسِمُ عَلَيْك بِنَبِيِّك أَوْ بِجَاهِ نَبِيِّك وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ.
وَرَوَى بَعْضُ الْجُهَّالِ ﴿عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ؛﴾ وَهَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْحَدِيثِ وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ جَاهَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ جَاهِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَقَدْ أَخْبَرَنَا سُبْحَانَهُ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُمَا وَجِيهَان عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ . فَإِذَا كَانَ مُوسَى وَعِيسَى وَجِيهَيْنِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَكَيْفَ بِسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ صَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ والآخرون؛ وَصَاحِبِ الْكَوْثَرِ
وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ الَّذِي آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ وَمَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا؟ . وَهُوَ صَاحِبُ الشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا آدَمَ وَأُولُو الْعَزْمِ - نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وَيَتَقَدَّمُ هُوَ إلَيْهَا وَهُوَ صَاحِبُ اللِّوَاءِ آدَمَ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ إمَامُ الْأَنْبِيَاءِ إذَا اجْتَمَعُوا وَخَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا ذُو الْجَاهِ الْعَظِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ.
وَلَكِنَّ جَاهَ الْمَخْلُوقِ عِنْدَ الْخَالِقِ تَعَالَى لَيْسَ كَجَاهِ الْمَخْلُوقِ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ: ﴿إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ . وَالْمَخْلُوقُ يَشْفَعُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ شَرِيكٌ لَهُ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .