ـ[مجموع الفتاوى]ـ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- مجموع الفتاوى
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة
لِصُورَةِ الدَّلِيلِ يُشْبِهُ حِسَابَ الْإِنْسَانِ لِمَا مَعَهُ مِنْ الرَّقِيقِ وَالْعَقَارِ.
وَالْفِطْرَةُ تَتَصَوَّرُ الْقِيَاسَ الصَّحِيحَ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ.
وَالنَّاسُ بِفِطَرِهِمْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ التَّدَاخُلِ وَالتَّلَازُمِ وَالتَّقْسِيمِ كَمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْحِسَابِ وَنَحْوِهِ والمنطقيون قَدْ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْقِيَاسَ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ إذَا كَانَتْ مَوَادُّهُ يَقِينِيَّةً؛ لَكِنْ نَقُولُ: إنَّ الْعِلْمَ الْحَاصِلَ بِهِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ؛ بَلْ يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ الْعِلْمِ مُتَوَقِّفًا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ.
ثُمَّ الْمَوَادُّ الْيَقِينِيَّةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا لَا يَحْصُلُ بِهَا عِلْمٌ بِالْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فَلَا يَحْصُلُ بِهَا مَقْصُودٌ تَزْكُو بِهِ النُّفُوسُ بَلْ وَلَا عِلْمٌ بِالْحَقَائِقِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِنْسِ مَا يَحْصُلُ بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
فَلَا يُمْكِنُ قَطُّ أَنْ يَتَحَصَّلَ بِالْقِيَاسِ الشُّمُولِيِّ الْمَنْطِقِيِّ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْبُرْهَانِيَّ عِلْمٌ إلَّا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ الَّذِي يَسْتَضْعِفُونَهُ.
فَإِنَّ ذَلِكَ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ.
وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ الْكُلِّيَّةِ كُلِّيَّةً لَا يُمْكِنُ الْجَزْمُ بِهِ إلَّا مَعَ الْجَزْمِ بِتَمَاثُلِ أَفْرَادِهِ فِي القدر الْمُشْتَرَكِ وَهَذَا يَحْصُلُ بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ بِوُجُوهِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَوَادَّ الْيَقِينِيَّةَ قَدْ حَصَرُوهَا فِي الْأَصْنَافِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ.
أَحَدُهَا: الْحِسِّيَّاتُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحِسَّ لَا يُدْرِكُ أَمْرًا كُلِّيًّا عَامًّا أَصْلًا فَلَيْسَ فِي الْحِسِّيَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ عَامَّةٌ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مُقَدِّمَةً فِي الْبُرْهَانِ الْيَقِينِيِّ.
وَإِذَا مَثَّلُوا ذَلِكَ: بِأَنَّ النَّارَ تُحْرِقُ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِعُمُومِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُمْ التَّجْرِبَةُ وَالْعَادَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
وَأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ اشْتِمَالِ النَّارِ عَلَى قُوَّةٍ مُحْرِقَةٍ فَالْعِلْمُ بِأَنَّ كُلَّ نَارٍ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْقُوَّةِ هُوَ أَيْضًا حُكْمٌ كُلِّيٌّ وَإِنْ قِيلَ: إنَّ الصُّورَةَ النَّارِيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى هَذِهِ الْقُوَّةِ.
وَإِنَّ مَا لَا قُوَّةَ فِيهِ لَيْسَ بِنَارِ فَهَذَا الْكَلَامُ إنْ صَحَّ لَا يُفِيدُ الْجَزْمَ بِأَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ هَذِهِ الْقُوَّةُ يُحْرِقُ مَا لَاقَاهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْغَالِبَ فَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ قِيَاسُ التَّمْثِيلِ وَالشُّمُولِ وَالْعَادَةِ وَالِاسْتِقْرَاءِ النَّاقِصِ - إذَا سَلِمَ لَهُمْ ذَلِكَ - كَيْفَ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا لَا تُحْرِقُ السمندل وَالْيَاقُوتَ وَالْأَجْسَامَ الْمَطْلِيَّةَ بِأُمُورِ مَصْنُوعَةٍ وَلَا أَعْلَمُ فِي الْقَضَايَا الْحِسِّيَّةِ كُلِّيَّةً لَا يُمْكِنُ نَقْضُهَا مَعَ أَنَّ الْقَضِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ لَيْسَتْ حِسِّيَّةً وَإِنَّمَا الْقَضِيَّةُ الْحِسِّيَّةُ: أَنَّ هَذِهِ النَّارَ تُحْرِقُ فَإِنَّ الْحِسَّ لَا يُدْرِكُ إلَّا شَيْئًا خَاصًّا.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ فَيَقُولُونَ: إنَّ النَّفْسَ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا هَذِهِ الْمُعَيَّنَاتِ مُسْتَعِدَّةٌ لِأَنْ تُفِيضَ عَلَيْهَا قَضِيَّةً كُلِّيَّةً بِالْعُمُومِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَلَا يُوثَقُ بِعُمُومِهِ إنْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ الْعَامَّ لَازِمٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ.
وَهَذَا إذَا عُلِمَ عُلِمَ فِي جَمِيعِ الْمُعَيَّنَاتِ فَلَمْ يَكُنْ الْعِلْمُ بِالْمُعَيَّنَاتِ مَوْقُوفًا عَلَى هَذَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقَضَايَا الْعَادِيَّاتِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ لَا يُمْكِنُ نَقْضُهَا بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ.
الثَّانِي: " الْوِجْدَانِيَّاتُ الْبَاطِنِيَّةُ ". كَإِدْرَاكِ كُلِّ أَحَدٍ جُوعَهُ وَأَلَمَهُ وَلَذَّتَهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا جُزْئِيَّاتٌ؛ بَلْ هَذِهِ لَا يَشْتَرِكُ النَّاسُ فِي إدْرَاكِ كُلِّ جُزْئِيٍّ مِنْهَا كَمَا قَدْ يَشْتَرِكُونَ فِي إدْرَاكِ بَعْضِ الْحِسِّيَّاتِ الْمُنْفَصِلَةِ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَفِيهَا مِنْ الْخُصُوصِ فِي الْمُدْرِكِ وَالْمُدْرَكِ مَا لَيْسَ فِي الْحِسِّيَّاتِ الْمُنْفَصِلَةِ وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي نَوْعِهَا فَهِيَ تُشْبِهُ الْعَادِيَّاتِ.
وَلَمْ يُقِيمُوا حُجَّةً عَلَى وُجُوبِ تَسَاوِي النُّفُوسِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ بَلْ وَلَا عَلَى النَّفْسِ النَّاطِقَةِ.
أَنَّهَا مُسْتَوِيَةُ الْأَفْرَادِ.
الثَّالِثُ: " الْمُجَرَّبَاتُ " وَهِيَ كُلُّهَا جُزْئِيَّةٌ.
فَإِنَّ التَّجْرِبَةَ إنَّمَا تَقَعُ عَلَى أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَكَذَلِكَ " الْمُتَوَاتِرَاتُ " فَإِنَّ الْمُتَوَاتِرَ إنَّمَا هُوَ مَا عُلِمَ بِالْحِسِّ مِنْ مَسْمُوعٍ أَوْ مَرْئِيٍّ.
فَالْمَسْمُوعُ قَوْلٌ مُعَيَّنٌ وَالْمَرْئِيُّ جِسْمٌ مُعَيَّنٌ أَوْ لَوْنٌ مُعَيَّنٌ أَوْ عَمَلٌ مُعَيَّنٌ أَوْ أَمْرٌ مُعَيَّنٌ.
وَأَمَّا " الْحَدْسِيَّاتُ " إنْ جُعِلَتْ يَقِينِيَّةً فَهِيَ نَظِيرُ الْمُجَرَّبَاتِ إذْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَا يَعُودُ إلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَإِنَّمَا يَعُودُ إلَى أَنَّ " الْمُجَرَّبَاتِ " تَتَعَلَّقُ بِمَا هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْمُجَرِّبِينَ وَالْحَدْسِيَّاتُ تَكُونُ عَنْ أَفْعَالِهِمْ وَبَعْضُ النَّاسِ يُسَمِّي الْكُلَّ تَجْرِيبِيَّاتٍ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُمْ إلَّا الْأَوَّلِيَّاتُ الَّتِي هِيَ الْبَدِيهِيَّاتُ الْعَقْلِيَّةُ وَالْأَوَّلِيَّاتُ الْكُلِّيَّةُ إنَّمَا هِيَ قَضَايَا مُطْلَقَةٌ فِي الْأَعْدَادِ وَالْمَقَادِيرِ وَنَحْوِهَا مِثْلَ قَوْلِهِمْ: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَالْأَشْيَاءُ الْمُسَاوِيَةُ لِشَيْءِ وَاحِدٍ مُتَسَاوِيَةٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذِهِ مُقَدَّرَاتٌ فِي الذِّهْنِ لَيْسَتْ فِي الْخَارِجِ كُلِّيَّةً.
فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةَ الْبُرْهَانِيَّةَ الَّتِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِكُلِّيَّتِهَا الَّتِي يَسْتَعْمِلُونَهَا فِي قِيَاسِهِمْ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي مُقَدَّرَاتٍ ذِهْنِيَّةٍ فَإِذَنْ لَا يُمْكِنُهُمْ مَعْرِفَةُ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ بِالْقِيَاسِ الْبُرْهَانِيِّ وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ بِحَصْرِ أَقْسَامِ الْمَوْجُودِ.
بَلْ أَرِسْطُو لَمَّا حَصَرَ أَجْنَاسَ الْمَوْجُودَاتِ فِي " الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ ": الْجَوْهَرِ وَالْكَمِّ وَالْكَيْفِ وَالْأَيْنِ وَمَتَى وَالْوَضْعِ وَأَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ يَنْفَعِلَ وَالْمِلْكِ وَالْإِضَافَةِ.
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ صِحَّةِ هَذَا الْحَصْرِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ لَا بُدَّ فِي كُلِّ قِيَاسٍ مِنْ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ فَتِلْكَ الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ لَا بُدَّ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَى أَنْ تُعْلَمَ بِغَيْرِ قِيَاسٍ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَالتَّسَلْسُلُ؛ فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهُمْ قَضَايَا كُلِّيَّةٌ مَعْلُومَةٌ بِغَيْرِ قِيَاسٍ.
فَنَقُولُ: لَيْسَ فِي الْمَوْجُودَاتِ مَا تَعْلَمُ لَهُ الْفِطْرَةُ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً بِغَيْرِ قِيَاسٍ إلَّا وَعِلْمُهَا بِالْمُفْرَدَاتِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ أَقْوَى مِنْ عِلْمِهَا بِتِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ مِثْلَ قَوْلِنَا: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَالْجِسْمُ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ هَذَا الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ فِي الْفِطْرَةِ أَقْوَى مِنْ الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ كُلِّ اثْنَيْنِ وَهَكَذَا مَا يُفْرَضُ مِنْ الْآحَادِ.
فَيُقَالُ الْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِلْمَ بِالْمَوْجُودِ الْخَارِجِيِّ
أَوْ الْعِلْمَ بِالْمُقَدَّرَاتِ الذِّهْنِيَّةِ: أَمَّا الثَّانِي فَفَائِدَتُهُ قَلِيلَةٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَمَا مِنْ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٍ إلَّا وَحُكْمُهُ بِعِلْمِ تَعَيُّنِهِ أَظْهَرُ وَأَقْوَى مِنْ الْعِلْمِ بِهِ عَنْ قِيَاسٍ كُلِّيٍّ يَتَنَاوَلُهُ فَلَا يَتَحَصَّلُ بِالْقِيَاسِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ؛ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ تَطْوِيلًا.
وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ الْقِيَاسُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِأَجْلِ الغالط وَالْمُعَانِدِ فَيُضْرَبُ لَهُ الْمَثَلُ وَتُذْكَرُ الْكُلِّيَّةُ رَدًّا لِغَلَطِهِ وَعِنَادِهِ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ سَلِيمَ الْفِطْرَةِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: الضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَأَيُّ شَيْئَيْنِ عُلِمَ تَضَادُّهُمَا فَإِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ قَبْلَ اسْتِحْضَارِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ بِأَنَّ كُلَّ ضِدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَمَا مِنْ جِسْمٍ مُعَيَّنٍ إلَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ جِسْمٍ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
فَمَا مِنْ مُعَيَّنٍ مَطْلُوبٍ عِلْمُهُ بِهَذِهِ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ إلَّا وَهُوَ يُعْلَمُ قَبْلَ أَنْ تُعْلَمَ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ وَلَا يُحْتَاجُ فِي الْعِلْمِ بِهِ إلَيْهَا.
وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِهَا مَا يُقَدَّرُ فِي الذِّهْنِ مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُوجَدْ فِي الْخَارِجِ.
وَأَمَّا الْمَوْجُودَاتُ الْخَارِجِيَّةُ فَتُعْلَمُ بِدُونِ هَذَا الْقِيَاسِ وَإِذَا قِيلَ إنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْلَمُ بَعْضَ الْأَعْيَانِ الْخَارِجِيَّةِ بِهَذَا الْقِيَاسِ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى قِيَاسِ التَّمْثِيلِ الَّذِي يُنْكِرُونَ أَنَّهُ يَقِينِيٌّ.
فَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إنْ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ قِيَاسَ التَّمْثِيلِ مِنْ جِنْسِ قِيَاسِ الشُّمُولِ يَنْقَسِمُ إلَى يَقِينِيٍّ وَظَنِّيٍّ بَطَلَ تَفْرِيقُهُمْ وَإِنْ ادَّعَوْا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ قِيَاسَ الشُّمُولِ يَكُونُ يَقِينِيًّا دُونَ التَّمْثِيلِ مُنِعُوا ذَلِكَ وَبُيِّنَ لَهُمْ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَحْصُلُ
فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ بِالتَّمْثِيلِ.
فَيَكُونُ الْعِلْمُ بِمَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ قِيَاسًا عَلَى مَا عُلِمَ مِنْهَا وَهَذَا حَقٌّ لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ بَلْ هَذَا مِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ الْعَقْلِ الَّتِي فَارَقَ بِهَا الْحِسَّ إذْ الْحِسُّ لَا يُعْلَمُ إلَّا مُعَيَّنًا وَالْعَقْلُ يُدْرِكُهُ كُلِّيًّا مُطْلَقًا لَكِنْ بِوَاسِطَةِ التَّمْثِيلِ ثُمَّ الْعَقْلُ يُدْرِكُهَا كُلَّهَا مَعَ عُزُوبِ الْأَمْثِلَةِ الْمُعَيَّنَةِ عَنْهُ لَكِنْ هِيَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا صَارَتْ فِي ذِهْنِهِ كُلِّيَّةً عَامَّةً بَعْدَ تَصَوُّرِهِ لِأَمْثَالِ مُعَيَّنَةٍ مِنْ أَفْرَادِهَا؛ وَإِذَا بَعُدَ عَهْدُ الذِّهْنِ بِالْمُفْرَدَاتِ الْمُعَيَّنَةِ فَقَدْ يَغْلَطُ كَثِيرًا بِأَنْ يَجْعَلَ الْحُكْمَ إمَّا أَعَمَّ وَإِمَّا أَخَصَّ وَهَذَا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ كَثِيرًا حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ صَحِيحٌ وَيَكُونُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُمْ يَتَصَوَّرُونَ الشَّيْءَ بِعُقُولِهِمْ وَيَكُونُ مَا تَصَوَّرُوهُ مَعْقُولًا بِالْعَقْلِ فَيَتَكَلَّمُونَ عَلَيْهِ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي مَاهِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ بِنَفْسِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً فِي الْخَارِجِ وَلَا فِي الذِّهْنِ فَيَقُولُونَ: الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَالْوُجُودُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَالسَّوَادُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَيَظُنُّونَ أَنَّ هَذِهِ الْمَاهِيَّةَ الَّتِي جَرَّدُوهَا عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ السَّلْبِيَّةِ وَالثُّبُوتِيَّةِ مُحَقَّقَةٌ فِي الْخَارِجِ عَلَى هَذَا التَّجْرِيدِ وَذَلِكَ غَلَطٌ كَغَلَطِ أَوَّلِيهِمْ فِيمَا جَرَّدُوهُ مِنْ الْعَدَدِ وَالْمُثُلِ الْأَفْلاطونيَّةِ وَغَيْرِهَا بَلْ هَذِهِ الْمُجَرَّدَاتُ لَا تَكُونُ إلَّا مُقَدَّرَةً فِي الذِّهْنِ وَلَيْسَ كُلُّ مَا فَرَضَهُ الذِّهْنُ أَمْكَنَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ وَهَذَا الَّذِي يُسَمَّى الْإِمْكَانَ الذِّهْنِيَّ.
فَإِنَّ الْإِمْكَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ.
" ذِهْنِيٌّ " وَهُوَ أَنْ يَعْرِضَ الشَّيْءُ عَلَى الذِّهْنِ فَلَا يُعْلَمُ امْتِنَاعُهُ بَلْ يَقُولُ يُمْكِنُ هَذَا لَا لِعِلْمِهِ بِإِمْكَانِهِ؛ بَلْ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِامْتِنَاعِهِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا فِي الْخَارِجِ.
وَ " خَارِجِيٌّ " وَهُوَ أَنْ يُعْلَمَ إمْكَانُ الشَّيْءِ فِي الْخَارِجِ وَهَذَا يَكُونُ بِأَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ أَوْ وُجُودُ نَظِيرِهِ أَوْ وُجُودُ مَا هُوَ أَبْعَدُ عَنْ الْوُجُودِ مِنْهُ.
فَإِذَا كَانَ الْأَبْعَدُ عَنْ قَبُولِ الْوُجُودِ مَوْجُودًا مُمْكِنَ الْوُجُودِ فَالْأَقْرَبُ إلَى الْوُجُودِ مِنْهُ أَوْلَى.
وَهَذِه
ِ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ " إمْكَانِ الْمَعَادِ ".
فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَتَارَةً يُخْبِرُ عَمَّنْ أَمَاتَهُمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ قَوْمِ مُوسَى الَّذِينَ قَالُوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قَالَ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ وَعَنْ ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ وَعَنْ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ إذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الْقِصَّةُ.
وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْ الْمَسِيحِ أَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: أَنَّهُمْ بُعِثُوا بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعِ سِنِينَ.
وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّشْأَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْإِعَادَةَ أَهْوَنُ مِنْ الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الْآيَةُ
وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ . وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّ خَلْقَهُمَا أَعْظَمُ مِنْ إعَادَةِ الْإِنْسَانِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ وَتَارَةً يَسْتَدِلُّ عَلَى إمْكَانِهِ بِخَلْقِ النَّبَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا عِنْدَ أَئِمَّةِ النُّظَّارِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ.
فَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ وَمَا هُوَ أَبْلَغُ وَأَكْمَلُ مِنْهَا عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ مَعَ تَنَزُّهِهِ عَنْ الْأَغَالِيطِ الْكَثِيرَةِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ خَطَأَهُمْ فِيهَا كَثِيرٌ جِدًّا وَلَعَلَّ ضَلَالَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ هُدَاهُمْ وَجَهْلَهُمْ أَكْثَرُ مَنْ عِلْمِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ فِي كِتَابِهِ " أَقْسَامِ الذَّاتِ " لَقَدْ تَأَمَّلْت الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ فَمَا رَأَيْتهَا تَشْفِي عَلِيلًا وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا وَرَأَيْت أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِمْكَانَ الْخَارِجِيَّ يُعْرَفُ بِالْوُجُودِ لَا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالِامْتِنَاعِ كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الآمدي.
وَأَبْعَدُ مِنْ إثْبَاتِهِ الْإِمْكَانُ الْخَارِجِيُّ بِالْإِمْكَانِ الذِّهْنِيِّ مَا يَسْلُكُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ كَابْنِ سِينَا فِي إثْبَاتِ الْإِمْكَانِ الْخَارِجِيِّ بِمُجَرَّدِ إمْكَانِ تَصَوُّرِهِ فِي الذِّهْنِ كَمَا أَنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا إثْبَاتَ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ مَعْقُولٍ لَا يَكُونُ مَحْسُوسًا بِحَالِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ الْكُلِّيِّ الْمُطْلَقِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْأَفْرَادِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ وَهَذَا إنَّمَا يُفِيدُ إمْكَانَ وُجُودِ هَذِهِ الْمَعْقُولَاتِ فِي الذِّهْنِ فَإِنَّ الْكُلِّيَّ لَا يُوجَدُ كُلِّيًّا إلَّا فِي الذِّهْنِ فَأَيْنَ طُرُقُ هَؤُلَاءِ فِي إثْبَاتِ الْإِمْكَانِ الْخَارِجِيِّ مِنْ طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ.
ثُمَّ إنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْفَاسِدَةِ يُرِيدُونَ خُرُوجَ النَّاسِ عَمَّا فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَارِفِ الْيَقِينِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ الْأَخْبَارِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ اللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.
وَيُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوا مِثْلَ هَذِهِ الْقَضَايَا الْكَاذِبَةِ؛ وَالْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ أُصُولًا عَقْلِيَّةً يُعَارَضُ بِهَا مَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِنْ الْآيَاتِ وَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ.
وَمَا تَقُومُ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ الَّتِي لَا شُبْهَةَ فِيهَا.
وَأَفْسَدُوا بِأُصُولِهِمْ الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ وَالسَّمْعِيَّةَ؛ فَإِنَّ مَبْنَى الْعَقْلِ عَلَى صِحَّةِ الْفِطْرَةِ وَسَلَامَتِهَا وَمَبْنَى السَّمْعِ عَلَى تَصْدِيقِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَمَّلُوا لِلنَّاسِ الْأَمْرَيْنِ فَدَلُّوهُمْ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بِهَا تُعْلَمُ الْمَطَالِبُ الَّتِي يُمْكِنُهُمْ عِلْمُهُمْ بِهَا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
وَأَخْبَرُوهُمْ مَعَ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ الْغَيْبِ بِمَا يَعْجِزُونَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمْ وَاسْتِدْلَالِهِمْ.
وَلَيْسَ تَعْلِيمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَقْصُورًا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ كَمَا يَظُنُّهُ كَثِيرٌ؛ بَلْ هُمْ بَيَّنُوا مِنْ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي بِهَا تُعْلَمُ الْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ مَا لَا يُوجَدُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَلْبَتَّةَ.
فَتَعْلِيمُهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ جَامِعٌ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ جَمِيعًا بِخِلَافِ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُمْ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ مَعَ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الْكِبْرِ الَّذِي مَا هُمْ بَالِغِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إنْ فِي صُدُورِهِمْ إلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وَقَالَ: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَدْ أَلَّفْت كِتَابَ " دَفْعِ تَعَارُضِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ "؛ وَلِهَذَا لَمَّا كَانُوا يَتَصَوَّرُونَ فِي أَذْهَانِهِمْ مَا يَظُنُّونَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ كَانَ أَكْثَرُ عُلُومِهِمْ مَبْنِيًّا عَلَى ذَلِكَ فِي " الْإِلَهِيِّ " وَ " الرِّيَاضِيِّ ". وَإِذَا تَأَمَّلَ الْخَبِيرُ بِالْحَقَائِقِ كَلَامَهُمْ فِي أَنْوَاعِ عُلُومِهِمْ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ عِلْمًا بِمَعْلُومَاتِ مَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ إلَّا الْقِسْمَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ " الطَّبِيعِيَّ " وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ " الرِّيَاضِيِّ ". وَأَمَّا " الرِّيَاضِيُّ " الْمُجَرَّدُ فِي الذِّهْنِ فَهُوَ الْحُكْمُ بِمَقَادِيرَ ذِهْنِيَّةٍ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ.
وَاَلَّذِي سَمَّوْهُ " عِلْمَ مَا بَعْدَ الطَّبِيعَةِ " إذَا تُدُبِّرَ:
لَمْ يُوجَدْ فِيهِ عِلْمٌ بِمَعْلُومِ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا تَصَوَّرُوا أُمُورًا مُقَدَّرَةً فِي أَذْهَانِهِمْ لَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي الْخَارِجِ وَلِهَذَا مُنْتَهَى نَظَرِهِمْ وَآخِرُ فَلْسَفَتِهِمْ وَحِكْمَتِهِمْ هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الْكُلِّيُّ وَالْمَشْرُوطُ بِسَلْبِ جَمِيعِ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَدَّعُونَ فِي الْمَطَالِبِ الْبُرْهَانِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ مَا يَكُونُونَ قَدَّرُوهُ فِي أَذْهَانِهِمْ.
وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ وَالْعَقْلِيَّاتِ الْمَحْضَةِ.
وَإِذَا ذُكِرَ لَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا: نَتَكَلَّمُ فِيمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَفِي الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ وَنَحْوَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ فَيُطَالِبُونَ بِتَحْقِيقِ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْخَارِجِ وَيُقَالُ: بَيِّنُوا هَذَا أَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ فَهُنَالِكَ يَظْهَرُ جَهْلُهُمْ وَأَنَّ مَا يَقُولُونَهُ هُوَ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ.
مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: اُذْكُرُوا مِثَالَ ذَلِكَ وَالْمِثَالُ أَمْرٌ جُزْئِيٌّ فَإِذَا عَجَزُوا عَنْ التَّمْثِيلِ.
وَقَالُوا: نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِي الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلَا عِلْمٍ.
وَفِيمَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ لَهُ مَعْلُومًا فِي الْخَارِجِ؛ بَلْ فِيمَا لَيْسَ لَهُ مَعْلُومٌ فِي الْخَارِجِ وَفِيمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعْلُومٌ فِي الْخَارِجِ وَإِلَّا فَالْعِلْمُ بِالْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ إذَا كَانَ كُلِّيًّا كَانَتْ مَعْلُومَاتُهُ ثَابِتَةً فِي الْخَارِجِ.
وَقَدْ كَانَ الخسرو شَاهِي مِنْ أَعْيَانِهِمْ وَمِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ الرَّازِيَّ وَكَانَ يَقُولُ: مَا عَثَرْنَا إلَّا عَلَى هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ وَكَانَ قَدْ وَقَعَ فِي حِيرَةٍ وَشَكٍّ حَتَّى كَانَ يَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَعْتَقِدُ وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَعْتَقِدُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الَّذِي يَدَّعُونَهُ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ هُوَ إذَا كَانَ عِلْمًا فَهُوَ مِمَّا يُعْرَفُ بِقِيَاسِ التَّمْثِيلِ لَا يَقِفُ عَلَى الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ الشُّمُولِيِّ أَصْلًا بَلْ مَا يَدَّعُونَ ثُبُوتَهُ بِهَذَا الْقِيَاسِ تُعْلَمُ أَفْرَادُهُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِدُونِ هَذَا.
الْقِيَاسُ وَذَلِكَ أَيْسَرُ وَأَسْهَلُ.
وَيَكُونُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهَا بِالْقِيَاسِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْبُرْهَانِيَّ اسْتِدْلَالًا عَلَى الْأَجْلَى بِالْأَخْفَى.
وَهُمْ يَعِيبُونَ فِي صِنَاعَةِ الْحَدِّ أَنْ يُعْرَفَ الْجَلِيُّ بِالْخَفِيِّ وَهَذَا فِي صِنَاعَةِ الْبُرْهَانِ أَشَدُّ عَيْبًا فَإِنَّ الْبُرْهَانَ لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا بَيَانُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ وَتَعْرِيفُهُ وَكَشْفُهُ وَإِيضَاحُهُ فَإِذَا كَانَ هُوَ أَوْضَحَ وَأَظْهَرَ كَانَ بَيَانًا لِلْجَلِيِّ بِالْخَفِيِّ.
قَالَ: ثُمَّ إنَّ الْفَلَاسِفَةَ أَصْحَابَ هَذَا الْمَنْطِقِ الْبُرْهَانِيِّ الَّذِي وَضَعَهُ أَرِسْطُو وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الطَّبِيعِيِّ وَالْإِلَهِيِّ لَيْسُوا أُمَّةً وَاحِدَةً بَلْ أَصْنَافٌ مُتَفَرِّقُونَ وَبَيْنَهُمْ مِنْ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ أَعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ كُلَّمَا بَعُدُوا عَنْ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ وَالْكُتُبِ كَانَ أَعْظَمَ فِي تَفَرُّقِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ أَضَلَّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أمامة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ.
ثُمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ } إذْ لَا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَّا كِتَابٌ مُنَزَّلٌ وَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} الْآيَةُ وَقَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وَقَالَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ وَالْمَقَايِيسِ الْعَقْلِيَّةِ مَا يُعْرَفُ بِهِ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ وَأَمَرَ اللَّهُ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف وَنَهَى عَنْ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَأَخْبَرَ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لَا يَخْتَلِفُونَ فَقَالَ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ وَلِهَذَا يُوجَدُ أَتْبَعُ النَّاسِ لِلرَّسُولِ أَقَلُّ اخْتِلَافًا مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ الْمُنْتَسِبَةِ لِلسُّنَّةِ وَكُلُّ مَنْ قَرُبَ لِلسُّنَّةِ كَانَ أَقَلَّ اخْتِلَافًا مِمَّنْ بَعُدَ عَنْهَا كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ فَنَجِدُهُمْ أَكْثَرَ الطَّوَائِفِ اخْتِلَافًا.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفَلَاسِفَةِ فَلَا يَحْصُرُهُ أَحَدٌ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي كِتَابِ الْمَقَالَاتِ " مَقَالَاتِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيِّينَ " فَأَتَى بِالْجَمِّ الْغَفِيرِ سِوَى مَا ذَكَرَهُ الْفَارَابِيُّ وَابْنُ سِينَا وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ " الدَّقَائِقِ " الَّذِي رَدَّ فِيهِ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَرَجَّحَ فِيهِ مَنْطِقَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ الْعَرَبِ عَلَى مَنْطِقِ الْيُونَانِ.
وَكَذَلِكَ مُتَكَلِّمَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي رَدِّهِمْ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ.
وَصَنَّفَ الْغَزَالِيُّ كِتَابَ " التَّهَافُتِ " فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
وَمَا زَالَ نُظَّارُ الْمُسْلِمِينَ يُصَنِّفُونَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي الْمَنْطِقِ وَيُبَيِّنُونَ خَطَأَهُمْ
فِيمَا ذَكَرُوهُ فِي الْحَدِّ وَالْقِيَاسِ جَمِيعًا كَمَا يُبَيِّنُونَ خَطَأَهُمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ نُظَّارِ الْمُسْلِمِينَ يَلْتَفِتُ إلَى طَرِيقِهِمْ؛ بَلْ الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ والكَرَّامِيَة وَالشِّيعَةُ وَسَائِرُ الطَّوَائِفِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ كَانُوا يَعِيبُونَهَا وَيُبَيِّنُونَ فَسَادَهَا.
وَأَوَّلُ مَنْ خَلَطَ مَنْطِقَهُمْ بِأُصُولِ الْمُسْلِمِينَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يَطُولُ ذَكَرَهُ.
وَهَذَا الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مَذْكُورٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ.
وَفِي كِتَابِ " الْآرَاءِ وَالدِّيَانَاتِ " لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى النوبختي فَصْلٌ جَيِّدٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ طَرِيقَة أَرِسْطُو فِي الْمَنْطِقِ قَالَ: وَقَدْ اعْتَرَضَ قَوْمٌ مِنْ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَوْضَاعِ الْمَنْطِقِ هَذِهِ وَقَالُوا: أَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْمَنْطِقِ إنَّ الْقِيَاسَ لَا يُبْنَى مِنْ مُقَدِّمَةٍ وَاحِدَةٍ فَغَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ إذَا أَرَادَ مَثَلًا أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ جَوْهَرٌ فَلَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى نَفْسِ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ بِأَنْ يَقُولَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ جَوْهَرٌ أَنَّهُ يَقْبَلُ الْمُتَضَادَّاتِ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَلَيْسَ يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَةٍ ثَانِيَةٍ وَهِيَ: أَنْ يَقُولَ: إنَّ كُلَّ قَابِلٍ لِلْمُتَضَادَّاتِ فِي أَزْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ جَوْهَرٌ لِأَنَّ الْخَاصَّ دَاخِلٌ فِي الْعَامِّ فَعَلَى أَيِّهِمَا دَلَّ اسْتَغْنَى عَنْ الْآخَرِ.
وَقَدْ يَسْتَدِلُّ الْإِنْسَانُ إذَا شَاهَدَ الْأَثَرَ أَنَّ لَهُ مُؤَثِّرًا وَالْكِتَابَةَ أَنَّ لَهَا كَاتِبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ.
قَالُوا: فَنَقُولُ: إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ.
فَإِذَا ذُكِرَتْ إحْدَاهُمَا اُسْتُغْنِيَ بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِ عَنْ الْأُخْرَى فَتَرَكَ ذِكْرَهَا لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا.
قُلْنَا لَسْنَا نَجِدُ مُقَدِّمَتَيْنِ كُلِّيَّتَيْنِ يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى صِحَّةِ نَتِيجَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: الْجَوْهَرُ لِكُلِّ حَيٍّ وَالْحَيَاةُ لِكُلِّ إنْسَانٍ فَتَكُونُ النَّتِيجَةُ أَنَّ الْجَوْهَرَ لِكُلِّ إنْسَانٍ فَسَوَاءٌ فِي الْعُقُولِ قَوْلُ الْقَائِلِ: الْجَوْهَرُ لِكُلِّ حَيٍّ وَقَوْلُهُ لِكُلِّ إنْسَانٍ.
وَلَا يَجِدُونَ مِنْ الْمَطَالِبِ الْعَمَلِيَّةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ يَقِفُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ بَيِّنَتَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَتْ إحْدَاهُمَا كَافِيَةً.
وَنَقُولُ لَهُمْ أَرُونَا مُقَدِّمَتَيْنِ أُولَيَيْنِ لَا تَحْتَاجَانِ إلَى بُرْهَانٍ يَتَقَدَّمُهُمَا يُسْتَدَلُّ بِهِمَا عَلَى شَيْءٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
وَتَكُونُ الْمُقَدِّمَتَانِ فِي الْعُقُولِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ النَّتِيجَةِ فَإِذَا كُنْتُمْ لَا تَجِدُونَ ذَلِكَ بَطَلَ مَا ادَّعَيْتُمُوهُ.
قَالَ النوبختي: وَقَدْ سَأَلْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ أَنْ يُوجِدَ نِيَّةً فَمَا أَوْجَدَ نِيَّةً فَمَا ذَكَرَهُ أرسطاطاليس غَيْرُ مَوْجُودٍ وَلَا مَعْرُوفٍ.
قَالَ: فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الشَّكْلَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ فَهُمَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلَيْنِ عَلَى مَا بَنَاهُمَا عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَا يَصِحَّانِ؛ بِقَلْبِ مُقَدِّمَتَيْهِمَا حَتَّى يَعُودَا إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ.
فَالْكَلَامُ فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ هُوَ الْكَلَامُ فِيهَا.
. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّة: وَمَقْصُودُهُ أَنَّ سَائِرَ الْأَشْكَالِ إنَّمَا تُنْتَجُ بِالرَّدِّ إلَى الشَّكْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَسَائِرُ الْأَشْكَالِ وَنِتَاجُهَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ مَعَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فَإِنَّ الشَّكْلَ الْأَوَّلَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ جَمِيعَ الْمَوَادِّ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ
الْكُلِّيَّةَ وَالْجُزْئِيَّةَ.
وَقَدْ عُلِمَ انْتِفَاءُ فَائِدَتِهِ فَانْتِفَاءُ فَائِدَةِ فُرُوعِهِ الَّتِي لَا تُفِيدُ إلَّا بِالرَّدِّ إلَيْهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - لَمْ يَزَلْ فِيهَا مَنْ يَتَفَطَّنُ لِمَا فِي كَلَامِ أَهْلِ الْبَاطِلِ مِنْ الْبَاطِلِ وَيَرُدُّهُ.
وَهُمْ لِمَا هَدَاهُمْ اللَّهُ بِهِ يَتَوَافَقُونَ فِي قَبُولِ الْحَقِّ وَرَدِّ الْبَاطِلِ رَأْيًا وَرِوَايَةً مِنْ غَيْرِ تَشَاعُرٍ وَلَا تَوَاطُؤٍ.
وَهَذَا الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ النُّظَّارُ يُوَافِقُ مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ بَلْ يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ تَطْوِيلًا وَتَكْثِيرًا لِلْفِكْرِ وَالنَّظَرِ وَالْكَلَامِ بِلَا فَائِدَةٍ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةَ الْعَامَّةَ لَا تُوجَدُ فِي الْخَارِجِ كُلِّيَّةً عَامَّةً وَإِنَّمَا تَكُونُ كُلِّيَّةً فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
وَأَمَّا الْمَوْجُودَاتُ فِي الْخَارِجِ فَهِيَ أُمُورٌ مُعَيَّنَةٌ كُلُّ مَوْجُودٍ لَهُ حَقِيقَةٌ تَخُصُّهُ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَمَّا سِوَاهُ لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ فَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِالْقِيَاسِ عَلَى خُصُوصِ وُجُودٍ مُعَيَّنٍ وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ وَقَائِلُونَ إنَّ الْقِيَاسَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مُعَيَّنٍ وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى جُزْئِيٍّ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى كُلِّيٍّ.
فَإِذًا الْقِيَاسُ لَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ أَمْرٍ مَوْجُودٍ بِعَيْنِهِ.
وَكُلُّ مَوْجُودٍ فَإِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ بِعَيْنِهِ فَلَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنْ حَقَائِقِ الْمَوْجُودَاتِ وَإِنَّمَا يُفِيدُ أُمُورًا كُلِّيَّةً مُطْلَقَةً مُقَدَّرَةً فِي الْأَذْهَانِ لَا مُحَقَّقَةً فِي الْأَعْيَانِ.
فَمَا يَذْكُرُهُ النُّظَّارُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْقِيَاسِيَّةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا بَرَاهِينَ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ سُبْحَانَهُ لَا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى عَيْنِهِ.
وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ مُطْلَقٍ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ.
فَإِذَا قَالَ: هَذَا مُحْدَثٌ وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ.
إنَّمَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى مُحْدَثٍ مُطْلَقٍ كُلِّيٍّ لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ وَإِنَّمَا تُعْلَمُ عَيْنُهُ بِعِلْمِ آخَرَ يَجْعَلُهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ.
وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِهَذَا؛ لِأَنَّ النَّتِيجَةَ لَا تَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمُقَدِّمَاتُ فِيهَا قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ.
وَالْكُلِّيُّ لَا يَدُلُّ عَلَى مُعَيَّنٍ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الْآيَةَ.
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْمُعَيَّنِ كَالشَّمْسِ الَّتِي هِيَ آيَةُ النَّهَارِ.
وَالدَّلِيلُ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ؛ فَإِنَّ الدَّلِيلَ قَدْ يَكُونُ بِمُعَيَّنِ عَلَى مُعَيَّنٍ كَمَا يُسْتَدَلُّ بِالنَّجْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكَوَاكِبِ عَلَى الْكَعْبَةِ فَالْآيَاتُ تَدُلُّ عَلَى نَفْسِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ لَا عَلَى قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَإِنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ نَفْسُهُ فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ عَيْنِ الْخَالِقِ نَفْسِهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ الْمُكَرَّرَ فِي قِيَاسِ الشُّمُولِ وَهُوَ الْخَمْرُ مِنْ قَوْلِك: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَالْقِيَاسَانِ مُتَلَازِمَانِ.
كُلُّ مَا عُلِمَ بِهَذَا الْقِيَاسِ يُمْكِنُ عِلْمُهُ بِهَذَا الْقِيَاسِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الدَّلِيلُ قَطْعِيًّا فَهُوَ قَطْعِيٌّ فِي الْقِيَاسَيْنِ أَوْ ظَنِّيًّا فَظَنِّيٌّ فِيهِمَا.
وَأَمَّا دَعْوَى مَنْ يَدَّعِي مِنْ الْمَنْطِقِيِّينَ وَأَتْبَاعِهِمْ: أَنَّ الْيَقِينَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِقِيَاسِ الشُّمُولِ دُونَ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
فَهُوَ قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
وَهُوَ قَوْلُ
مَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ حَقِيقَةَ الْقِيَاسَيْنِ.
وَقَدْ يُعْلَمُ بِنَصِّ: أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ قِيَاسُ الشُّمُولِ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ بَلْ وَلَا قِيَاسٌ مِنْ الْأَقْيِسَةِ.
فَإِنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ بِلَا قِيَاسٍ فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ لَا عِلْمَ تصديقي إلَّا بِالْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: بَيَانُ قِلَّةِ مَنْفَعَتِهِ أَوْ عَدَمِهَا.
فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ إنْ كَانَ ثَمَّ قَضِيَّةٌ عُلِمَتْ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ تُفِيدُ الْعُمُومَ.
وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ حَصَلَ مُدَّعَاهُ.
فَالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ الْمُتَلَقَّاةُ عَنْ الرَّسُولِ تُفِيدُ الْعِلْمَ فِي الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَأَمَّا مَا يُسْتَفَادُ مِنْ عُلُومِهِمْ فَالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ فِيهِ إمَّا مُنْتَقِضَةٌ وَإِمَّا أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَإِمَّا أَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْمَوْجُودَاتِ الْمُعَيَّنَةِ بَلْ بِالْمُقَدَّرَاتِ الذِّهْنِيَّةِ كَالْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُ مَا وُجِدَ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ فَدُخُولُ الْمُعَيَّنِ فِيهِ لَا يُعْلَمُ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِالْحِسِّ فَلَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ مُحَصِّلًا لِلْمَقْصُودِ أَوْ تَكُونُ مِمَّا لَا اخْتِصَاصَ لَهُمْ بِهَا بَلْ يَشْتَرِكُ فِيهَا سَائِرُ الْأُمَمِ بِدُونِ خُطُورِ مَنْطِقِهِمْ بِالْبَالِ مَعَ اسْتِوَاءِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَقِيَاسِ الشُّمُولِ.
وَإِثْبَاتُ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ وَالنُّبُوَّاتِ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَقْيِسَةِ بَلْ يُعْلَمُ بِالْآيَاتِ الدَّالَّة عَلَى مُعَيَّنٍ لَا شَرِكَةَ فِيهِ يَحْصُلُ بِالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَمَا يَحْصُلُ مِنْهَا بِالشُّمُولِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَحْصُلُ بِالتَّمْثِيلِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ الرَّسُولُ إلَّا بِانْضِمَامِ عِلْمٍ آخَرَ إلَيْهِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْقِيَاسُ الشُّمُولِيُّ - وَهُوَ الْعِلْمُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ - فَنَقُولُ قَدْ عُلِمَ وَسَلَّمُوا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِثُبُوتِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ بَدِيهِيًّا؛ فَإِنَّ النَّتِيجَةَ إذَا افْتَقَرَتْ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ تُعْلَمَانِ بِدُونِ مُقَدِّمَتَيْنِ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ أَوْ التَّسَلْسُلُ الْبَاطِلَانِ وَإِذَا فُرِضَ مُقَدِّمَتَانِ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِمَا وَاحِدٌ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْقِيَاسِ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَكُلَّ حَيَوَانٍ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ.
فَالْعِلْمُ بِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ أَبْيَنُ وَأَظْهَرُ.
فالْمُقَدِّمَتانِ إنْ كَانَ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِمَا وَاحِدًا وَقَدْ عُلِمَتَا فَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِمَا مُخْتَلِفًا فَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ إحْدَاهُمَا احْتَاجَ إلَى بَيَانِهَا وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى بَيَانِ الْأُخْرَى الَّتِي عَلِمَهَا.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي كُلِّ مَا يُقَدِّرُهُ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْطِقَهُمْ يُعْطِي تَضْيِيعَ الزَّمَانِ وَكَثْرَةَ الْهَذَيَانِ وَإِتْعَابَ الْأَذْهَانِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: لَا رَيْبَ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْكُبْرَى أَعَمُّ مِنْ الصُّغْرَى أَوْ مِثْلُهَا وَلَا تَكُونُ أَخَصَّ مِنْهَا وَالنَّتِيجَةُ أَخَصُّ مِنْ الْكُبْرَى أَوْ مُسَاوِيَةٌ لَهَا وَأَعَمُّ مِنْ الصُّغْرَى أَوْ مِثْلُهَا وَلَا تَكُونُ أَخَصَّ مِنْهَا.
وَالْحِسُّ يُدْرِكُ الْمُعَيَّنَاتِ أَوَّلًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهَا إلَى الْقَضَايَا الْعَامَّةِ.
فَيَرَى هَذَا الْإِنْسَانَ وَهَذَا الْإِنْسَانَ وَكُلٌّ مِمَّا رَآهُ حَسَّاسٌ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ.
فَنَقُولُ الْعِلْمُ بِالْقَضِيَّةِ الْعَامَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَوَسُّطِ قِيَاسٍ وَالْقِيَاسُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَضِيَّةٍ عَامَّةٍ.
فَلَزِمَ أَنْ لَا يُعْلَمَ الْعَامُّ إلَّا بِعَامِّ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ أَوْ التَّسَلْسُلَ.
فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ عَامَّةٍ
مَعْلُومَةٍ بِالْبَدِيهَةِ.
وَهُمْ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ.
وَإِنْ أَمْكَنَ عِلْمُ الْقَضِيَّةِ الْعَامُّ بِغَيْرِ تَوَسُّطِ قِيَاسٍ أَمْكَنَ عِلْمُ الْأُخْرَى فَإِنَّ كَوْنَ الْقَضِيَّةِ بَدِيهِيَّةً أَوْ نَظَرِيَّةً لَيْسَ وَصْفًا لَازِمًا لَهَا يَجِبُ اسْتِوَاءُ جَمِيعِ النَّاسِ فِيهِ.
بَلْ هُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ إضَافِيٌّ بِحَسَبِ حَالِ النَّاسِ فَمَنْ عَلِمَهَا بِلَا دَلِيلٍ كَانَتْ بَدِيهِيَّةً لَهُ وَمَنْ احْتَاجَ إلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ كَانَتْ نَظَرِيَّةً لَهُ وَهَكَذَا سَائِرُ الْأُمُورِ.
فَإِذَا كَانَتْ الْقَضَايَا الْكُلِّيَّةُ مِنْهَا مَا يُعْلَمُ بِلَا دَلِيلٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي نَفْسِ الْقَضَايَا؛ بَلْ ذَلِكَ بِحَسَبِ أَحْوَالِ بَنِي آدَمَ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُقَالَ فِيمَا عَلِمَهُ زَيْدٌ بِالْقِيَاسِ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَيْرَهُ أَنْ يَعْلَمَهُ بِلَا قِيَاسٍ بَلْ هَذَا نَفْيٌ كَاذِبٌ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَدْ تَبَيَّنَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ قِيَاسَ الشُّمُولِ يُمْكِنُ جَعْلُهُ قِيَاسَ تَمْثِيلٍ وَبِالْعَكْسِ.
ف
َإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ تَعْلَمُ بِأَنَّ الْجَامِعَ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ؟
قِيلَ: مِنْ حَيْثُ نَعْلَمُ الْقَضِيَّةَ الْكُبْرَى فِي قِيَاسِ الشُّمُولِ.
فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: هَذَا فَاعِلٌ مُحْكِمٌ لِفِعْلِهِ وَكُلُّ مُحْكِمٍ لِفِعْلِهِ فَهُوَ عَالِمٌ.
فَأَيُّ شَيْءِ ذُكِرَ فِي عِلَّةِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
وَزِيَادَةُ أَنَّ هُنَاكَ أَصْلًا يُمَثَّلُ بِهِ قَدْ وُجِدَ فِيهِ الْحُكْمُ مَعَ الْمُشْتَرَكِ.
وَفِي الشُّمُولِ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِنْ الْأَفْرَادِ الَّتِي ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهَا
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذِكْرَ الْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ مَعَ بَعْضِ أَفْرَادِهِ أَثْبَتُ فِي الْعَقْلِ مِنْ ذِكْرِهِ مُجَرَّدًا عَنْ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ باتفاق الْعُقَلَاءِ.
وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْعَقْلَ تَابِعٌ لِلْحِسِّ فَإِذَا أَدْرَكَ الْحِسُّ الْجُزْئِيَّاتِ أَدْرَكَ الْعَقْلُ مِنْهَا قَدْرًا مُشْتَرَكًا كُلِّيًّا فَالْكُلِّيَّاتُ تَقَعُ فِي النَّفْسِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْجُزْئِيَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ فَمَعْرِفَةُ الْجُزْئِيَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي مَعْرِفَةِ الْكُلِّيَّاتِ فَكَيْفَ يَكُونُ ذِكْرُهَا مُضْعِفًا لِلْقِيَاسِ وَعَدَمُ ذِكْرِهَا مُوجِبًا لِقُوَّتِهِ وَهَذِهِ خَاصَّةُ الْعَقْلِ؛ فَإِنَّ خَاصَّةَ الْعَقْلِ مَعْرِفَةُ الْكُلِّيَّاتِ بِتَوَسُّطِ مَعْرِفَةِ الْجُزْئِيَّاتِ.
فَمَنْ أَنْكَرَهَا أَنْكَرَ خَاصَّةَ عَقْلِ الْإِنْسَانِ وَمَنْ جَعَلَ ذِكْرَهَا بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ مَحَالِّهَا الْمُعَيَّنَةِ أَقْوَى مِنْ ذِكْرِهَا مَعَ التَّمْثِيلِ بِمَوَاضِعِهَا الْمُعَيَّنَةِ كَانَ مُكَابِرًا.
وَقَدْ اتفق الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ مِمَّا يُعِينُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكُلِّيَّاتِ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْحَالُ إذَا ذُكِرَ مَعَ الْمِثَالِ كَالْحَالِ إذَا ذُكِرَ مُجَرَّدًا عَنْهُ.
وَمَنْ تَدَبَّرَ جَمِيعَ مَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ النَّاسُ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالْعَقْلِ فِي الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالتِّجَارَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجَدَ الْأَمْرَ كَذَلِكَ.
وَالْإِنْسَانُ قَدْ يُنْكِرُ أَمْرًا حَتَّى يَرَى وَاحِدًا مِنْ جِنْسِهِ فَيُقِرُّ بِالنَّوْعِ وَيَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ حُكْمًا كُلِّيًّا وَلِهَذَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ إنَّمَا جَاءَهُ رَسُولٌ وَاحِدٌ.
وَلَكِنْ كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِجِنْسِ الرُّسُلِ لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبُهُمْ بِالْوَاحِدِ بِخُصُوصِهِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الْعَقْلِ مَعْرِفَةُ التَّمَاثُلِ وَالِاخْتِلَافِ.
فَإِذَا رَأَى الشَّيْئَيْنِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلِمَ أَنَّ هَذَا مِثْلُ هَذَا فَجَعَلَ حُكْمَهُمَا وَاحِدًا كَمَا إذَا رَأَى الْمَاءَ وَالْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَالتُّرَابَ وَالْهَوَاءَ وَالْهَوَاءَ ثُمَّ حَكَمَ بِالْحُكْمِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ.
وَإِذَا حَكَمَ عَلَى بَعْضِ الْأَعْيَانِ وَمِثْلِهِ بِالنَّظِيرِ وَذَكَرَ الْمُشْتَرَكَ كَانَ أَحْسَنَ فِي الْبَيَانِ فَهَذَا قِيَاسُ الطَّرْدِ.
وَإِذَا رَأَى الْمُخْتَلِفَيْنِ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا قِيَاسُ الْعَكْسِ.
وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الِاعْتِبَارِ فِي كِتَابِهِ يَتَنَاوَلُ قِيَاسَ الطَّرْدِ وَقِيَاسَ الْعَكْسِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَهْلَكَ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ بِتَكْذِيبِهِمْ كَانَ مِنْ الِاعْتِبَارِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلُوا أَصَابَهُ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ فَيَتَّقِي تَكْذِيبَ الرُّسُلِ حَذَرًا مِنْ الْعُقُوبَةِ وَهَذَا قِيَاسُ الطَّرْدِ.
وَيُعْلَمُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُكَذِّبْ الرُّسُلَ لَا يُصِيبُهُ ذَلِكَ وَهَذَا قِيَاسُ الْعَكْسِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاعْتِبَارِ بِالْمُعَذَّبِينَ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الْفَرْعِ عَكْسُ حُكْمِ الْأَصْلِ لَا نَظِيرُهُ.
وَالِاعْتِبَارُ يَكُونُ بِهَذَا وَبِهَذَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وَقَالَ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ وَقَالَ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ . " وَالْمِيزَانَ " فَسَّرَهُ السَّلَفُ بِالْعَدْلِ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا يُوزَنُ بِهِ وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ.
وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ ذَلِكَ كَمَا أَنْزَلَ الْكِتَابَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.
فَمَا يُعْرَفُ
بِهِ تَمَاثُلُ الْمُتَمَاثِلَاتِ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْمَقَادِيرِ هُوَ مِنْ الْمِيزَانِ.
وَكَذَلِكَ مَا يُعْرَفُ بِهِ اخْتِلَافُ الْمُخْتَلِفَاتِ.
فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ وَتُوقِعُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.
ثُمَّ رَأَيْنَا النَّبِيذَ يُمَاثِلُهَا فِي ذَلِكَ كَانَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ هُوَ الْمِيزَانَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِنَا لِنَزِنَ بِهِ هَذَا وَنَجْعَلَهُ مِثْلَ هَذَا.
فَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.
فَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ هُوَ مِنْ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَمَنْ عَلِمَ الْكُلِّيَّاتِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ الْمُعَيَّنِ فَمَعَهُ الْمِيزَانُ فَقَطْ.
وَالْمَقْصُودُ بِهَا وَزْنُ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ.
وَإِلَّا فَالْكُلِّيَّاتُ لَوْلَا جُزْئِيَّاتُهَا الْمُعَيَّنَةُ لَمْ يَكُنْ بِهَا اعْتِبَارٌ.
كَمَا أَنَّهُ لَوْلَا الْمَوْزُونَاتُ لَمْ يَكُنْ إلَى الْمِيزَانِ مِنْ حَاجَةٍ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ أَحَدُ الْمَوْزُونَيْنِ وَاعْتُبِرَ بِالْآخَرِ بِالْمِيزَانِ كَانَ أَتَمَّ فِي الْوَزْنِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمِيزَانُ وَهُوَ الْوَصْفَ الْكُلِّيَّ الْمُشْتَرَكَ فِي الْعَقْلِ أَيُّ شَيْءٍ حَضَرَ مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُفْرَدَةِ وُزِنَ بِهَا مَعَ مَغِيبِ الْآخَرِ.
وَلَا يَجُوزُ لِعَاقِلِ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ الْمِيزَانَ الْعَقْلِيَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ مَنْطِقُ الْيُونَانِ لِوُجُوهِ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْمَوَازِينَ مَعَ كُتُبِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْيُونَانَ مِنْ عَهْدِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَغَيْرِهِمْ.
وَهَذَا الْمَنْطِقُ الْيُونَانِيُّ وَضَعَهُ أَرِسْطُو قَبْلَ الْمَسِيحِ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ فَكَيْفَ كَانَتْ الْأُمَمُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَزِنُ بِهِ؟! .
الثَّانِي: أَنَّ أُمَّتَنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ مَا زَالُوا يَزِنُونَ بِالْمَوَازِينِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَلَمْ يُسْمَعْ سَلَفًا بِذِكْرِ هَذَا الْمَنْطِقِ الْيُونَانِيِّ.
وَإِنَّمَا ظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ لَمَّا عُرِّبَتْ الْكُتُبُ الرُّومِيَّةُ فِي عَهْدِ دَوْلَةِ الْمَأْمُونِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا.
(الثَّالِثُ) أَنَّهُ مَا زَالَ نُظَّارُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ عُرِّبَ وَعَرَفُوهُ يَعِيبُونَهُ وَيَذُمُّونَهُ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ وَلَا إلَى أَهْلِهِ فِي مَوَازِينِهِمْ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ.
وَلَا يَقُولُ الْقَائِلُ لَيْسَ فِيهِ مِمَّا انْفَرَدُوا بِهِ إلَّا اصْطِلَاحَاتٌ لَفْظِيَّةٌ وَإِلَّا فَالْمَعَانِي الْعَقْلِيَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأُمَمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ فِيهِ مَعَانِي كَثِيرَةٌ فَاسِدَةٌ.
ثُمَّ هَذَا جَعَلُوهُ مِيزَانَ الْمَوَازِينِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَقْيِسَةُ الْعَقْلِيَّةُ.
وَزَعَمُوا أَنَّهُ آلَةٌ قَانُونِيَّةٌ تَعْصِمُ مُرَاعَاتُهَا الذِّهْنَ أَنْ يَزِلَّ فِي فِكْرِهِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ احْتَاجَ الْمِيزَانُ إلَى مِيزَانٍ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ.
وَأَيْضًا فَالْفِطْرَةُ إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً وُزِنَتْ بِالْمِيزَانِ الْعَقْلِيِّ وَإِنْ كَانَتْ بَلِيدَةً أَوْ فَاسِدَةً لَمْ يَزِدْهَا الْمَنْطِقُ إلَّا بَلَادَةً وَفَسَادًا.
وَلِهَذَا يُوجَدُ عَامَّةُ مَنْ يَزِنُ بِهِ عُلُومَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَخَبَّطَ وَلَا يَأْتِيَ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْمُودِ وَمَتَى أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْمُودِ أَعْرَضَ عَنْ اعْتِبَارِهَا بِالْمَنْطِقِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعَجْزِ وَالتَّطْوِيلِ وَتَبْعِيدِ الطَّرِيقِ وَجَعْلِ الْوَاضِحَاتِ خَفِيَّاتٍ وَكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالتَّغْلِيطِ.
فَإِنَّهُمْ إذَا عَدَلُوا عَنْ الْمَعْرِفَةِ الْفِطْرِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لِلْمُعَيَّنَاتِ إلَى أَقْيِسَةٍ كُلِّيَّةٍ، وَضَعُوا
أَلْفَاظَهَا وَصَارَتْ مُجْمَلَةً تَتَنَاوَلُ حَقًّا وَبَاطِلًا حَصَلَ بِهَا مِنْ الضَّلَالِ مَا هُوَ ضِدُّ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَوَازِينِ.
وَصَارَتْ هَذِهِ الْمَوَازِينُ عَائِلَةً لَا عَادِلَةً.
وَكَانُوا فِيهَا مِنْ الْمُطَفِّفِينَ: ﴿الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ وَأَيْنَ الْبَخْسُ فِي الْأَمْوَالِ مِنْ الْبَخْسِ فِي الْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَقْصِدُونَ الْبَخْسَ بَلْ هُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَرِثَ مَوَازِينَ مِنْ أَبِيهِ يَزِنُ بِهَا تَارَةً لَهُ وَتَارَةً عَلَيْهِ.
وَلَا يَعْرِفُ أَهِيَ عَادِلَةٌ أَمْ عَائِلَةٌ.
وَالْمِيزَانُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ مَعَ الْكِتَابِ مِيزَانٌ عَادِلَةٌ تَتَضَمَّنُ اعْتِبَارَ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ وَخِلَافِهِ فَتُسَوِّي بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَتُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي فِطَرِ عِبَادِهِ وَعُقُولِهِمْ مِنْ مَعْرِفَةِ التَّمَاثُلِ وَالِاخْتِلَافِ.
فَإِذَا قِيلَ: إنْ كَانَ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ.
فَكَيْفَ جَعَلَهُ اللَّهُ مِمَّا أَرْسَلَ بِهِ الرُّسُلَ.
قِيلَ: لِأَنَّ الرُّسُلَ ضَرَبَتْ لِلنَّاسِ الْأَمْثَالَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي يَعْرِفُونَ بِهَا التَّمَاثُلَ وَالِاخْتِلَافَ.
فَإِنَّ الرُّسُلَ دَلَّتْ النَّاسَ وَأَرْشَدَتْهُمْ إلَى مَا بِهِ يَعْرِفُونَ الْعَدْلَ وَيَعْرِفُونَ الْأَقْيِسَةَ الْعَقْلِيَّةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ.
فَلَيْسَتْ الْعُلُومُ النَّبَوِيَّةُ مَقْصُورَةً عَلَى الْخَبَرِ بَلْ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بَيَّنَتْ الْعُلُومَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ دِينُ اللَّهِ عِلْمًا وَعَمَلًا.
وَضَرَبَتْ الْأَمْثَالَ فَكَمُلَتْ الْفِطْرَةُ بِمَا نَبَّهَتْهَا عَلَيْهِ وَأَرْشَدَتْهَا لِمَا كَانَتْ الْفِطْرَةُ مُعْرِضَةً عَنْهُ
أَوْ كَانَتْ الْفِطْرَةُ قَدْ فَسَدَتْ بِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ الْفَاسِدَةِ فَأَزَالَتْ ذَلِكَ الْفَسَادَ.
وَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ مَمْلُوءَانِ مِنْ هَذَا يُبَيِّنُ اللَّهُ الْحَقَائِقَ بِالْمَقَايِيسِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ.
وَيُبَيِّنُ طَرِيقَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالْفَرْقَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الْآيَةُ وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أَيْ هَذَا حُكْمٌ جَائِرٌ لَا عَادِلٌ فَإِنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ.
وَمِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الْآيَةُ.
وَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمِيزَانَ الْعَقْلِيَّ حَقٌّ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ.
وَلَيْسَ هُوَ مُخْتَصًّا بِمَنْطِقِ الْيُونَانِ بَلْ هِيَ الْأَقْيِسَةُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ سَوَاءٌ صِيغَ ذَلِكَ بِصِيغَةِ قِيَاسِ الشُّمُولِ أَوْ بِصِيغَةِ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَصِيَغُ التَّمْثِيلِ هِيَ الْأَصْلُ وَهِيَ الْحَمْلُ وَالْمِيزَانُ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ الْجَامِعُ.
(الْوَجْهُ الثَّامِنُ) : أَنَّهُمْ كَمَا حَصَرُوا الْيَقِينَ فِي الصُّورَةِ الْقِيَاسِيَّةِ حَصَرُوهُ فِي الْمَادَّةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا مِنْ الْقَضَايَا: الْحِسِّيَّاتِ وَالْأَوَّلِيَّاتِ وَالمُتَواتِراتِ وَالْمُجَرَّبَاتِ.
وَالْحَدْسِيَّاتِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى نَفْيِ مَا سِوَى هَذِهِ الْقَضَايَا ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ إنَّمَا اعْتَبَرُوا فِي الْحِسِّيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَغَيْرِهَا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاشْتِرَاكِ
بَنِي آدَمَ فِيهِ وَتَنَاقَضُوا فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ بَنِي آدَمَ إنَّمَا يَشْتَرِكُونَ كُلُّهُمْ فِي بَعْضِ الْمَرْئِيَّاتِ وَبَعْضِ الْمَسْمُوعَاتِ فَإِنَّهُمْ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ عَيْنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَيَرَوْنَ جِنْسَ السَّحَابِ وَالْبَرْقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَرَاهُ هَؤُلَاءِ عَيْنَ مَا يَرَاهُ هَؤُلَاءِ وَكَذَلِكَ يَشْتَرِكُونَ فِي سَمَاعِ صَوْتِ الرَّعْدِ وَأَمَّا مَا يَسْمَعُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِ بَعْضٍ وَصَوْتِهِ فَهَذَا لَا يَشْتَرِكُ بَنُو آدَمَ فِي عَيْنِهِ بَلْ كُلُّ قَوْمٍ يَسْمَعُونَ مَا لَمْ يَسْمَعْ غَيْرُهُمْ وَكَذَا أَكْثَرُ الْمَرْئِيَّاتِ.
وَأَمَّا الشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ فَهَذَا لَا يَشْتَرِكُ جَمِيعُ النَّاسِ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ فِيهِ بَلْ الَّذِي يَشُمُّهُ هَؤُلَاءِ وَيَذُوقُونَهُ وَيَلْمِسُونَهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي يَشُمُّهُ وَيَذُوقُهُ وَيَلْمِسُهُ هَؤُلَاءِ.
لَكِنْ قَدْ يَتَّفِقَانِ فِي الْجِنْسِ لَا فِي الْعَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَا يُعْلَمُ بِالتَّوَاتُرِ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْحَدْسِ فَإِنَّهُ قَدْ يَتَوَاتَرُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَيُجَرِّبُ هَؤُلَاءِ مَا لَمْ يَتَوَاتَرْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ وَيُجَرِّبُوهُ.
وَلَكِنْ قَدْ يَتَّفِقَانِ فِي الْجِنْسِ كَمَا يُجَرِّبُ قَوْمٌ بَعْضَ الْأَدْوِيَةِ وَيُجَرِّبُ آخَرُونَ جِنْسَ تِلْكَ الْأَدْوِيَةِ فَيُتَّفَقُ فِي مَعْرِفَةِ الْجِنْسِ لَا فِي مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْمُجَرَّبِ.
ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا يَقُولُونَ فِي الْمَنْطِقِ: إنَّ الْمُتَوَاتِرَاتِ وَالْمُجَرَّبَاتِ وَالْحَدْسِيَّاتِ تَخْتَصُّ بِمَنْ عَلِمَهَا فَلَا يَقُومُ مِنْهَا بُرْهَانٌ عَلَى غَيْرِهِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ؛ وَكَذَلِكَ الْمَشْمُومَاتُ وَالْمَذُوقَاتُ.
وَالْمَلْمُوسَاتُ بَلْ اشْتِرَاكُ
النَّاسِ فِي الْمُتَوَاتِرَاتِ أَكْثَرُ فَإِنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ يَنْقُلُهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ فَيَكْثُرُ السَّامِعُونَ لَهُ وَيَشْتَرِكُونَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ بِخِلَافِ مَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ أَحَسَّهُ فَإِذَا قَالَ: رَأَيْت أَوْ سَمِعْت أَوْ ذُقْت أَوْ لَمَسْت أَوْ شَمَمْت فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هَذَا بُرْهَانًا عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ شَارَكَهُ فِي تِلْكَ الْحِسِّيَّاتِ عَدَدٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ أَحَسَّهَا وَلَا يُمْكِنُ عِلْمُهَا لِمَنْ لَمْ يُحِسَّهَا إلَّا بِطَرِيقِ الْخَبَرِ.
وَعَامَّةُ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ بِأَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ هِيَ مِنْ الْعِلْمِ بِعَادَةِ ذَلِكَ الْمَوْجُودِ وَهُوَ مَا يُسَمُّونَهُ " الْحَدْسِيَّاتِ " وَعَامَّةُ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْفَلَكِيَّةِ كَعِلْمِ الْهَيْئَةِ فَهُوَ مِنْ قِسْمِ الْمُجَرَّبَاتِ وَهَذِهِ لَا يَقُومُ فِيهَا بُرْهَانٌ فَإِنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الطَّبِيعِيَّةِ جُرِّبَتْ وَكَوْنَ الْحَرَكَاتِ جُرِّبَتْ لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ إلَّا بِالنَّقْلِ.
وَالتَّوَاتُرُ فِي هَذَا قَلِيلٌ.
وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ تُنْقَلَ التَّجْرِبَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ أَوْ بَعْضِ أَهْلِ الْحِسَابِ.
وَغَايَةُ مَا يُوجَدُ.
أَنْ يَقُولَ بَطْلَيْمُوسُ: هَذَا مِمَّا رَصَدَهُ فُلَانٌ وَأَنْ يَقُولَ جالينوس: هَذَا مِمَّا جَرَّبْته أَوْ ذَكَرَ لِي فُلَانٌ أَنَّهُ جَرَّبَهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ غَيْرَهُ جَرَّبَهُ أَيْضًا فَذَاكَ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَمْ يُجَرِّبُوا جَمِيعَ مَا جَرَّبُوهُ وَلَا عَلِمُوا بِالْأَرْصَادِ مَا ادَّعَوْا أَنَّهُمْ
عَلِمُوهُ.
وَإِنْ ذَكَرُوا جَمَاعَةً رَصَدُوا فَغَايَتُهُ أَنَّهُ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ الْخَاصِّ الَّذِي تَنْقُلُهُ طَائِفَةٌ.
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ بِمَا تَوَاتَرَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى غَيْرِهِ بُرْهَانًا بِمِثْلِ هَذَا التَّوَاتُرِ وَيُعَظِّمَ عِلْمَ الْهَيْئَةِ وَالْفَلْسَفَةِ وَيَدَّعِيَ أَنَّهُ عِلْمٌ عَقْلِيٌّ مَعْلُومٌ بِالْبُرْهَانِ.
وَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَقُومُ عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ عِنْدَهُمْ هَذَا حَالُهُ فَمَا الظَّنُّ بِالْإِلَهِيَّاتِ الَّتِي إذَا نُظِرَ فِيهَا كَلَامُ مُعَلِّمِهِمْ الْأَوَّلِ أَرِسْطُو وَتَدَبَّرَهُ الْفَاضِلُ الْعَاقِلُ لَمْ يُفِدْهُ إلَّا الْعِلْمَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنَّ كُفَّارَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ لَهُمْ مِنْ عِلْمِ الْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ قِيَاسِهِمْ الَّذِي ذَكَرُوهُ بَلْ الْفِرَاسَةُ أَيْضًا وَأَمْثَالُهَا.
فَإِنْ أَدْخَلُوا ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ لَمْ يُمْكِنْهُمْ نَفْيُ مَا لَمْ يَذْكُرُوهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ ضَابِطٌ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ: أَنَّ الْقَضَايَا الْوَاجِبَ قَبُولُهَا الَّتِي هِيَ مَادَّةُ الْبُرْهَانُ: الْأَوَّلِيَّاتُ وَالْحِسِّيَّاتُ وَالْمُجَرَّبَاتُ وَالْحَدْسِيَّاتُ وَالمُتَواتِراتِ وَرُبَّمَا ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ قَضَايَا مَعَهَا حُدُودُهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا دَلِيلًا عَلَى هَذَا الْحَصْرِ وَلِهَذَا اعْتَرَفَ الْمُنْتَصِرُونَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ مُنْتَشِرٌ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ دَلِيلٍ عَلَيْهِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي قِيَاسِهِمْ لَا يَكُونُ مَعْلُومًا.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ الْمَنْطِقُ آلَةً قَانُونِيَّةً تَعْصِمُ مُرَاعَاتُهَا مِنْ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ
إذَا ذُكِرَ لَهُ قَضَايَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَا بِغَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ لَمْ يُمْكِنْ وَزْنُهَا بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ.
وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ الْمَنْطِقِيِّينَ يُكَذِّبُونَ بِمَا لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِيَاسِهِمْ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَهْلِ.
لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ.
فَإِذَا كَانَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِهِمْ لَزِمَ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ عَلَى مَا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِمَّا لَيْسَ فِي قِيَاسِهِمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَا عَلِمُوهُ خَسِيسٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا جَهِلُوهُ فَكَيْفَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ النَّجَاةَ وَلَا السَّعَادَةَ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ مَا هُوَ عِلْمٌ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ لَيْسَ عِلْمًا وَمَا هُوَ بَاطِلٌ وَلَيْسَ بِعِلْمِ يَجْعَلُونَهُ عِلْمًا.
فَزَعَمُوا أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَالْمَعَادِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْوَاقِعِ وَأَنَّهُمْ إنَّمَا أَخْبَرُوا الْجُمْهُورَ بِمَا يَتَخَيَّلُونَهُ فِي ذَلِكَ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ فِي إقَامَةِ مَصْلَحَةِ دُنْيَاهُمْ لَا لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ الْحَقَّ وَأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْكَذِبِ لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ وَيَقُولُونَ إنَّ النَّبِيَّ حَاذِقٌ بِالشَّرَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ دُونَ الْعِلْمِيَّةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَضِّلُ الْفَيْلَسُوفَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ.
وَعَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا يُوجِبُونَ اتِّبَاعَ نَبِيٍّ بِعَيْنِهِ لَا مُحَمَّدٍ وَلَا
غَيْرِهِ.
وَلِهَذَا لَمَّا ظَهَرَتْ التَّتَارُ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ قِيلَ: إنَّ " هُولَاكُو " أَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ بِأَنْ لَا يَفْعَلَ قَالَ: ذَاكَ لِسَانُهُ عَرَبِيٌّ وَلَا تَحْتَاجُونَ إلَى شَرِيعَتِهِ.
وَمَنْ تَبِعَ النَّبِيَّ مِنْهُمْ فِي الشَّرَائِعِ الْعَمَلِيَّةِ لَا يَتْبَعُهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَالِاعْتِقَادِ؛ بَلْ النَّبِيُّ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْكَلَامِ إذَا قَلَّدُوا مَذْهَبًا مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ اقْتَصَرُوا فِي تَقْلِيدِهِ عَلَى الْقَضَايَا الْفِقْهِيَّةِ وَلَا يَلْتَزِمُونَ مُوَافَقَتَهُ فِي الْأُصُولِ وَمَسَائِلِ التَّوْحِيدِ.
بَلْ قَدْ يَجْعَلُونَ شُيُوخَهُمْ الْمُتَكَلِّمِينَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَعَنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِقِيَاسِهِمْ وَكَذَا أَخْبَرَ عَنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ مِمَّا كَانَ وَسَيَكُونُ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِقِيَاسِهِمْ: لَا الْبُرْهَانِيِّ وَلَا غَيْرِهِ فَإِنَّ أَقْيِسَتَهُمْ لَا تُفِيدُ إلَّا أُمُورًا كُلِّيَّةً وَهَذِهِ أُمُورٌ خَاصَّةٌ وَقَدْ أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَكُونُ مِنْ الْحَوَادِثِ الْمُعَيَّنَةِ حَتَّى أَخْبَرَ عَنْ التتر الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ سِتّمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ إخْبَارِهِ وَكَذَلِكَ عَنْ النَّارِ الَّتِي خَرَجَتْ قَبْلَ مَجِيءِ التتر سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ هـ. فَهَلْ يُتَصَوَّرُ أَنَّ قِيَاسَهُمْ وَبُرْهَانَهُمْ يَدُلُّ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ أَوْ أُمَّةٍ مُعَيَّنَةٍ فَضْلًا عَنْ مَوْصُوفٍ بِالصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا؟ .
ثُمَّ مِنْ بَلَايَاهُمْ وكفرياتهم أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الْبَارِيَ - تَعَالَى - لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى وَلَا غَيْرَهُمَا وَلَا شَيْئًا مِنْ تَفَاصِيلِ الْحَوَادِثِ.
وَالْكَلَامُ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مِنْ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ مَا هُوَ فِي غَايَةِ الضَّلَالِ.
فِرَارًا مِنْ لَازِمٍ لَيْسَ لَهُمْ قَطُّ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِهِ.
الْوَجْه الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِالْحِسِّيَّاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ كَالْجُوعِ وَالْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ.
وَنَفَوْا وُجُودَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَصَّ بِرُؤْيَتِهِ بَعْضُ النَّاسِ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَمَا تَرَاهُ النَّفْسُ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نَاطِقَانِ بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ.
وَلِبَسْطِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنَّ مَا تَلَقَّوْهُ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْفَاسِدَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ مِنْ نَفْيِ مَا لَمْ يُعْلَمْ نَفْيُهُ أَوْجَبَ لَهُمْ مِنْ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ مَا صَارَ حَاجِبًا وَأَنَّهُمْ بِهِ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ كُفَّارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ: كَوْنُ الْقَضِيَّةِ " بُرْهَانِيَّةً " مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لِلْمُسْتَدِلِّ بِهَا وَكَوْنُهَا " جَدَلِيَّةً " مَعْنَاهُ كَوْنُهَا مُسَلَّمَةً وَكَوْنُهَا " خَطَابِيَّةً " مَعْنَاهُ كَوْنُهَا مَشْهُورَةً أَوْ مَقْبُولَةً أَوْ مَظْنُونَةً.
وَجَمِيعُ هَذِهِ الْفُرُوقِ هِيَ نِسَبٌ وَإِضَافَاتٌ عَارِضَةٌ لِلْقَضِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا مَا هُوَ صِفَةٌ مُلَازِمَةٌ لَهَا فَضْلًا
عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَاتِيَّةً لَهَا عَلَى أَصْلِهِمْ.
بَلْ لَيْسَ فِيهَا مَا هُوَ صِفَةٌ لَهَا فِي نَفْسِهَا بَلْ هَذِهِ صِفَاتٌ نِسْبِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ شُعُورِ الشَّاعِرِ بِهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَضِيَّةَ قَدْ تَكُونُ حَقًّا وَالْإِنْسَانُ لَا يَشْعُرُ بِهَا؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَظُنَّهَا أَوْ يَعْلَمَهَا.
وَكَذَلِكَ قَدْ تَكُونُ خَطَابِيَّةً أَوْ جَدَلِيَّةً وَهِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا بَلْ تَكُونُ بُرْهَانِيَّةً أَيْضًا كَمَا قَدْ سَلَّمُوا ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَخْبَرُوا بِالْقَضَايَا الَّتِي هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا لَا تَكُونُ كَذِبًا بَاطِلًا قَطُّ.
وَبَيَّنُوا مِنْ الطُّرُقِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا صِدْقُ الْقَضَايَا مَا هُوَ مُشْتَرِكٌ.
فَيَنْتَفِعُ بِهِ جِنْسُ بَنِي آدَمَ وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ فَلَمْ يَسْلُكُوا هَذَا الْمَسْلَكَ.
بَلْ سَلَكُوا فِي الْقَضَايَا الْأَمْرَ النِّسْبِيَّ فَجَعَلُوا الْبُرْهَانِيَّاتِ مَا عَلِمَهُ الْمُسْتَدِلُّ وَغَيْرُ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلُوهُ بُرْهَانِيًّا وَإِنْ عِلْمَهُ مُسْتَدِلٌّ آخَرُ.
وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ مِنْ الْبُرْهَانِيَّاتِ عِنْدَ إنْسَانٍ وَطَائِفَةٍ مَا لَيْسَ مِنْ الْبُرْهَانِيَّاتِ عِنْدَ آخَرِينَ.
فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُحَدَّ الْقَضَايَا الْعِلْمِيَّةُ بِحَدِّ جَامِعٍ بَلْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ مَنْ عَلِمَهَا وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْهَا حَتَّى إنَّ أَهْلَ الصِّنَاعَاتِ عِنْدَ أَهْلِ كُلِّ صِنَاعَةٍ مِنْ الْقَضَايَا الَّتِي يَعْلَمُونَهَا مَا لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُمْ وَحِينَئِذٍ فَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ طَرِيقَتُهُمْ مُمَيِّزَةً لِلْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ وَالصِّدْقِ مِنْ الْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ أَهْلِ كُلِّ صِنَاعَةٍ مِنْ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَمِنْ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ.
وَيَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ مَنْفَعَتُهَا مُشْتَرِكَةً بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ؛ بِخِلَافِ طَرِيقَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِالْقَضَايَا الصَّادِقَةِ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ
وَالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَكُلُّ مَا نَاقَضَ الصِّدْقَ فَهُوَ كَذِبٌ وَكُلُّ مَا نَاقَضَ الْحَقَّ فَهُوَ بَاطِلٌ فَلِهَذَا جَعَلَ اللَّهُ مَا أَنْزَلَهُ مِنْ الْكِتَابِ حَاكِمًا بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَأَنْزَلَ أَيْضًا الْمِيزَانَ وَمَا يُوزَنُ بِهِ وَيُعْرَفُ بِهِ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ.
وَلِكُلِّ حَقٍّ مِيزَانٌ يُوزَنُ بِهِ بِخِلَافِ مَا فَعَلَهُ الْفَلَاسِفَةُ الْمَنْطِقِيُّونَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَادِيًا لِلْحَقِّ وَلَا مُفَرِّقًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَلَا هُوَ مِيزَانٌ يُعْرَفُ بِهِ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ.
وَأَمَّا الْمُتَكَلِّمُونَ فَمَا كَانَ فِي كَلَامِهِمْ مُوَافِقًا لَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَهُوَ مِنْهُ.
وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْبَاطِلَةِ شَرْعًا وَعَقْلًا.
فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ نَجْعَلُ الْبُرْهَانِيَّاتِ إضَافِيَّةً.
فَكُلُّ مَا عَلِمَهُ الْإِنْسَانُ بِمُقَدِّمَاتِهِ فَهُوَ بُرْهَانِيٌّ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُرْهَانِيًّا عِنْدَ غَيْرِهِ.
قِيلَ: لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ لَمْ يَجِدْ مَوَادَّ الْبُرْهَانِ فِي أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ مَعَ إمْكَانِ عِلْمِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ لِأُمُورِ أُخْرَى بِغَيْرِ تِلْكَ الْمَوَادِّ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي عَيَّنُوهَا.
وَإِذَا قَالُوا: نَحْنُ لَا نُعَيِّنُ الْمَوَادَّ فَقَدْ بَطَلَ أَحَدُ أَجْزَاءِ الْمَنْطِقِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّ طَرِيقَهُمْ كُلِّيَّةٌ مُحِيطَةٌ بِطُرُقِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ لِبَنِي آدَمَ - مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ إمَّا بِالْحِسِّ وَإِمَّا
بِالْعَقْلِ وَإِمَّا بِالْأَخْبَارِ الصَّادِقَةِ مَعْلُومَاتٍ كَثِيرَةً لَا تُعْلَمُ بِطُرُقِهِمْ الَّتِي ذَكَرُوهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا عَلِمَهُ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعُلُومِ - أَرَادُوا إجْرَاءَ ذَلِكَ عَلَى قَانُونِهِمْ الْفَاسِدِ.
فَقَالُوا: النَّبِيُّ لَهُ قُوَّةٌ أَقْوَى مِنْ قُوَّةِ غَيْرِهِ.
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَنَالُ الْحَدَّ الْأَوْسَطَ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ فَإِذَا تَصَوَّرَ أَدْرَكَ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ الْحَدَّ الَّذِي قَدْ يَتَعَسَّرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَى غَيْرِهِ إدْرَاكُهُ بِلَا تَعْلِيمٍ؛ لِأَنَّ قُوَى الْأَنْفُسِ فِي الْإِدْرَاكِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ: فَجَعَلُوا مَا يُخْبِرُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ إنَّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْفَسَادِ.
فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْمَنْطِقِيَّ إنَّمَا تُعْرَفُ بِهِ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُمْ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ وَالرُّسُلُ أَخْبَرُوا بِأُمُورِ مُعَيَّنَةٍ شَخْصِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ مَاضِيَةٍ وَحَاضِرَةٍ وَمُسْتَقْبَلَةٍ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا عَلِمَتْهُ الرُّسُلُ لَمْ يَكُنْ بِوَاسِطَةِ الْقِيَاسِ الْمَنْطِقِيِّ.
بَلْ جَعَلَ ابْنُ سِينَا عِلْمَ الرَّبِّ بِمَفْعُولَاتِهِ فِي هَذَا الْبَابِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا تَقَرَّرَ فَسَادُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْمَنْطِقِ مِنْ حَصْرِ طَرِيقِ الْعِلْمِ: مَادَّةً وَصُورَةً وَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا مِنْ الْعُلُومِ الصَّادِقَةِ أَجَلَّ وَأَعْظَمَ وَأَكْثَرَ مِمَّا أَثْبَتُوهُ وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الطَّرِيقِ إنَّمَا يُفِيدُ عُلُومًا قَلِيلَةً خَسِيسَةً لَا كَثِيرَةً وَلَا شَرِيفَةً.
وَهَذِهِ مَرْتَبَةُ الْقَوْمِ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَخَسِّ النَّاسِ عِلْمًا وَعَمَلًا.
وَكُفَّارُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَشْرَفُ عِلْمًا وَعَمَلًا مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
وَالْفَلْسَفَةُ كُلُّهَا لَا يَصِيرُ صَاحِبُهَا فِي دَرَجَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ
فَضْلًا عَنْ دَرَجَتِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَدْ أَنْشَدَ ابْنُ القشيري فِي الرَّدِّ عَلَى " الشِّفَاءِ " لِابْنِ سِينَا: قَطَعْنَا الْأُخُوَّةَ مِنْ مَعْشَرٍ بِهِمْ مَرَضٌ مِنْ كِتَابِ الشفا وَكَمْ قُلْت: يَا قَوْمِ أَنْتُمْ عَلَى شَفَا جُرُفٍ مِنْ كِتَابِ الشفا فَلَمَّا اسْتَهَانُوا بِتَنْبِيهِنَا رَجَعْنَا إلَى اللَّهِ حَتَّى كَفَى فَمَاتُوا عَلَى دِينِ رسطاطالس وَعِشْنَا عَلَى مِلَّةِ الْمُصْطَفَى.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمَنْطِقِ مِنْ حَصْرِ طُرُقِ الْعِلْمِ يُوجَدُ نَحْوٌ مِنْهُ فِي كَلَامِ مُتَكَلِّمِي الْمُسْلِمِينَ.
بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُهُ بِعَيْنِهِ إمَّا بِعِبَارَاتِهِمْ وَإِمَّا بِتَغْيِيرِ الْعِبَارَةِ.
فَالْجَوَابُ: أَنْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ حَقًّا بَلْ كُلُّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَهُوَ حَقٌّ.
وَمَا قَالَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّا يُوَافِقُ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ.
وَمَا قَالُوهُ مِمَّا يُخَالِفُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَقَدْ عُرِفَ ذَمُّ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ لِأَهْلِ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ.
قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْمٍ أَرَادُوا بِزَعْمِهِمْ نَصْرَ الشَّرْعِ بِعُقُولِهِمْ النَّاقِصَةِ وَأَقْيِسَتِهِمْ الْفَاسِدَةِ.
فَكَانَ مَا فَعَلُوهُ مِمَّا جَرَّأَ الْمُلْحِدِينَ أَعْدَاءَ الدِّينِ
عَلَيْهِ فَلَا الْإِسْلَامَ نَصَرُوا وَلَا الْأَعْدَاءَ كَسَرُوا.
ثُمَّ مِنْ الْعَجَائِبِ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ الْمَعْصُومِينَ الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ إلَّا الْحَقَّ وَيُعْرِضُونَ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ وَيُقَلِّدُونَ وَيُسَاكِنُونَ مُخَالِفَ مَا جَاءُوا بِهِ مَنْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومِ وَأَنَّهُ يُخْطِئُ تَارَةً وَيُصِيبُ أُخْرَى وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
قَالَ " السيوطي ": هَذَا آخِرُ مَا لَخَّصْته مِنْ كِتَابِ ابْنِ تَيْمِيَّة.
وَقَدْ أَوْرَدْت عِبَارَتَهُ بِلَفْظِهِ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِي الْغَالِبِ.
وَحَذَفْت مِنْ كِتَابِهِ الْكَثِيرَ فَإِنَّهُ فِي عِشْرِينَ كُرَّاسًا.
وَلَمْ أَحْذِفْ مِنْ الْمُهِمِّ شَيْئًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
فَصْلٌ:
فِي ضَبْطِ كُلِّيَّاتِ " الْمَنْطِقِ " وَالْخَلَلِ فِيهِ.
بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ مَدَارِكَ الْعِلْمِ مُنْحَصِرَةٌ فِي " الْحَدِّ " وَجِنْسِهِ مِنْ الرَّسْمِ وَنَحْوِهِ وَفِي الْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ مِنْ الِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّمْثِيلِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ: إمَّا " تَصَوُّرٌ " وَهُوَ مَعْرِفَةُ الْمُفْرَدَاتِ وَإِمَّا " تَصْدِيقٌ " وَهُوَ الْعِلْمُ بِنِسْبَةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أَوْ الْإِثْبَاتِ وَكُلٌّ مِنْ الْعِلْمَيْنِ: إمَّا " بَدِيهِيٌّ " لَا يَحْتَاجُ إلَى طَرِيقٍ وَإِمَّا " نَظَرِيٌّ " مُفْتَقِرٌ إلَى الطَّرِيقِ وَطَرِيقُ التَّصَوُّرِ هُوَ " الْحَدُّ " وَطَرِيقُ التَّصْدِيقِ هُوَ " الْقِيَاسُ " الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْبُرْهَانَ - إنْ كَانَتْ مُقَدِّمَاتُهُ يَقِينِيَّةً.
ثُمَّ قَالُوا: " الْحَدُّ " هُوَ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ يُرَادُ بِهِ نَفْسُ الْمَحْدُودِ كَمَا أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى الْمُسَمَّى وَيُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى،
إذْ الْمَفْهُومُ مِنْ الْحَدِّ وَالِاسْمِ هُوَ الْمَحْدُودُ وَالْمُسَمَّى كَمَا أَنَّ " الْمَاهِيَّةَ " هِيَ الْمَقُولَةُ فِي جَوَابِ مَا هُوَ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِأَنَّهَا جَوَابُ مَا يُقَالُ فِي السُّؤَالِ بِصِيغَةِ مَا هُوَ فَتَكُونُ الْمَاهِيَّةُ هِيَ الْحَدَّ وَهِيَ ذَاتُ الشَّيْءِ أَيْضًا وَهَذِهِ الْمَصَادِرُ الْمُشْتَقَّةُ مِنْ الْجُمَلِ الِاسْتِفْهاميّةِ مُوَلَّدَةٌ مِثْلَ الْمَاهِيَّةِ وَالْمَائِيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ وَالْحَيْثِيَّةِ والأينية واللمية بِمَنْزِلَةِ الْمَصَادِرِ مِنْ الْجُمَلِ الْخَبَرِيَّةِ كَالْحَوْقَلَةِ والقلحدة وَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالُوا: " الْمَاهِيَّةُ " مُرَكَّبَةٌ مِنْ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَتَكَلَّمُوا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ بِأَنَّ " الذَّاتِيَّةَ " هِيَ الَّتِي يَمْتَنِعُ تَصَوُّرُ الْمَوْصُوفِ إلَّا بِتَصَوُّرِهَا فَالذَّاتُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهَا فِي الْوُجُودِ وَالذِّهْنِ كَالتَّجْسِيمِ لِلْحَيَوَانِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَهُوَ " الْعَرَضِيُّ ". ثُمَّ هُوَ يَنْقَسِمُ: إلَى لَازِمٍ وَعَارِضٍ مُفَارِقٍ؛ وَاللَّازِمُ: إمَّا لَازِمٌ لِلْمَاهِيَّةِ كَالزَّوْجِيَّةِ لِلْأَرْبَعَةِ وَالْفَرْدِيَّةِ لِلثَّلَاثَةِ وَإِمَّا لَازِمٌ لِوُجُودِهَا دُونَ مَاهِيَّتِهَا كَالسَّوَادِ لِلْقَارِ وَالْحُدُوثِ لِلْحَيَوَانِ.
وَالْعَارِضُ الْمُفَارِقُ إمَّا بَطِيءُ الزَّوَالِ كَالشَّبَابِ وَالْمَشِيبِ وَإِمَّا سَرِيعُ الزَّوَالِ كَحُمْرَةِ الْخَجَلِ وَصُفْرَةِ الْوَجَلِ وَالْمُشْكِلُ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَاللَّازِمِ لِلْمَاهِيَّةِ؛ فَإِنَّ كِلَاهُمَا لَا يُفَارِقُ الذَّاتَ لَا فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ وَلَا الذِّهْنِيِّ
فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الذَّاتِيَّ يَسْبِقُ تَصَوُّرُهُ تَصَوُّرَ الْمَاهِيَّةِ بِحَيْثُ لَا تُفْهَمُ الذَّاتُ بِدُونِهِ بِخِلَافِ لَازِمِ الْمَاهِيَّةِ.
ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ: إمَّا أَنْ يَشْتَرِكَ فِيهِ الْجِنْسُ وَهُوَ الْجِنْسُ الْعَامُّ وَالْعَرَضُ الْعَامُّ وَإِمَّا يَنْفَرِدَ بِهِ نَوْعٌ وَهُوَ الْفَصْلُ وَالْخَاصَّةُ وَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُمَيَّزِ وَهُوَ النَّوْعُ فَهَذِهِ " الْكُلِّيَّاتُ الْخَمْسُ " الْجِنْسُ وَالْفَصْلُ وَالنَّوْعُ وَالْخَاصَّةُ وَالْعَرَضُ الْعَامُّ.
فَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَأَقْسَامِهَا غَالِبُ مَنْفَعَتِهِ فِي الْحُدُودِ وَالْحَقَائِقِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَإِنَّهُ قَوْلٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْوَالٍ إذَا سَلِمَتْ لَزِمَ عَنْهَا لِذَاتِهَا قَوْلٌ آخَرُ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ وَ " الْمُقَدِّمَةُ " هِيَ الْقَضِيَّةُ وَهِيَ الْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُفْرَدَيْنِ فَكَانَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: (الْأُولَى) الْكَلَامُ فِي الْمُفْرَدَاتِ أَلْفَاظُهَا وَمَعَانِيهَا لِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ وَالْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُتَوَاطِئَةِ وَالْمُفْرَدَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ وَالْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ.
وَ " الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ " الْكَلَامُ فِي الْقَضَايَا وَأَقْسَامِهَا: مِنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَجِهَاتِ الْقَضَايَا وَفِي أَحْكَامِ الْقَضَايَا: مِثْلَ كَذِبِ النَّقِيضِ وَصِدْقِ الْعَكْسِ وَعَكْسِ النَّقِيضِ.