كِتَابُ الزَّكَاةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَمَّنْ لَهُ زَكَاةٌ وَلَهُ أَقَارِبُ فِي بَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ وَهُمْ مُسْتَحِقُّونَ الصَّدَقَةَ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا كَانُوا مُحْتَاجِينَ مُسْتَحِقِّينَ لِلزَّكَاةِ وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُمْ كِفَايَتُهُمْ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانُوا فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ:
عَنْ الْمِسْكِينِ يَحْتَاجُ إلَى الزَّكَاةِ مِنْ الزَّرْعِ: فَهَلْ إعْطَاؤُهُ.
يُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ إذَا عَجَّلَهَا لَهُ قَبْلَ إدْرَاكِ زَرْعِهِ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
وَأَمَّا تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا بَعْدَ سَبَبِ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد.
فَيَجُوزُ
تَعْجِيلُ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدَيْنِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ إذَا مَلَكَ النِّصَابَ.
وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الْمُعَشَّرَاتِ قَبْلَ وُجُوبِهَا إذَا كَانَ قَدْ طَلَعَ الثَّمَرُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَنَبَتَ الزَّرْعُ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ.
فَأَمَّا إذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ.
و
َسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ تَحْتَ يَدِهِ مَالٌ فَوْقَ النِّصَابِ
فَأَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ زَكَاةِ الْفَرْضِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ وَفِيمَنْ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَفِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ الْحَوْلُ حَالًّا فَهِيَ زَكَاةٌ وَإِلَّا تَكُونُ سَلَفًا عَلَى مَا يَجِبُ بَعْدُ: هَلْ يُجْزِئُ فِي الصُّورَتَيْنِ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ يُجْزِئُ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا إذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَى قَوْمٍ مُنْتَسِبِينَ إلَى الْمَشَايِخِ: هَلْ يَجُوزُ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
فَصْلٌ:
وَأَمَّا الزَّكَاةُ: فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَحَرَّى بِهَا الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ الْفُقَرَاءِ.
وَالْمَسَاكِينِ وَالْغَارِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الْمُتَّبِعِينَ لِلشَّرِيعَةِ فَمَنْ أَظْهَرَ بِدْعَةً أَوْ فُجُورًا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِالْهَجْرِ وَغَيْرِهِ.
وَالِاسْتِتَابَةَ فَكَيْفَ يُعَانُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَنْ يَأْخُذُهَا وَيُنْفِقُهَا بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ أَوْ يُنْفِقُهَا عَلَى عِيَالِهِ مَعَ غِنَاهُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ مَنْ دَفَعَهَا إلَيْهِ بَلْ لَا تُعْطَى إلَّا لِمُسْتَحِقِّهَا أَوْ لِمَنْ يُعْطِيهَا لِمُسْتَحِقِّهَا مِثْلُ مَنْ عِنْدَهُ خِبْرَةٌ
بِأَهْلِهَا وَأَمَانَةٌ فَيُؤَدِّيهَا إلَيْهِمْ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا﴾ . وَإِذَا طَلَبَهَا مَنْ لَا يَعْلَمُ حَاجَتَهُ إلَيْهَا وَهُوَ يَعْلَمُ حَاجَةَ آخَرَ فَإِعْطَاءُ مَنْ يَعْلَمُ حَاجَتَهُ أَوْلَى وَإِعْطَاءُ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ الَّذِي لَيْسَ مَنْ أَهْلِ نَفَقَتِهِ أَوْلَى مِنْ إعْطَاءِ الْبَعِيدِ الْمُسَاوِي لَهُ فِي الْحَاجَةِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ زَكَاةٌ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا لِأَقَارِبِهِ الْمُحْتَاجِينَ؟ أَوْ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُمْ مِنْهَا ثِيَابًا أَوْ حُبُوبًا؟ وَإِذَا أَخَذَ السُّلْطَانُ مِنْ غَنَمِهِ هَلْ تَسْقُطُ زَكَاتُهَا؟ وَهَلْ يَلْزَمُهُ إعْطَاءُ الزَّكَاةِ فِي بَلَدِ الْقِلَّةِ وَالْمَالِ أَمْ لَا.
وَهَلْ إذَا مَاتَ فَقِيرٌ وَلَهُ عَلَيْهِ مَالٌ: هَلْ لَهُ أَنْ يَحْسِبَهُ مِنْ الزَّكَاةِ؟ أَوْ يَطْلُبَهُ مَنْ غَيْرِهِ فَيَأْخُذَ عَنْهُ؟ وَهَلْ يُعْطِي لِمَنْ لَا يُصَلِّي؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِنْ كَانُوا مَنْ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَيْسُوا فِي عِيَالِهِ لَكِنْ يُعْطِيهِمْ مِنْ مَالِهِ وَهُمْ يَأْذَنُونَ لِمَنْ يَشْتَرِي لَهُمْ بِهَا مَا يُرِيدُونَ.
وَمَا أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مِنْ الزَّكَاةِ بِغَيْرِ أَمْرِ أَصْحَابِهِ احْتَسَبَ بِهِ وَجِيرَانُ الْمَالِ أَحَقُّ بِصَدَقَتِهِ فَإِنْ اسْتَغْنَوْا عَنْهَا أَعْطَى الْبَعِيدَ وَإِنْ أَعْطَاهَا الْفُقَرَاءَ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ جَازَ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ يَحْتَسِبْ بِهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا يَحْتَالُ فِي ذَلِكَ.
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا أُمِرَ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُصَلِّي أُعْطِيَ وَإِلَّا لَمْ يُعْطَ.
وَسُئِلَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَى أَقَارِبِهِ الْمُحْتَاجِينَ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ؟ هَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ أَوْ دَفْعُهَا إلَى الْأَجْنَبِيِّ؟ .
فَأَجَابَ:
أَمَّا دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى أَقَارِبِهِ: فَإِنْ كَانَ الْقَرِيبُ الَّذِي يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ حَاجَتُهُ مِثْلُ حَاجَةِ الْأَجْنَبِيِّ إلَيْهَا فَالْقَرِيبُ أَوْلَى.
وَإِنْ كَانَ الْبَعِيدُ أَحْوَجَ لَمْ يُحَابِ بِهَا الْقَرِيبَ.
قَالَ أَحْمَد عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُحَابِي بِهَا قَرِيبًا وَلَا يَدْفَعُ بِهَا مَذَمَّةً وَلَا يَقِي بِهَا مَالَهُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ دَفْعِهَا إلَى وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ صِنْفَانِ: صِنْفٌ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ.
كَالْفَقِيرِ وَالْغَارِمِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
وَصِنْفٌ يَأْخُذُهَا لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ: كَالْمُجَاهِدِ وَالْغَارِمِ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَقَارِبِهِ.
وَأَمَّا دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ: إذَا كَانُوا غَارِمِينَ أَوْ مُكَاتَبِينَ: فَفِيهَا وَجْهَانِ.
وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ نَفَقَتِهِمْ فَالْأَقْوَى جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ مَوْجُودٌ وَالْمَانِعَ مَفْقُودٌ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ.
وَسُئِلَ:
عَنْ امْرَأَةٍ فَقِيرَةٍ وَعَلَيْهَا دَيْنٌ وَلَهَا أَوْلَادُ بِنْتٍ صِغَارٌ وَلَهُمْ مَالٌ وَهُمْ تَحْتَ الْحَجْرِ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعُوا زَكَاتَهُمْ إلَى جَدَّتِهِمْ؟ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هِيَ أَوْلَى مَنْ غَيْرِهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
أَمَّا دَفْعُ زَكَاتِهِمْ إلَيْهَا لِقَضَاءِ دَيْنِهَا فَيَجُوزُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ دَفْعُهَا إلَى سَائِرِ الْأَقَارِبِ لِأَجْلِ الدَّيْنِ.
وَأَمَّا دَفْعُهَا لِأَجْلِ النَّفَقَةِ: فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَغْنِيَةً بِنَفَقَتِهِمْ أَوْ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَى زَكَاتِهِمْ دُفِعَتْ إلَيْهَا فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَهِيَ أَحَقُّ مِنْ الْأَجَانِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
هَلْ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَكَاةِ أَبِيهِ لِقَضَاءِ.
دَيْنِهِ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
إذَا كَانَ عَلَى الْوَلَدِ دَيْنٌ وَلَا وَفَاءَ لَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ زَكَاةِ أَبِيهِ؛ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَى النَّفَقَةِ وَلَيْسَ لِأَبِيهِ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ فَفِيهِ نِزَاعٌ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ زَكَاةِ أَبِيهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا بِنَفَقَةِ أَبِيهِ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى زَكَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
هَلْ يُجْزِئُ الرَّجُلَ عَنْ زَكَاتِهِ مَا يُغَرِّمُهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ فِي الطُّرُقَاتِ؟ أَمْ لَا؟ .
فَأَجَابَ:
مَا يَأْخُذُهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ:
عَنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ؟
فَأَجَابَ:
إنْ كَانَ مَالُ الْإِنْسَانِ لَا يَتَّسِعُ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ فَإِنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَلَا يُعْطِي الْبَعِيدَ مَا يَضُرُّ بِالْقَرِيبِ.
وَأَمَّا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهَا الْقَرِيبَ الَّذِي لَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَالْقَرِيبُ أَوْلَى إذَا اسْتَوَتْ الْحَاجَةُ.
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
عَنْ رَجُلٍ أَعْطَاهُ أَخٌ لَهُ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا أَيَقْبَلُهُ؟ أَمْ يَرُدُّهُ؟ وَقَدْ وَرَدَ ﴿مَنْ جَاءَهُ شَيْءٌ بِغَيْرِ سُؤَالٍ فَرَدَّهُ فَكَأَنَّمَا رَدَّهُ عَلَى اللَّهِ﴾ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ؟ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ:
قَدْ ثَبَتَ ﴿عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرِ: مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ سَائِلٍ وَلَا مُشْرِفٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك﴾ وَثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ: ﴿أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ مَا أَكْثَرَ مَسْأَلَتِك إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ فَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ فَقَالَ لَهُ حَكِيمٌ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ بَعْدَك مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا﴾ . فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُعْطَيَانِهِ فَلَا يَأْخُذُ.
فَتَبَيَّنَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ سَائِلًا بِلِسَانِهِ، أَوْ
مُشْرِفًا إلَى مَا يُعْطَاهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَهُ إلَّا حَيْثُ تُبَاحُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَالِاسْتِشْرَافُ.
وَأَمَّا إذَا أَتَاهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ؛ وَلَا إشْرَافٍ فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَعْطَاهُ حَقَّهُ كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ عَمِلَ فَأَعْطَاهُ عِمَالَتَهُ وَلَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَهُ كَمَا فَعَلَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ قَبِلَهُ وَكَانَ مِنْ غَيْرِ إشْرَافٍ لَهُ عَلَيْهِ فَقَدْ أَحْسَنَ.
وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَافِئَ بِالْمَالِ مَنْ أَسْدَاهُ.
إلَيْهِ لِخَبَرِ ﴿مَنْ أَسْدَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا لَهُ مَا تُكَافِئُوهُ.
فَادْعُوا حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ﴾ .
وَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فَصْلٌ:
فِي الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ.
فِي الصَّحِيحِ حَدِيثُ ﴿حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ثُمَّ قَالَ: يَا حَكِيمُ: إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى.
قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَك شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا.
فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ إنَّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ.
فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ وَفِي رِوَايَةٍ إنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَى حَكِيمٍ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ فِي هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ﴾ .
قَوْلُهُ: " لَمْ يَرْزَأْ ": أَيْ لَمْ يُنْقِصْ لَا لَمْ يَسْأَلْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ.
فَفِيهِ أَنَّ حَكِيمًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ.
وَهَذَا حُجَّةٌ فِي جَوَازِ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى﴾ تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى أَنَّ يَدَ الْآخِذِ سُفْلَى.
وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَد عَنْ حُجَّةٍ لِذَلِكَ مِنْ الْآيَةِ فَلَمْ يَعْرِفْهَا.
وَهَذِهِ حُجَّةٌ جَيِّدَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ زِيَادَاتٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ خَيْرًا لَك أَنْ لَا تَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا﴾ لَكِنْ يُنْظَرُ إسْنَادُهُ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَفْضِيلِ عَدَمِ الْأَخْذِ مُطْلَقًا.