مجموع الفتاوىصفحات 44-83

ـ[مجموع الفتاوى]ـ

صفحات 44-83
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
مجموع الفتاوى
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728هـ)
المحقق
عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعوديةعام النشر: 1416هـ/1995م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]الكتاب مشكول ومقابل مع إضافة: 1 - العناوين التي وضعها محققا طبعة دار الوفاء (أنور الباز وعامر الجزار) ط 3، 1426 هـ / 2005 م 2 - في الهامش أضيف كتاب صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف، للشيخ ناصر بن حمد الفهد / نشر: دار أضواء السلف، الطبعة الأولى: 1423 هـ / 2003 م.3 - تم تصحيح الأخطاء المطبعية والتصحيفات: - التي استدركها محققا ط الوفاء على الطبعة القديمة. (طبعة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله) - التي ذكرها الشيخ ناصر بن حمد الفهد في كتابه: صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف. - أخطاء أو تصحيفات أخرى.أعده للمكتبة الشاملة: أسامة بن الزهراء، من فريق عمل الشاملة

وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ: فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ وَقَدْ رَجَّحْنَا التَّفْصِيلَ؛ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ يُرَادُ بِهِ إيقَاعُ الطَّلَاقِ تَارَةً وَيُرَادُ بِهِ مَنْعُ إيقَاعٍ تَارَةً فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنْتِ طَالِقٌ بِهَذَا اللَّفْظِ.
فَقَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَدْ شَاءَ اللَّهُ الطَّلَاقَ حِينَ أَتَى بِالتَّطْلِيقِ فَيَقَعُ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَّقَ لِئَلَّا يَقَعَ أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةٍ تُوجَدُ بَعْدَ هَذَا لَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ بَعْدَ هَذَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ شَاءَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ الْمَشِيئَةُ تُنْجِزُهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ نَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا إذَا طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ وَكِيلٍ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ تَطْلِيقٌ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ قَطُّ فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ لَمْ يَقَعْ إلَّا بِتَطْلِيقِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَ تَعْلِيقَهُ لِئَلَّا يَقَعَ الْآنَ.
وَأَمَّا إنْ قَصَدَ إيقَاعَهُ الْآنَ وَعَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ تَوْكِيدًا وَتَحْقِيقًا فَهَذَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ.
وَمَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَنْشَأَ الْإِيمَانَ فَعَلَّقَهُ عَلَى الْمَشِيئَةِ فَإِذَا عَلَّقَهُ فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَا أُومِنُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَذَا لَمْ يَصِرْ مُؤْمِنًا مِثْلَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: هَلْ تَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دِينِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ أَصِيرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَهَذَا لَمْ يُسْلِمْ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى الْكُفْرِ.
وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ أَنِّي قَدْ آمَنْت وَإِيمَانِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ صَارَ مُؤْمِنًا لَكِنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ يَحْتَمِلُ

هَذَا وَهَذَا فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ مِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْإِنْشَاءِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ إنَّمَا يُعَلَّقُ بِالْمَشِيئَةِ مَا كَانَ مُسْتَقْبَلًا فَأَمَّا الْمَاضِي وَالْحَاضِرُ فَلَا يُعَلَّقُ بِالْمَشِيئَةِ وَاَلَّذِينَ اسْتَثْنَوْا لَمْ يَسْتَثْنُوا فِي الْإِنْشَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ كَيْفَ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ آمَنُوا فَوَقَعَ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ قَطْعًا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ.
وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَا اُسْتُثْنِيَ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ قَطُّ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ كَمَا يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ بَرٌّ تَقِيٌّ فَقَوْلُ الْقَائِلِ لَهُ: أَنْتَ مُؤْمِنٌ هُوَ عِنْدَهُمْ كَقَوْلِهِ: هَلْ أَنْتَ بَرٌّ تَقِيٌّ؟ فَإِذَا قَالَ: أَنَا بَرٌّ تَقِيٌّ فَقَدْ زَكَّى نَفْسَهُ.
فَيَقُولُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ كَذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ التَّامَّ يَتَعَقَّبُهُ قَبُولُ اللَّهِ لَهُ وَجَزَاؤُهُ عَلَيْهِ وَكِتَابَةُ الْمُلْكِ لَهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَعُودُ إلَى ذَلِكَ لَا إلَى مَا عَلِمَهُ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ وَحَصَلَ وَاسْتَقَرَّ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالْمَشِيئَةِ؛ بَلْ يُقَالُ: هَذَا حَاصِلٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَقَوْلُهُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِمَعْنَى إذْ شَاءَ اللَّهُ وَذَلِكَ تَحْقِيقٌ لَا تَعْلِيقٌ.

وَالرَّجُلُ قَدْ يَقُولُ: وَاَللَّهِ لَيَكُونَن كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ جَازِمٌ بِأَنَّهُ يَكُونُ فَالْمُعَلَّقُ هُوَ الْفِعْلُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وَاَللَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَهُ وَقَدْ يَقُولُ الْآدَمِيُّ لَأَفْعَلَن كَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ لَا يَجْزِمُ بِأَنَّهُ يَقَعُ لَكِنْ يَرْجُوهُ فَيَقُولُ: يَكُونُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ عَزْمُهُ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ جَازِمًا وَلَكِنْ لَا يَجْزِمُ بِوُقُوعِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَزْمُ مُتَرَدِّدًا مُعَلَّقًا بِالْمَشِيئَةِ أَيْضًا وَلَكِنْ مَتَى كَانَ الْمَعْزُومُ عَلَيْهِ مُعَلَّقًا لَزِمَ تَعْلِيقُ بَقَاءِ الْعَزْمِ فَإِنَّهُ بِتَقْدِيرِ أَنَّ تَعْلِيقَ الْعَزْمِ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَحْنَثْ الْمُطَلِّقُ الْمُعَلِّقُ وَحَرْفُ " إنْ " لَا يُبْقِي الْعَزْمَ فَلَا بُدَّ إذَا دَخَلَ عَلَى الْمَاضِي صَارَ مُسْتَقْبَلًا تَقُولُ: إنْ جَاءَ زَيْدٌ كَانَ كَذَلِكَ ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ وَإِذَا أُرِيدَ الْمَاضِي دَخَلَ حَرْفُ " إنْ " كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنْ كَانَ اللَّهُ شَاءَ إيمَانِي.
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنِّي لَا أَعْلَمُ بِمَاذَا يُخْتَمُ لِي كَمَا قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّ فُلَانًا يَشْهَدُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ.
قَالَ: فَلْيَشْهَدْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهَذَا مُرَادُهُ إذَا شَهِدَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ يَمُوتُ عَلَى الْإِيمَانِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ أَنَّ إيمَانِي حَاصِلٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
وَمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِ قَالَ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِ قَلْبِي فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ إذَا

لَمْ يُزَكِّ نَفْسَهُ وَيَقْطَعْ بِأَنَّهُ عَامِلٌ كَمَا أُمِرَ وَقَدْ تَقَبَّلَ اللَّهُ عَمَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنَّ إيمَانَهُ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَالِ الْمُرْجِئَةِ كَمَا كَانَ مِسْعَرُ بْنُ كدام يَقُولُ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِي قَالَ أَحْمَد: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُرْجِئَةِ فَإِنَّ الْمُرْجِئَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ وَهُوَ كَانَ يَقُولُ: هِيَ مِنْ الْإِيمَانِ لَكِنْ أَنَا لَا أَشُكُّ فِي إيمَانِي.
وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَة: أَلَا تَنْهَاهُ عَنْ هَذَا فَإِنَّهُمْ مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ جِنْسِ الْمُنَازَعَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ.
" وَأَمَّا جَهْمٌ " فَكَانَ يَقُولُ: إنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا؛ بَلْ أَحْمَد وَوَكِيعٌ وَغَيْرُهُمَا كَفَّرُوا مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَكِنْ هُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْأَشْعَرِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ؛ وَلَكِنْ قَالُوا مَعَ ذَلِكَ إنَّ كُلَّ مَنْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ وَاسْتَدْلَلْنَا بِتَكْفِيرِ الشَّارِعِ لَهُ عَلَى خُلُوِّ قَلْبِهِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَأَقْوَالِ غَيْرِهِمْ فِي " الْإِيمَانِ ".

وَالْأَصْلُ الَّذِي مِنْهُ نَشَأَ النِّزَاعُ اعْتِقَادُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَظَنُّ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ كَمَا ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ فَهَذَا كَانَ أَصْلَ الْإِرْجَاءِ كَمَا كَانَ " أَصْلُ الْقَدَرِ " عَجْزَهُمْ عَنْ الْإِيمَانِ بِالشَّرْعِ وَالْقَدَرِ جَمِيعًا فَلَمَّا كَانَ هَذَا أَصْلَهُمْ صَارُوا حِزْبَيْنِ.
قَالَتْ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنْ الْإِيمَانِ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ تَرَكَ بَعْضَ الْإِيمَانِ وَإِذَا زَالَ بَعْضُهُ زَالَ جَمِيعُهُ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَكُونُ فِي الْعَبْدِ إيمَانٌ وَنِفَاقٌ فَيَكُونُ أَصْحَابُ الذُّنُوبِ مُخَلَّدِينَ فِي النَّارِ إذْ كَانَ لَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ شَيْءٌ.
وَقَالَتْ " الْمُرْجِئَةُ " - مُقْتَصِدَتُهُمْ وَغُلَاتُهُمْ كالْجَهْمِيَّة - قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَهْلَ الذُّنُوبِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ؛ بَلْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا كَمَا تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ.
وَعَلِمْنَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُفَّارًا مُرْتَدِّينَ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ قَدْ أَمَرَ بِقَطْعِ السَّارِقِ لَا بِقَتْلِهِ وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِجَلْدِ الشَّارِبِ لَا بِقَتْلِهِ فَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ كُفَّارًا مُرْتَدِّينَ لَوَجَبَ قَتْلُهُمْ؛ وَبِهَذَا ظَهَرَ لِلْمُعْتَزِلَةِ ضِعْفُ قَوْلِ الْخَوَارِجِ فَخَالَفُوهُمْ فِي أَحْكَامِهِمْ فِي الدُّنْيَا.
و " الْخَوَارِجُ " لَا يَتَمَسَّكُونَ مِنْ السُّنَّةِ إلَّا بِمَا فَسَّرَ مُجْمَلَهَا دُونَ مَا خَالَفَ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ فَلَا يَرْجُمُونَ الزَّانِيَ وَلَا يَرَوْنَ لِلسَّرِقَةِ

نِصَابًا وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ فَقَدْ يَكُونُ الْمُرْتَدُّ عِنْدَهُمْ نَوْعَيْنِ.
و " أَقْوَالُ الْخَوَارِجِ " إنَّمَا عَرَفْنَاهَا مِنْ نَقْلِ النَّاسِ عَنْهُمْ لَمْ نَقِفْ لَهُمْ عَلَى كِتَابٍ مُصَنَّفٍ كَمَا وَقَفْنَا عَلَى كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَالْكَرَامِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ والسالمية وَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَمَذَاهِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ.
وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى تَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّ النَّاسَ فِي

تَرْتِيبِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ

عَلَى " أَقْسَامٍ ": مِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُهُمْ عَلَى زَمَانِ حُدُوثِهِمْ فَيَبْدَأُ بِالْخَوَارِجِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُهُمْ بِحَسَبِ خِفَّةِ أَمْرِهِمْ وَغِلَظِهِ فَيَبْدَأُ بِالْمُرْجِئَةِ وَيَخْتِمُ بالْجَهْمِيَّة كَمَا فَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ وَنَحْوِهِ وَكَالْخَلَّالِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ وَأَمْثَالِهِمَا وَكَأَبِي الْفَرَجِ المقدسي وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ تَخْتِمُ بالْجَهْمِيَّة؛ لِأَنَّهُمْ أَغْلَظُ الْبِدَعِ وَكَالْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ فَإِنَّهُ بَدَأَ بـ " كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ " وَخَتَمَهُ " بِكِتَابِ التَّوْحِيدِ وَالرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّة ".

وَلَمَّا صَنَّفَ الْكُتَّابُ فِي الْكَلَامِ صَارُوا يُقَدِّمُونَ التَّوْحِيدَ وَالصِّفَاتِ فَيَكُونُ الْكَلَامُ أَوَّلًا مَعَ الْجَهْمِيَّة وَكَذَلِكَ رَتَّبَ أَبُو الْقَاسِمِ الطبري كِتَابَهُ فِي أُصُولِ السُّنَّةِ وَالْبَيْهَقِي أَفْرَدَ لِكُلِّ صِنْفٍ مُصَنَّفًا فَلَهُ مُصَنَّفٌ فِي الصِّفَاتِ وَمُصَنَّفٌ فِي الْقَدَرِ وَمُصَنَّفٌ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَمُصَنَّفٌ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَمُصَنَّفٌ فِي الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَبَسْطُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَن

َّ مَنْشَأَ النِّزَاعِ فِي " الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ " فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ

أَنَّهُمْ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ قَالَ أُولَئِكَ: فَإِذَا فَعَلَ ذَنْبًا زَالَ بَعْضُهُ فَيَزُولُ كُلُّهُ فَيَخْلُدُ فِي النَّارِ فَقَالَتْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُرْجِئَةُ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ يَخْلُدُ فِي النَّارِ وَأَنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا مُرْتَدًّا؛ بَلْ هُوَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا كَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا تَامَّ الْإِيمَانِ لَيْسَ مَعَهُ بَعْضُ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمْ لَا يَتَبَعَّضُ فَاحْتَاجُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْإِيمَانَ شَيْئًا وَاحِدًا يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ فُقَهَاءُ الْمُرْجِئَةِ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَالْقَوْلُ بِاللِّسَانِ فَقَالَتْ الْجَهْمِيَّة بَعْدَ تَصْدِيقِ اللِّسَانِ قَدْ لَا يَجِبُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ أَخْرَسَ أَوْ كَانَ مُكْرَهًا فَاَلَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَقَالَتْ الْمُرْجِئَةُ: الرَّجُلُ إذَا أَسْلَمَ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَفْعَالِ.
وَأَنْكَرَ كُلُّ هَذِهِ الطَّوَائِفِ أَنَّهُ " يَنْقُصُ " وَالصَّحَابَةُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ

أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: هُوَ يَتَفَاضَلُ وَيَتَزَايَدُ وَيُمْسِكُ عَنْ لَفْظِ يَنْقُصُ وَعَنْ مَالِكٍ فِي كَوْنِهِ لَا يَنْقُصُ رِوَايَتَانِ وَالْقُرْآنُ قَدْ نَطَقَ بِالزِّيَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَدَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى نَقْصِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَذَا اللَّفْظُ إلَّا فِي قَوْلِهِ فِي النِّسَاءِ ﴿نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ﴾ وَجَعَلَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا أَنَّهَا إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُصُ.
وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَن

ْ الْإِيمَانَ يَتَفَاضَلُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

مِنْ جِهَةِ أَمْرِ الرَّبِّ وَمِنْ جِهَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ.
أَمَّا " الْأَوَّلُ " فَإِنَّهُ لَيْسَ الْإِيمَانُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ شَخْصٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ هُوَ الْإِيمَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ كُلُّ شَخْصٍ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِمِقْدَارِ مِنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أُمِرُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَأُمِرُوا بِتَرْكِ مَا كَانُوا مَأْمُورِينَ بِهِ كَالْقِبْلَةِ فَكَانَ مِنْ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ الْإِيمَانُ بِوُجُوبِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ صَارَ مِنْ الْإِيمَانِ تَحْرِيمُ اسْتِقْبَالِهِ وَوُجُوبُ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فَقَدْ تَنَوَّعَ الْإِيمَانُ فِي الشَّرِيعَةِ الْوَاحِدَةِ.
و " أَيْضًا " فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَالزَّكَاةُ أَوْ الْجِهَادُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يَعْلَمَ مَا أُمِرَ بِهِ وَيُؤْمِنَ بِأَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مَا لَا يَجِبُ

عَلَى غَيْرِهِ إلَّا مُجْمَلًا وَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْإِيمَانُ الْمُفَصَّلُ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ أَوَّلَ مَا يُسْلِمُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ الْمُجْمَلُ ثُمَّ إذَا جَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِوُجُوبِهَا وَيُؤَدِّيَهَا فَلَمْ يتساو النَّاسُ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَهَذَا مِنْ أُصُولِ غَلَطِ الْمُرْجِئَةِ؛ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ فَقَالُوا: إيمَانُ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَأَفْسَقِ النَّاسِ سَوَاءٌ؛ كَمَا أَنَّهُ إذَا تَلَفَّظَ الْفَاسِقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ كَانَ لَفْظُهُ كَلَفْظِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَان الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ يَتَنَوَّعُ وَيَتَفَاضَلُ وَيَتَبَايَنُونَ فِيهِ تَبَايُنًا عَظِيمًا فَيَجِبُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْبَشَرِ وَيَجِبُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ وَيَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ وَيَجِبُ عَلَى الْأُمَرَاءِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَمَلِ فَقَطْ؛ بَلْ وَمِنْ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ.
فَإِنَّ النَّاسَ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِقْرَارُ الْمُجْمَلُ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ تَفْصِيلَ كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمُوهُ كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالْإِقْرَارِ بِهِ مُفَصَّلًا وَمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ الْأَعْمَالِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ وَمَعْرِفَةُ الْأَمْرِ بِهِ فَمَنْ أُمِرَ بِحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَالْإِيمَانُ بِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ

وَالْعَمَلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ أُمِرَ بِالزَّكَاةِ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَمِنْ الْإِيمَانِ بِذَلِكَ وَالْعَمَلِ بِهِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ إذَا جَعَلَ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ لَيْسَا مِنْ الْإِيمَانِ وَإِنْ جَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ كَانَ أَبْلَغَ فَبِكُلِّ حَالٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلِهَذَا كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَدْ يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ مُجْمَلًا فَإِذَا جَاءَتْ أُمُورٌ أُخْرَى لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا فَيَصِيرُ مُنَافِقًا مِثْلَ طَائِفَةٍ نَافَقَتْ لَمَّا حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ إلَى الْكَعْبَةِ وَطَائِفَةٍ نَافَقَتْ لِمَا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا وَصَفَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ وَذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَقَالَ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: عَرَفُوا ثُمَّ أَنْكَرُوا وَأَبْصَرُوا ثُمَّ عَمُّوا.
فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ أَوَّلًا إيمَانًا مُجْمَلًا ثُمَّ يَأْتِي أُمُورٌ لَا يُؤْمِنُ

بِهَا فَيُنَافِقُ فِي الْبَاطِنِ وَمَا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ الرِّدَّةِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِالنِّفَاقِ مَعَ خَاصَّتِهِ وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ . و " بِالْجُمْلَةِ " فَلَا يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ يَتَبَايَنُ فِيهِ أَحْوَالُ النَّاسِ وَيَتَفَاضَلُونَ فِي إيمَانِهِمْ وَدِينِهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّسَاءِ ﴿نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ﴾ وَقَالَ فِي نُقْصَانِ دِينِهِنَّ: ﴿إنَّهَا إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي﴾ وَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَلَيْسَ هَذَا النَّقْصُ دِينًا لَهَا تُعَاقَبُ عَلَيْهِ لَكِنْ هُوَ نَقْصٌ حَيْثُ لَمْ تُؤْمَرُ بِالْعِبَادَةِ فِي هَذَا الْحَالِ وَالرَّجُلُ كَامِلٌ حَيْثُ أُمِرَ بِالْعِبَادَةِ فِي كُلِّ حَالٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ أُمِرَ بِطَاعَةِ يَفْعَلُهَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا فَهَذَا أَفْضَلُ دِينًا وَإِيمَانًا وَهَذَا الْمَفْضُولُ لَيْسَ بِمُعَاقَبِ وَمَذْمُومٍ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ كَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ بِالتَّطَوُّعَاتِ؛ لَكِنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ بِوَاجِبِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ فِي حَقِّ شَخْصٍ غَيْرِهِ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَوْ تَرَكَهَا بِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِتَرْكِهَا وَذَاكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِتَرْكِهَا وَلَكِنَّ إيمَانَ ذَلِكَ أَكْمَلُ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا﴾ .

فَهَذَا يُبَيِّنُ تَفَاضُلَ الْإِيمَانِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِهِ وَفِي نَفْسِ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَجِبُ التَّصْدِيقُ بِهَا.
و" النَّوْعُ الثَّانِي " هُوَ تَفَاضُلُ النَّاسِ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي الْوَاجِبِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَكِلَاهُمَا مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَهَذَا أَيْضًا يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ فَلَيْسَ إيمَانُ السَّارِقِ وَالزَّانِي وَالشَّارِبِ كَإِيمَانِ غَيْرِهِمْ وَلَا إيمَانُ مَنْ أَدَّى الْوَاجِبَاتِ كَإِيمَانِ مَنْ أَخَلَّ بِبَعْضِهَا كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ دِينُ هَذَا وَبِرُّهُ وَتَقْوَاهُ مِثْلَ دِينِ هَذَا وَبِرِّهِ وَتَقْوَاهُ؛ بَلْ هَذَا أَفْضَلُ دِينًا وَبِرًّا وَتَقْوَى فَهُوَ كَذَلِكَ أَفْضَلُ إيمَانًا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا﴾ وَقَدْ يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ إيمَانٌ وَنِفَاقٌ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ﴾ . وَأَصْلُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَفَاضَلُ؛ بَلْ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ الْعِبَادِ فِيمَا أَوْجَبَهُ الرَّبُّ مِنْ الْإِيمَانِ وَفِيمَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ مِنْ الْأَعْمَالِ فَغَلِطُوا فِي هَذَا وَهَذَا ثُمَّ تَفَرَّقُوا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَصَارَتْ الْمُرْجِئَةُ عَلَى " ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ " فَعُلَمَاؤُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ أَحْسَنُهُمْ

قَوْلًا؛ وَهُوَ أَنْ قَالُوا: الْإِيمَانُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَقَوْلُ اللِّسَانِ.
وَقَالَتْ الْجَهْمِيَّة: هُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ فَقَطْ.
وَقَالَتْ الْكَرَامِيَّةُ هُوَ الْقَوْلُ فَقَطْ.
فَمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ لَكِنْ إنْ كَانَ مُقِرًّا بِقَلْبِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مُكَذِّبًا بِقَلْبِهِ كَانَ مُنَافِقًا مُؤْمِنًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي اخْتَصَّتْ بِهِ الْكَرَامِيَّةُ وَابْتَدَعَتْهُ.
وَلَمْ يَسْبِقْهَا أَحَدٌ إلَى هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ آخِرُ مَا أُحْدِثَ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي الْإِيمَانِ وَبَعْضُ النَّاسِ يُحْكَى عَنْهُمْ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ الْإِيمَانِ مُعَذَّبًا فِي النَّارِ بَلْ يَكُونُ مُخَلَّدًا فِيهَا.
وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ﴿يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ﴾ . وَإِنْ قَالُوا لَا يُخَلَّدُ وَهُوَ مُنَافِقٌ لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْمُنَافِقُونَ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ وَالْمُنَافِقُونَ قَدْ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ . وَقَدْ نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ وَقَالَ لَهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَقَالَ: {وَلَا

تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَإِنْ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قَدْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ سِرًّا فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُؤْمِنًا إذَا تَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَا يَنْقُضُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ رِدَّةٌ عَنْ الْإِيمَانِ.
قِيلَ لَهُمْ: وَلَوْ أَضْمَرُوا النِّفَاقَ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ كَانُوا مُنَافِقِينَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ . وَأَيْضًا قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ﴾ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدٍ: أَنَّ ﴿النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى رِجَالًا وَلَمْ يُعْطِ رَجُلًا.
فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْت فُلَانًا وَفُلَانًا وَتَرَكْت فُلَانًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَ: أَوْ مُسْلِمٌ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا﴾ . وَبَسْطُ الْكَلَامِ

فِي هَذَا لَهُ مَوَاضِعُ أُخَرُ وَقَدْ صَنَّفْت فِي ذَلِكَ مُجَلَّدًا غَيْرَ مَا صَنَّفْت فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَكَلَامُ النَّاسِ فِي هَذَا الِاسْمِ وَمُسَمَّاهُ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهُ قُطْبُ الدِّينِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْقَوْلِ اسْمٌ عُلِّقَ بِهِ السَّعَادَةُ وَالشَّقَاءُ وَالْمَدْحُ وَالذَّمُّ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ أَعْظَمَ مِنْ اسْمِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ؛ وَلِهَذَا سُمِّيَ هَذَا الْأَصْلُ " مَسَائِلَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ " وَقَدْ رَأَيْت لِابْنِ الْهَيْصَمِ فِيهِ مُصَنَّفًا فِي أَنَّهُ قَوْلُ اللِّسَانِ فَقَطْ وَرَأَيْت لِابْنِ الْبَاقِلَانِي فِيهِ مُصَنَّفًا أَنَّهُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ فَقَطْ وَكِلَاهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ وَكِلَاهُمَا يَرُدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ.
و " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ السَّلَفَ كَانَ اعْتِصَامُهُمْ بِالْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ.
فَلَمَّا حَدَثَ فِي الْأُمَّةِ مَا حَدَثَ مِنْ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ صَارَ أَهْلُ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ شِيَعًا.
صَارَ هَؤُلَاءِ عُمْدَتُهُمْ فِي الْبَاطِنِ لَيْسَتْ عَلَى الْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ وَلَكِنْ عَلَى أُصُولٍ ابْتَدَعَهَا شُيُوخُهُمْ عَلَيْهَا يَعْتَمِدُونَ فِي التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ مَا ظَنُّوا أَنَّهُ يُوَافِقُهَا مِنْ الْقُرْآنِ احْتَجُّوا بِهِ وَمَا خَالَفَهَا تَأَوَّلُوهُ؛ فَلِهَذَا تَجِدُهُمْ إذَا احْتَجُّوا بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ لَمْ يَعْتَنُوا بِتَحْرِيرِ دَلَالَتِهِمَا وَلَمْ يَسْتَقْصُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ إذْ كَانَ اعْتِمَادُهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَالْآيَاتُ الَّتِي تُخَالِفُهُمْ يَشْرَعُونَ فِي تَأْوِيلِهَا شُرُوعَ مَنْ قَصَدَ رَدَّهَا كَيْفَ أَمْكَنَ؛

لَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنْ يُفْهَمَ مُرَادَ الرَّسُولِ؛ بَلْ أَنْ يَدْفَعَ مُنَازِعَهُ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِهَا.
وَلِهَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ - كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ كالرَّازِي والآمدي وَابْنِ الْحَاجِبِ - إنَّ الْأُمَّةَ إذَا اخْتَلَفَتْ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ؛ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَحْكَامِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
فَجَوَّزُوا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى الضَّلَالِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَنْزَلَ الْآيَةَ وَأَرَادَ بِهَا مَعْنًى لَمْ يَفْهَمْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ وَلَكِنْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ أَرَادَ مَعْنًى آخَرَ وَهُمْ لَوْ تَصَوَّرُوا هَذِهِ " الْمَقَالَةَ " لَمْ يَقُولُوا هَذَا؛ فَإِنَّ أَصْلَهُمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَلَا يَقُولُونَ قَوْلَيْنِ كِلَاهُمَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَمْ يَقُولُوهُ؛ لَكِنْ قَدْ اعْتَادُوا أَنْ يَتَأَوَّلُوا مَا خَالَفَهُمْ وَالتَّأْوِيلُ عِنْدَهُمْ مَقْصُودُهُ بَيَانُ احْتِمَالٍ فِي لَفْظِ الْآيَةِ بِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِذَلِكَ اللَّفْظِ وَلَمْ يَسْتَشْعِرُوا أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ هُوَ مُبَيِّنٌ لِمُرَادِ الْآيَةِ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى إذَا حَمَلَهَا عَلَى مَعْنًى.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا هَذَا الْمَعْنَى وَالْأُمَّةُ قَبْلَهُمْ لَمْ يَقُولُوا أُرِيدَ بِهَا إلَّا هَذَا أَوْ هَذَا فَقَدْ جَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ الْأُمَّةَ وَأَخْبَرَتْ أَنَّ مُرَادَهُ غَيْرُ مَا أَرَادَهُ؛ لَكِنْ الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ يَتَمَشَّى إذَا كَانَ التَّأْوِيلُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ

حُكْمٍ بِأَنَّهُ مُرَادٌ وَتَكُونُ الْأُمَّةُ قَبْلَهُمْ كُلُّهَا كَانَتْ جَاهِلَةً بِمُرَادِ اللَّهِ ضَالَّةً عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَانْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا مَعْنَى الْآيَةِ؛ وَلَكِنْ طَائِفَةٌ قَالَتْ: يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى وَطَائِفَةٌ قَالَتْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ عَلِمَ الْمُرَادَ فَجَاءَ الثَّالِثُ وَقَالَ: هَاهُنَا مَعْنَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ فَإِذَا كَانَتْ الْأُمَّةُ مِنْ الْجَهْلِ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالضَّلَالِ عَنْ مُرَادِ الرَّبِّ بِهَذِهِ الْحَالِ تَوَجَّهَ مَا قَالُوهُ.
وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَ " الْمَقْصُودُ " أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لَمْ يَصِيرُوا يَعْتَمِدُونَ فِي دِينِهِمْ لَا عَلَى الْقُرْآنِ وَلَا عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ السَّلَفِ؛ فَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ أَكْمَلَ عِلْمًا وَإِيمَانًا وَخَطَؤُهُمْ أَخَفَّ وَصَوَابُهُمْ أَكْثَرَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَكَانَ الْأَصْلُ الَّذِي أَسَّسُوهُ هُوَ مَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا وَصَفَ بِهِ الْمَلَائِكَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ فَوَصَفَهُمْ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُمْ

لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَأَنَّهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ فَلَا يُخْبِرُونَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا غَيْرِ صِفَاتِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَ سُبْحَانَهُ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ؛ فَيَكُونُ خَبَرُهُمْ وَقَوْلُهُمْ تَبَعًا لِخَبَرِهِ وَقَوْلِهِ كَمَا قَالَ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ وَأَعْمَالُهُمْ تَابِعَةٌ لِأَمْرِهِ فَلَا يَعْمَلُونَ إلَّا مَا أَمَرَهُمْ هُوَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِ فَهُمْ مُطِيعُونَ لِأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ.
وَقَدْ وَصَفَ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ مَلَائِكَةَ النَّارِ فَقَالَ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا تَوْكِيدٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَا يَعْصُونَهُ فِي الْمَاضِي وَيَفْعَلُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا وَهَذَا أَنَّ الْعَاصِيَ هُوَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ طَاعَةِ الْأَمْرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِامْتِثَالِ فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ لِعَجْزِهِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا فَإِذَا قَالَ: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ فَإِنَّ الْعَاجِزَ لَيْسَ بِعَاصٍ وَلَا فَاعِلٍ لِمَا أُمِرَ بِهِ وَقَالَ: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى فِعْلِ مَا أُمِرُوا بِهِ فَهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ لَا عَجْزًا وَلَا مَعْصِيَةً.
وَالْمَأْمُورُ إنَّمَا يَتْرُكُ مَا أُمِرَ بِهِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ قَادِرًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا لَا يُرِيدُ الطَّاعَةَ فَإِذَا كَانَ مُطِيعًا يُرِيدُ طَاعَةَ الْآمِرِ وَهُوَ قَادِرٌ وَجَبَ وُجُودُ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ فَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الْمَذْكُورُونَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.

وَقَدْ وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِأَنَّهُمْ ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنِّي إلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ فَالْمَلَائِكَةُ مُصَدِّقُونَ بِخَبَرِ رَبِّهِمْ مُطِيعُونَ لِأَمْرِهِ وَلَا يُخْبِرُونَ حَتَّى يُخْبِرَ وَلَا يَعْمَلُونَ حَتَّى يَأْمُرَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْبَشَرَ لَمْ يَسْمَعُوا كَلَامَ اللَّهِ مِنْهُ؛ بَلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ رَسُولٌ مِنْ الْبَشَرِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقُولُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ مَا بَلَّغَهُمْ عَنْ اللَّهِ وَلَا يَعْمَلُونَ إلَّا بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تفتاتوا عَلَيْهِ بِشَيْءِ حَتَّى يَقْضِيَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ (تُقَدِّمُوا مَعْنَاهُ تَتَقَدَّمُوا وَهُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ وَقَدْ قُرِئَ (يُقَدِّمُوا يُقَالُ: قَدَّمَ وَتَقَدَّمَ كَمَا يُقَالُ: بَيَّنَ وَتَبَيَّنَ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ قَدَّمَ مُتَعَدِّيًا أَيْ قَدَّمَ غَيْرَهُ لَكِنْ هُنَا هُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ فَلَا تُقَدِّمُوا مَعْنَاهُ لَا تَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إلَّا تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ

الرَّسُولُ وَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ بَلْ يَنْظُرُ مَا قَالَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ وَعَمَلُهُ تَبَعًا لِأَمْرِهِ فَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُعَارِضُ النُّصُوصَ بِمَعْقُولِهِ وَلَا يُؤَسِّسُ دِينًا غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَةَ شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ وَالْكَلَامِ فِيهِ نَظَرَ فِيمَا قَالَهُ اللَّهُ وَالرَّسُولُ فَمِنْهُ يَتَعَلَّمُ وَبِهِ يَتَكَلَّمُ وَفِيهِ يَنْظُرُ وَيَتَفَكَّرُ وَبِهِ يَسْتَدِلُّ فَهَذَا أَصْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ لَا يَجْعَلُونَ اعْتِمَادَهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الرَّسُولِ؛ بَلْ عَلَى مَا رَأَوْهُ أَوْ ذَاقُوهُ ثُمَّ إنْ وَجَدُوا السُّنَّةَ تُوَافِقُهُ وَإِلَّا لَمْ يُبَالُوا بِذَلِكَ فَإِذَا وَجَدُوهَا تُخَالِفُهُ أَعْرَضُوا عَنْهَا تَفْوِيضًا أَوْ حَرَّفُوهَا تَأْوِيلًا.
فَهَذَا هُوَ الْفُرْقَانُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ وَالْبِدْعَةِ وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ لَكِنَّ فِيهِمْ مِنْ النِّفَاقِ وَالْبِدْعَةِ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمُوا فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ الرَّسُولَ وَلَوْ عَلِمُوا لَمَا قَالُوهُ لَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ بَلْ نَاقِصِي الْإِيمَانِ مُبْتَدِعِينَ وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَقَصُوا بِهِ.

فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ وَلَا عَدْلٌ بَلْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ إلَّا جَهْلٌ وَظُلْمٌ وَظَنٌّ ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَهُوَ حُقٌّ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَصَوَّرَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي نَقِيضِهِ؛ وَحِينَئِذٍ فَمَنْ اعْتَقَدَ نَقِيضَهُ كَانَ اعْتِقَادُهُ بَاطِلًا وَالِاعْتِقَادُ الْبَاطِلُ لَا يَكُونُ عِلْمًا وَمَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَهُوَ عَدْلٌ لَا ظُلْمَ فِيهِ فَمَنْ نَهَى عَنْهُ فَقَدْ نَهَى عَنْ الْعَدْلِ وَمَنْ أَمَرَ بِضِدِّهِ فَقَدْ أَمَرَ بِالظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ضِدَّ الْعَدْلِ الظُّلْمُ فَلَا يَكُونُ مَا يُخَالِفُهُ إلَّا جَهْلًا وَظُلْمًا ظَنًّا وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْنِ أَحْسَنُهُمَا أَنْ يَكُونَ كَانَ شَرْعًا لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ نُسِخَ وَأَدْنَاهُمَا أَنْ يَكُونَ مَا شُرِعَ قَطُّ؛ بَلْ يَكُونَ مِنْ الْمُبَدَّلِ فَكُلُّ مَا خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِمَّا شَرْعٌ مَنْسُوخٌ وَإِمَّا شَرْعٌ مُبَدَّلٌ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ؛ بَلْ شَرَعَهُ شَارِعٌ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لَكِنَّ هَذَا وَهَذَا قَدْ يَقَعَانِ فِي خَفِيِّ الْأُمُورِ وَدَقِيقِهَا بِاجْتِهَادِ مِنْ أَصْحَابِهَا اسْتَفْرَغُوا فِيهِ

وُسْعَهُمْ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَيَكُونُ لَهُمْ مِنْ الصَّوَابِ وَالِاتِّبَاعِ مَا يَغْمُرُ ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْفَرَائِضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مِثْلُ هَذَا فِي جَلِيِّ الْأُمُورِ وَجَلِيلِهَا؛ لِأَنَّ بَيَانَ هَذَا مِنْ الرَّسُولِ كَانَ ظَاهِرًا بَيْنَهُمْ فَلَا يُخَالِفُهُ إلَّا مَنْ يُخَالِفُ الرَّسُولَ وَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِحَبْلِ اللَّهِ يُحَكِّمُونَ الرَّسُولَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ لَا يَتَقَدَّمُونَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَضْلًا عَنْ تَعَمُّدِ مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مَا كَانَ ظَاهِرًا لَهُمْ وَدَقَّ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مَا كَانَ جَلِيًّا لَهُمْ فَكَثُرَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا فِي السَّلَفِ.
وَإِنْ كَانُوا مَعَ هَذَا مُجْتَهِدِينَ مَعْذُورِينَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ وَيُثِيبُهُمْ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ.
وَقَدْ يَكُونُ لَهُمْ مِنْ الْحَسَنَاتِ مَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُونَ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ لَمْ يَجِدُوا مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لَكِنَّ تَضْعِيفَ الْأَجْرِ لَهُمْ فِي أُمُورٍ لَمْ يُضَعَّفْ لِلصَّحَابَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا أَفْضَلَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا يَكُونُ فَاضِلُهُمْ كَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ؛ فَإِنَّ الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ وَمُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي مُوَالَاةِ الرَّسُولِ وَتَصْدِيقِهِ

وَطَاعَتِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ وَيُوجِبُهُ قَبْلَ أَنْ تَنْتَشِرَ دَعْوَتُهُ وَتَظْهَرَ كَلِمَتُهُ وَتَكْثُرَ أَعْوَانُهُ وَأَنْصَارُهُ وَتَنْتَشِرَ دَلَائِلُ نُبُوَّتِهِ بَلْ مَعَ قِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَثْرَةِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَإِنْفَاقِ الْمُؤْمِنِينَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ أَمْرٌ مَا بَقِيَ يَحْصُلُ مِثْلُهُ لِأَحَدِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ﴾ . وَقَدْ اسْتَفَاضَتْ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِينَ بُعِثْت فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ﴾ فَجُمْلَةُ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ الثَّالِثِ وَالثَّالِثُ أَفْضَلُ مِنْ الرَّابِعِ لَكِنْ قَدْ يَكُونُ فِي الرَّابِعِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ الثَّالِثِ وَكَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ مَعَ الثَّانِي.
وَهَلْ يَكُونُ فِيمَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ المفضولين لَا الْفَاضِلِينَ؟ هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ وَفِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَفْرِضُهَا فِي مِثْلِ مُعَاوِيَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ لَهُ مَزِيَّةُ الصُّحْبَةِ وَالْجِهَادِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُمَرَ لَهُ مَزِيَّةُ فَضِيلَتِهِ مِنْ الْعَدْلِ وَالزُّهْدِ وَالْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
و " الْمَقْصُودُ هُنَا " أَنَّ مَنْ خَالَفَ الرَّسُولَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَّبِعَ الظَّنَّ

وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ . وَقَالَ فِي الَّذِينَ يُخْبِرُونَ عَنْ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ إنَاثٌ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ وَهُمْ جَعَلُوهُمْ إنَاثًا كَمَا قَالَ: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾ وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى عِنْدَ الرَّحْمَنِ ﴿إناثا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ وَهَؤُلَاءِ قَالَ عَنْهُمْ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ﴾ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ وَهُنَاكَ: ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا وَيَدْعُونَهَا فَهُنَاكَ عِبَادَةٌ وَعَمَلٌ بِهَوَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ كَمَا قَالَ: ﴿وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى﴾ ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ الرَّسُولَ لَا يَخْرُجُ عَنْ الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ مَا قَالَهُ وَلَهُ فِيهِ حُجَّةٌ يَسْتَدِلُّ بِهَا كَانَ غَايَتَهُ الظَّنَّ الَّذِي لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا

كَاحْتِجَاجِهِمْ بِقِيَاسِ فَاسِدٍ أَوْ نَقْلٍ كَاذِبٍ أَوْ خِطَابٍ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ وَكَانَ مِنْ إلْقَاءِ الشَّيْطَانِ.
وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ عُمْدَةُ مَنْ يُخَالِفُ السُّنَّةَ بِمَا يَرَاهُ حُجَّةً وَدَلِيلًا أَمَّا أَنْ يَحْتَجَّ بِأَدِلَّةِ عَقْلِيَّةٍ وَيَظُنَّهَا بُرْهَانًا وَأَدِلَّةً قَطْعِيَّةً وَتَكُونَ شُبُهَاتٍ فَاسِدَةً مُرَكَّبَةً مِنْ أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ وَمَعَانٍ مُتَشَابِهَةٍ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ حَقِّهَا وَبَاطِلِهَا كَمَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إنَّمَا يُرَكِّبُ حُجَجَهُ مِنْ أَلْفَاظٍ مُتَشَابِهَةٍ فَإِذَا وَقَعَ الِاسْتِفْسَارُ وَالتَّفْصِيلُ تَبَيَّنَ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ وَهَذِهِ هِيَ الْحُجَجُ الْعَقْلِيَّةُ وَإِنْ تَمَسَّكَ الْمُبْطِلُ بِحُجَجِ سَمْعِيَّةٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ كَذِبًا عَلَى الرَّسُولِ أَوْ تَكُونَ غَيْرَ دَالَّةٍ عَلَى مَا احْتَجَّ بِهَا أَهْلُ الْبُطُولِ فَالْمَنْعُ إمَّا فِي الْإِسْنَادِ وَأَمَّا فِي الْمَتْنِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ وَهَذِهِ الْحُجَّةُ السَّمْعِيَّةُ هَذِهِ حُجَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ.
وَأَمَّا حُجَّةُ أَهْلِ الذَّوْقِ وَالْوَجْدِ وَالْمُكَاشَفَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ فَإِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ مِنْ هَؤُلَاءِ لَهُمْ إلْهَامَاتٌ صَحِيحَةٌ مُطَابِقَةٌ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ﴾ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ اقْتَرِبُوا مِنْ أَفْوَاهِ الْمُطِيعِينَ وَاسْمَعُوا مِنْهُمْ مَا يَقُولُونَ فَإِنَّهَا تُجْلَى لَهُمْ أُمُورٌ صَادِقَةٌ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ

قَالَ: ﴿اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ: {إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ } وَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: أَظُنُّهُ وَاَللَّهِ لِلْحَقِّ يَقْذِفُهُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَسْمَاعِهِمْ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا﴾ وَفِي رِوَايَةٍ ﴿فَبِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي﴾ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ بِالْحَقِّ وَيُبْصِرُ بِهِ.
وَكَانُوا يَقُولُونَ إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ﴾ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ نُورُ الْإِيمَانِ مَعَ نُورِ الْقُرْآنِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْبَعُهُ شَاهِدٌ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ شَهِدَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ بِمِثْلِ مَا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ مِنْ بَيِّنَةِ الْإِيمَانِ وَهَذَا الْقَدْرُ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ حُذَّاقُ النُّظَّارِ لَمَّا تَكَلَّمُوا فِي وُجُوبِ النَّظَرِ وَتَحْصِيلِهِ لِلْعِلْمِ فَقِيلَ لَهُمْ: أَهْلُ التَّصْفِيَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّأَلُّهِ تَحْصُلُ لَهُمْ الْمَعَارِفُ وَالْعُلُومُ الْيَقِينِيَّةُ بِدُونِ النَّظَرِ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ الْمُلَقَّبُ بالكبيري - للرازي وَرَفِيقِهِ وَقَدْ قَالَا لَهُ يَا شَيْخُ بَلَغَنَا أَنَّك تَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ فَقَالَ: نَعَمْ فَقَالَا: كَيْفَ تَعْلَمُ وَنَحْنُ نَتَنَاظَرُ

فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ كُلَّمَا ذَكَرَ شَيْئًا أَفْسَدْته وَكُلَّمَا ذَكَرْت شَيْئًا أَفْسَدَهُ؟ فَقَالَ: - هُوَ وَارِدَاتٌ تَرِدُ عَلَى النُّفُوسِ تَعْجِزُ النُّفُوسُ عَنْ رَدِّهَا فَجَعَلَا يَعْجَبَانِ مِنْ ذَلِكَ وَيُكَرِّرَانِ الْكَلَامَ وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ تَحْصُلَ لَهُ هَذِهِ الْوَارِدَاتُ فَعَلَّمَهُ الشَّيْخُ وَأَدَّبَهُ حَتَّى حَصَلَتْ لَهُ وَكَانَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْنُّفَاةِ.
فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ أَهْلِ الْإِثْبَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَعَلِمَ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ رَأَيْت هَذِهِ الْحِكَايَةَ بِخَطِّ الْقَاضِي نَجْمِ الدِّينِ أَحْمَد بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ المقدسي وَذَكَرَ أَنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرِيَّ حَكَاهَا لَهُ وَكَانَ قَدْ حَدَّثَنِي بِهَا عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ حَتَّى رَأَيْتهَا بِخَطِّهِ وَكَلَامُ الْمَشَايِخِ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرٌ وَهَذَا الْوَصْفُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ جَوَابٌ لَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَعْرِفُونَ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَسَّمُوا الْعِلْمَ إلَى ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ وَالنَّظَرِيُّ مُسْتَنِدٌ إلَى الضَّرُورِيِّ وَالضَّرُورِيُّ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَلْزَمُ نَفْسَ الْمَخْلُوقِ لُزُومًا لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ هَذَا حَدُّ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ.
فَخَاصَّتُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ النَّفْسَ لُزُومًا لَا يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ دَفْعُهُ فَقَالَ لَهُمْ: عِلْمُ الْيَقِينِ عِنْدَنَا هُوَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَهُوَ عِلْمٌ يَلْزَمُ النَّفْسَ لُزُومًا لَا يُمْكِنُهُ مَعَ ذَلِكَ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ وَقَالَ: وَارِدَاتٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مَعَ الْعِلْمِ طُمَأْنِينَةٌ وَسَكِينَةٌ تُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ فَالْوَارِدَاتُ تَحْصُلُ بِهَذَا وَهَذَا وَهَذَا قَدْ أَقَرَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ حُذَّاقِ النُّظَّارِ مُتَقَدِّمِيهِمْ كالكيا الهراسي وَالْغَزَالِيِّ

وَغَيْرِهِمَا - وَمُتَأَخِّرِيهِمْ - كالرَّازِي والآمدي - وَقَالُوا نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنْ يَحْصُلَ لِنَاسِ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ بِمَا يَحْصُلُ لَنَا بِالنَّظَرِ هَذَا لَا نَدْفَعُهُ لَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَالدَّلِيلُ يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ انْتِفَاءُ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ.
قَالُوا: فَإِنْ كَانَ لَوْ دَفَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ لَزِمَ دَفْعُ شَيْءٍ مِمَّا يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ فَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهَذَا هَوَسٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ وَاقِعٌ لَكِنْ يَقَعُ أَيْضًا مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْهُ كَثِيرٌ أَوْ لَا يُمَيِّزُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ كَمَا يَقَعُ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالسَّمْعِيَّةِ.
فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَسْمَعُ خِطَابًا أَوْ يَرَى مَنْ يَأْمُرُهُ بِقَضِيَّةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْخِطَابُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الَّذِي يُخَاطِبُهُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ.
وَرِجَالُ الْغَيْبِ هُمْ الْجِنُّ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ إنْسِيٌّ وَقَدْ يَقُولُ لَهُ: أَنَا الْخَضِرُ أَوْ إلْيَاسُ بَلْ أَنَا مُحَمَّدٌ أَوْ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ أَوْ الْمَسِيحُ أَوْ أَبُو بَكْرٍ أَوْ عُمَرُ أَوْ أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ أَوْ الشَّيْخُ فُلَانٌ مِمَّنْ يُحْسِنُ بِهِمْ الظَّنَّ وَقَدْ يَطِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ أَوْ يَأْتِيهِ بِطَعَامِ أَوْ شَرَابٍ أَوْ نَفَقَةٍ فَيَظُنُّ هَذَا كَرَامَةً؛ بَلْ آيَةً وَمُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ أَوْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ شَيْطَانًا لَبَّسَ عَلَيْهِ فَهَذَا

وَمِثْلُهُ وَاقِعٌ كَثِيرًا أَعْرِفُ مِنْهُ وَقَائِعَ كَثِيرَةً كَمَا أَعْرِفُ مِنْ الْغَلَطِ فِي السَّمْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ.
فَهَؤُلَاءِ يَتَّبِعُونَ ظَنًّا لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَلَوْ لَمْ يَتَقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَتْبَعُ ذَوْقَهُ وَوَجْدَهُ وَمَا يَجِدُهُ مَحْبُوبًا إلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا بَصِيرَةٍ فَيَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِلَا ظَنٍّ وَخِيَارُهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ.
وَهَؤُلَاءِ إذَا طُلِبَ مِنْ أَحَدِهِمْ حُجَّةٌ ذَكَرَ تَقْلِيدَهُ لِمَنْ يُحِبُّهُ مِنْ آبَائِهِ وَأَسْلَافِهِ كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وَإِنْ عَكَسُوا احْتَجُّوا بِالْقَدَرِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ هَذَا وَسَلَّطَنَا عَلَيْهِ فَهُمْ يَعْمَلُونَ بِهَوَاهُمْ وَإِرَادَةِ نُفُوسِهِمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِمْ كَالْمُلُوكِ الْمُسَلَّطِينَ وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ فَيَتَّبِعُونَ أَمْرَ اللَّهِ وَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ لَا يَتَّبِعُونَ إرَادَتَهُمْ وَمَا يُحِبُّونَهُ هُمْ وَيَرْضَوْنَهُ وَأَنْ يَسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ فَيَقُولُونَ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى مَا أُوتُوهُ مِنْ الْقُوَّةِ وَالتَّصَرُّفِ وَالْحَالِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجِدِّ وَقَدْ كَانَ ﴿النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَقِبَ الصَّلَاةِ وَفِي الِاعْتِدَالِ بَعْدَ الرُّكُوعِ: اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ﴾ .

فَالذَّوْقُ وَالْوَجْدُ هُوَ يَرْجِعُ إلَى حُبِّ الْإِنْسَانِ وَوَجْدِهِ بِحَلَاوَتِهِ وَذَوْقِهِ وَطَعْمِهِ وَكُلُّ صَاحِبِ مَحَبَّةٍ فَلَهُ فِي مَحْبُوبِهِ ذَوْقٌ وَوَجْدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسُلْطَانِ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَاحِبُهُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ . وَكَذَلِكَ مَنْ اتَّبَعَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْخِطَابِ أَوْ مَا يَرَاهُ مِنْ الْأَنْوَارِ وَالْأَشْخَاصِ الْغَيْبِيَّةِ وَلَا يَعْتَبِرُ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّمَا يَتَّبِعُ ظَنًّا لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا.
فَلَيْسَ فِي الْمُحَدَّثِينَ الْمُلْهَمِينَ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إنَّهُ قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ مِنْهُمْ﴾ وَقَدْ وَافَقَ عُمَرُ رَبَّهُ فِي عِدَّةِ أَشْيَاءَ وَمَعَ هَذَا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَصِمَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَقْبَلَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ بَلْ يَجْعَلُ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءُ خِلَافُ مَا وَقَعَ لَهُ فَيَرْجِعُ إلَى السُّنَّةِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُبَيِّنُ لَهُ أَشْيَاءَ خَفِيَتْ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ إلَى بَيَانِ

الصِّدِّيقِ وَإِرْشَادِهِ وَتَعْلِيمِهِ كَمَا جَرَى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَيَوْمَ مَاتَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَوْمَ نَاظَرَهُ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُهُ وَتَذْكُرُ الْحُجَّةَ مِنْ الْقُرْآنِ فَيَرْجِعُ إلَيْهَا كَمَا جَرَى فِي مُهُورِ النِّسَاءِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِلْهَامِ وَالْخِطَابِ وَالْمُكَاشَفَةِ لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ مِنْ عُمَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَهُ فِي الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْعَلُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ تَبَعًا لِمَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَخْطَئُوا وَضَلُّوا وَتَرَكُوا ذَلِكَ وَاسْتَغْنَوْا بِمَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ يُغْنِيهِمْ عَنْ اتِّبَاعِ الْعِلْمِ الْمَنْقُولِ.
وَصَارَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ: أَخَذُوا عِلْمَهُمْ مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ وَأَخَذْنَا عِلْمَنَا عَنْ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ فَيُقَالُ لَهُ: أَمَا مَا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ عَنْ الْمَعْصُومِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَوْلَا النَّقْلُ الْمَعْصُومُ لَكُنْت أَنْتَ وَأَمْثَالُك إمَّا مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِمَّا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَمَّا مَا وَرَدَ عَلَيْك فَمِنْ أَيْنَ لَك أَنَّهُ وَحْيٌ مِنْ اللَّهِ؟ وَمِنْ أَيْنَ لَك أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ؟ و" الْوَحْيُ " وَحْيَانِ: وَحْيٌ مِنْ الرَّحْمَنِ وَوَحْيٌ مِنْ الشَّيْطَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي

بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ وَقَدْ كَانَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبَى عُبَيْدٍ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ حَتَّى قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قِيلَ لِأَحَدِهِمَا إنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وَقِيلَ لِلْآخَرِ: إنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَقَالَ ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ . فَهَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْفُرْقَانِ الْإِيمَانِيِّ الْقُرْآنِيِّ النَّبَوِيِّ الشَّرْعِيِّ أَعْظَمَ مِنْ حَاجَةِ غَيْرِهِمْ وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ حِسِّيَّاتٌ يَرَوْنَهَا وَيَسْمَعُونَهَا وَالْحِسِّيَّاتُ يُضْطَرُّ إلَيْهَا الْإِنْسَانُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَمَا قَدْ يَرَى الْإِنْسَانُ أَشْيَاءَ وَيَسْمَعُ أَشْيَاءَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَمَا أَنَّ النُّظَّارَ لَهُمْ قِيَاسٌ وَمَعْقُولٌ وَأَهْلُ السَّمْعِ لَهُمْ أَخْبَارٌ مَنْقُولَاتٌ وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ هِيَ طُرُقُ الْعِلْمِ: الْحِسُّ وَالْخَبَرُ وَالنَّظَرُ وَكُلُّ إنْسَانٍ يَسْتَدِلُّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ؛ لَكِنْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَنْوَاعِ أَغْلَبَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي الدِّينِ وَغَيْرِ الدِّينِ كَالطِّبِّ فَإِنَّهُ تَجْرِبَاتٌ وَقِيَاسَاتٌ وَأَهْلُهُ مِنْهُمْ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ وَالْقِيَاسُ أَصْلُهُ التَّجْرِبَةُ وَالتَّجْرِبَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ قِيَاسٍ؛ لَكِنْ مِثْلَ قِيَاسِ الْعَادِيَّاتِ لَا تُعْرَفُ فِيهِ الْعِلَّةُ وَالْمُنَاسَبَةُ وَصَاحِبُ الْقِيَاسِ مَنْ يَسْتَخْرِجُ الْعِلَّةَ الْمُنَاسِبَةَ وَيُعَلِّقُ الْحُكْمَ بِهَا وَالْعَقْلُ خَاصَّةُ الْقِيَاسِ وَالِاعْتِبَارِ وَالْقَضَايَا الْكُلِّيَّةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ الَّتِي

هِيَ الْأَصْلُ لِيَعْتَبِرَ بِهَا وَالْحِسُّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ صَاحِبِهِ عَقْلٌ وَإِلَّا فَقَدْ يَغْلَطُ.
وَالنَّاسُ يَقُولُونَ: غَلِطَ الْحِسُّ وَالْغَلَطُ تَارَةً مِنْ الْحِسِّ وَتَارَةً مِنْ صَاحِبِهِ؛ فَإِنَّ الْحِسَّ يَرَى أَمْرًا مُعَيَّنًا فَيَظُنُّ صَاحِبُهُ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ فَيُؤْتَى مِنْ ظَنِّهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْعَقْلِ.
وَلِهَذَا النَّائِمُ يَرَى شَيْئًا وَتِلْكَ الْأُمُورُ لَهَا وُجُودٌ وَتَحْقِيقٌ؛ وَلَكِنْ هِيَ خَيَالَاتٌ وَأَمْثِلَةٌ؛ فَلَمَّا عَزَبَ ظَنَّهَا الرَّائِي نَفْسَ الْحَقَائِقِ كَاَلَّذِي يَرَى نَفْسَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ يُكَلِّمُ أَمْوَاتًا وَيُكَلِّمُونَهُ وَيَفْعَلُ أُمُورًا كَثِيرَةً وَهُوَ فِي النَّوْمِ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ نَفْسَهُ الَّذِي يَقُولُ وَيَفْعَلُ لِأَنَّ عَقْلَهُ عَزَبَ عَنْهُ وَتِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي رَآهَا مِثَالُ صُورَتِهِ وَخَيَالُهَا؛ لَكِنْ غَابَ عَقْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْمِثَالَ هُوَ نَفْسُهُ فَلَمَّا ثَابَ إلَيْهِ عَقْلُهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ خَيَالَاتٌ ومثالات، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَغِيبُ عَقْلُهُ بَلْ يَعْلَمُ فِي الْمَنَامِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ وَهَذَا كَاَلَّذِي يَرَى صُورَتَهُ فِي الْمِرْآةِ أَوْ صُورَةَ غَيْرِهِ فَإِذَا كَانَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ ظَنَّ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ هِيَ الشَّخْصُ حَتَّى أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ بِالشَّخْصِ.
وَهَذَا يَقَعُ لِلصِّبْيَانِ وَالْبُلْهِ كَمَا يُخَيَّلُ لِأَحَدِهِمْ فِي الضَّوْءِ شَخْصٌ يَتَحَرَّكُ وَيَصْعَدُ وَيَنْزِلُ فَيَظُنُّونَهُ شَخْصًا حَقِيقَةً وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ خَيَالٌ فَالْحِسُّ إذَا أَحَسَّ حِسًّا صَحِيحًا لَمْ يَغْلَطْ لَكِنْ مَعَهُ عَقْلٌ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ هَذَا الْعَيْنِ وَالْمِثَالِ؛ فَإِنَّ الْعَقْلَ قَدْ عَقَلَ قَبْلَ

هَذَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ مِثَالًا وَقَدْ عَقَلَ لَوَازِمَ الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْهَوَاءِ وَلَا فِي الْمِرْآةِ وَلَا يَكُونُ بَدَنُهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَأَنَّ الْجِسْمَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي مَكَانَيْنِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ مُكَاشَفَاتٌ وَمُخَاطَبَاتٌ يَرَوْنَ وَيَسْمَعُونَ مَا لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَمَا لَا يَكُونُ مَوْجُودًا إلَّا فِي أَنْفُسِهِمْ كَحَالِ النَّائِمِ وَهَذَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَلَكِنْ قَدْ يَرَوْنَ فِي الْخَارِجِ أَشْخَاصًا يَرَوْنَهَا عِيَانًا وَمَا فِي خَيَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ وَيُخَاطِبُهُمْ أُولَئِكَ الْأَشْخَاصُ وَيَحْمِلُونَهُمْ وَيَذْهَبُونَ بِهِمْ إلَى عَرَفَاتٍ فَيَقِفُونَ بِهَا وَإِمَّا إلَى غَيْرِ عَرَفَاتٍ وَيَأْتُوهُمْ بِذَهَبِ وَفِضَّةٍ وَطَعَامٍ وَلِبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَخْرُجُونَ إلَى النَّاسِ وَيَأْتُونَهُمْ أَيْضًا بِمَنْ يَطْلُبُونَهُ مِثْلَ مَنْ يَكُونُ لَهُ إرَادَةٌ فِي امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ فَيَأْتُونَهُ بِذَلِكَ إمَّا مَحْمُولًا فِي الْهَوَاءِ وَإِمَّا بِسَعْيٍ شَدِيدٍ وَيُخْبِرُ أَنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْبَاعِثِ الْقَوِيِّ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُقَامُ مَعَهُ أَوْ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ خِطَابًا وَقَدْ يَقْتُلُونَ لَهُ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ أَوْ يُمَرِّضُونَهُ.
فَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ كَثِيرًا؛ لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَأَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ وَأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِمَا قَالَهُ وَعَمِلَهُ مِنْ السِّحْرِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْجِنِّ وَيَقُولُ: هَذَا كَرَامَةٌ أَكْرَمَنَا بِتَسْخِيرِ الْجِنِّ لَنَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَظُنُّ أُولَئِكَ الْأَشْخَاصَ إلَّا آدَمِيِّينَ أَوْ

مَلَائِكَةً فَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَعْرُوفِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ رِجَالُ الْغَيْبِ وَإِنْ تَسَمَّوْا فَقَالُوا: هَذَا هُوَ الْخَضِرُ وَهَذَا هُوَ إلْيَاسُ وَهَذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَهَذَا هُوَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ أَوْ الشَّيْخُ عَدِيٌّ أَوْ الشَّيْخُ أَحْمَد الرِّفَاعِيُّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ.
فَهُنَا لَمْ يَغْلَطْ لَكِنْ غَلِطَ عَقْلُهُ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ هَذِهِ شَيَاطِينُ تَمَثَّلَتْ عَلَى صُوَرِ هَؤُلَاءِ وَكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَظُنُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الصَّالِحِينَ يَأْتِيهِ فِي الْيَقَظَةِ وَمَنْ يَرَى ذَلِكَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الشَّيْخِ وَهُوَ صَادِقٌ فِي أَنَّهُ إيَّاهُ مَنْ قَالَ إنَّهُ النَّبِيُّ أَوْ الشَّيْخُ أَوْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ لَكِنْ غَلِطَ حَيْثُ ظَنَّ صِدْقَ أُولَئِكَ.
وَاَلَّذِي لَهُ عَقْلٌ وَعِلْمٌ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَارَةً لِمَا يَرَاهُ مِنْهُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ مِثْلَ أَنْ يَأْمُرُوهُ بِمَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَارَةً يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَأْتِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَلَا كَانَ يُخَاطِبُهُمْ مِنْ قَبْرِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا لِي وَتَارَةً يَعْلَمُ أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَقُمْ مِنْ قَبْرِهِ وَأَنَّ رُوحَهُ فِي الْجَنَّةِ لَا تَصِيرُ فِي الدُّنْيَا هَكَذَا.
وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا لِكَثِيرِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَيُسَمُّونَ تِلْكَ الصُّورَةَ رَقِيقَةَ

فُلَانٍ وَقَدْ يَقُولُونَ: هُوَ مَعْنَاهُ تَشَكُّلٌ وَقَدْ يَقُولُونَ: رُوحَانِيَّتُهُ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إذَا مُتّ فَلَا تَدَعُوا أَحَدًا يُغَسِّلُنِي وَلَا فُلَانًا يَحْضُرُنِي فَإِنِّي أَنَا أَغْسِلُ نَفْسِي فَإِذَا مَاتَ رَأَوْهُ قَدْ جَاءَ وَغَسَلَ ذَلِكَ الْبَدَنَ وَيَكُونُ ذَلِكَ جِنِّيًّا قَدْ قَالَ لِهَذَا الْمَيِّتِ إنَّك تَجِيءُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ حَقًّا؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ يَقُولُ لَهُ أُمُورًا وَغَرَضُ الشَّيْطَانِ أَنْ يُضِلَّ أَصْحَابَهُ وَأَمَّا بِلَادُ الْمُشْرِكِينَ كَالْهِنْدِ فَهَذَا كَثِيرًا مَا يَرَوْنَ الْمَيِّتَ بَعْدَ مَوْتِهِ جَاءَ وَفَتَحَ حَانُوتَهُ وَرَدَّ وَدَائِعَ وَقَضَى دُيُونًا وَدَخَلَ إلَى مَنْزِلِهِ ثُمَّ ذَهَبَ وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ الشَّخْصُ نَفْسُهُ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكُونُ فِي جِنَازَةِ أَبِيهِ أَوْ غَيْرِهِ وَالْمَيِّتُ عَلَى سَرِيرِهِ وَهُوَ يَرَاهُ آخِذًا يَمْشِي مَعَ النَّاسِ بِيَدِ ابْنِهِ وَأَبِيهِ قَدْ جُعِلَ شَيْخًا بَعْدَ أَبِيهِ فَلَا يَشُكُّ ابْنُهُ أَنَّ أَبَاهُ نَفْسَهُ هُوَ كَانَ الْمَاشِيَ مَعَهُ الَّذِي رَآهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ شَيْطَانًا وَيَكُونُ مِثْلُ هَذَا الشَّيْطَانِ قَدْ سَمَّى نَفْسَهُ خَالِدًا وَغَيْرَ خَالِدٍ وَقَالَ لَهُمْ إنَّهُ مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ مِنْ الْإِنْسِ الصَّالِحِينَ وَيُسَمُّونَهُ خَالِدًا الْغَيْبِيَّ وَيَنْسُبُونَ الشَّيْخَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ الْخَالِدِيُّ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
فَإِنَّ الْجِنَّ مَأْمُورُونَ وَمَنْهِيُّونَ كَالْإِنْسِ وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ مِنْ الْإِنْسِ إلَيْهِمْ وَإِلَى الْإِنْسِ وَأَمَرَ الْجَمِيعَ بِطَاعَةِ الرُّسُلِ كَمَا قَالَ

تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ وَهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: أَيْ كَثِيرٌ مَنْ أَغْوَيْتُمْ مِنْ الْإِنْسِ وأضللتموهم.
قَالَ البغوي: قَالَ بَعْضُهُمْ: اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ مَا كَانُوا يُلْقُونَ لَهُمْ: مِنْ الْأَرَاجِيفِ وَالسِّحْرِ وَالْكَهَانَةِ وَتَزْيِينُهُمْ لَهُمْ الْأُمُورَ الَّتِي يُهَيِّئُونَهَا وَيَسْهُلُ سَبِيلُهَا عَلَيْهِمْ وَاسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ طَاعَةُ الْإِنْسِ لَهُمْ فِيمَا يُزَيِّنُونَ لَهُمْ مِنْ الضَّلَالَةِ وَالْمَعَاصِي قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ طَاعَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ وَمُوَافَقَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
قَالَ: مَا كَانَ اسْتِمْتَاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ إلَّا أَنَّ الْجِنَّ أَمَرَتْ وَعَمِلَتْ الْإِنْسُ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ هُوَ الصَّحَابَةُ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ اسْتِعَاذَتُهُمْ بِهِمْ وَاسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ أَنْ قَالُوا: قَدْ أَسَرْنَا الْإِنْسَ مَعَ الْجِنِّ حَتَّى عَاذُوا بِنَا فَيَزْدَادُونَ شَرَفًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعِظَمًا فِي نُفُوسِهِمْ وَهَذَا كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾

قُلْت " الِاسْتِمْتَاعُ بِالشَّيْءِ " هُوَ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ فَيَنَالَ بِهِ مَا يَطْلُبُهُ وَيُرِيدُهُ وَيَهْوَاهُ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِمْتَاعُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ كَمَا قَالَ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ وَمِنْ ذَلِكَ الْفَوَاحِشُ كَاسْتِمْتَاعِ الذُّكُورِ بِالذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالْإِنَاثِ.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الِاسْتِمْتَاعُ بِالِاسْتِخْدَامِ وَأَئِمَّةِ الرِّيَاسَةِ كَمَا يَتَمَتَّعُ الْمُلُوكُ وَالسَّادَةُ بِجُنُودِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْأَمْوَالِ كَاللِّبَاسِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وَكَانَ مِنْ السَّلَفِ مَنْ يُمَتِّعُ الْمَرْأَةَ بِخَادِمِ فَهِيَ تَسْتَمْتِعُ بِخِدْمَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُمْتِعُ بِكِسْوَةِ أَوْ نَفَقَةٍ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: أَعْلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ تُجْزِي فِيهَا الصَّلَاةُ.
وَفِي " الْجُمْلَةِ " اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ وَالْجِنِّ بِالْإِنْسِ يُشْبِهُ اسْتِمْتَاعَ الْإِنْسِ بِالْإِنْسِ قَالَ تَعَالَى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْمَوَدَّاتُ الَّتِي كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ وَقَالَ الْخَلِيلُ: ﴿إنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فَالْمُشْرِكُ يَعْبُدُ مَا يَهْوَاهُ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى هُوَ اسْتِمْتَاعٌ مِنْ صَاحِبِهِ بِمَا يَهْوَاهُ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ هَذَا كُلُّهُ.

وَتَارَةً يَخْدِمُ هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ فِي أَغْرَاضِهِمْ وَهَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ فِي أَغْرَاضِهِمْ فَالْجِنُّ تَأْتِيهِ بِمَا يُرِيدُ مِنْ صُورَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ قَتْلِ عَدُوِّهِ وَالْإِنْسُ تُطِيعُ الْجِنَّ فَتَارَةً تَسْجُدُ لَهُ وَتَارَةً تَسْجُدُ لِمَا يَأْمُرُهُ بِالسُّجُودِ لَهُ وَتَارَةً تُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهِ فَيَفْعَلُ بِهِ الْفَاحِشَةَ وَكَذَلِكَ الْجِنِّيَّاتُ مِنْهُنَّ مَنْ يُرِيدُ مِنْ الْإِنْسِ الَّذِي يَخْدِمْنَهُ مَا يُرِيدُ نِسَاءُ الْإِنْسِ مِنْ الرِّجَالِ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي رِجَالِ الْجِنِّ وَنِسَائِهِمْ فَكَثِيرٌ مِنْ رِجَالِهِمْ يَنَالُ مِنْ نِسَاءِ الْإِنْسِ مَا يَنَالُهُ الْإِنْسِيُّ وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالذُّكْرَانِ.
و

َصَرْعُ الْجِنِّ لِلْإِنْسِ هُوَ لِأَسْبَابِ ثَلَاثَةٍ:

تَارَةً يَكُونُ الْجِنِّيُّ يُحِبُّ الْمَصْرُوعَ فَيَصْرَعُهُ لِيَتَمَتَّعَ بِهِ وَهَذَا الصَّرْعُ يَكُونُ أَرْفَقَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَسْهَلَ وَتَارَةً يَكُونُ الْإِنْسِيُّ آذَاهُمْ إذَا بَالَ عَلَيْهِمْ أَوْ صَبَّ عَلَيْهِمْ مَاءً حَارًّا أَوْ يَكُونُ قَتَلَ بَعْضَهُمْ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى وَهَذَا أَشَدُّ الصَّرْعِ وَكَثِيرًا مَا يَقْتُلُونَ الْمَصْرُوعَ وَتَارَةً يَكُونُ بِطَرِيقِ الْعَبَثِ بِهِ كَمَا يَعْبَثُ سُفَهَاءُ الْإِنْسِ بِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ.
وَمِنْ اسْتِمْتَاعِ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ اسْتِخْدَامُهُمْ فِي الْإِخْبَارِ بِالْأُمُورِ الْغَائِبَةِ كَمَا يُخْبَرُ الْكُهَّانُ فَإِنَّ فِي الْإِنْسِ مَنْ لَهُ غَرَضٌ فِي هَذَا؛ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ كُفَّارًا كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ لَمْ تُبَالِ بِأَنْ يُقَالَ: إنَّهُ كَاهِنٌ كَمَا كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ كُهَّانًا وَقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَفِيهَا كُهَّانٌ وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَطْلُبُونَ التَّحَاكُمَ إلَى

الْكُهَّانِ وَكَانَ أَبُو أَبْرَقَ الأسلمي أَحَدَ الْكُهَّانِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ مُسْلِمِينَ لَمْ يُظْهِرْ أَنَّهُ كَاهِنٌ بَلْ يَجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْكَرَامَاتِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْكُهَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَخْدِمُ الْإِنْسِيَّ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ إلَّا لِمَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنْ الْإِنْسِيِّ بِأَنْ يُطِيعَهُ الْإِنْسِيُّ فِي بَعْضِ مَا يُرِيدُهُ إمَّا فِي شِرْكٍ وَإِمَّا فِي فَاحِشَةٍ وَإِمَّا فِي أَكْلِ حَرَامٍ وَإِمَّا فِي قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.
فَالشَّيَاطِينُ لَهُمْ غَرَضٌ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَلَهُمْ لَذَّةٌ فِي الشَّرِّ وَالْفِتَنِ يُحِبُّونَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ وَهُمْ يَأْمُرُونَ السَّارِقَ أَنْ يَسْرِقَ وَيَذْهَبُونَ إلَى أَهْلِ الْمَالِ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْقُوَّةُ الْمَلَكِيَّةُ وَالْبَهِيمِيَّةُ والسبعية والشيطانية فَإِنَّ الْمَلَكِيَّةَ فِيهَا الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالْبَهِيمِيَّةَ فِيهَا الشَّهَوَاتُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ والسبعية فِيهَا الْغَضَبُ وَهُوَ دَفْعُ الْمُؤْذِي وَأَمَّا الشَّيْطَانِيَّةُ فَشَرٌّ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهَا جَلْبُ مَنْفَعَةٍ وَلَا دَفْعُ مَضَرَّةٍ.
وَالْفَلَاسِفَةُ وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ لَا يَعْرِفُونَ هَذِهِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُونَ الشَّهْوَةَ وَالْغَضَبَ وَالشَّهْوَةُ وَالْغَضَبُ خُلِقَا لِمَصْلَحَةِ وَمَنْفَعَةٍ؛ لَكِنَّ الْمَذْمُومَ هُوَ الْعُدْوَانُ فِيهِمَا وَأَمَّا الشَّيْطَانُ فَيَأْمُرُ بِالشَّرِّ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَيُحِبُّ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَ إبْلِيسُ بِآدَمَ لَمَّا وَسْوَسَ لَهُ وَكَمَا

جارٍ التحميل