ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَقِيَّةُ السَّلَفِ الْكِرَامِ الْعَلَّامَةُ الرَّبَّانِيُّ وَالْحُجَّةُ النُّورَانِيُّ أَوْحَدُ عَصْرِهِ وَفَرِيدُ دَهْرِهِ حِلْيَةُ الطَّالِبِينَ وَنُخْبَةُ الرَّاسِخِينَ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة الْحَرَّانِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَثَابَهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ - فَقِيلَ: يَا أَيُّهَا الْحَبْرُ الَّذِي عِلْمُهُ ... وَفَضْلُهُ فِي النَّاسِ مَذْكُورُ كَيْفَ اخْتِيَارُ الْعَبْدِ أَفْعَالَهُ ... وَالْعَبْدُ فِي الْأَفْعَالِ مَجْبُورُ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا أَنَّهُ ... عَلَى الْإِرَادَاتِ لَمَقْسُورُ وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلَ أَفْعَالِهِ ... حَقِيقَةً وَالْحُكْمُ مَشْهُورُ وَمِنْ هُنَا لَمْ يَكُنْ لِلْفِعْلِ فِي ... مَا يَلْحَقُ الْفَاعِلَ تَأْثِيرُ وَمَا تَشَاءُونَ دَلِيلٌ لَهُ ... فِي صِحَّةِ الْمَحْكِيِّ تَقْرِيرُ وَكُلُّ شَيْءٍ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْت لَمْ ... يَكُ لِلْخَالِقِ تَقْدِيرُ أَوْ كَانَ فَاللَّازِمُ مِنْ كَوْنِهِ ... حُدُوثَهُ وَالْقَوْلُ مَهْجُورُ وَلَا يُقَالُ عِلْمُ اللَّهِ مَا يُخْتَارُ ... فَالْمُخْتَارُ مَسْطُورُ
وَالْجَبْرُ - إنْ صَحَّ - يَكُنْ مُكْرَهًا ... وَعِنْدَكَ الْمُكْرَهُ مَعْذُورُ
نِعْمَ ذَلِكَ الْجَبْرُ كُنْتَ امْرَاءاً ... لَهُ إلَى نَحْوِكَ تَشْمِيرُ
أَسْقَمَنِي الشَّوْقُ وَلَكِنَّنِي ... تُقْعِدُنِي عَنْكَ الْمَقَادِيرُ
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَصْلُ " هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ": أَنْ يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَكَانَ عَلَيْهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ: وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةُ بِأَنْفُسِهَا وَصِفَاتِهَا الْقَائِمَةِ بِهَا مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ.
وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ فَلَا يَكُونُ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ إلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ شَاءَهُ؛ بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَشَاءُ شَيْئًا إلَّا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ.
وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَغَيْرُهَا وَقَدْ قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ: قَدَّرَ آجَالَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ وَكَتَبَ ذَلِكَ وَكَتَبَ مَا يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِنْ سَعَادَةٍ وَشَقَاوَةٍ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِخَلْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ
وَقُدْرَتِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَمَشِيئَتِهِ لِكُلِّ مَا كَانَ وَعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ وَتَقْدِيرِهِ لَهَا وَكِتَابَتِهِ إيَّاهَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ.
وَغُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ يُنْكِرُونَ عِلْمَهُ الْمُتَقَدِّمَ وَكِتَابَتَهُ السَّابِقَةَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ بَلْ الْأَمْرُ أُنُفٌ: أَيْ مُسْتَأْنَفٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُ مَا حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَبَعْدَ إمَارَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَبَيْنَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ ظَهَرَ عَنْهُ ذَلِكَ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدَ الجهني فَلَمَّا بَلَغَ الصَّحَابَةَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ تَبَرَّءُوا مِنْهُمْ وَأَنْكَرُوا مَقَالَتَهُمْ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهُمْ -: إذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي وَكَذَلِكَ كَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ كَثِيرٌ حَتَّى قَالَ فِيهِمْ الْأَئِمَّةُ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ: إنَّ الْمُنْكِرِينَ لِعِلْمِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمِ يَكْفُرُونَ.
ثُمَّ كَثُرَ خَوْضُ النَّاسِ فِي الْقَدَرِ فَصَارَ جُمْهُورُهُمْ يُقِرُّ بِالْعِلْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْكِتَابِ السَّابِقِ لَكِنْ يُنْكِرُونَ عُمُومَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَعُمُومَ خَلْقِهِ وَقُدْرَتِهِ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِمَشِيئَتِهِ إلَّا أَمْرُهُ فَمَا شَاءَهُ فَقَدْ أَمَرَ بِهِ وَمَا لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فَلَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ قَدْ يَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ وَأَنْكَرُوا
أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى خَالِقًا لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ أَوْ قَادِرًا عَلَيْهَا.
أَوْ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ عِبَادِهِ مِنْ النِّعَمِ بِمَا يَقْتَضِي إيمَانَهُمْ بِهِ وَطَاعَتَهُمْ لَهُ.
وَزَعَمُوا أَنَّ نِعْمَتَهُ - الَّتِي يُمْكِنُ بِهَا الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ - عَلَى الْكُفَّارِ كَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ مِثْلَ نِعْمَتِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَفَعَ لِأَوْلَادِهِ مَالًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ لَكِنْ هَؤُلَاءِ أَحْدَثُوا أَعْمَالَهُمْ الصَّالِحَةَ وَهَؤُلَاءِ أَحْدَثُوا أَعْمَالَهُمْ الْفَاسِدَةَ مِنْ غَيْرِ نِعْمَةٍ خَصَّ اللَّهُ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ . وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَقُولَ فِي صَلَاتِنَا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ . وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ وَقَالَ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ . وَقَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ وَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ﴾ وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسَلَفُ الْأُمَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لِهَذِهِ
الْأُصُولِ كَثِيرَةٌ: مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الْكَثِيرَةِ عَلَى ذَلِكَ.
فَصْلٌ:
وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مُتَّفِقُونَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْعِبَادَ مَأْمُورُونَ بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ مَنْهِيُّونَ عَمَّا نَهَاهُمْ اللَّهُ عَنْهُ وَمُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمُتَّفِقُونَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِأَحَدِ عَلَى اللَّهِ فِي وَاجِبٍ تَرَكَهُ وَلَا مُحَرَّمٍ فَعَلَهُ بَلْ لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى عِبَادِهِ وَمَنْ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ أَوْ دَفْعِ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَهُوَ أَعْظَمُ ضَلَالًا وَافْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَمُخَالَفَةً لِدِينِ اللَّهِ مِنْ أُولَئِكَ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّ أُولَئِكَ مُشَبَّهُونَ بِالْمَجُوسِ وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ وَقَدْ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ طَعَنُوا فِي صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ النَّافِيَةَ يُشْبِهُونَ الْمَجُوسَ فِي كَوْنِهِمْ أَثْبَتُوا غَيْرَ اللَّهِ يُحْدِثُ أَشْيَاءَ مِنْ الشَّرِّ بِدُونِ مَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ.
وَأَمَّا الْمُحْتَجُّونَ عَلَى الْقَدَرِ بِإِسْقَاطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَهَؤُلَاءِ يُشْبِهُونَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إنْ أَنْتُمْ إلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ﴾ فَهَؤُلَاءِ الْمُحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ عَلَى سُقُوطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ وَهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمَجُوسِ وَهَؤُلَاءِ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ آدَمَ احْتَجَّ عَلَى مُوسَى بِالْقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ وَأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِخَاصَّةِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُشَاهِدِينَ لِلْقَدَرِ وَهَذَا ضَلَالٌ عَظِيمٌ؛ فَإِنَّ مُوسَى إنَّمَا لَامَ آدَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَحِقَتْ الذُّرِّيَّةَ بِسَبَبِ أَكْلِهِ مِنْ الشَّجَرَةِ فَقَالَ: ﴿لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنْ الْجَنَّةِ﴾ ؟ وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ عِنْدَ الْمَصَائِبِ أَنْ يَرْجِعَ لِلْقَدَرِ فَإِنَّ سَعَادَةَ الْعَبْدِ أَنْ يَفْعَلَ الْمَأْمُورَ وَيَتْرُكَ الْمَحْظُورَ وَيُسَلِّمَ لِلْمَقْدُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ.
فَالسَّعِيدُ يَسْتَغْفِرُ مِنْ المعائب وَيَصْبِرُ عَلَى الْمَصَائِبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وَالشَّقِيُّ يَجْزَعُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ وَيَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ عَلَى المعائب؛ وَإِلَّا فَآدَمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَابَ مِنْ الذَّنْبِ وَقَدْ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ وَهَدَاهُ وَمُوسَى أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يَلُومَ أَحَدًا عَلَى ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ فَضْلًا عَنْ آدَمَ وَهُوَ أَيْضًا قَدْ تَابَ مِمَّا فَعَلَ حَيْثُ قَالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ وَقَالَ: ﴿إنَّا هُدْنَا إلَيْكَ﴾ وَقَالَ: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ وَمُوسَى وَآدَمُ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ يَظُنَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَنَّ الْقَدَرَ عُذْرٌ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ وَقَدْ عَلِمَا مَا حَلَّ بإبليس وَغَيْرِ إبْلِيسَ وَآدَمُ نَفْسُهُ قَدْ أُخْرِجَ مِنْ الْجَنَّةِ وَطَفِقَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَقَدْ عَاقَبَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْأُمَمِ وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ عُقُوبَةَ الْمُعْتَدِينَ وَأَعَدَّ جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ الْقَدَرُ عُذْرًا لِلذَّنْبِ.
وَهَؤُلَاءِ لَا يَحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ إلَّا إذَا كَانُوا مُتَّبِعِينَ لِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا يَطْرُدُونَ حُجَّتَهُمْ فَإِنَّ الْقَدَرَ لَوْ كَانَ عُذْرًا لِلْخَلْقِ لَلَزِمَ أَنْ لَا يُلَامَ أَحَدٌ وَلَا يُذَمَّ وَلَا يُعَاقَبَ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُقْتَصَّ مِنْ ظَالِمٍ أَصْلًا بَلْ يُمْكِنُ النَّاسُ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يَشْتَهُونَ مُطْلَقًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ أَحَدٍ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُوَ مُوجِبٌ الْفَسَادَ الْعَامَّ وَصَاحِبُ
هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا ظَالِمًا مُتَنَاقِضًا فَإِذَا آذَاهُ غَيْرُهُ أَوْ ظَلَمَهُ طَلَبَ مُعَاقَبَتَهُ وَجَزَاهُ وَلَمْ يَعْذُرْهُ بِالْقَدَرِ وَإِذَا كَانَ هُوَ الظَّالِمَ احْتَجَّ لِنَفْسِهِ بِالْقَدَرِ فَلَا يَحْتَجُّ أَحَدٌ بِالْقَدَرِ إلَّا لِاتِّبَاعِ هَوَاهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا يَكُونُ إلَّا مُبْطِلًا لَا حَقَّ مَعَهُ كَمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ.
فقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إنْ تَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَخْرُصُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ .
وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ إذَا عَادَاهُمْ أَحَدٌ قَابَلُوهُ وَقَاتَلُوهُ وَعَاقَبُوهُ وَلَمْ يَقْبَلُوا حُجَّتَهُ إذَا قَالَ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَادَيْتُكُمْ بَلْ هُمْ دَائِمًا يَعِيبُونَ مَنْ ظَلَمَ وَاعْتَدَى وَلَا يَقْبَلُونَ احْتِجَاجَهُ بِالْقَدَرِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أَخَذُوا يُدَافِعُونَ ذَلِكَ بِالْقَدَرِ فَصَارُوا يَحْتَجُّونَ عَلَى دَفْعِ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ بِمَا لَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي دَفْعِ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ بَلْ وَلَا يُجَوِّزُ أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ فِي دَفْعِ حَقِّهِ فَعَارَضُوا رَبَّهُمْ وَرُسُلَ رَبِّهِمْ بِمَا لَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يُعَارَضَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَلَا رُسُلُ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَكَانَ أَمْرُ الْمَخْلُوقِ وَنَهْيُهُ وَحَقُّهُ أَعْظَمَ عَلَى قَوْلِهِمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ وَحَقِّهِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ وَنَهْيُهُ وَحَقُّهُ عَلَى عِبَادِهِ أَخَفَّ حُرْمَةً عِنْدَهُمْ مِنْ أَمْرِ الْمَخْلُوقِ وَنَهْيِهِ وَحَقِّهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ {مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّهُ
عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّهُمْ عَلَيْهِ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ} . فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَهْلًا وَعَدَاوَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَاحْتَجُّوا عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ بِمَا لَا يُجَوِّزُونَ لَا هُمْ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّ مَخْلُوقٍ وَلَا أَمْرِهِ وَلَا نَهْيِهِ.
وَهَذَا كَمَا جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ وَبَنَاتٍ وَهُمْ لَا يَرْضَى أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكُهُ شَرِيكَهُ وَلَا يَرْضَى الْبَنَاتَ لِنَفْسِهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ كَخِيفَةِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.
وقَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ فَالْمُكَذِّبُونَ لِلرُّسُلِ دَائِمًا حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ فَهُمْ فِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ فَحُجَّةُ الْمُشْرِكِينَ فِي شِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ وَجَعْلِهِمْ لَهُ وَلَدًا وَفِي دَفْعِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ بِالْقَدَرِ دَاحِضَةٌ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ وَمَا يُنَاسِبُهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبَيِّنٌ أَنَّ قَوْلَ الْفَلَاسِفَةِ - الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ مُوجَبٍ بِالذَّاتِ مُتَوَلَّدٌ عَنْ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ الْعُلْوِيَّةَ وَيَصْنَعُونَ لَهَا التَّمَاثِيلَ السُّفْلِيَّةَ: كَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعِهِ - أَعْظَمُ كُفْرًا وَضَلَالًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَكِنْ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَأَشْرَكُوا بِهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا.
وَكَذَلِكَ المباحية الَّذِينَ يُسْقِطُونَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مُطْلَقًا وَيَحْتَجُّونَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مَعَ كُفْرِهِمْ يُقِرُّونَ بِنَوْعِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَلَكِنْ كَانَ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ بِخِلَافِ المباحية الْمُسْقِطَةِ لِلشَّرَائِعِ مُطْلَقًا فَإِنَّمَا يَرْضَوْنَ بِمَا تَهْوَاهُ أَنْفُسُهُمْ وَيَغْضَبُونَ لِمَا تَهْوَاهُ أَنْفُسُهُمْ لَا يَرْضُونَ لِلَّهِ وَلَا يَغْضَبُونَ لِلَّهِ وَلَا يُحِبُّونَ لِلَّهِ وَلَا يَغْضَبُونَ لِلَّهِ وَلَا يَأْمُرُونَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَلَا
يَنْهَوْنَ عَمَّا نَهَى عَنْهُ؛ إلَّا إذَا كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ هَوًى فَيَفْعَلُونَهُ لِأَجْلِ هَوَاهُمْ لَا عِبَادَةً لِمَوْلَاهُمْ؛ وَلِهَذَا لَا يُنْكِرُونَ مَا وَقَعَ فِي الْوُجُودِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ إلَّا إذَا خَالَفَ أَغْرَاضَهُمْ فَيُنْكِرُونَهُ إنْكَارًا طَبِيعِيًّا شَيْطَانِيًّا لَا إنْكَارًا شَرْعِيًّا رَحْمَانِيًّا؛ وَلِهَذَا تَقْتَرِنُ بِهِمْ الشَّيَاطِينُ إخْوَانُهُمْ فَيَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يَقْصُرُونَ وَقَدْ تَتَمَثَّلُ لَهُمْ الشَّيَاطِينُ وَتُخَاطِبُهُمْ وَتُعِينُهُمْ عَلَى بَعْضِ أَهْوَائِهِمْ كَمَا كَانَتْ الشَّيَاطِينُ تَفْعَلُ بِالْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ.
وَهَؤُلَاءِ يَكْثُرُونَ فِي الطَّوَائِفِ الْخَارِجِينَ عَمَّا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّذِينَ يَسْلُكُونَ طُرُقًا فِي الْعِبَادَاتِ وَالِاعْتِقَادَاتِ مُبْتَدَعَةً فِي الدِّينِ وَلَا يَتَحَرَّوْنَ فِي عِبَادَاتِهِمْ واعتقاداتهم مُوَافَقَةَ الرَّسُولِ وَالِاعْتِصَامَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَتَكْثُرُ فِيهِمْ الْأَهْوَاءُ وَالشُّبُهَاتُ وَتُغْوِيهِمْ الشَّيَاطِينُ وَتَصِيرُ فِيهِمْ شُبْهَةٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِحَسَبِ بُعْدِهِمْ عَنْ الرَّسُولِ وَكَمَا يَجِبُ إنْكَارُ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ الْمُضَاهِينَ لِلْمَجُوسِ فَإِنْكَارُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَوْلَى وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ أَحْرَى وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ؛ فَإِنَّ الْبِدَعَ إنَّمَا يَظْهَرُ مِنْهَا أَوَّلًا فَأَوَّلًا الْأَخَفُّ فَالْأَخَفُّ كَمَا حَدَثَ فِي آخِرِ عَصْرِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِدْعَةُ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ ثُمَّ فِي آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ بِدْعَةُ الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ ثُمَّ فِي آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ بِدْعَةُ الْجَهْمِيَّة مُعَطِّلَةِ الصِّفَاتِ وَأَمَّا هَؤُلَاءِ المباحية الْمُسْقِطُونَ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مُحْتَجِّينَ عَلَى ذَلِكَ بِالْقَدَرِ فَهُمْ شَرٌّ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ وَإِنَّمَا حَدَثُوا بَعْدَ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ.
فَصْلٌ:
وَمِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مَعَ إيمَانِهِمْ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَأَنَّ الْعِبَادَ لَهُمْ مَشِيئَةٌ وَقُدْرَةٌ يَفْعَلُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ مَا أَقْدَرَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْعِبَادَ لَا يَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الْآيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وَقَالَ: ﴿إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ . وَالْقُرْآنُ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْعِبَادَ يُؤْمِنُونَ وَيَكْفُرُونَ وَيَفْعَلُونَ وَيَعْمَلُونَ وَيَكْسِبُونَ وَيُطِيعُونَ وَيَعْصُونَ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ وَيَقْتُلُونَ وَيَزْنُونَ وَيَسْرِقُونَ وَيَصْدُقُونَ وَيَكْذِبُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيُقَاتِلُونَ وَيُحَارِبُونَ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِفَاعِلِ وَلَا مُخْتَارٍ وَلَا مُرِيدٍ وَلَا قَادِرٍ.
وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّهُ فَاعِلٌ
مَجَازًا بَلْ مَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ حَقِيقَةً وَاَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَأَوَّلُ مَنْ ظَهَرَ عَنْهُ إنْكَارُ ذَلِكَ هُوَ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعُهُ فَحُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ وَأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ أَصْلًا وَلَيْسَ بِقَادِرِ أَصْلًا وَكَانَ الْجَهْمُ غَالِيًا فِي تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ فَكَانَ يَنْفِي أَنْ يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمِ يُسَمَّى بِهِ الْعَبْدُ فَلَا يُسَمَّى شَيْئًا وَلَا حَيًّا وَلَا عَالِمًا وَلَا سَمِيعًا وَلَا بَصِيرًا.
إلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى قَادِرًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِقَادِرِ فَلَا تَشْبِيهَ بِهَذَا الِاسْمِ عَلَى قَوْلِهِ.
وَكَانَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ حِكْمَةٌ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ رَحْمَةٌ وَيَقُولُونَ: إنَّمَا فَعَلَ بِمَحْضِ مَشِيئَةٍ لَا رَحْمَةَ مَعَهَا وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْجَذْمَى فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَقُولُ: أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا بِهَؤُلَاءِ وَكَانَ يَقُولُ: الْعِبَادُ مَجْبُورُونَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ فِعْلٌ وَلَا اخْتِيَارٌ.
وَكَانَ ظُهُورُ جَهْمٍ وَمَقَالَتِهِ فِي تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ وَفِي الْجَبْرِ وَالْإِرْجَاءِ فِي أَوَاخِرِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ بَعْدَ حُدُوثِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ حَدَثُوا قَبْلَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَلَمَّا حَدَثَتْ مَقَالَتُهُ الْمُقَابِلَةُ لِمَقَالَةِ الْقَدَرِيَّةِ أَنْكَرَهَا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ كَمَا أَنْكَرُوا قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ
وَبَدَّعُوا الطَّائِفَتَيْنِ حَتَّى فِي لَفْظِ " الْجَبْرِ " أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ قَالَ: جَبَرَ وَعَلَى مَنْ قَالَ: لَمْ يَجْبُرْ.
وَالْآثَارُ بِذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ عَنْ الأوزاعي وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا؛ كَمَا ذَكَرَ طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي " كِتَابِ السُّنَّةِ " هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَجْمَعُ أَقْوَالَ السَّلَفِ وَقَالَ الأوزاعي وَالزُّبَيْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَفْظُ جَبَرَ وَإِنَّمَا فِي السُّنَّةِ لَفْظُ جَبَلَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ وَإِنَّا لَا نَصِلُ إلَيْكَ إلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْنَا بِأَمْرِ فَصْلٍ نَعْمَلُ بِهِ وَنَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا.
فَقَالَ: آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ.
أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ.
وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ﴾ . وَنَهَاهُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يُسْرِعُ إلَيْهَا السُّكْرُ.
حَتَّى قَدْ يَشْرَبُ الرَّجُلُ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا؛ بِخِلَافِ الظُّرُوفِ الَّتِي توكأ فَإِنَّهَا إذَا اشْتَدَّ الشَّرَابُ انْشَقَّتْ وَنَهَى عَنْ الدُّبَّاءِ وَهُوَ الْقَرْعُ وَالْحَنْتَمِ وَهُوَ مَا يُصْنَعُ مِنْ الْمَدَرِ كَالْجِرَارِ وَالْمُزَفَّتِ - وَهِيَ الظُّرُوفُ الْمُزَفَّتَةُ - وَالنَّقِيرِ وَهُوَ الْخَشَبُ الْمَنْقُورُ ثُمَّ قَدْ قِيلَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ ذَلِكَ بَعْدَ هَذَا النَّهْيِ؛ وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا النَّهْيِ هَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ
مَشْهُورَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عِنْدَ أَحْمَد وَالْقَوْلُ بِالنَّسْخِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا كَانَ لَمْ يُنْسَخْ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لَكِنَّ مَالِكَ لَا يَنْهَى إلَّا عَنْ صِنْفَيْنِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَيْنِكَ الصِّنْفَيْنِ وَأَبَاحَ الْآخَرَيْنِ بَعْدَ النَّهْيِ وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَرَوَى فِي صَحِيحِهِ النَّسْخَ فِي الْجَمِيعِ فَلِهَذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ أَحْمَد لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ بِالنَّهْيِ مُتَوَاتِرَةٌ وَحَدِيثُ النَّسْخِ لَيْسَ مِثْلَهَا؛ فَلِهَذَا صَارَ لِلنَّاسِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَهَؤُلَاءِ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانُوا بِالْبَحْرَيْنِ أَسْلَمُوا طَوْعًا.
كَمَا أَسْلَمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِعَتْ فِي الْإِسْلَامِ فِي قَرْيَةٍ عِنْدَهُمْ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ.
وَالْمَقْصُودُ ﴿أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: إنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ.
فَقَالَ: أَخُلُقَيْنِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا؟ أَمْ خُلُقَيْنِ جُبِلْتُ عَلَيْهِمَا؟ فَقَالَ: بَلْ خُلُقَيْنِ جُبِلْتَ عَلَيْهِمَا.
فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى مَا يُحِبُّ﴾ فَقَالَ الأوزاعي وَالزُّبَيْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ السَّلَفِ لَفْظُ " الْجَبْلِ " جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَيُقَالُ جَبَلَ اللَّهُ فُلَانًا عَلَى كَذَا؛ وَأَمَّا لَفْظُ " الْجَبْرِ " فَلَمْ يَرِدْ؛ وَأَنْكَرَ الأوزاعي وَالزُّبَيْدِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمْ لَفْظَ " الْجَبْرِ " فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ " الْجَبْرِ " مُجْمَلٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ جَبَرَ الْأَبُ ابْنَتَهُ عَلَى النِّكَاحِ
وَجَبَرَ الْحَاكِمُ الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَكْرَهَهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ مُرِيدًا لِذَلِكَ مُخْتَارًا مُحِبًّا لَهُ رَاضِيًا بِهِ.
قَالُوا: وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَبَرَ الْعِبَادَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ مُبْطِلٌ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَى وَأَجَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُجْبِرَ أَحَدًا وَإِنَّمَا يُجْبِرُ غَيْرُهُ الْعَاجِزُ عَنْ أَنْ يَجْعَلَهُ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ مُخْتَارًا لَهُ مُحِبًّا لَهُ رَاضِيًا بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُرِيدَ لِلْفِعْلِ الْمُحِبَّ لَهُ الرَّاضِيَ بِهِ مُرِيدًا لَهُ مُحِبًّا لَهُ رَاضِيًا بِهِ فَكَيْفَ يُقَالُ أَجْبَرَهُ وَأَكْرَهَهُ كَمَا يُجْبِرُ الْمَخْلُوقُ الْمَخْلُوقَ مِثْلَ مَا يُجْبِرُ السُّلْطَانُ وَالْحَاكِمُ وَالْأَبُ وَغَيْرُهُمْ مَنْ يَجْبُرُونَهُ إمَّا بِحَقِّ وَإِمَّا بِبَاطِلِ وَإِجْبَارُهُمْ هُوَ إكْرَاهُهُمْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى الْفِعْلِ وَالْإِكْرَاهُ قَدْ يَكُونُ إكْرَاهًا بِحَقِّ وَقَدْ يَكُونُ إكْرَاهًا بِبَاطِلِ.
(فَالْأَوَّلُ: كَإِكْرَاهِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ عَلَى فِعْلِهَا مِثْلَ إكْرَاهِ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَإِكْرَاهُ الْمُرْتَدِّ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ وَإِكْرَاهُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى إقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَعَلَى قَضَاءِ الدُّيُونِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا وَعَلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا وَإِعْطَاءِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَى إعْطَائِهَا.
وَأَمَّا الْإِكْرَاهُ بِغَيْرِ حَقٍّ: فَمِثْلُ إكْرَاهِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَهَذَا الْإِجْبَارُ الَّذِي هُوَ الْإِكْرَاهُ يَفْعَلُهُ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إحْدَاثِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ فِي قُلُوبِهِمْ وَعَلَى جَعْلِهِمْ فَاعِلِينَ
لِأَفْعَالِهِمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى إحْدَاثِ إرَادَةٍ لِلْعَبْدِ وَلِاخْتِيَارِهِ وَجَعْلِهِ فَاعِلًا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَهُوَ أَعْلَى وَأَقْدَرُ مِنْ أَنْ يَجْبُرَ غَيْرَهُ وَيُكْرِهَهُ عَلَى أَمْرٍ شَاءَهُ مِنْهُ؛ بَلْ إذَا شَاءَ جَعَلَهُ فَاعِلًا لَهُ بِمَشِيئَتِهِ كَمَا أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُ فَاعِلًا لِلشَّيْءِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لَهُ فَيَكُونُ مُرِيدًا لَهُ حَتَّى يَفْعَلَهُ مَعَ بُغْضِهِ لَهُ كَمَا قَدْ يَشْرَبُ الْمَرِيضُ الدَّوَاءَ مَعَ كَرَاهَتِهِ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ . فَكُلُّ مَا يَقَعُ مِنْ الْعِبَادِ بِإِرَادَتِهِمْ وَمَشِيئَتِهِمْ فَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُمْ فَاعِلِينَ لَهُ بِمَشِيئَتِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ فَعَلُوهُ طَوْعًا أَوْ كَانُوا كَارِهِينَ لَهُ فَعَلُوهُ كَرْهًا وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُكْرِهُهُمْ عَلَى مَا لَا يُرِيدُوهُ كَمَا يُكْرِهُ الْمَخْلُوقُ الْمَخْلُوقَ حَيْثُ يُكْرِهُهُ عَلَى أَمْرٍ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ وَلَيْسَ هُوَ قَادِرًا أَنْ يَجْعَلَهُ مُرِيدًا لَهُ فَاعِلًا لَهُ لَا مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلَا مَعَ عَدَمِهَا؛ فَلِهَذَا يُقَالُ لِلْعَبْدِ: إنَّهُ جَبَرَ غَيْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ وَأَقْدَرُ مِنْ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ جَبَرَ بِهَذَا الْمَعْنَى.
وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ " الْجَبْرِ " فِي أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ قَهَرَ غَيْرَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ فَجَعَلَهُ فَاعِلًا لِمَا يَشَاءُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُحْدِثَ لِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القرظي فِي اسْمِ اللَّهِ " الْجَبَّارِ " قَالَ: هُوَ الَّذِي جَبَرَ
الْعِبَادَ عَلَى مَا أَرَادَ وَكَذَلِكَ يُنْقَلُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: اللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ وَبَارِيَ الْمَسْمُوكَاتِ جَبَّارَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا وَالْجَبْرُ مِنْ اللَّهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْقَهْرُ وَالْقُدْرَةُ وَأَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ وَيَجْبُرُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقْهَرُهُمْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ كَالْمَخْلُوقِ الْعَاجِزِ الَّذِي يَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ وَمِنْ جَبْرِهِ وَقَهْرِهِ وَقُدْرَتِهِ أَنْ يَجْعَلَ الْعِبَادَ مُرِيدِينَ لِمَا يَشَاءُ مِنْهُمْ إمَّا مُخْتَارِينَ لَهُ طَوْعًا وَإِمَّا مُرِيدِينَ لَهُ مَعَ كَرَاهَتِهِمْ لَهُ وَيَجْعَلُهُمْ فَاعِلِينَ لَهُ وَهَذَا الْجَبْرُ الَّذِي هُوَ قَهْرُهُ بِقُدْرَتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَيْسَ هُوَ كَإِجْبَارِ غَيْرِهِ وَإِكْرَاهِهِ مِنْ وُجُوهٍ: (مِنْهَا أَنَّ مَا سِوَاهُ عَاجِزٌ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْعَلَ الْعِبَادَ مُرِيدِينَ لِمَا يَشَاؤُهُ وَلَا فَاعِلِينَ لَهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يُجْبِرُ الْغَيْرَ وَيُكْرِهُهُ إكْرَاهًا يَكُونُ ظَالِمًا بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى عَادِلٌ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَكُونُ جَاهِلًا أَوْ سَفِيهًا لَا يَعْلَمُ مَا يَفْعَلُهُ وَمَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يَقْصِدُ حِكْمَةً تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ مَا خَلَقَهُ وَأَمَرَ بِهِ لَهُ فِيهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ صَادِرَةٌ مِنْ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ كَمَا أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَغَيْرِهَا وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى إثْبَاتِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِأَحَدِ عَلَى اللَّهِ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ وَلَا فِعْلِ مَحْظُورٍ.
فَهُمْ أَيْضًا مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ رَحِيمٌ وَأَنَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا﴾ . وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ حِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ.
وَالْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ يُنْكِرُونَ حِكْمَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَيَقُولُونَ: لَيْسَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَوَامِرِهِ لَامُ كَيْ: لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِشَيْءِ وَلَا يَأْمُرُ بِشَيْءِ لِشَيْءِ.
وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ سَلَكُوا مَسْلَكَ جَهْمٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ وَإِنْ خَالَفُوهُ فِي بَعْضِ
ذَلِكَ إمَّا نِزَاعًا لَفْظِيًّا وَإِمَّا نِزَاعًا لَا يُعْقَلُ وَإِمَّا نِزَاعًا مَعْنَوِيًّا وَذَلِكَ كَقَوْلِ مَنْ زَعَمَ: أَنَّ الْعَبْدَ كَاسِبٌ لَيْسَ بِفَاعِلِ حَقِيقَةً وَجَعَلَ الْكَسْبَ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ وَأَثْبَتَ لَهُ قُدْرَةً لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْمَقْدُورِ وَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ: إنَّ هَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا تَأْثِيرٌ أَصْلًا فِي الْفِعْلِ كَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا وَلَمْ تَكُنْ قُدْرَةً؛ بَلْ كَانَ اقْتِرَانُهَا بِالْفِعْلِ كَاقْتِرَانِ سَائِرِ صِفَاتِ الْفَاعِلِ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ وَلَوْنِهِ.
وَلَمَّا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ: مَا الْكَسْبُ؟ قَالُوا: مَا وُجِدَ بِالْفَاعِلِ وَلَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ مُحْدَثَةٌ أَوْ مَا يُوجَدُ فِي مَحَلِّ الْقُدْرَةِ الْمُحْدَثَةِ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَا الْقُدْرَةُ؟ قَالُوا: مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَحَرَكَةِ الْمُخْتَارِ؛ فَقَالَ لَهُمْ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ: حَرَكَةُ الْمُخْتَارِ حَاصِلَةٌ بِإِرَادَتِهِ دُونَ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِقُدْرَتِهِ أَيْضًا فَإِنْ جَعَلْتُمْ الْفَرْقَ مُجَرَّدَ الْإِرَادَةِ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يُرِيدُ فِعْلَ غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ فَاعِلًا لَهُ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَقَدْ عَادَ الْأَمْرُ إلَى مَعْنَى الْقُدْرَةِ وَالْمَعْقُولُ مِنْ الْقُدْرَةِ مَعْنًى بِهِ يَفْعَلُ الْفَاعِلُ وَلَا تَثْبُتُ قُدْرَةٌ لِغَيْرِ فَاعِلٍ وَلَا قُدْرَةٌ يَكُونُ وُجُودُهَا أَوْ عَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَاعِلِ سَوَاءً.
وَهَؤُلَاءِ الْمُتَّبِعُونَ لِجَهْمِ يَقُولُونَ: إنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِفَاعِلِ حَقِيقَةً؛ وَإِنَّمَا هُوَ كَاسِبٌ حَقِيقَةً وَيُثْبِتُونَ مَعَ الْكَسْبِ قُدْرَةً لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْكَسْبِ بَلْ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءٌ وَلَكِنْ قُرِنَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ فِيهِ وَزَعَمُوا أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنْ الْقُوَى وَالطَّبَائِعِ وَالْأَسْبَابِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ
كَقُدْرَةِ الْعَبْدِ لَا تَأْثِيرَ لِشَيْءِ مِنْهَا فِيمَا اقْتَرَنَتْ بِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ وَالْأَفْعَالِ وَالْمُسَبَّبَاتِ بَلْ قَرَنَ الْخَالِقُ هَذَا بِهَذَا لَا لِسَبَبِ وَلَا لِحِكْمَةِ أَصْلًا.
وَقَالُوا: إنَّ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِيَ مَعَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ كَذَلِكَ لَيْسَ فِي الطَّاعَةِ مَعْنًى يُنَاسِبُ الثَّوَابَ وَلَا فِي الْمَعْصِيَةِ مَعْنًى يُنَاسِبُ الْعِقَابَ وَلَا كَانَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ حِكْمَةٌ لِأَجْلِهَا أَمَرَ وَنَهَى؛ وَلَا أَرَادَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ رَحْمَةَ الْعِبَادِ وَمَصْلَحَتَهُمْ بَلْ أَرَادَ أَنْ يُنَعِّمَ طَائِفَةً وَيُعَذِّبَ طَائِفَةً لَا لِحِكْمَةِ وَالسَّبَبُ هُوَ جَعْلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ عَلَامَةً عَلَى ذَلِكَ لَا لِسَبَبِ وَلَا لِحِكْمَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَتَّى بِالشِّرْكِ وَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَيَنْهَى عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَطَاعَتِهِمْ.
وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ كَأَبِي الْحَسَنِ وَأَتْبَاعِهِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد مِثْلَ ابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا يَقُولُونَ: إنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ وَالْفِعْلَ هُوَ الْمَفْعُولُ وَقَدْ جَعَلُوا أَفْعَالَ الْعِبَادِ فِعْلًا لِلَّهِ وَالْفِعْلُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمَفْعُولُ فَامْتَنَعَ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لِلْعَبْدِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ فِعْلٌ وَاحِدٌ لَهُ فَاعِلَانِ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ: إنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ مَفْعُولَةٌ لَهُ وَهِيَ فِعْلٌ لِلْعَبْدِ قَائِمَةٌ بِهِ وَلَيْسَتْ فِعْلًا لِلَّهِ قَائِمًا بِهِ بَلْ مَفْعُولُهُ غَيْرُ فِعْلِهِ وَالرَّبُّ
تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِمَا هُوَ قَائِمٌ بِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ ظَالِمًا؛ وَأَمَّا أُولَئِكَ فَإِذَا قَالُوا إنَّهُ يُوصَفُ بِالْمَخْلُوقِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ فَيُسَمَّى عَادِلًا وَخَالِقًا لِوُجُودِ مَخْلُوقٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ خَلَقَهُ فَإِنَّهُمْ أَلْزَمُوهُمْ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا لِخَلْقِهِ ظُلْمًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ إذْ كَانُوا لَا يُفَرِّقُونَ فِيمَا انْفَصَلَ عَنْهُ بَيْنَ مَا يَكُونُ صِفَةً لِغَيْرِهِ وَفِعْلًا لَهُ وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ إذْ الْجَمِيعُ عِنْدَهُمْ نِسْبَتُهُ وَاحِدَةٌ إلَى قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ.
وَهَؤُلَاءِ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ؛ وَلَيْسَ فِي السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْجَبْرِ وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُجْبِرُ الْعِبَادَ كَإِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ هَذَا سَلَبَ قُدْرَتَهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ وَذَلِكَ سَلَبَ كَوْنَهُمْ فَاعِلِينَ قَادِرِينَ.
وَلِهَذَا كَانَ الْمُقْتَصِدُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ: كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَانِي وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي الْحَسَنِ وَكَالْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَمْثَالِهِ يُفَصِّلُونَ فِي الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ كَمَا تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي تَفْصِيلِ الْجَبْرِ فَيَقُولُونَ: تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ لِعَجْزِ الْعَبْدِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ وَأَمَّا مَا يُقَالُ إنَّهُ لَا يُطَاقُ لِلِاشْتِغَالِ بِضِدِّهِ فَيَجُوزُ تَكْلِيفُهُ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا قَاعِدًا فَفِي حَالِ الْقِيَامِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُ الْقُعُودَ وَيَجُوزَ أَنْ يُؤْمَرَ حَالَ الْقُعُودِ بِالْقِيَامِ
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَلْ عَامَّةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ لَكِنْ هَلْ يُسَمَّى هَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ؟ فِيهِ نِزَاعٌ.
قِيلَ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ قَادِرًا إلَّا حِينَ الْفِعْلِ وَإِنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ.
كَمَا يَقُولُهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ نُظَّارِ الْمُثْبِتَةِ لِلْقَدَرِ فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ كُلُّ مُكَلَّفٍ فَهُوَ حِينَ التَّكْلِيفِ قَدْ كُلِّفَ مَا لَا يُطِيقُهُ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُطِيقُهُ حِينَ الْفِعْلِ بِقُدْرَةِ يَخْلُقُهَا اللَّهُ لَهُ وَقْتَ الْفِعْلِ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُطِيقُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِضِدِّهِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ الْمُقَارِنَةِ لِلْفِعْلِ لَا لِكَوْنِهِ عَاجِزًا عَنْهُ.
وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْفِعْلِ كَالزَّمِنِ الْعَاجِزِ عَنْ الْمَشْيِ وَالْأَعْمَى الْعَاجِزِ عَنْ النَّظَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَؤُلَاءِ لَمْ يُكَلَّفُوا بِمَا يَعْجِزُونَ عَنْهُ وَمِثْلُ هَذَا التَّكْلِيفِ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا فِي الشَّرِيعَةِ بِاتِّفَاقِ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا شِرْذِمَةً قَلِيلَةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ادَّعَوْا وُقُوعَ مِثْلِ هَذَا التَّكْلِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ وَنَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ خَطَأٌ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا جَوَازُ هَذَا التَّكْلِيفِ عَقْلًا فَأَكْثَرُ الْأُمَّةِ نَفَتْ جَوَازَهُ مُطْلَقًا وَجَوَّزَهُ عَقْلًا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُثْبِتَةِ لِلْقَدَرِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد؛ كَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَ " طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ " فَرَّقَتْ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ: بَيْنَ الْمُمْكِنِ لِذَاتِهِ الَّذِي
يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ: كَالطَّيَرَانِ وَبَيْنَ الْمُمْتَنِعِ عَقْلًا كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
وَاَلَّذِينَ زَعَمُوا وُقُوعَ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ - كالرَّازِي وَغَيْرِهِ - احْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ أَبَا لَهَبٍ بِالْإِيمَانِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ.
فَكَلَّفَهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ بِأَنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ وَبِأَنْ يُصَدِّقَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُصَدِّقًا بِذَلِكَ؛ وَهُوَ صَادِقٌ فِي تَصْدِيقِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ كُلِّفَ خِلَافَ الْمَعْلُومِ وَخِلَافُ الْمَعْلُومِ مُحَالٌ فَيَكُونُ حَقِيقَةُ التَّكْلِيفِ أَنَّهُ يَجْعَلُ عِلْمَ اللَّهِ جَهْلًا؛ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ.
وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا لَفْظَ مَا لَا يُطَاقُ لَفْظًا عَامًّا يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ فِعْلٍ لِكَوْنِ الْقُدْرَةِ عِنْدَهُمْ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ؛ وَيَدْخُلُ فِيهِ خِلَافُ الْمَعْلُومِ؛ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ؛ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرُوا نَحْوَ " عَشْرِ حُجَجٍ " يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى جَوَازِ هَذَا الْجِنْسِ فَإِذَا فَصَّلَ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ ثَبَتَ أَنَّ دَعْوَاهُمْ جَوَازَ مَا لَا يُطَاقُ لِلْعَجْزِ عَنْهُ - سَوَاءٌ كَانَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ أَوْ مُمْكِنًا - بَاطِلَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا؛ وَأَمَّا جَوَازُ تَكْلِيفِ مَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَةِ؛ وَيَقُولُونَ هُمْ: إنَّهُ لَا يَكُونُ قَادِرًا عَلَيْهِ إلَّا حِينَ الْفِعْلِ؛ فَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِهِ؛ لَكِنْ ثَمَّ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ فِي كَوْنِهِ يَدْخُلُ فِيمَا لَا يُطَاقُ؛ فَصَارَ مَا أَدْخَلُوهُ فِي هَذَا الِاسْمِ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً: مِنْهَا مَا يُنَازِعُونَ فِي جَوَازِهِ أَوْ وُقُوعِهِ وَ (مِنْهَا مَا يُنَازِعُونَ فِي اسْمِهِ وَصِفَتِهِ لَا فِي وُقُوعِهِ.
أَمَّا تَكْلِيفُ أَبِي لَهَبٍ وَغَيْرِهِ بِالْإِيمَانِ فَهَذَا حَقٌّ وَهُوَ إذَا أُمِرَ أَنْ يُصَدِّقَ الرَّسُولَ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ وَأَخْبَرَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ بَلْ يَمُوتُ كَافِرًا لَمْ يَكُنْ هَذَا مُتَنَاقِضًا وَلَا هُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ فِي كُلِّ مَا بَلَّغَ وَهَذَا التَّصْدِيقُ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ فَإِذَا قِيلَ لَهُ أَمَرْنَاكَ بِأَمْرِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَفْعَلُهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا تَكْلِيفًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ.
فَإِنْ قَالَ: تَصْدِيقُكُمْ فِي كُلِّ مَا تَقُولُونَ يَقْتَضِي أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا إذَا صَدَّقْتُكُمْ وَإِذَا صَدَّقْتُكُمْ لَمْ أَكُنْ مُؤْمِنًا لِأَنَّكُمْ أَخْبَرْتُمْ أَنِّي لَا أُؤْمِنُ بِكُلِّ مَا أُخْبِرَ بِهِ قِيلَ لَهُ لَوْ وَقَعَ مِنْك لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذَا الْخَبَرُ وَلَمْ يَكُنْ يُخْبِرُ أَنَّكَ لَا تُؤْمِنُ فَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَى تَصْدِيقِنَا وَبِتَقْدِيرِ وُجُودِهِ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْخَبَرُ وَإنَّمَا وَقَعَ لِأَنَّكَ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِنَا بِهَذَا الْخَبَرِ فَوَقَعَ بَعْدَ تَكْذِيبِكَ وَتَرْكِكَ مَا كُنْتَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَمْ نَقُلْ لَكَ حِينَ أَمَرْنَاكَ بِالتَّصْدِيقِ الْعَامِّ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قِيلَ لَكَ آمِنْ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تُؤْمِنُ بِهَذَا الْخَبَرِ فَاَلَّذِي أُمِرْتَ أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ هُوَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَهَذَا أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَلَا تَفْعَلُهُ وَإِذَا صَدَّقْتَنَا فِي خَبَرِنَا أَنَّكَ لَا تُؤْمِنُ لَمْ يَكُنْ هُنَا تَنَاقُضٌ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ وَنَحْنُ لَمْ نَأْمُرْكَ بِهَذَا بَلْ أَمَرْنَاكَ بِإِيمَانِ مُطْلَقٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْنَا مَعَ ذَلِكَ أَنَّكَ لَا تَفْعَلْ ذَلِكَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ وَلَمْ نَقُلْ لَكَ صَدِّقْنَا فِي هَذَا وَهَذَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْكَ هُوَ
التَّصْدِيقُ الْمُطْلَقُ وَالتَّصْدِيقُ بِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْكَ حِينَئِذٍ وَلَوْ وَقَعَ مِنْكَ التَّصْدِيقُ الْمُطْلَقُ امْتَنَعَ مِنَّا هَذَا الْخَبَرُ بَلْ هَذَا الْخَبَرُ إنَّمَا وَقَعَ لِمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْكَ التَّصْدِيقُ الْمُطْلَقُ.
وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ أُسْمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ وَأُمِرَ بِالتَّصْدِيقِ بِهَا؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ لَكِنْ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ لَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِإِسْمَاعِ هَذَا الْخِطَابِ لِأَبِي لَهَبٍ وَأَمَرَ أَبَا لَهَبٍ بِتَصْدِيقِهِ بَلْ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْقُلَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا لَهَبٍ أَنْ يُصَدِّقَ بِنُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَوْلُهُ: إنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُصَدِّقَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ قَوْلٌ بَاطِلٌ لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَنَقْلُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ بَلْ كَذِبٌ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ؛ فَقَدْ كَانَ الْإِيمَانُ وَاجِبًا عَلَى أَبِي لَهَبٍ وَمِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهَذَا قِيلَ لَهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ وَجَبَ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُبَلِّغَهُ إيَّاهَا بَلْ وَلَا غَيْرَهَا بَلْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ كَمَا حَقَّتْ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ إذْ قِيلَ لَهُ: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى الرَّسُولُ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِهِمْ الرِّسَالَةَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ فَكَفَرُوا حَتَّى حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ بِأَعْيَانِهِمْ.
وَقَدْ يُخْبِرُ اللَّهُ الرَّسُولَ عَنْ مُعَيَّنٍ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، وَلَكِنْ لَا يَأْمُرُهُ أَنْ يُعْلِمَهُ
بِذَلِكَ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِهِ وَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ كَاَلَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ . فَهَؤُلَاءِ قَدْ يَعْلَمُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ وَبَعْضُ الْبَشَرِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ فِي مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَإِنْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِتَبْلِيغِهِ أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَكْلِيفُهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَعْلُومِ فَإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ بِقُدْرَتِهِ وَمَا لَا يَشَاءُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَوْ شَاءَ لَفَعَلَهُ وَعِلْمُهُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ.
وَالْعِبَادُ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ بِإِرَادَتِهِمْ وَمَشِيئَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ خَالِقًا لِذَلِكَ فَخَلْقُهُ لِذَلِكَ أَبْلَغُ فِي عِلْمِهِ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وَمَا لَمْ يَفْعَلُوهُ فَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِعَدَمِ إرَادَتِهِمْ لَهُ لَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ بِهِ أَمْرًا بِمَا يَعْجِزُونَ عَنْهُ بَلْ هُوَ أَمْرٌ بِمَا لَوْ أَرَادُوهُ لَقَدَرُوا عَلَى فِعْلِهِ لَكِنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَهُ لِعَدَمِ إرَادَتِهِمْ لَهُ.
وَجَهْمٌ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ اشْتَرَكُوا فِي أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ وَمَحَبَّتَهُ وَرِضَاهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ ثُمَّ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: وَهُوَ لَا يُحِبُّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ فَلَا يَشَاؤُهُ فَقَالُوا: إنَّهُ يَكُونُ بِلَا مَشِيئَةٍ وَقَالَتْ الْجَهْمِيَّة بَلْ هُوَ يَشَاءُ
ذَلِكَ؛ فَهُوَ يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَأَبُو الْحَسَنِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَافَقُوا هَؤُلَاءِ؛ فَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي: أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ السَّلَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بِهِ بَيْنَ الْمَشِيئَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا.
وَأَمَّا سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَأَكَابِرُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّصَوُّفِ وَكَثِيرٌ مِنْ طَوَائِفِ النُّظَّارِ: كالْكُلَّابِيَة والكَرَّامِيَة؛ وَغَيْرِهِمْ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؛ وَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْإِيمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَيَرْضَى بِهِ كَمَا لَا يَأْمُرُ وَلَا يَرْضَى بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَلَا يُحِبُّهُ؛ كَمَا لَا يَأْمُرُ بِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ شَاءَهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا: كَقَضَاءِ دَيْنٍ يَضِيقُ وَقْتُهُ أَوْ عِبَادَةٍ يَضِيقُ وَقْتُهَا وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ لَمْ يَحْنَثْ وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ اللَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيَرْضَاهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ يَنْدُبُ إلَى ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ أَوْ يَأْمُرُ بِهِ أَمْرَ إيجَابٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ كَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَبَسْطُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا جَوَابُ هَذِهِ " الْمَسْأَلَةِ ": فَإِنَّ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ الْمَذْكُورَةَ إنَّمَا تَرُدُّ عَلَى قَوْلِ جَهْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَطَائِفَةٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
وَأَمَّا أَئِمَّةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَعَامَّةِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ بَلْ يَقُولُونَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَيُثْبِتُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَشِيئَتِهِ وَبَيْنَ مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ فَيَقُولُونَ: إنَّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ - وَإِنْ وَقَعَ بِمَشِيئَتِهِ - فَهُوَ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ بَلْ يَسْخَطُهُ وَيُبْغِضُهُ.
وَيَقُولُونَ: إرَادَةُ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ نَوْعَانِ: " نَوْعٌ " بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لِمَا خَلَقَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ . وَ " نَوْعٌ " بِمَعْنَى مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ لِمَا أَمَرَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَخْلُقْهُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وَبِهَذَا يُفْصَلُ النِّزَاعُ فِي مَسْأَلَةِ " الْأَمْرِ " هَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِرَادَةِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ الْقَدَرِيَّةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَشِيئَةِ فَيَكُونُ قَدْ شَاءَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ وَالْجَهْمِيَّة قَالُوا: إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِشَيْءِ مِنْ الْإِرَادَةِ لَا لِحُبِّهِ لَهُ وَلَا رِضَاهُ
بِهِ إلَّا إذَا وَقَعَ فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ؛ وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَا أَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ كَانَ؛ وَمَا لَمْ يُحِبَّهُ وَلَمْ يَرْضَهُ لَمْ يَكُنْ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِمَّنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ الْكُفْرُ أَوْ لَا يَرْضَاهُ دِينًا كَمَا يَقُولُونَ: لَمْ يَشَأْهُ مِمَّنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ أَوْ لَا يشاءه دِينًا؛ إذْ كَانُوا مُوَافِقِينَ للجهمية وَالْقَدَرِيَّةِ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمَشِيئَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْكُفْرُ مِنْ عِبَادِهِ لَمْ يَرْضَهُ لِعِبَادِهِ.
كَمَا قَالَ: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ . وَ (فَصْلُ الْخِطَابِ: أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ مُسْتَلْزِمًا لِمَشِيئَةِ أَنْ يَخْلُقَ الرَّبُّ الْآمِرُ الْفِعْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ.
وَلَا إرَادَةَ أَنْ يَفْعَلَهُ بَلْ قَدْ يَأْمُرُ بِمَا لَا يَخْلُقُهُ وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِمَحَبَّةِ الرَّبِّ وَرِضَاهُ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ؛ وَهُوَ يُرِيدُهُ مِنْهُ إرَادَةَ الْآمِرِ مِنْ الْمَأْمُورِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ لِمَصْلَحَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَخْلُقَهُ وَأَنْ يُعِينَهُ عَلَيْهِ؛ لِمَا لَهُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكْمَةِ؛ فَإِنَّ لَهُ حِكْمَةً بَالِغَةً فِيمَا خَلَقَهُ وَفِيمَا لَمْ يَخْلُقْهُ.
وَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَخْلُقَ هُوَ الْفِعْلَ وَيَجْعَلَ غَيْرَهُ فَاعِلًا يُحْسِنُ إلَيْهِ وَيَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْإِعَانَةِ لَهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِمَا يُصْلِحُهُ وَيُبَيِّنَ لَهُ مَا يَنْفَعُهُ إذَا فَعَلَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ هُوَ - نَفْسُهُ - أَنْ يُعِينَهُ لِمَا فِي تَرْكِ إعَانَتِهِ
مِنْ الْحِكْمَةِ؛ لِكَوْنِ الْإِعَانَةِ قَدْ تَسْتَلْزِمُ مَا يُنَاقِضُ حِكْمَتَهُ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الَّذِي خَلَقَهُ هُوَ يُبْغِضُهُ وَيَمْقُتُهُ كَمَا يَمْقُتُ مَا خَلَقَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ الْخَبِيثَةِ كَالشَّيَاطِينِ وَالْخَبَائِثِ وَلَكِنَّهُ خَلَقَهَا لِحِكْمَةِ يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْعَبْدَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يُحِبُّهُ لِإِفْضَائِهِ إلَى مَا يُحِبُّهُ كَمَا يَشْرَبُ الْمَرِيضُ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ لِإِفْضَائِهِ إلَى مَا يُحِبُّهُ مِنْ الْعَافِيَةِ وَيَفْعَلُ مَا يَكْرَهُهُ مِنْ الْأَعْمَالِ لِإِفْضَائِهِ إلَى مَطْلُوبِهِ الْمَحْبُوبِ لَهُ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ بَغِيضًا إلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا لَهُ لِحِكْمَةِ يُحِبُّهَا.
وَكَذَلِكَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ أَنْ يُحِبَّهُ إذَا كَانَ وَلَا يَفْعَلَهُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ قَدْ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْهُ أَوْ وُجُودَ مَا هُوَ أَبْغَضُ إلَيْهِ مِنْ عَدَمِهِ.
فَصْلٌ:
إذَا عُرِفَ هَذَا فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ كَيْفَ يَكُونُ الْعَبْدُ مُخْتَارًا لِأَفْعَالِهِ وَهُوَ مَجْبُورٌ عَلَيْهَا؟ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْجَهْمِيَّة الَّذِينَ يَقُولُونَ: بِإِطْلَاقِ الْجَبْرِ وَنَفْيِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ وَتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ فِي الْفِعْلِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إطْلَاقَ " الْجَبْرِ " مِمَّا أَنْكَرَهُ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ: كالأوزاعي وَالزُّبَيْدِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ
وَغَيْرِهِمْ وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ أَطْلَقَهُ؛ بَلْ مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ أَطْلَقُوهُ فِي " مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْجَبْرِ ". وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ - لَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا غَيْرُهُمْ: لَا مَالِكٌ وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَلَا الأوزاعي وَلَا الثَّوْرِيُّ وَلَا اللَّيْثُ وَلَا أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ - إنَّ اللَّهَ يُكَلِّفُ الْعِبَادَ مَا لَا يُطِيقُونَهُ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِفَاعِلِ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ فَاعِلٌ مَجَازًا.
وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي فِعْلِهِ أَوْ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي كَسْبِهِ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ قَادِرًا إلَّا حِينَ الْفِعْلِ وَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى الْفِعْلِ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَهُ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَا اسْتِطَاعَةَ لَهُ عَلَى الْفِعْلِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ نُصُوصُهُمْ مُسْتَفِيضَةٌ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ إثْبَاتِ اسْتِطَاعَةٍ لِغَيْرِ الْفَاعِلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ﴿وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ﴾ . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مُسْتَطِيعٍ وَأَنَّ الْمُسْتَطِيعَ يَكُونُ مُسْتَطِيعًا مَعَ مَعْصِيَتِهِ وَعَدَمِ فِعْلِهِ كَمَنْ اسْتَطَاعَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ
وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَإِنَّهُ مُسْتَطِيعٌ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ الَّذِي اسْتَطَاعَهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ لَا عَلَى تَرْكِ مَا لَمْ يَسْتَطِعْهُ.
وَصَرَّحُوا بِمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْفِعْلِ تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ حِينَ الْفِعْلِ مُسْتَطِيعًا أَيْضًا عِنْدَهُمْ فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ عِنْدَهُمْ قَبْلَ الْفِعْلِ وَمَعَ الْفِعْلِ وَهُوَ حِينَ الْفِعْلِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا تَارِكًا فَلَا يَقُولُونَ: إنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا قَبْلَ الْفِعْلِ، كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَا بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ كَقَوْلِ الْمُجَبِّرَةِ بَلْ يَكُونُ مُسْتَطِيعًا قَبْلَ الْفِعْلِ وَحِينَ الْفِعْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: الْعُلَمَاءُ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْعَبْدَ يَفْعَلُهَا قَسْرًا.
يُقَالُ لَهُ: لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَكَابِرِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنَّمَا يُصَرِّحُ بِهَذَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا مَسْلَكَ جَهْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَلَيْسَ هُوَ لِأَهْلِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ بَلْ وَلَا جُمْهُورِهِمْ وَلَا أَئِمَّتِهِمْ بَلْ هُمْ عِنْدَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ.
فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُ النَّاظِمِ السَّائِلُ:
لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا أَنَّهُ ... عَلَى الْإِرَادَاتِ لَمَقْسُورُ
فَيُقَالُ لَهُ: الْقَسْرُ عَلَى الْإِرَادَةِ مِنْهُ.
إذَا أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَهُ مُرِيدًا فَهَذَا حَقٌّ لَكِنَّ تَسْمِيَةَ مِثْلِ هَذَا قَسْرًا وَإِكْرَاهًا وَجَبْرًا تَنَاقُضٌ لَفْظًا وَمَعْنًى فَإِنَّ الْمَقْسُورَ الْمُكْرَهَ الْمَجْبُورَ لَا يَكُونُ مُرِيدًا مُخْتَارًا مُحِبًّا رَاضِيًا وَاَلَّذِي جُعِلَ مُخْتَارًا مُحِبًّا رَاضِيًا لَا يُقَالُ إنَّهُ مَقْسُورٌ مُكْرَهٌ مَجْبُورٌ.
وَإِذَا قِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ جُعِلَ مُرِيدًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ بِدُونِ إرَادَةٍ مِنْهُ مُتَقَدِّمَةٍ اخْتَارَ بِهَا أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا.
قِيلَ لَهُمْ: هَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ سَوَاءٌ سُمِّيَ قَسْرًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ.
وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُنَاقِضُ كَوْنَهُ مُخْتَارًا فَإِنَّ مَنْ جُعِلَ مُرِيدًا مُخْتَارًا قَدْ أُثْبِتَ لَهُ الْإِرَادَةُ وَالِاخْتِيَارُ وَالشَّيْءُ لَا يُنَاقِضُ ذَاتَهُ وَلَا مُلَازِمَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ يَكُونُ الْمُخْتَارُ قَدْ جُعِلَ مُخْتَارًا وَالْمُرِيدُ جُعِلَ مُرِيدًا.
وَإِذَا قِيلَ: يُخَيَّرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا.
قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ
مُخْتَارًا بِغَيْرِ إرَادَةٍ مِنْهُ سَابِقَةٍ لِأَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا كَمَا جَعَلَهُ قَادِرًا وَجَعَلَهُ عَالِمًا وَجَعَلَهُ حَيًّا وَجَعَلَهُ أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ وَطَوِيلًا وَقَصِيرًا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ إذَا جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ لَمْ يُنَاقِضْ ذَلِكَ اتِّصَافَهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَإِنَّ اللَّهَ إذَا جَعَلَهُ عَلَى صِفَةٍ كَانَ كَوْنُهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ؛ فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَإِذَا كَانَ كَوْنُهُ مُخْتَارًا وَعَالِمًا وَقَادِرًا أَمْرًا مُلَازِمًا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَجَعْلِهِ والمتلازمان لَا يُنَاقِضُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَلْ يُجَامِعُهُ وَلَا يُفَارِقُهُ فَيَكُونُ اخْتِيَارُ الْعَبْدِ مَعَ إطْلَاقِ الْجَبْرِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مُخْتَارًا أَمْرَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ لَا أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ وَلَا عَجَبَ مِنْ اجْتِمَاعِ الْمُتَلَازِمَيْنِ إنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ تَنَاقُضِهِمَا.
فَصْلٌ وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ:
لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا أَنَّهُ ... عَلَى الْإِرَادَاتِ لَمَقْسُورُ
وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلٌ أَفْعَالَهُ ... حَقِيقَةً وَالْحُكْمُ مَشْهُورٌ
فَيُقَالُ لَهُ: الْمُصَرِّحُ بِأَنَّهُ غَيْرُ فَاعِلٍ حَقِيقَةً هُمْ الْجَهْمِيَّة: أَتْبَاعُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ
بِإِحْسَانِ وَلَا أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ: لَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا غَيْرُهُمْ بَلْ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَاتَّبَعُوا السَّلَفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ فَاعِلٌ حَقِيقَةً كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ - وَكُتُبُهُمْ مَشْحُونَةٌ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إنَّهُ فَاعِلٌ مَجَازًا؛ وَقَالُوا: إنَّ الْفِعْلَ لَا يَقُومُ بِالْفَاعِلِ بَلْ الْفِعْلُ هُوَ الْمَفْعُولُ فَهَؤُلَاءِ يَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فَاعِلٌ لَا الرَّبُّ وَلَا الْعَبْدُ أَمَّا الْعَبْدُ.
فَإِنَّهَا وَإِنْ قَامَتْ بِهِ الْأَفْعَالُ فَإِنَّهُ غَيْرُ فَاعِلٍ لَهَا عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا الرَّبُّ فَعِنْدَهُمْ لَمْ يَقُمْ بِهِ فِعْلٌ لَا هَذِهِ وَلَا غَيْرُهَا وَالْفَاعِلُ الْمَعْقُولُ مَنْ قَامَ بِهِ الْفِعْلُ كَمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ الْمَعْقُولَ مَنْ قَامَ بِهِ الْكَلَامُ وَالْمُرِيدُ الْمَعْقُولُ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ وَالْحَيُّ وَالْعَالِمُ وَالْقَادِرُ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْمُتَحَرِّكُ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ؛ فَإِثْبَاتُ هَؤُلَاءِ فَاعِلًا لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ كَإِثْبَاتِ مُتَقَدِّمِيهِمْ مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ مُتَكَلِّمًا لَا يَقُومُ بِهِ كَلَامٌ؛ وَمُرِيدًا لَا تَقُومُ بِهِ إرَادَةٌ وَعَالِمًا لَا يَقُومُ بِهِ عِلْمٌ؛ وَقَادِرًا لَا تَقُومُ بِهِ قُدْرَةٌ؛ وَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ كَمَا قَرَّرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ " كَلَامِ اللَّهِ "؛ وَإِثْبَاتِ " صِفَاتِهِ " كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ.
فَإِنَّ الْأَصْلَ الَّذِي وَافَقُوا بِهِ أَئِمَّةَ السُّنَّةِ وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ هُوَ: أَنَّ الْمَعْنَى إذَا قَامَ بِمَحَلِّ عَادَ حُكْمُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ؛ وَاشْتُقَّ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ مِنْهُ اسْمٌ؛ وَلَمْ يُشْتَقَّ لِغَيْرِهِ مِنْهُ اسْمٌ وَعَادَ حُكْمُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ؛ وَلَمْ يَعُدْ عَلَى غَيْرِهِ؛ كَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ وَالسَّوَادَ وَالْبَيَاضَ وَالْحَرَارَةَ وَالْبُرُودَةَ إذَا قَامَتْ بِمَحَلِّ كَانَ هُوَ
الْمُتَحَرِّكَ الْأَسْوَدَ الْأَبْيَضَ الْحَارَّ الْبَارِدَ دُونَ غَيْرِهِ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ الْكَلَامُ وَالْإِرَادَةُ إذَا قَامَا بِمَحَلِّ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْمُتَكَلِّمَ الْمُرِيدَ دُونَ غَيْرِهِ.
قَالُوا: فَلَا يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ مُتَكَلِّمًا إلَّا بِكَلَامِ يَقُومُ بِهِ؛ وَلَا مُرِيدًا إلَّا بِإِرَادَةِ تَقُومُ بِهِ؛ وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ حَيًّا عَالِمًا قَادِرًا إلَّا بِحَيَاةِ وَعِلْمٍ وَقُدْرَةٍ تَقُومُ بِهِ؛ وَطَرْدُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَاعِلًا إلَّا بِفِعْلِ يَقُومُ بِهِ.
وَلِهَذَا ﴿اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَفْعَالِهِ وَذَاتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ؛ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ؛ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ﴾ . وَهَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقِ؛ قَالُوا: لِأَنَّهُ اسْتَعَاذَ بِهِ وَلَا يُسْتَعَاذُ بِمَخْلُوقِ.
فَصْلٌ:
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: وَمِنْ هُنَا لَمْ يَكُنْ لِلْفِعْلِ فِي ... مَا يَلْحَقُ الْفَاعِلَ تَأْثِيرٌ
فَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْفِعْلِ فِيمَا يَلْحَقُ الْفَاعِلَ مِنْ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ؛ فَهَذَا إنَّمَا يَقُولُهُ مُنْكِرُو الْأَسْبَابِ؛ كَجَهْمِ وَمَنْ
وَافَقَهُ؛ وَإِلَّا فَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى إثْبَاتِ الْأَسْبَابِ وَالْحُكْمِ: خَلْقًا وَأَمْرًا.
فَفِي " الْأَمْرِ " مِثْلَ مَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ؛ الْأَسْبَابُ الْمُثْبِتَةُ لِلْإِرْثِ " ثَلَاثَةٌ ": نَسَبٌ وَنِكَاحٌ وَوَلَاءُ عِتْقٍ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحَالَفَةِ؛ وَالْإِسْلَامِ عَلَى يَدَيْهِ وَكَوْنِهِمَا مَنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإِرْثِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَجْعَلُهُ سَبَبًا: كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ.
وَمِثْلُ مَا يَقُولُونَ: مِلْكُ النِّصَابِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ الْمَحْضُ سَبَبٌ لِلْقَوَدِ؛ وَالسَّرِقَةُ سَبَبٌ لِلْقَطْعِ.
وَمَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ السَّبَبَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي مُسَبَّبِهِ لَيْسَ عَلَامَةً مَحْضَةً وَإِنَّمَا يَقُولُ: إنَّهُ عَلَامَةٌ مَحْضَةٌ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ بَنَوْا عَلَى قَوْلِ جَهْمٍ؛ وَقَدْ يُطْلَقُ مَا يُطْلِقُونَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَجُمْهُورُ مَنْ يُطْلِقُ ذَلِكَ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَتَنَاقَضُونَ.
تَارَةً يَقُولُونَ: بِقَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَتَارَةً يَقُولُونَ: بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ.
وَكَذَلِكَ الْحِكْمَةُ وَشَرْعُ الْأَحْكَامِ لِلْحُكْمِ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ مَعَ السَّلَفِ.
وَكَذَلِكَ الْحِكْمَةُ فِي " الْخَلْقِ " وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِذَلِكَ فِي " الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ "
وَمَمْلُوءٌ بِأَنَّهُ يَخْلُقُ الْأَشْيَاءَ بِالْأَسْبَابِ لَا كَمَا يَقُولُهُ أَتْبَاعُ جَهْمٍ إنَّهُ يَفْعَلُ عِنْدَهَا لَا بِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا دُخُولُ لَامِ كَيْ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ فَكَثِيرٌ جِدًّا وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَقَدْ بَسَطَ حُجَجَ نفاة الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ الْعَقْلِيَّةَ وَالشَّرْعِيَّةَ وَبَيَّنَ فَسَادَهَا كَمَا بَيَّنَ فَسَادَ حُجَجِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ.
وَحِينَئِذٍ فَالْأَفْعَالُ سَبَبٌ لِلْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
وَالْفُقَهَاءُ الْمُثْبِتُونَ لِلْأَسْبَابِ وَالْحُكْمِ قَسَّمُوا خِطَابَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ إلَى " قِسْمَيْنِ " خِطَابَ تَكْلِيفٍ وَخِطَابَ وَضْعٍ وَإِخْبَارٍ كَجَعْلِ الشَّيْءِ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ نفاة ذَلِكَ؛ بِأَنَّكُمْ إنْ أَرَدْتُمْ بِكَوْنِ الشَّيْءِ
سَبَبًا أَنَّ الْحُكْمَ يُوجَدُ إذَا وُجِدَ فَلَيْسَ هُنَا حُكْمٌ آخَرُ وَإِنْ أَرَدْتُمْ مَعْنًى آخَرَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ.
وَجَوَابُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْأَسْبَابَ تَضَمَّنَتْ صِفَاتٍ مُنَاسِبَةً لِلْحُكْمِ شُرِعَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهَا وَشُرِعَ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْحِكْمَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الْآيَةَ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا الَّذِينَ قَالُوا لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي أَفْعَالِهِ هُمْ هَؤُلَاءِ أَتْبَاعُ جَهْمٍ نفاة الْأَسْبَابِ؛ وَإِلَّا فَاَلَّذِي عَلَيْهِ السَّلَفُ وَأَتْبَاعُهُمْ وَأَئِمَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمُثْبِتُونَ لِلْقَدَرِ الْمُخَالِفُونَ لِلْمُعْتَزِلَةِ إثْبَاتَ الْأَسْبَابِ وَأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ مَعَ فِعْلِهِ لَهَا تَأْثِيرٌ كَتَأْثِيرِ سَائِرِ الْأَسْبَابِ فِي مُسَبَّبَاتِهَا؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَسْبَابَ وَالْمُسَبَّبَاتِ.
وَالْأَسْبَابُ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بِالْمُسَبَّبَاتِ؛ بَلْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَسْبَابٍ أُخَرَ تُعَاوِنُهَا وَلَهَا - مَعَ ذَلِكَ - أَضْدَادٌ تُمَانِعُهَا وَالْمُسَبَّبُ لَا يَكُونُ حَتَّى يَخْلُقَ اللَّهُ جَمِيعَ أَسْبَابِهِ وَيَدْفَعَ عَنْهُ أَضْدَادَهُ الْمُعَارِضَةَ لَهُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَمَا يَخْلُقُ سَائِرَ الْمَخْلُوقَاتِ فَقُدْرَةُ الْعَبْدِ سَبَبٌ مِنْ الْأَسْبَابِ وَفِعْلُ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ بِهَا وَحْدَهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ.
وَإِذَا أُرِيدَ بِالْقُدْرَةِ الْقُوَّةُ الْقَائِمَةُ بِالْإِنْسَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَةِ الْمَوَانِعِ كَإِزَالَةِ